نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً

العبادي أعاد التوازن إلى العلاقات الخارجية... وتعزيز الانتصار على «داعش» يكون بمعالجة أسباب ظهوره

نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً
TT

نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً

نقلة عسكرية نوعية في العراق تتطلب حذراً

أعظم ما ظفر به العراق من معارك التحرير ضد «داعش» خلال 2017 هو تعاظم قدرات القوات العراقية والتفاف الشعب حولها. وأكبر نكسة ستكون عند زجها في حروب داخلية سببها سيئات الساسة، حروب لا توحّد الشعب، ولا تنصر القضية والوحدة الوطنية، حروب خاسرة مهما كانت نتائجها.
سقوط الموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، كان مرعباً، وصادمًا، فأرتال القوات المسلحة العراقية التي انسحبت كانت تعادل 50 ضعفاً من حيث العدة والعدد مقابل القوة الإرهابية المهاجمة، «داعش» وحده أسقط المدن واحتل 32% من مساحة العراق، وتباهى بذلك، رغم محاولات بعثيين ومجاميع تسمي نفسها «ثوار العشائر» تبنّي المشاركة، لكن الوقت كان كفيلاً بفضح كذبهم.
الدّماء التي أُريقت من أجل التحرير كانت عزيزة وكبيرة، فحسب إحصائيات غير رسمية فإن عدد القتلى في صفوف القوات المسلحة في 1280 يوماً من المعارك تجاوز الـ14 ألف قتيل و53 ألف جريح، ونفقات مالية عسكرية ولوجيستية تجاوزت 7 مليارات دولار، وبلغت خسائر القوات الساندة من الحشد الشعبي والعشائري والمناطقي والأقليات أكثر من 8 آلاف قتيل و12 ألف جريح، بينما بلغ عدد النازحين والمهجّرين 3.4 مليون. وفي صفوف الأهالي والمواطنين اقترب عدد القتلى من 6 آلاف، فيما بلغ عدد الجرحى 20 ألفاً. أما خسائر البنية التحتية فتقدَّر بـ100 مليار دولار.
وطوال فترة احتلاله مناطق واسعة من العراق، كشف «داعش» عن طبيعته الدنيئة باستخدام الأطفال والمدنيين الآخرين دروعاً بشرية وتحويل المستشفيات والمساجد والجامعات والمدارس إلى منشآت لصنع الأسلحة وتخزينها، وقواعد لعملياته الإرهابية. وحسب تقديري فإن فشل الحكومات العراقية السابقة في إدارة ملف العدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، وإدارة التنوع، والتناحر السياسي، وسوء إدارة الأزمات، أوصل العراق إلى احتلال «داعش».

السيستاني في الواجهة بفتواه
في 13 يونيو 2014 زجّت المؤسسة الدينية الشيعية بنفسها في المواجهة مع «داعش» بفتوى «الجهاد الكفائي» التي حمت بغداد من احتلال «داعش»، بعد أن عجز الجيش عن أن يقوم بدوره، وكانت الفتوى حذرة لأنها كانت تخشى وتراقب احتمالية اشتعال فتيل حربٍ طائفية. توسع عدد المتطوعين وبدأ بـ6500 متطوع وانتهى اليوم بـ110 آلاف متطوع شيعي، و30 ألف متطوع سُني عشائري ومناطقي، و12 ألف متطوع من الأقليات الدينية والعرقية في شمال العراق، وأخذ البرلمان العراقي على عاتقه تشريع قانون لـ«هيئة الحشد الشعبي»، ولا تزال الرغبات الدولية بين حلها وأخرى بين دمجها في المؤسسات النظامية، لكن حكومة رئيس الوزراء العبادي ترى تحجيمهم بإصدار تعليمات عسكرية صارمة وتشريع قانونها، وهذا التوجه تؤيده مرجعية علي السيستاني ومقتدى الصدر وعمار الحكيم.
ومنذ إصرار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، أرادت الإدارة الأميركية معاقبته بالإهمال، ونُقل عن مقربين بمكتب القائد العام القوات المسلحة أن المالكي كان يتصل بالبيت الأبيض مرتين كل شهر في عام 2013، يذكر فيهما خطر الجماعات الإرهابية، ويطلب طائرات لقصفها، وإن هذه الجماعات احتمت بالمتظاهرين، لكن أوباما كان يرى أن المالكي يريد أن ينتقم من خصومه السُّنة، ولذلك أبدت الإدارة الأميركية موقفاً بارداً من استغاثات المالكي، مشيرةً إلى أنّ عليه أن يصلح العلاقة مع القيادات السّياسيّة إلى توافق سياسي أولاً، وألمحت إلى ضرورة كسب «ثقة السنّة والكرد». وبدأت انتخابات 2014 قبل سقوط الموصل بشهرين وأُزيح المالكي، عقوبةً على سقوط الموصل رغم استحقاقه الديمقراطية بأحقية ولاية ثالثة لرئاسة الوزراء، وبدأ عهد الدكتور العبادي، نصفه إسلامي ونصفه الآخر ليبرالي، ويعمل على منهج الصبر الاستراتيجي وترتيب المعالجات والأولويات والتعامل بالاحتواء والمسايرة مع الخصوم الأقوياء.

العبادي وتصفية تركة المالكي
في الأعوام الثلاثة الأخيرة، بدأ الكثير من الأحزاب العراقية مراجعة سياساتها تجاه حكومة بغداد. بدأ هذا التوجه في سبتمبر (أيلول) 2014، عندما كُلف العبادي بتشكيل الحكومة، وكان في أوليات برنامجه تحرير المدن من «داعش»، وإصلاح العلاقات السياسية الداخلية والخارجية، وأعطى أوامره بإعادة النظر في شأن المكاتب العسكرية التي أسسها المالكي لإدارة الجيش والشرطة ووجودها في هيكلية الدولة العراقية، وكيف يجب أن تتعامل معها الحكومة الرسمية. تطور البرنامج الحكومي، وأصبحت المنظومة العسكرية العراقية تلملم جراحاتها وتتعاظم قدراتها، وأخذت الثقة في المحافظات السُّنية والكردية ومدن الأقليات تعود بالقوات المسلحة العراقية، وأصبح الناس يقولون عنهم جيش العراق لا جيش المالكي.
وأصبحت مخازن القوات المسلحة العراقية تمتلئ بالكثير من الأسلحة الخاصة بمكافحة الإرهاب عسكرياً، وتزاحمت الدول المصنعة على العراق لعقد صفقات تسليح خاصة ومتطورة، ونجح العراق في إصدار 4 قرارات أممية لدعم حربه على الإرهاب، كما نجح العراق في توفير كل الشروط اللازمة لإخراجه من وصاية البند السابع، وهذا يعد انتصاراً دبلوماسياً كبيراً، فمجلس الأمن يخلص إلى أنه تم تنفيذ جميع التدابير المفروضة بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق بالكامل ويتبنى القرار 1958 (2017) بالإجماع، وأيضاً أصبح العراق جزءاً رئيسياً ومحورياً من منظومة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب وفي 4 ملفات: الملف العسكري، وملف تجفيف منابع تمويل الإرهاب، وملف منع تدفق المهاجرين، وملف مكافحة إعلام وغواية «داعش» وإخوته.
ونجح العبادي في إعادة التوازن إلى العلاقات مع دول الجوار العراقي، وأصلح علاقات العراق مع الملكة العربية السعودية التي أصبحت عرّابة عودة العراق لعمقه العربي، وأيضاً جدد العلاقة مع تركيا ومصر والإمارات العربيّة، وعاد إلى اجتماعات الجامعة العربية، وأسهم في التعاون معها.

التحديات المقبلة
بعد حملة شجاعة دامت 3 سنوات من القتال المركّز، أعلن العبادي، التحرير الكامل لجميع الأراضي العراقية من سيطرة «داعش» في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2017.‏
إن مقياس تحسن الوضع الأمني لا يعود إلى تفسير الإعلام الرسمي، لأنه متحيز ومتفائل بفعل الضوابط القانونية، ولكن المقياس هو ما نلمسه في الواقع الموصلي بعد التحرير من تحسن أمني نسبي، فهو نتيجة لتعاون الأهالي مع الأجهزة الأمنية وبقناعات ذاتية للأهالي.
وعمليات «داعش» الإرهابية في المدن المحررة التي يشنها بين فترة وأخرى انخفضت في نينوى وصلاح الدين والأنبار إلى 95‎%‎ قياساً بشهر أغسطس (آب) وما بعده، وهذا أكبر دليل على التحسن الأمني، وأيضاً تحسن ثقافة تعايش المجتمعات بعد عمليات التحرير ورغبتها الملحة في فرض نموذج المصالحة المجتمعية ولو بالقوة العسكرية.
النقلة العسكرية النوعية التي حققتها القوات المشتركة العراقية جعلت التنظيمات الإرهابية تفكر ألف مرة قبل ارتكاب أي حماقة في احتلال أي شبر من أرض العراق، وأفقدت «داعش» في العراق وسوريا خلال 3 أعوام 42 قائداً مؤسساً من أصل 43، و75 قائداً من الصف الأول من أصل 79، وتم تدمير القيادة الوسطى أكثر من مرة وعددهم 125 قائداً، وأيضاً هلاك 307 قادة ميدانيين، وتدمير 3 جيوش للتنظيم (جيش دابق، وجيش العسرة، وجيش الخلافة)، حيث هلك منهم قرابة 33 ألفاً من أصل 36 ألفاً، وحتى جيش فلول «داعش» الهاربة من معارك العراق وسوريا المسمى «جيش خالد بن الوليد» تم تدميره في المنطقة الشرقية في الجانب السوري.
بالتأكيد، إن تحرير العراق لا يعني نهاية القتال ضد الإرهاب وحتى ضد «داعش» في العراق، وعلى الأمن العراقي أن يستعد لمعركة الاستخبارات والمعلومات، وعلى الإعلام الاستعداد لهزيمة «داعش» في «خلافته الرقمية»، وعلى الجميع أن يكونوا يقظين في مواجهة جميع الآيديولوجيات المتطرفة لمنع عودة «داعش» أو ظهور تهديدات من جماعات إرهابية أخرى.



السوداني يؤكد لروبيو ضرورة عدم استخدام العراق للهجوم على دول المنطقة

محمد شياع السوداني (أ.ب)
محمد شياع السوداني (أ.ب)
TT

السوداني يؤكد لروبيو ضرورة عدم استخدام العراق للهجوم على دول المنطقة

محمد شياع السوداني (أ.ب)
محمد شياع السوداني (أ.ب)

أكّد رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني، في اتصال مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم (الثلاثاء)، ضرورة ضمان عدم استخدام أجواء العراق وأراضيه ومياهه في الهجوم على دول مجاورة، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن بيان رسمي.

وبعيد بدء الهجوم المشترك على طهران صباح 28 فبراير (شباط)، أضحت الأجواء العراقية مسرحاً لأشكال مختلفة من الحرب: غارات جوية على مقار لمجموعات مسلحة موالية لإيران، وهجمات تستهدف المصالح الأميركية، وضربات تشنّها طهران عبر الحدود تستهدف مجموعات كردية معارضة في شمال العراق.

وشكّل العراق على مدى أعوام ساحة لصراع النفوذ بين واشنطن وطهران، وجهدت حكوماته المتعاقبة منذ الغزو الأميركي الذي أطاح نظام صدام حسين في 2003، لتحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع القوتين النافذتين والعدوتين.

ولم تؤكد الولايات المتحدة أو إسرائيل شنّ ضربات على العراق منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، رغم اتهامهما بذلك. في المقابل، تبنّت فصائل عراقية تنفيذ عشرات الهجمات على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، دون تحديد أهدافها.

وشدّد السوداني فجر الثلاثاء، في اتصال مع روبيو، على «أهمية ضمان عدم استخدام الأجواء والأراضي والمياه العراقية في أيّ عمل عسكري يستهدف دول الجوار أو المنطقة».

وأكّد «موقف العراق المبدئي بعدم الدخول في الأعمال العسكرية، مثلما يرفض الزج به في الصراعات الدائرة، ويرفض خرق أجوائه من أيّ جهة كانت».

كذلك أكّد «التزام العراق بحماية البعثات والسفارات والقنصليات الممثلة على أراضيه».

من جهته، قال تومي بيغوت المتحدث باسم وزير الخارجية الأميركي في بيان، إن روبيو «دان بشدة الهجمات الإرهابية التي شنتها إيران والجماعات المسلحة الموالية لها في العراق، بما في ذلك إقليم كردستان العراق».

ولفت إلى أن المسؤولَين العراقي والأميركي «أكّدا أهمية اتخاذ الحكومة العراقية كل التدابير الممكنة لحماية الدبلوماسيين والمنشآت الأميركية».

ومنذ بدء الحرب، استُهدف مطار بغداد الدولي الذي يضمّ قاعدة عسكرية تستضيف فريقاً للدعم اللوجيستي يتبع لسفارة واشنطن، مراراً بهجمات بالمسيّرات والصواريخ. كذلك تصدّت الدفاعات الجوية للسفارة الأميركية في بغداد مساء السبت، لهجوم بالصواريخ.

وتعرّضت حقول نفطية تديرها شركات أجنبية بينها أميركية، للقصف في البصرة بجنوب العراق، وفي إقليم كردستان بشماله.

وشهد هذا الإقليم المتمتع بحكم ذاتي كثيراً من الهجمات. ويستضيف مطار عاصمته أربيل قوات التحالف الدولي لمحاربة المتطرفين الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014. كما تقيم الولايات المتحدة قنصلية ضخمة في الإقليم.


«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.