أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»

ترتمي في أحضان دعاة «الإدارة الذاتية» والابتعاد عن فرنسا

أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»
TT

أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»

أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»

عندما تسأل فرنسياً في موسم الشتاء عما يتمناه في زمن تهبط السماء الرمادية الداكنة لتلامس الأرض وتنكب الأمطار وتصفر الرياح، تيقّن أن إجابته ستكون على الأرجح: أريد أن أرى أشعة الشمس، أريد بعض الدفء وأن أرى السماء. وعندما تزيد تطفلك عليه وتسأله: أين ذلك؟ فإن جوابه أحد اثنين: إما الشاطئ اللازوردي، أي الشاطئ الفرنسي المتوسطي، مع مدنه الشهيرة: نيس، أنتيب، كان ومونتي كارلو، أو «جزيرة الجمال» ويعني بها جزيرة كورسيكا الواقعة في خليج جنوى، مقابل الساحل الإيطالي وهي تبعد عن مدينة نيس 332 كلم.
قد لا يعرف القارئ العربي أن كورسيكا، وتحديداً عاصمتها أجاكسيو الجميلة، مسقط رأس أشهر شخصية فرنسية على الإطلاق؛ الإمبراطور نابليون بونابرت الذي وُلد فيها يوم 15 أغسطس (آب) من عام 1769. نابليون ولد فرنسياً لكنه لم يكن يتكلم الفرنسية في منزله بل الإيطالية. ولو كان ميلاده قبل عام واحد لكان إيطالياً، إذ إن الجزيرة الجميلة أصبحت فرنسية في عام 1768 عندما أعطتها جنوى لفرنسا بموجب معاهدة فرساي. عندها كانت كورسيكا جمهورية ديمقراطية تتمتع بدستور أعطى المرأة حق التصويت منذ عام 1755، أي قبل نحو 200 عام من إعطائه للمرأة في فرنسا. ولم تصبح كورسيكا فرنسية إلا بعد معارك طاحنة ضد زعيمها غير المنازع باسكال باولي الذي خسر آخر معاركه مع الجيش الملكي الفرنسي فرحل منفياً إلى بريطانيا. نابليون بونابرت وباسكال باولي، الشخصيتان الأشهر في كورسيكا، يصعب تناسيهما في الجزيرة التي تبلغ مساحتها 8680 كلم مربع.
في الأيام الأخيرة، عادت كورسيكا إلى واجهة الأحداث فرنسياً وأوروبياً بعد أن حققت الأحزاب الداعية إما لإدارة ذاتية أو للانفصال عن فرنسا نصراً انتخابياً تاريخياً بحصولها في الدورة الثانية من الانتخابات المحلية في العاشر من الشهر الحالي، على أكثر من 56 في المائة من الأصوات.
وهذه النتيجة ستمكنها من أن تضع اليد على المجلس التمثيلي من جهة، وعلى المجلس التنفيذي من جهة أخرى. ويبدو هذا الحدث تاريخياً بكل معنى الكلمة، لأنها المرة الأولى في تاريخ الجزيرة الحديث يعطي فيها سكان كورسيكا عن طريق الاقتراع ووفق القواعد الديمقراطية، الأكثرية لتحالف حزبين «قوميين» يتأرجحان ما بين الانفصال التام والناجز عن فرنسا، أو التوصل إلى وضع إدارة ذاتية ذات صلاحيات تامة. الأول يديره جان غي تالاموني، رئيس «المجلس النيابي» المحلي، والثاني يرأسه جيل سيميوني، عمدة مدينة باستيا «ثاني المدن الكورسيكية» وكلاهما خاض الانتخابات المحلية لتشكيل مجلس تمثيلي موحد للجزيرة التي كانت منقسمة إدارياً إلى منطقتين، فضلاً عن صلاحيات إضافية للمجلسين التمثيلي والتنفيذي. وسيبدأ العمل بالوضع الجديد للجزيرة مع انطلاق عام 2018.

على خطى كاتالونيا
بيد أن للحدث أهمية أخرى تعود في جانب منه إلى التوقيت. ذلك أن الانتخابات الكورسيكية جاءت بعد فترة قصيرة على التطورات الدرامية التي شهدتها مقاطعة كاتالونيا الإسبانية التي أرادت قيادتها الانفصال نهائياً عن مدريد والتخلي عن التاج الإسباني وإعلان جمهورية كاتالونيا. وما زال كارلوس بوتشيمون «منفياً» في بروكسل، بعد أن فر من برشلونة عقب قرار الحكومة الإسبانية التي يرأسها اليميني ماريانو راخوي بوضع حد بشكل مؤقت للإدارة الذاتية للمقاطعة المتمردة، لأنها انتهكت النص الدستوري ولم تأخذ بالاعتبار قرار المحكمة الدستورية العليا، وقامت بإجراء استفتاء على الانفصال، بعكس ما تتيحه أحكام الدستور.
وقصة كاتالونيا، المقاطعة الغنية التي سئِمَت من أن تحمل على كاهلها باستمرار عبء المقاطعات الأخرى، باتت معروفة. وهي ببعض وجوهها شبيهة بما تعرفه كورسيكا من حيث استقواء النزعة الانفصالية والرغبة في التحرر من قيود دولة قامت عبر العصور على القهر وعلى نفي التمايز وصهر المكونات في بوتقة واحدة خصوصاً في فرنسا حيث ما يُسمى «الفلسفة اليعقوبية»، ما زالت قائمة وتعني باختصار تغليب المركز على الأطراف ونفي الفوارق لصالح ما يجمع بين المكونات. وبالطبع، ثمة اختلافات أساسية بين فرنسا وإسبانيا. فإسبانيا تعترف بالمناطق التي أعطتها صلاحيات واسعة مع مجالس وإدارات محلية، وهذا ما لم تكن فرنسا تعرفه، أقله في فرنسا «القارية».
وفي أي حال، فإن التجربة الكتالونية حفظها الكورسيكيون عن ظهر قلب، وبالتالي ورغم توقهم للاستقلال، فإنهم يريدون تلافي أخطاء من سبقهم على درب المطالبة بالاستقلال أكان ذلك الاسكوتلنديين أم الكاتالونيين. وباختصار شديد، فإن الفشل الذريع الذي أصاب الخط المتشدد في كاتالونيا مرده إلى أنهم وجدوا أنفسهم وحيدين من غير نصير. فنداءات الاستغاثة التي أطلقها الزعيم الانفصالي باتجاه الاتحاد الأوروبي بقيت من غير جواب. وأجمع الأوروبيون على اعتبار المسألة الكاتالونية شأناً إسبانياً داخلياً لا غير. والاستثناء الوحيد جاء من الحزب الانفصالي الكورسيكي الذي أيد تطلعات كاتالونيا. وكانت النتيجة أن الحكومات الأوروبية والمفوضية ورئاسة المجلس رفضت كلها التعاطي مع الإدارة الكتالونية الذاتية. لذا، فإن مدريد نجحت وبقوة أن تعيد فرض الإدارة الإسبانية المباشرة على المقاطعة المتمردة ورمي القادة الانفصاليين - أو على الأصح من نجحت بوضع اليد عليهم - في السجون أو توجيه الاتهامات لهم، وذلك عن طريق رفع راية العمل بالدستور ولا شيء غير الدستور. غير أن راخوي سارع للإعلان عن الدعوة لانتخابات عامة جديدة سعياً وراء الاستحصال على أكثرية محلية مؤيدة لبقاء كاتالونيا داخل إسبانيا. وجرت هذه الانتخابات المحلية في 21 من الشهر الحالي، وأسفرت عن فوز جديد للأحزاب المؤيدة الانفصال رغم أن الحزب الذي تصدر ترتيب الفائزين يؤيد بقاء الوحدة مع إسبانيا.

كورسيكا المتمردة
كثيرون يعرفون رواية الكاتب الفرنسي بروسبير ميريميه المسماة «كولومبا» والصادرة في الأول من يوليو (تموز) في عام 1840. الكتاب يروي قصة الثأر والمسمى محلياً «فانديتا» بين عائلتين تجران وراءهما أحقاداً مزمنة. وأهمية الرواية أنها تعكس تقاليد كورسيكية وأنماط عيش بعضها ما زال متجذراً في الوقت الحاضر وتعكس خصوصاً الطباع الكورسيكية. فالكورسيكيون متمردون بطبعهم ولا يحبون السلطة ولا يحبون الأجانب أو الغرباء، فالهاربون من وجه العدالة كثر، وقاعدة «الصمت» ما زال معمولاً بها في هذه الجزيرة الواقعة شمال جزيرة سردينيا الإيطالية؛ فعمليات الثأر والتهريب والمشاحنات المحلية وفرض الخوات واللصوصية والتعديات على الأملاك العامة والتعرض للموظفين الحكوميين أو المحليين كثيرة. ويوم الاثنين 18 ديسمبر (كانون الأول)، نجحت الشرطة المحلية في القبض على أحد أبرز الخارجين على القانون واسمه جاك مارياني في مدينة لابول، كما أنها وضعت اليد على دزينة من صغار المهربين واللصوص في الجزيرة ما يدل على استمرار هذه الأعمال وعلى رغبة الدولة في الإمساك بالوضع.
جاءت المطالب الانفصالية لتصب الزيت على النار ولتغذي كره «الفرنسي القاري» فتكاثرت «الليالي الزرقاء» والمقصود منها عمليات التفجير التي كانت تستهدف الفيلات الفخمة للفرنسيين القاريين الذين يعتبرهم جزء من السكان «أجانبَ»، بل يعتبرونهم مسؤولين عن التغيّرات الجذرية التي تضرب المجتمع الكورسيكي وتبعده عن تقاليده وتغيّر البنية الديموغرافية للجزيرة فضلاً عن صورتها الطبيعية بسبب الازدحام السياحي والرغبة في الربح السريع من خلال الإكثار من المشاريع العمرانية... ونما شعور محلي يدفع الكورسيكيين إلى اعتبار أنهم «مهمشون» أو أنهم أصبحوا «غرباء» في بلدهم، وأن لغتهم المحلية تتراجع بل إنها تموت، وغير ذلك من المطالب التي تغذي النزعة الانفصالية، وتدفع ببعض المتهورين إلى اللجوء إلى لغة العنف والرصاص.
واستهدف أصحاب التيار العنيف بشكل خاص الفرنسيين الذين رحلوا من الجزائر مع وبعد الاستقلال. كما أن المهاجرين من أصول عربية وغالبيتهم الساحقة وصلت إلى الجزيرة من بلدان المغرب العربي يعانون من استقواء الشعور المعادي للأجانب، خصوصاً أنهم عرب ومسلمون، فتكاثرت الأعمال العدائية ضدهم ونمت العنصرية التي كانت تصل في غالب الأوقات إلى استخدام العنف الجسدي، واستهداف مصالح هؤلاء التجارية، علماً أن أكثريتهم تعمل في القطاع الزراعي في الجزيرة. ويبدو «غزو» الجزيرة فيما تأتي به أرقام الإحصائيات، وآخرها جرى في عام 2013، وبيّن أن كثيراً من السكان زاد بنسبة 17 في المائة ليبلغ 324 ألف نسمة، والسبب في ذلك الدفق السكاني الذي يصب في «جزيرة الجمال»، ما يدفع أصحاب الخط الاستقلالي إلى الحديث عن «الاستعمار» أو «الاستيطان».

«جبهة تحرير كورسيكا»
هذا الميل إلى العنف أفضى إلى ولادة «جبهة تحرير كورسيكا» الراديكالية الإرهابية. والهدف المعلن للجبهة التي تأسست في عام 1976 الحصول على استقلال كورسيكا بقوة السلاح وبالإرهاب. ونتجت الجبهة عن طريق دمج ثلاث حركات قومية، إحداها ماركسية اشتراكية. وقبل هذا التاريخ وتحديداً في 22 أغسطس من عام 1975، قام مناضلون من «حركة البعث الكورسيكية» التي كان يقودها طبيب معروف، اسمه ادمون سيميوني، باحتلال مزرعة عائدة لمواطن فرنسي قدم إلى الجزيرة من الجزائر. وقدم سيميوني لائحة مطالب لخصها في التالي: «لا نسعى للاستفزاز بل هناك ببساطة رغبة جامحة بتوسيع النضال من أجل تحقيق مطالبنا، ومنها الدفاع عن الوظائف لتكون لسكان الجزيرة والدفاع عن الهوية الثقافية وعودة المنفيين». ولم يتأخر الجيش الفرنسي في إرسال وحداته التي قبضت على المتمردين. لكن الاشتباكات مع المتحصنين في المزرعة والحاملين لأسلحة صيد أدت إلى مقتل اثنين من رجال الدرك. وما بين عامي 1976 و2014، قامت «جبهة تحرير كورسيكا»، على غرار ما قام به الباسك، شمال غربي إسبانيا والجيش الجمهوري الآيرلندي في آيرلندا الشمالية بعمليات إرهابية أشهرها قتل محافظ كورسيكا أرينياك في 6 فبراير عام 1998.
وفي ليلة واحدة من عام 2012 استهدفت «الجبهة» بالديناميت عشرين منزلاً لفرنسيين قاريين. لكن السلطات الفرنسية لم تَلِن قط، رغم أنها لم تستطع منع الاعتداءات ووضع حد للتفجيرات. لكن دعاة الخط العنيف المتصلب أصبحوا أقلية ضئيلة، ووصلوا في عام 2014 إلى قناعة مفادها أن العنف لن يغيّر الأمور.
ولذا، فإن جبهة تحرير كورسيكا أعلنت في 25 يونيو (حزيران) عام 2014 وقف العمل المسلح وتسليم سلاحها والتحول إلى العمل السياسي من غير التخلي عن مطالبها. والجدير بالملاحظة أن جيل سيميوني، زعيم أحد جناحي التحالف الذي فاز في الانتخابات، هو ابن الدكتور ادمون سيميوني الذي كان أول من دعا باتجاه العمل المسلح. والحال أن ابنه لم يعد يطالب بالانفصال عن فرنسا، بل التوصل إلى إدارة ذاتية موسعة في إطار الجمهورية الفرنسية. وفي تفسيره للطريق الطويلة التي قادت التحالف إلى الفوز الواضح في الانتخابات المحلية قال سيميوني في برنامج تلفزيوني إن الكورسيكيين «عاشوا صراعاً مريراً مملوءاً بالمآسي والقتلى من الجانبين»، وإنه «حان الوقت لقلب الصفحة والتركيز على العمل السياسي» الذي أوصل الانفصاليين إلى تسلم مقدرات الجزيرة.

الانفصاليون
غابت المطالب الانفصالية الاستقلالية عن البرنامج الموحد للحركتين اللتين فازتا في الانتخابات بالاستناد إلى برنامج موحد. ويرى تيري دومينيسي، الباحث في الشؤون الكورسيكية والأستاذ في جامعة بوردو، أن «الاستقلال ما زال يراود مخيلة الكورسيكيين لكن رغبتهم الحالية تنصب على الحصول على المزيد من الصلاحيات لإدارة شؤونهم الذاتية»، وهو ما يوفره الوضع الجديد للجزيرة الذي سيصبح نافذاً مع بداية عام 2018.
وأعلن تالاموني، أكثر من مرة وبمناسبة الحملة الانتخابية المحلية، أن الكورسيكيين «لن يطرحوا موضوع الاستفتاء ولن يلجأوا إليه في السنوات العشر المقبلة»، وهذا متفق عليه بين الحركتين اللتين فازتا معاً في إطار التحالف بينهما. لكن، بالمقابل، يريد الحزبان استخدام الولاية الجيدة التي حصلا عليها للمطالبة بمزيد من الصلاحيات بما فيها إمكانية التشريع، ولكن خارج المسائل السيادية. وتمثل اللغة أحد أهم المطالب التي يركز عليها الجانبان.
وبحسب تالاموني الذي من المرجح أن يصبح رئيساً للسلطة التنفيذية في الجزيرة (بمثابة حكومة محلية)، فإن المطلوب أن تكون اللغة الكورسيكية، الأقرب إلى الإيطالية، لغة رسمية إلى جانب اللغة الفرنسية «إذ إن المطلوب ليس وضع حد لتعليم واستخدام الفرنسية بل تحاشي أن تموت اللغة الكورسيكية وسنفعل كل شيء حتى لا تموت».
تشكل مسألة «السجناء السياسيين» من الكورسيكيين أحد أهم المطالب. ويقول المطالبون بها إن «الجبهة الوطنية لتحرير كورسيكا» سلَّمَت سلاحها وتخلت عن العمل السري والمسلح وبالتالي فإن عهداً جددياً بدأ يفترض أن يرافقه صدور قانون عفو عام عن الذين حكموا، وأدينوا وسُجِنوا بسبب المطالب الوطنية.
وبانتظار صدور قانون كهذا، فإن التحالف يطالب بأن ينقل السجناء الكورسيكيون من السجون القائمة في فرنسا القارية إلى سجون في الجزيرة نفسها، الأمر الذي سيسهل للأهالي زيارة أقاربهم ويخفف من الاحتقانات المرتبطة بوجودهم بعيدين عن أهلهم.
وحتى الآن، ما زالت باريس تمانع في الاستجابة للمطلبين معاً، لا بل إن كل العهود التي تعاقبت على الحكم في فرنسا فشلت في إيجاد حلول لـ«المسألة الكورسيكية». وبشكل عام، هناك معارضة فرنسية لانفصال كورسيكا ولكن ثمة تقبلاً لمنح مزيد من الصلاحيات من أجل الإدارة الذاتية.

المعادلة السكانية
يبقى موضوع تغيير المعادلة السكانية في الجزيرة بسبب وصول الوافدين من فرنسا القارية. وينص البرنامج المشترك على إيجاد بطاقة إقامة لهؤلاء، بحيث لا يُسمح لهم بشراء عقارات من أي نوع قبل أن تمر خمس سنوات على إقامتهم في الجزيرة. وليس الغرض فقط الحد من الهجرة بل أيضاً إيقاف ارتفع أسعار العقارات بسبب الطلب المتزايد عليها. لكن حتى الآن، لا تبدو باريس مستعدة للتجاوب مع هذه المطالب إذ تتخوف من أن تصيب الوحدة الوطنية وأن تخلق نوعين من المواطنين. وعقب صدور نتائج الانتخابات المحلية، اتصل رئيس الحكومة إدوار فيليب بتالاموني وسيميوني ودعاهما للاجتماع به. وقبل النظر بلائحة المطالب الجديدة، فإن رئيس الحكومة دعا الكورسيكيين إلى استنفاد ما يوفره لهم النظام الجديد الذي جعل من كورسيكا منطقة واحدة بعد أن كانت من منطقتين قبل طرح مطالب جديدة.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فإن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت صادمة بالنسبة إلى الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار (كانا يتقاسمان تمثيل الجزيرة). والأهم من ذلك أن حزب الرئيس مانويل ماكرون الذي يسيطر على الجمعية الوطنية الفرنسية ويتمتع بأكثرية مريحة حل في المرتبة الرابعة الأمر الذي يبيّن أن الأحزاب التقليدية لم تعد تتلاءم مع متطلبات الكورسيكيين الذين منحوا الأكثرية للمطالبين بمزيد من الإدارة الذاتية في الوقت الحاضر على أن يفتح الملف الانفصالي بعد عشر سنوات.
وحتى يحل هذا التاريخ، ستكون كورسيكا تحت المجهر لمعرفة مدى قدرة إدارتها الجديدة على التعامل مع المسائل الشائكة التي تواجهها والمطالب الصعبة التي تطرحها على طاولة التفاوض مع الحكومة المركزية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.