«الباحثات اللبنانيات» مشغولات بلعبة «تسريع الزمن»

كتاب التجمع السنوي صدر بمشاركة ثلاثين باحثاً

عزة سليمان من {تجمع باحثات}  -  نهوند القادري من محررات الكتاب
عزة سليمان من {تجمع باحثات} - نهوند القادري من محررات الكتاب
TT

«الباحثات اللبنانيات» مشغولات بلعبة «تسريع الزمن»

عزة سليمان من {تجمع باحثات}  -  نهوند القادري من محررات الكتاب
عزة سليمان من {تجمع باحثات} - نهوند القادري من محررات الكتاب

عندما يكتب ثلاثون باحثاً/ ة عربياً عن «الزمن»، في مؤلف واحد، مع كل ما يشوب هذا الموضوع تحديداً من مشكلات وارتباكات، فإنه لأمر يستحق الاهتمام والتمعن. إذ ليس أكبر من أزمة تعاطي العربي مع «زمنه» القديم منه والحديث، بل ثمة إحساس دائم، بأن كل ما يلحق بنا هو سوء تفاهم مزمن مع «الزمن»، ومحاولة للحاق به دون جدوى.
الميزة هذه المرة، وفي هذا الكتاب بالذات، الذي يصدره بشكل دوري، «تجمع الباحثات اللبنانيات»، إنه مهجوس بالفعل بسؤال الإخفاق والنجاح، بإعادة فهم علاقتنا بالأحداث، بالأمكنة، بالعمارة، الألم، الشعر، الخبر، المسرح، المهنة، الرغبة، المحرمات، السلطة، الأنوثة، القانون، وحتى الاقتصاد والإنتاج من خلال ماهية علاقتنا بالزمن. غالبية الدراسات تقول في النهاية، مهما اختلفت الأسئلة والمعالجات «فإن كيفية تعاملك مع الزمن، هو الذي يحدد مسارك ومن ثم مآلك».
طبعاً السؤال الذي سيتبادر إلى الأذهان للتو، هو كيف؟
«الثقافة العربية في علاقتها مع الزمن تصادمية، عدائية، لأنها ترى فيه مصدر كل شر، والفراق والمرض والشيخوخة، الفناء، المستقبل مخيف (والله يستر من الجاية). الماضي مصدر حنين وبكاء على الإطلال (رزق الله على أيام زمان)» وكأنما الماضي هو الشيء الوحيد الجميل لكنه انتهى. والحاضر يجب ألا يستغرق فيه الإنسان كي لا ينسى الآخرة». بينما في ثقافة العولمة التي نريد أن نلحق بقطارها فإن «الزمن هو الوقت، هو إدارة الوقت والتخطيط واستشراف المستقبل» تقول فاديا حطيط في معرض دراستها لديوان الشاعر حسن عبد الله المعنون باسم «فرح» الموجه للأطفال. إذ حتى في الكتابة للطفولة ترى الباحثة أن ثمة فرقاً في التعاطي مع الزمن عند حسن عبد الله كشاعر عربي وما نراه في الثقافة الغربية. فهو يكتب للطفولة بمعناها التقليدي ببعدها الرومانسي، كرمز للبراءة والسعادة بحيث «يصبح التفاؤل أمراً جوهرياً» بينما النظرة الغربية تضع صعوبات الطفولة نصب عينيها، وتنشغل بوضع حلول لمعضلات الصغار من أجل مستقبل أفضل.
ليس جديداً أن العربي انشغل طويلاً بالماضي ولا يزال، ولافت المحور المخصص للشهادات الشخصية التي كتبتها كل من إيفلين حمدان، ونازك سابا يارد، وحسام عيتاني، وخاتون سلمى، وكذلك مي جبران، حيث جاءت في غالبيتها متوغلة في العودة إلى ذاكرة عتيقة بحثاً عن الذات. لعل ذاكرتنا كعرب تنحو دائماً باتجاه الأكثر قدماً ولا تجازف في التعاطي مع ما هو أقرب وقد يكون أقل وضوحاً. لسبب ما تذكر ظاهرة حب العودة إلى الماضي البعيد في هذه الشهادات الذاتية، بإصابات ألزهايمر، التي تجعل الإنسان أشد صلة بطفولته وشبابه الأول منه بما هو لصيق به.
فهل نحن أمة مصابة بألزهايمر لشدة ما نحب الماضي ومع ذلك تبقى علاقتنا معه مضطربة. يبدو أننا في المسرح أيضاً كثيرو العودة إلى استرجاع الأحداث حيث تعتمد وطفاء حمادة في دراستها على ثلاثة نصوص وعرضين اثنين، بحيث أن هذه النصوص جميعها «زمنها استرجاعي» وإن كنا بعد اكتمال العرض نرى أزمنة أخرى تدخل على الخط مثل التعاقبي والتكراري والمستقبلي، نتيجة العمل الإخراجي على النص.
حتى في المحور الشيق المخصص لدراسات حول «تسارع الزمن» نجد الباحث محمد الحداد يقول وهو يتحدث عن الانتفاضات العربية في وجه السلطة إن «المسار الثوري سار في اتجاه تسريع التاريخ في تونس ثم مصر فليبيا واليمن، وتوقف بغتة في سوريا، وارتد هذا التراجع وأصبح مساراً عكسياً، إذ أثر سلباً في اليمن، ثم في ليبيا، فمصر، وتونس. كأن الزمن رجع بنا القهقرى». لا بل أخطر من ذلك، يرى الحداد أنه لا يبدو ممكناً تسريع حركة التاريخ من دون عنف. وكما في غالبية دراسات الكتاب، ونظراً للمعارك الكثيرة - وفي كل اتجاه - التي نعيشها، تبقى الأسئلة كثيرة والإجابات مفتوحة، والمستقبل ضبابي. بعد قراءة ممتازة لأحداث «ثورة الياسمين» وامتداداتها العربية، يسأل الحداد: «هل الثورات العربية فاتحة ما بعد الحداثة أم هي استمرار لمعارك داحس والغبراء وصفين والجمل والفتنة الكبرى» مع استحالة الوصول إلى جواب موضوعي بالنسبة له. كذلك يسأل: «هل كان الحراك العربي تسريعاً للزمن أو شللاً مؤقتاً عمّق أزمات المجتمعات العربية ودفعها إلى حركة تدمير ذاتي؟» ويكمل بالقول: «قناعتي الوحيدة هي أن المستقبل مفتوح على أكثر من احتمال، بل على احتمالات قد تكون عسيرة التصور في الوقت الحاضر».
هكذا نفهم أننا حين نخرج من مأزق «الإقامة في الماضي» الذي أدمناه، ونحاول أن نسرع الزمن ونلحق بالقطار فإن الدراسات تتحدث عن اضطراب وقلق وربما عنف كما شهدنا سابقاً. فالدراسات التي حاولت رصد الإعلام مثلاً تأخذنا إلى إجابات متناقضة تعكس صعوبات في التعامل مع الوقت وارتباكاً في السلوك اليومي. ففي الأجوبة على استبيان لدراسة أجرتها نهوند القادري على 55 طالبا وطالبة، في كلية الإعلام، ماستر بحثي، يقول الطلاب في إجابة على طريقة استخدامهم لوسائل التواصل إن 27 في المائة يستخدمونها للمعلومات و23 في المائة للأخبار، و15 في المائة للعمل، و19 في المائة للتسلية و15 في المائة للتواصل. أي عملياً 65 في المائة من الاستخدام يصب في خانة العمل. ومع ذلك فإن أكثر من نصف هؤلاء يفكرون دائماً أو أحياناً في التوقف عن استخدام الإنترنت. وحين يسألون عن السبب فإن نصف الذين أجابوا على الأسئلة قالوا لتجنب هدر الوقت. والمثير أيضاً أنهم حين يسألون هل يجدون في استخدامهم للإنترنت انعكاساً إيجابياً على أدائهم الأكاديمي فإن 30 في المائة فقط تجيب إلى حد كبير، و49 في المائة إلى حد ما، و31 في المائة لا يرون انعكاساً. حين يتعلق الأمر بطلاب كلية الإعلام الذين يبنى عملهم في الأساس على الخبر، تواتر الأحداث، والراهنية بعد أن أصبحت المواقع الصحافية موضة تفوق الصحف وتنافسها، فإن التفكير في الاستغناء عن الإنترنت بنسبة نصف الطلاب المستبينين وعدم إيجاد جدوى بنسبة الثلث في بقاء الاتصال مع العالم، يدل على خلل ما إما في التعاطي مع شبكة الإنترنت أو إدارة الوقت، أو في فهم المهنة التي يفترض أنهم يستعدون لمباشرتها. والمعضلات الثلاث معاً يعتبر عبد الله الزين الحيدري في دراسته «الزمن الاجتماعي والزمن الميدياتيكي» أنها تتسبب في أزمة. ويقول إن مبحث الزمن في الإعلام لم يدرس بالقدر الكافي كما هو الحال في الدراسات العربية النقدية والأدبية والفلسفية. فهل الزمن الإعلامي، الذي نعتمده لنفهم ما يدور حولنا مضطرباً أيضاً، هذا أمر في غاية الخطورة. للاستزادة من هذا الموضوع نجد عند لمى كحال في دراستها «الإنسان المعاصر بين الزمن الاتصالي والزمن الواقعي، أزمنة متداخلة ومتقاطعة» بعض الإيضاحات. فمن خلال دراسة ما يزيد على عشرين حالة، تخلص إلى أننا «نعيش هنا وهناك، في كل مكان في آن معاً، نعيش الآن والأمس، والغد في اللحظة نفسها، وبالتالي نستخلص أن العالم الافتراضي يحتوي بداخله على الأزمنة كلها، وإن كان هناك تحليل مناقض يقول إننا نعيش في اللامكان ونعيش سطوة اللحظة». خلاصتان رئيسيتان مفيدتان عند لمى كحال: أن الوسائل الحديثة أقحمت الواقعي بالافتراضي ووضعت الفرد أمام سيل من اللحظات الحاضرة المتدفقة التي تسير جميعها بموازاة بعضها البعض من دون أن توقف إحداها الأخرى. والخلاصة الثانية هي على عكس ما يقول البعض فإن وسائل التواصل ردمت الهوة بين الأجيال في العالم الافتراضي، بينما لا تزال المسافة كبيرة بين الجيلين في العالم الواقعي. وهو ما يخلق نوعاً من الخلل بين العالمين.
النتائج تبدو موضع إثارة أيضاً في دراسة محمد علي شكر عن تسارع الزمن وتأثر السلطة إذ يجد أن دور وسائل الاتصال في بلادنا من الناحية الإعلامية، لعبت دوراً أسرع بكثير من الذي رأيناه في الدول التي اخترعتها، بسبب ما أحدثته من انتفاضات وتغيرات على مستوى السلطة الحاكمة، وبسبب الاهتمام الشديد من الجيل الشاب بالتقنيات الحديثة، التي أعتقته من «عبودية الإعلام التقليدي الذي فشل في ترويضه». إذا كان من استنتاجات عامة لهذه الدراسات فهي أنها تفسر لماذا يبدو الزمن الماضي أكثر دفئاً وجمالاً وأقرب إلى الهدوء والدعة، فيما خوض غمار حياة تكنولوجية شديدة الحداثة، تبدو فيها الأزمنة مركبة، متداخلة، متصارعة، هو نوع من الجنون.
بيسان طي تقرأ كتاب هارموت روزا «التسارع نقد اجتماعي للوقت» لنكتشف معها ليس فقط أهمية السيطرة على الوقت من أجل عيش أكثر هناءة، وإنما أيضاً أن العالم مشغول بـ«اقتصاد الوقت». الوقت هو المال، هو المحرك وأن «ثقافة الحداثة عنيدة في معارضتها لأساليب تضييع الوقت». ومع روزا وبيسان طي، نلحظ أننا نعاني في العالم العربي من أعراض ضغط الحياة، وشح الوقت وتسارع الإيقاع اليومي، دون أن نلمس عملياً آثاراً إنتاجية فعلية. وهو ما كتبت عنه رفيف صيداوي أيضاً في «الزمن وتقاطعاته من خلال عالم العمل»، وعن أن المهن «تفقد ديمومتها واستقرارها، بخلاف فترة الحداثة، حيث كانت لا تزال المهن تنتقل من الآباء إلى الأبناء. صارت بنى العمل داخل المؤسسة وفي فترة قياسية تشهد تحولات وبإيقاع سريع، بل التغير يطاول شكل العمل نفسه، ونوع المهن، وماهيتها. تأخذنا الدراسات في الكتاب، إلى محاولات فلسفية وسيكولوجية واجتماعية لفهم الزمن، ويغيب في أحيان كثيرة، الزمن بمعناه اليومي الأولي وما يعانيه من فوضى. فأسوأ ما نعاني منه ربما، هو اختلال خط التاريخ، معرفتنا لتتابع الأحداث. إدراكنا لمعنى التعاقب الصحيح للأحداث، ما الذي جرى قبل، وما الذي حدث بعد، وفي أي سياق، وما هي الملابسات. تكفي إعادة توثيق المعلومات حول أي حدث، وقراءته من جديد لتتغير نظرتنا إليه. فغالبية الطلاب الجامعيين العرب لم يكونوا قبل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، يعرفون «نكبة» ولا «نكسة»، ولا يعرفون شيئاً عن اتفاقيات السلام. مع أنه لا هوية لإنسان لا يعرف خط زمنه الشخصي والجماعي. كثيرون كي لا نقول غالبيتنا لا نمتلك رؤية واضحة وحقيقية لخط الزمن الجماعي، لذلك نبقى في الأفكار الهلامية والاختلاقات السياسية، والافتراءات الإعلامية. الزمن أولوية وخط الزمن الذي يوازي الهوية هو جوهر المعرفة.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.