التنازل عن السيادة «مقابل الاستقرار» عنوان لبنان في 2017

التنازل عن السيادة «مقابل الاستقرار» عنوان لبنان في 2017
TT

التنازل عن السيادة «مقابل الاستقرار» عنوان لبنان في 2017

التنازل عن السيادة «مقابل الاستقرار» عنوان لبنان في 2017

اكتسب عام 2017 في السياسة اللبنانية، صفة عام الصراع على «النأي بالنفس». فالعبارة على كل شفة ولسان، ودخلت قاموس المصطلحات في علم السياسة.المقصود بالنأي بالنفس في الحالة اللبنانية
اتفاق قوى الداخل على ضرورة ابتعادها عن الصراعات الإقليمية، والامتناع عن الاصطفاف في المحاور للحفاظ على الاستقرار الداخلي، وانتظام العمل الحكومي، ولو في حده الأدنى.
الواقع أن معضلة إبعاده عن المحاور، لازمت لبنان منذ نشأته، حيث إن فكرة تحييد لبنان هي فكرة تأسيسية، لا بل مرتكز عقده الاجتماعي المكون لاستقلاله. فالاستقلال هو استقلال عن الخارج أولاً، ومن هنا كانت الدعوات لضرورة التزام أبنائه بفك ارتباطهم بالمشاريع العابرة للحدود مهما كان سحرها ووقعها كبيرا في وجدان البعض، على قاعدة أنه قد ترتاح إليها فئة، انطلاقاً من تجربتها التاريخية كمجموعة أو طائفة أو مذهب، وقد تلاقي هواجس ومخاوف لدى فئة أخرى.
هكذا في منتصف القرن الماضي تبلورت فكرة الشراكة اللبنانية والتي تقضي بتخلي شركاء الداخل عن خيارات الخارج والالتزام بـ«الخيار اللبناني». تخلى مسيحيو لبنان عن الحماية الفرنسية بالتوازي مع تخلي المسلمين عن مشروع القومية العربية المدعوم من قبل القوي البريطانية. والحقيقة أن فرقاء الداخل لم يلتزموا دوماً وبالكامل بمقتضيات العقد المؤسس والقاضي بالابتعاد عن المحاور، وكلما تم الإخلال بالوعد من أحد الفرقاء دخل لبنان فترة اضطراب، بدليل أزمة 1958 على خلفية اصطفاف فئة في المحور الناصري، ولجوء البعض الآخر إلى حلف بغداد للاحتماء من الناصرية. وهكذا دخل البلد في أواخر الستينات انقساماً بين من اصطف إلى جانب السلاح الفلسطيني وفريق حمل السلاح لصد السلاح بعد فشل تسوية اتفاق القاهرة، قبل بدء الحرب الأهلية.
في عام 2005 فتح اللبنانيون صفحة مشرقة في تاريخهم حينما أحيوا الشراكة وانتفضوا على الوصاية السورية على أثر اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. لاقت تلك الانتفاضة قوة دفع دولية مواكبة لها تمثلت - بتحرك عربي أوروبي أميركي من أجل تحييد لبنان عن صراع المحاور وتعزيز مقومات سيادة الدولة اللبنانية، وارتكز على سلة من القرارات الدولية، لا سيما القرار 1559 والـ1680، الصادرة عن مجلس الأمن والداعية لحل الميليشيات ونزع سلاحها. ولكن ما لبث هذا الربيع اللبناني أن تلاشى أمام إصرار فريق من اللبنانيين على الالتصاق بالمحور الإيراني وعلى الإبقاء على السلاح خارج إطار الشرعيتين اللبنانية والأممية المتمثلة بالقرارات المذكورة أعلاه، ولكن أيضاً أمام تلاشي الدعم الدولي وسياسة الانفتاح على إيران التي أطلقتها إدارة أوباما بدءاً من عام 2008، دفعت ثمنها القوى السيادية اللبنانية وثورة الشعب السوري فيما بعد.
دخل حزب الله الساحة السورية وتجاوزها إلى ساحات أخرى. انغماسه في القتال إلى جانب نظام الأسد شكل منذ البداية مادة انقسام داخلي. الجروح التي خلفها نظام الأسد أقله عند فريق كبير من اللبنانيين ما كانت لتندمل بعد. أخذ الصراع في سوريا أبعاداً مذهبية طالت تردداتها العمق اللبناني، لا سيما في العاصمة بيروت وعاصمة الشمال طرابلس. طفا مصطلح «النأي بالنفس» على سطح المشهد السياسي مع وصول حكومة الرئيس ميقاتي عام 2011، حينها بات واضحاً الضرورة الملحة للابتعاد عن نيران الحرب السورية. أتى إعلان بعبدا في عام 2012 مطالباً «بتحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية... وافق على الوثيقة كل الأفرقاء بمن فيها (حزب الله)، إلا أنه عاد وانقلب عليها بعد تغيير موازين القوى العسكرية في الداخل السوري لصالحه».
توالت أزمات الحكم منذ 2005، وتبعتها تسويات، وهي محاولات قادتها، في معظمها، قوى إقليمية ساعية إما إلى دور، أو للدفاع عن موقع وساحة نفوذ في المشرق العربي. والعنوان كما في كل مرة تجنيب لبنان الانزلاق الكامل في أتون الإقليم. لا شك أيضا أن مسألة اللاجئين السوريين شكلت محفزاً أساسيا لتلك الدول، لا سيما الأوروبية منها للدخول على خط تسوية يؤمن الحد الأدنى من الاستقرار ويبعد عنها شبح اللاجئين الذي بات التحدي الأول في داخلها مهددا العقد الأوروبي بالانفراط.
وقد شكلت مسألة النفط في الفترة الأخيرة وتهافت بعض الشركات الأوروبية على هذه السوق الناشئة في المتوسط محفزاً إضافياً للدخول على خط التسويات. فكان لافتاً أن يكون إقرار مرسوم النفط من أول قرارات حكومة التسوية الأخيرة، وتلزيم تكتل شركات توتال - اني - نوفاتك (فرنسية - إيطالية - روسية) أول قرارات «تسوية التسوية»، أي في أول جلسة لمجلس الوزراء بعد عودة الحريري عن استقالته.
لكن تسويات الحد الأدنى لم تعالج النقاط الخلافية العالقة، وعلى رأسها مسألة سلاح حزب الله، وموقع لبنان من الصراعات الدائرة في الإقليم. وعند كل تسوية كان يصار إلى القفز فوق تلك النقاط الخلافية الجوهرية وإغراقها في عبارات فضفاضة زيّنت خطابات القسم والبيانات الوزارية. وفي كل مرة كان «ضرورة الحفاظ على الاستقرار» و«إنقاذ البلد من الفراغ»، عناوين أو مبررات لقادة التسوية في الداخل. وقد يكون أخطر ما في هذه التسويات المنطق الذي تستند إليه، ومفاده أن الاستقرار يقتضي بالتنازل عن السيادة أو تأجيل البحث بالأمور السيادية.
لا شك في أن تسليم أفرقاء الداخل بهذا المنطق سمح بقلب المعادلة الداخلية، فمع التسوية الأخيرة التي أتت بسعد الحريري رئيساً للوزراء، استحوذ الفريق المتحالف مع حزب الله على الأكثرية في السلطة التنفيذية، أي مجلس الوزراء، ولكن هذه المرة مع غطاء المعترضين أنفسهم. ومن خلال القانون الانتخابي الذي كان قوة الدفع الأساسية باتجاه إقراره، قد يتمكن من قلب الأكثرية النيابية لصالحه في مايو (أيار) 2018.
صحيح أنه في عام 2011 أطاح «حزب الله» ومن خلال القمصان السود بحكومة سعد الحريري، وشكل حكومة لون واحد خاضعة كليا لنفوذه. لكن بقيت تلك الحكومة فاقدة لمشروعية سياسية، في الداخل كما في الخارج، في مواجهة تحديات ليس أقلها حالة الركود الاقتصادي الذي بات يهدد بانفجار اجتماعي. والأهم كان فريق «14 آذار»، وهو القوة المناهضة لحزب الله، فرغم أخطائه العديدة كان ما زال قوة معارضة وازنة. أما وقد دخل اليوم أقطابه الأساسيون في تسوية لإنقاذ البلد من «الفراغ»، وارتضوا بأقل من الثلث المعطل داخل مجلس الوزراء، وهو الثلث الذي لم يتخلَّ عنه يوما «حزب الله» عندما كان يشارك في حكومات الوحدة الوطنية، فقد وفروا من حيث يدرون أو لا يدرون، غطاءً للفريق المرتبط مع إيران الغارق في معارك الإقليم، وساهموا في تشتيت القوى السيادية، وإضعاف قدرتها على التأثير، أو حتى على التعطيل. ومع موافقتهم على قانون الانتخاب الذي أتى لصالح «حزب الله»، مددوا لا بل شرعوا مفاعيل التسوية.
خلال العام المنصرم احتدم الصراع في مواجهة إيران وفي ساحات عديدة، بلغت الأمور ذروتها مع بلوغ الصواريخ الباليستية الإيرانية الصنع العمق السعودي. شعارات التسوية مثل «النأي بالنفس» و«إبعاد لبنان» عن الصراعات، بقيت حبراً على ورق وظهرت عاجزة عن حماية لبنان وتحييده.
«حزب الله» استمر في المعارك في سوريا، وصعد من بيروت الحملات الحادة ضد المملكة العربية السعودية ودول الخليج. في المقابل صنفت الأخيرة «حزب الله» منظمة إرهابية وحملته والفريق المتحالف معه مسؤولية التصعيد. مع الفارق أنه في هذه المرة لم يلاقِ الفريق الشريك في التسوية، الذي دخلها بحجة ربط نزاع مع حزب الله، الظروف التخفيفية التي طالما كان يركن إليها لتبرير واقعيته السياسية. حُمل ولو بطريقة غير مباشرة حصته من المسؤولية، كما ظهر من خلال البيان الأخير لوزراء الخارجية العرب حينما أشار إلى حزب الله كشريك في الحكومة اللبنانية. فمرحلة الصبر الاستراتيجي التي عُرفت بها سياسات دول الخليج العربي، ولّت، وتقلص مع انقضائها هامش المساكنة مع حلفاء إيران في الداخل اللبناني.
صحيح أن خيارات تلك القوى المناهضة لحزب الله، التي دخلت معه بشراكة حكومية، محدودة، لكن الصحيح أيضاً أن التسوية الأخيرة في لحظة حرجة، دخلت عشية تحول كبير في السياسات الإقليمية، الأمر الذي أثار اسئلة حول صوابية قرارها لا سيما الاستناد إلى ما قدمته من تنازلات، أكان لجهة حجمها في الحكومة، أو لجهة تسليمه سلفاً بتقليص وجودها في المجلس النيابي المقبل، ويطال سيل التساؤلات دور وإمكانية الفريق الأوروبي الضامن للتسوية الأخيرة. فالأخير غارق في اعتباراته الداخلية، ومقيد بمصالحه الداخلية، بما فيها الاقتصادية والنفطية. بالإضافة إلى أن خياراته وقدرته على حماية التسوية تحدها استعداداته على تحمل الأثمان.
ويبقى السؤال: هل التسوية الأخيرة أمنت الحد الأدنى من الاستقرار، وكانت بالفعل أفضل الممكن، أو كان من الأفضل الانتظار؟ وهل ثمن الاستقرار يتجاوز تعليق مقتضيات السيادة ويذهب في اتجاه تكوين جديد للسلطة وإعادة النظر في الصيغة والدور....؟
انتخابات 2018 لناظرها قريبة.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.