أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»

ترتمي في أحضان دعاة «الإدارة الذاتية» والابتعاد عن فرنسا

أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»
TT

أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»

أحدث فصول حكاية كورسيكا «المتمردة»

عندما تسأل فرنسياً في موسم الشتاء عما يتمناه في زمن تهبط السماء الرمادية الداكنة لتلامس الأرض وتنكب الأمطار وتصفر الرياح، تيقّن أن إجابته ستكون على الأرجح: أريد أن أرى أشعة الشمس، أريد بعض الدفء وأن أرى السماء. وعندما تزيد تطفلك عليه وتسأله: أين ذلك؟ فإن جوابه أحد اثنين: إما الشاطئ اللازوردي، أي الشاطئ الفرنسي المتوسطي، مع مدنه الشهيرة: نيس، أنتيب، كان ومونتي كارلو، أو «جزيرة الجمال» ويعني بها جزيرة كورسيكا الواقعة في خليج جنوى، مقابل الساحل الإيطالي وهي تبعد عن مدينة نيس 332 كلم.
قد لا يعرف القارئ العربي أن كورسيكا، وتحديداً عاصمتها أجاكسيو الجميلة، مسقط رأس أشهر شخصية فرنسية على الإطلاق؛ الإمبراطور نابليون بونابرت الذي وُلد فيها يوم 15 أغسطس (آب) من عام 1769. نابليون ولد فرنسياً لكنه لم يكن يتكلم الفرنسية في منزله بل الإيطالية. ولو كان ميلاده قبل عام واحد لكان إيطالياً، إذ إن الجزيرة الجميلة أصبحت فرنسية في عام 1768 عندما أعطتها جنوى لفرنسا بموجب معاهدة فرساي. عندها كانت كورسيكا جمهورية ديمقراطية تتمتع بدستور أعطى المرأة حق التصويت منذ عام 1755، أي قبل نحو 200 عام من إعطائه للمرأة في فرنسا. ولم تصبح كورسيكا فرنسية إلا بعد معارك طاحنة ضد زعيمها غير المنازع باسكال باولي الذي خسر آخر معاركه مع الجيش الملكي الفرنسي فرحل منفياً إلى بريطانيا. نابليون بونابرت وباسكال باولي، الشخصيتان الأشهر في كورسيكا، يصعب تناسيهما في الجزيرة التي تبلغ مساحتها 8680 كلم مربع.
في الأيام الأخيرة، عادت كورسيكا إلى واجهة الأحداث فرنسياً وأوروبياً بعد أن حققت الأحزاب الداعية إما لإدارة ذاتية أو للانفصال عن فرنسا نصراً انتخابياً تاريخياً بحصولها في الدورة الثانية من الانتخابات المحلية في العاشر من الشهر الحالي، على أكثر من 56 في المائة من الأصوات.
وهذه النتيجة ستمكنها من أن تضع اليد على المجلس التمثيلي من جهة، وعلى المجلس التنفيذي من جهة أخرى. ويبدو هذا الحدث تاريخياً بكل معنى الكلمة، لأنها المرة الأولى في تاريخ الجزيرة الحديث يعطي فيها سكان كورسيكا عن طريق الاقتراع ووفق القواعد الديمقراطية، الأكثرية لتحالف حزبين «قوميين» يتأرجحان ما بين الانفصال التام والناجز عن فرنسا، أو التوصل إلى وضع إدارة ذاتية ذات صلاحيات تامة. الأول يديره جان غي تالاموني، رئيس «المجلس النيابي» المحلي، والثاني يرأسه جيل سيميوني، عمدة مدينة باستيا «ثاني المدن الكورسيكية» وكلاهما خاض الانتخابات المحلية لتشكيل مجلس تمثيلي موحد للجزيرة التي كانت منقسمة إدارياً إلى منطقتين، فضلاً عن صلاحيات إضافية للمجلسين التمثيلي والتنفيذي. وسيبدأ العمل بالوضع الجديد للجزيرة مع انطلاق عام 2018.

على خطى كاتالونيا
بيد أن للحدث أهمية أخرى تعود في جانب منه إلى التوقيت. ذلك أن الانتخابات الكورسيكية جاءت بعد فترة قصيرة على التطورات الدرامية التي شهدتها مقاطعة كاتالونيا الإسبانية التي أرادت قيادتها الانفصال نهائياً عن مدريد والتخلي عن التاج الإسباني وإعلان جمهورية كاتالونيا. وما زال كارلوس بوتشيمون «منفياً» في بروكسل، بعد أن فر من برشلونة عقب قرار الحكومة الإسبانية التي يرأسها اليميني ماريانو راخوي بوضع حد بشكل مؤقت للإدارة الذاتية للمقاطعة المتمردة، لأنها انتهكت النص الدستوري ولم تأخذ بالاعتبار قرار المحكمة الدستورية العليا، وقامت بإجراء استفتاء على الانفصال، بعكس ما تتيحه أحكام الدستور.
وقصة كاتالونيا، المقاطعة الغنية التي سئِمَت من أن تحمل على كاهلها باستمرار عبء المقاطعات الأخرى، باتت معروفة. وهي ببعض وجوهها شبيهة بما تعرفه كورسيكا من حيث استقواء النزعة الانفصالية والرغبة في التحرر من قيود دولة قامت عبر العصور على القهر وعلى نفي التمايز وصهر المكونات في بوتقة واحدة خصوصاً في فرنسا حيث ما يُسمى «الفلسفة اليعقوبية»، ما زالت قائمة وتعني باختصار تغليب المركز على الأطراف ونفي الفوارق لصالح ما يجمع بين المكونات. وبالطبع، ثمة اختلافات أساسية بين فرنسا وإسبانيا. فإسبانيا تعترف بالمناطق التي أعطتها صلاحيات واسعة مع مجالس وإدارات محلية، وهذا ما لم تكن فرنسا تعرفه، أقله في فرنسا «القارية».
وفي أي حال، فإن التجربة الكتالونية حفظها الكورسيكيون عن ظهر قلب، وبالتالي ورغم توقهم للاستقلال، فإنهم يريدون تلافي أخطاء من سبقهم على درب المطالبة بالاستقلال أكان ذلك الاسكوتلنديين أم الكاتالونيين. وباختصار شديد، فإن الفشل الذريع الذي أصاب الخط المتشدد في كاتالونيا مرده إلى أنهم وجدوا أنفسهم وحيدين من غير نصير. فنداءات الاستغاثة التي أطلقها الزعيم الانفصالي باتجاه الاتحاد الأوروبي بقيت من غير جواب. وأجمع الأوروبيون على اعتبار المسألة الكاتالونية شأناً إسبانياً داخلياً لا غير. والاستثناء الوحيد جاء من الحزب الانفصالي الكورسيكي الذي أيد تطلعات كاتالونيا. وكانت النتيجة أن الحكومات الأوروبية والمفوضية ورئاسة المجلس رفضت كلها التعاطي مع الإدارة الكتالونية الذاتية. لذا، فإن مدريد نجحت وبقوة أن تعيد فرض الإدارة الإسبانية المباشرة على المقاطعة المتمردة ورمي القادة الانفصاليين - أو على الأصح من نجحت بوضع اليد عليهم - في السجون أو توجيه الاتهامات لهم، وذلك عن طريق رفع راية العمل بالدستور ولا شيء غير الدستور. غير أن راخوي سارع للإعلان عن الدعوة لانتخابات عامة جديدة سعياً وراء الاستحصال على أكثرية محلية مؤيدة لبقاء كاتالونيا داخل إسبانيا. وجرت هذه الانتخابات المحلية في 21 من الشهر الحالي، وأسفرت عن فوز جديد للأحزاب المؤيدة الانفصال رغم أن الحزب الذي تصدر ترتيب الفائزين يؤيد بقاء الوحدة مع إسبانيا.

كورسيكا المتمردة
كثيرون يعرفون رواية الكاتب الفرنسي بروسبير ميريميه المسماة «كولومبا» والصادرة في الأول من يوليو (تموز) في عام 1840. الكتاب يروي قصة الثأر والمسمى محلياً «فانديتا» بين عائلتين تجران وراءهما أحقاداً مزمنة. وأهمية الرواية أنها تعكس تقاليد كورسيكية وأنماط عيش بعضها ما زال متجذراً في الوقت الحاضر وتعكس خصوصاً الطباع الكورسيكية. فالكورسيكيون متمردون بطبعهم ولا يحبون السلطة ولا يحبون الأجانب أو الغرباء، فالهاربون من وجه العدالة كثر، وقاعدة «الصمت» ما زال معمولاً بها في هذه الجزيرة الواقعة شمال جزيرة سردينيا الإيطالية؛ فعمليات الثأر والتهريب والمشاحنات المحلية وفرض الخوات واللصوصية والتعديات على الأملاك العامة والتعرض للموظفين الحكوميين أو المحليين كثيرة. ويوم الاثنين 18 ديسمبر (كانون الأول)، نجحت الشرطة المحلية في القبض على أحد أبرز الخارجين على القانون واسمه جاك مارياني في مدينة لابول، كما أنها وضعت اليد على دزينة من صغار المهربين واللصوص في الجزيرة ما يدل على استمرار هذه الأعمال وعلى رغبة الدولة في الإمساك بالوضع.
جاءت المطالب الانفصالية لتصب الزيت على النار ولتغذي كره «الفرنسي القاري» فتكاثرت «الليالي الزرقاء» والمقصود منها عمليات التفجير التي كانت تستهدف الفيلات الفخمة للفرنسيين القاريين الذين يعتبرهم جزء من السكان «أجانبَ»، بل يعتبرونهم مسؤولين عن التغيّرات الجذرية التي تضرب المجتمع الكورسيكي وتبعده عن تقاليده وتغيّر البنية الديموغرافية للجزيرة فضلاً عن صورتها الطبيعية بسبب الازدحام السياحي والرغبة في الربح السريع من خلال الإكثار من المشاريع العمرانية... ونما شعور محلي يدفع الكورسيكيين إلى اعتبار أنهم «مهمشون» أو أنهم أصبحوا «غرباء» في بلدهم، وأن لغتهم المحلية تتراجع بل إنها تموت، وغير ذلك من المطالب التي تغذي النزعة الانفصالية، وتدفع ببعض المتهورين إلى اللجوء إلى لغة العنف والرصاص.
واستهدف أصحاب التيار العنيف بشكل خاص الفرنسيين الذين رحلوا من الجزائر مع وبعد الاستقلال. كما أن المهاجرين من أصول عربية وغالبيتهم الساحقة وصلت إلى الجزيرة من بلدان المغرب العربي يعانون من استقواء الشعور المعادي للأجانب، خصوصاً أنهم عرب ومسلمون، فتكاثرت الأعمال العدائية ضدهم ونمت العنصرية التي كانت تصل في غالب الأوقات إلى استخدام العنف الجسدي، واستهداف مصالح هؤلاء التجارية، علماً أن أكثريتهم تعمل في القطاع الزراعي في الجزيرة. ويبدو «غزو» الجزيرة فيما تأتي به أرقام الإحصائيات، وآخرها جرى في عام 2013، وبيّن أن كثيراً من السكان زاد بنسبة 17 في المائة ليبلغ 324 ألف نسمة، والسبب في ذلك الدفق السكاني الذي يصب في «جزيرة الجمال»، ما يدفع أصحاب الخط الاستقلالي إلى الحديث عن «الاستعمار» أو «الاستيطان».

«جبهة تحرير كورسيكا»
هذا الميل إلى العنف أفضى إلى ولادة «جبهة تحرير كورسيكا» الراديكالية الإرهابية. والهدف المعلن للجبهة التي تأسست في عام 1976 الحصول على استقلال كورسيكا بقوة السلاح وبالإرهاب. ونتجت الجبهة عن طريق دمج ثلاث حركات قومية، إحداها ماركسية اشتراكية. وقبل هذا التاريخ وتحديداً في 22 أغسطس من عام 1975، قام مناضلون من «حركة البعث الكورسيكية» التي كان يقودها طبيب معروف، اسمه ادمون سيميوني، باحتلال مزرعة عائدة لمواطن فرنسي قدم إلى الجزيرة من الجزائر. وقدم سيميوني لائحة مطالب لخصها في التالي: «لا نسعى للاستفزاز بل هناك ببساطة رغبة جامحة بتوسيع النضال من أجل تحقيق مطالبنا، ومنها الدفاع عن الوظائف لتكون لسكان الجزيرة والدفاع عن الهوية الثقافية وعودة المنفيين». ولم يتأخر الجيش الفرنسي في إرسال وحداته التي قبضت على المتمردين. لكن الاشتباكات مع المتحصنين في المزرعة والحاملين لأسلحة صيد أدت إلى مقتل اثنين من رجال الدرك. وما بين عامي 1976 و2014، قامت «جبهة تحرير كورسيكا»، على غرار ما قام به الباسك، شمال غربي إسبانيا والجيش الجمهوري الآيرلندي في آيرلندا الشمالية بعمليات إرهابية أشهرها قتل محافظ كورسيكا أرينياك في 6 فبراير عام 1998.
وفي ليلة واحدة من عام 2012 استهدفت «الجبهة» بالديناميت عشرين منزلاً لفرنسيين قاريين. لكن السلطات الفرنسية لم تَلِن قط، رغم أنها لم تستطع منع الاعتداءات ووضع حد للتفجيرات. لكن دعاة الخط العنيف المتصلب أصبحوا أقلية ضئيلة، ووصلوا في عام 2014 إلى قناعة مفادها أن العنف لن يغيّر الأمور.
ولذا، فإن جبهة تحرير كورسيكا أعلنت في 25 يونيو (حزيران) عام 2014 وقف العمل المسلح وتسليم سلاحها والتحول إلى العمل السياسي من غير التخلي عن مطالبها. والجدير بالملاحظة أن جيل سيميوني، زعيم أحد جناحي التحالف الذي فاز في الانتخابات، هو ابن الدكتور ادمون سيميوني الذي كان أول من دعا باتجاه العمل المسلح. والحال أن ابنه لم يعد يطالب بالانفصال عن فرنسا، بل التوصل إلى إدارة ذاتية موسعة في إطار الجمهورية الفرنسية. وفي تفسيره للطريق الطويلة التي قادت التحالف إلى الفوز الواضح في الانتخابات المحلية قال سيميوني في برنامج تلفزيوني إن الكورسيكيين «عاشوا صراعاً مريراً مملوءاً بالمآسي والقتلى من الجانبين»، وإنه «حان الوقت لقلب الصفحة والتركيز على العمل السياسي» الذي أوصل الانفصاليين إلى تسلم مقدرات الجزيرة.

الانفصاليون
غابت المطالب الانفصالية الاستقلالية عن البرنامج الموحد للحركتين اللتين فازتا في الانتخابات بالاستناد إلى برنامج موحد. ويرى تيري دومينيسي، الباحث في الشؤون الكورسيكية والأستاذ في جامعة بوردو، أن «الاستقلال ما زال يراود مخيلة الكورسيكيين لكن رغبتهم الحالية تنصب على الحصول على المزيد من الصلاحيات لإدارة شؤونهم الذاتية»، وهو ما يوفره الوضع الجديد للجزيرة الذي سيصبح نافذاً مع بداية عام 2018.
وأعلن تالاموني، أكثر من مرة وبمناسبة الحملة الانتخابية المحلية، أن الكورسيكيين «لن يطرحوا موضوع الاستفتاء ولن يلجأوا إليه في السنوات العشر المقبلة»، وهذا متفق عليه بين الحركتين اللتين فازتا معاً في إطار التحالف بينهما. لكن، بالمقابل، يريد الحزبان استخدام الولاية الجيدة التي حصلا عليها للمطالبة بمزيد من الصلاحيات بما فيها إمكانية التشريع، ولكن خارج المسائل السيادية. وتمثل اللغة أحد أهم المطالب التي يركز عليها الجانبان.
وبحسب تالاموني الذي من المرجح أن يصبح رئيساً للسلطة التنفيذية في الجزيرة (بمثابة حكومة محلية)، فإن المطلوب أن تكون اللغة الكورسيكية، الأقرب إلى الإيطالية، لغة رسمية إلى جانب اللغة الفرنسية «إذ إن المطلوب ليس وضع حد لتعليم واستخدام الفرنسية بل تحاشي أن تموت اللغة الكورسيكية وسنفعل كل شيء حتى لا تموت».
تشكل مسألة «السجناء السياسيين» من الكورسيكيين أحد أهم المطالب. ويقول المطالبون بها إن «الجبهة الوطنية لتحرير كورسيكا» سلَّمَت سلاحها وتخلت عن العمل السري والمسلح وبالتالي فإن عهداً جددياً بدأ يفترض أن يرافقه صدور قانون عفو عام عن الذين حكموا، وأدينوا وسُجِنوا بسبب المطالب الوطنية.
وبانتظار صدور قانون كهذا، فإن التحالف يطالب بأن ينقل السجناء الكورسيكيون من السجون القائمة في فرنسا القارية إلى سجون في الجزيرة نفسها، الأمر الذي سيسهل للأهالي زيارة أقاربهم ويخفف من الاحتقانات المرتبطة بوجودهم بعيدين عن أهلهم.
وحتى الآن، ما زالت باريس تمانع في الاستجابة للمطلبين معاً، لا بل إن كل العهود التي تعاقبت على الحكم في فرنسا فشلت في إيجاد حلول لـ«المسألة الكورسيكية». وبشكل عام، هناك معارضة فرنسية لانفصال كورسيكا ولكن ثمة تقبلاً لمنح مزيد من الصلاحيات من أجل الإدارة الذاتية.

المعادلة السكانية
يبقى موضوع تغيير المعادلة السكانية في الجزيرة بسبب وصول الوافدين من فرنسا القارية. وينص البرنامج المشترك على إيجاد بطاقة إقامة لهؤلاء، بحيث لا يُسمح لهم بشراء عقارات من أي نوع قبل أن تمر خمس سنوات على إقامتهم في الجزيرة. وليس الغرض فقط الحد من الهجرة بل أيضاً إيقاف ارتفع أسعار العقارات بسبب الطلب المتزايد عليها. لكن حتى الآن، لا تبدو باريس مستعدة للتجاوب مع هذه المطالب إذ تتخوف من أن تصيب الوحدة الوطنية وأن تخلق نوعين من المواطنين. وعقب صدور نتائج الانتخابات المحلية، اتصل رئيس الحكومة إدوار فيليب بتالاموني وسيميوني ودعاهما للاجتماع به. وقبل النظر بلائحة المطالب الجديدة، فإن رئيس الحكومة دعا الكورسيكيين إلى استنفاد ما يوفره لهم النظام الجديد الذي جعل من كورسيكا منطقة واحدة بعد أن كانت من منطقتين قبل طرح مطالب جديدة.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فإن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت صادمة بالنسبة إلى الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار (كانا يتقاسمان تمثيل الجزيرة). والأهم من ذلك أن حزب الرئيس مانويل ماكرون الذي يسيطر على الجمعية الوطنية الفرنسية ويتمتع بأكثرية مريحة حل في المرتبة الرابعة الأمر الذي يبيّن أن الأحزاب التقليدية لم تعد تتلاءم مع متطلبات الكورسيكيين الذين منحوا الأكثرية للمطالبين بمزيد من الإدارة الذاتية في الوقت الحاضر على أن يفتح الملف الانفصالي بعد عشر سنوات.
وحتى يحل هذا التاريخ، ستكون كورسيكا تحت المجهر لمعرفة مدى قدرة إدارتها الجديدة على التعامل مع المسائل الشائكة التي تواجهها والمطالب الصعبة التي تطرحها على طاولة التفاوض مع الحكومة المركزية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.