كيف يصبح الشباب المنحرف إرهابياً؟

الإرهاب والجريمة المنظمة في عصر «الهجانة»

عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
TT

كيف يصبح الشباب المنحرف إرهابياً؟

عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

يعتقد عالِم الإجرام جان فرنسوا جيرو في كتابه الذي صدر له أخيراً بعنوان «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، أن الإرهاب اليوم يعيش حقبة جديدة استطاعت من خلالها الجريمة المنظمة كسر الحدود القائمة بين عالمها المافيوي والإرهاب. ومن هنا ينطلق الخبير الدولي الفرنسي ليؤكد أن الحدود التقليدية بين الطرفين قد تلاشت تماماً، وأن الانفصال الذي نعيشه اليوم بين الإرهاب والجريمة المنظمة هو في الحقيقة إجرائي، وجاء بعد فترة طويلة كان كل منهما يعيش باعتباره فئة ضيقة، ليجدا نفسيهما اليوم في طفرة غريبة تجسد نوعاً جديداً من الاتصال الشبكي بين الجانبين.
وليس من الغريب أن نجد المقاتلين الماركسيين الثوريين يعيشون من الاتجار بالكوكايين، بينما المجموعات القومية المسلحة تدعم وتمارس أعمال اللصوصية، كما تحول رجال العصابات إلى الإرهاب المتطرف. كل ما سبق يؤكد أننا في حقبة جديدة أطلق عليها مستشار التنسيق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب (المتصل بالرئاسة الفرنسية) جان فرنسوا جيرو «التهجين»، مما يفيد بأن التشابك والاختلاط بين الجريمة المنظمة والإرهاب أصبح قاعدة، وأن كل منهما محفز للآخر، وأن تفسير أسباب انتشار أحدهما بمعزل عن تطور الآخر لا يقدم تحليلاً علمياً لما نعيشه من تهديد كبير للاستقرار والسلم العالمي.
في هذا السياق التبادلي المعقد بين الجريمة والإرهاب، يمكن فهم الانتقال السلس للشباب من عالم الجريمة إلى حضن الجماعات الإرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش»، كما يمكننا هذا التحول الجديد من تفسير ظهور الميليشيات على سطح الأحداث السياسية لمناطق التوتر الدولي، فبشكل مفاجئ ظهرت قوى غير نظامية مقاتلة، مع نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والغرب.
واليوم، فرض فاعل جديد نفسه في ساحة القتال المسلح، وتميز بأنه لا يخضع للجيوش الوطنية، وهو يعبر عن نفسه عبر تنظيمات معقدة التركيب ولها دهاء كبير، وتوحدها خاصية «الهجانة»، بمعنى المزج بين النشاط السياسي وممارسات العصابات.
وتبعاً لذلك، يجب أن نستغرب كون الشباب المنحرف والمحترف للجريمة المنظمة يمارسون الإرهاب بالغطاء الديني المزيف، ذلك أن «الفاعلين السياسيين»، مثل الإرهاب أو الميليشيات، وكذا الجهات الفاعلة في «القانون العام»، مثل العصابات أو الكارتلات أو المافيا، الذين عاشوا بالأمس انفصالاً حقيقياً، في الفضاءات العامة بفعل منطق الحرب الباردة، وجدوا أنفسهم، فجأة، على مسرح موحد لهم هو «العنف المفترس».
لم يكن هذا ليحدث لولا قدرة كل من الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية على تجنيد الشباب، غير أن التجنيد نفسه يعيش على الاقتيات من الظروف التي أنتجتها العولمة بعد الحرب الباردة، كما ينتعش التجنيد في مناطق التوتر والصراعات الأهلية الدينية والسياسية، وهذا هو سرّ تنامي دور الميليشيات والتنظيمات الإرهابية على المستوى الدولي.
لقد أصبح العنف اليوم معتقداً ذا وجهين، مثل الإله يانوس بيفرون. وهذا التطور الذي انخرطت فيه الجريمة والإرهاب مسلحين بجيش من الشباب المتعدد الجنسيات، والأحوال الاجتماعية، والطوائف والمهارات العلمية والنوازع الآيديولوجية، جعل الخبير جان فرنسوا جيرو يقترح اعتماد شبكة جديدة جذرياً لتحليل العنف ما بعد الحرب الباردة، على اعتبار أن التحولات الجوهرية التي حدثت على ساحة العنف السياسي والإجرامي تشكل طفرة غير مسبوقة من حيث تجنيد الشباب، ومن حيث القدرة الفائقة على التعاون والاتصال بين عالم الجريمة والإرهاب، وعليه، فلم يعد من المقبول علمياً، وواقعياً، اليوم، الحديث عنهما باعتبارهما فضاءين منفصلين، كما كانا قبل سنوات مضت.
فنظرية «الهجانة» التي يطرحها جيرو اليوم باعتبارها نظرية علمية تفسر التداخل بين الجريمة والإرهاب، تجد في الأحداث الإرهابية التي ضربت كلاً من فرنسا وبلجيكا سنتي 2015 و2016 سندها الكبير، بل يمكن القول إن هذه الموجة من الهجمات هي مثال لتطبيق هذه النظرية. فماذا حدث فعلاً؟ إن الذي وقع، هو أن لجميع الشباب مرتكبي هذه الهجمات تقريباً تاريخاً من الإجرام قبل اللجوء إلى الإرهاب، وقد سُجلت ضد مجملهم جرائم، وتحتفظ الشرطة الفرنسية والبلجيكية بسجلات هؤلاء الشباب المتطرفين باعتبارهم مجرمين، لكنهم فاجأوا الجهات الأمنية بقفزهم وبسلاسة، في وقت وجيز، من عالم الإجرام إلى تنفيذ أعمال إرهابية وحشية.
أكثر من ذلك، عندما نرجع بالبحث والتقصي العلمي للبيانات الاجتماعية، والمسار الفردي للإرهابيين، نجد أن التحول من مجرم إلى إرهابي، ليس حالة معزولة وشاذة ووليدة ظروف معينة. بل تجد أن الهجانة كما تطرح هنا لها قوة تفسيرية قوية وتتجاوز غيرها من النظريات التفسيرية المعاصرة التي عالجت ظاهرة الإرهاب المعاصر بشقه الميليشياوي والتنظيمي الديني. فالشباب الذين تحولوا إلى إرهابيين لم يكونوا ممن تلقى تعليماً عالياً، ولا هم من الطبقة الميسورة، بل هم من المهمشين والمنبوذين اجتماعياً الذين يهاجمون مقرات الشرطة ويمارسون السرقة والاتجار في المخدرات وغيرها.
وهؤلاء الشباب في الواقع، ومن الناحية الذهنية، هم أقرب لأعضاء عصابات شوارع لوس أنجليس، أو أعضاء في فرق موسيقى الهيب هوب العنيفة المعروفة عند العصابات الأميركية، وهم في المقابل أبعد عن ذهنية خريجي الأزهر بالقاهرة.
في هذا الإطار يجب فهم «الهجرة المعاكسة» التي أدت لاستقبال تنظيم داعش لأكثر من 40 ألف مقاتل شاب من 110 دول في سنة 2014، أما الإنتربول فقد أفاد في سبتمبر (أيلول) 2017 بأنه تأكد من أن 19000 شخص انضموا إلى «داعش». ولم يكن هذا العدد ليصل للعراق وسوريا لولا التداخل والتشابك الكبير بين التنظيمات المافيوية والإرهاب، واستغلالها لوسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الهجرة غير الشرعية الدولية.
وبحسب التقرير الذي أعده منسق الاتحاد الأوروبي لقضايا الإرهاب، جيل دو كيرشوف، نهاية 2016م، فإن إجمالي المقاتلين الأوروبيين الداعشيين نحو 2500 مقاتل. وبحسب المرجع ذاته، فقد قتل منهم 15 إلى 20 في المائة، بينما عاد نحو 30 إلى 35 في المائة إلى دولهم، في الوقت الذي لا يزال ما يقرب من 50 في المائة إلى حدود النصف الأول من 2017 في سوريا والعراق.
وفيما يخص الشباب الفرنسي المسلم الملتحق بـ«داعش»، فعلينا أن نعلم أن الأمر لا يتعلق بأسلمة التطرف أو تطرف الإسلام، هذا الموضوع ناقشه البروفسور والخبير في الجماعات الإرهابية أوليفي روا بتفصيل وهي وجهة نظر محترمة.
بالنسبة لجيرو عالم الإجرام، ومستشار التنسيق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب المرتبطة بقصر الإليزيه، فإن إدراك أبعاد المشكلة يتطلب تجاوز النقاش الرسمي المتعلق بـ«أسلمة التطرف والتطرف الإسلامي».
ما تطرحه نظرية «الهجانة» هو تصور خارج هذا التفسير، لذا فهي تقف على أرضية أخرى وتنظر بعيداً. فمن الواضح أن الواقع الآيديولوجي للسلفية أمر حاسم، و«الخطأ الكبير الذي ارتكب في فرنسا، هو أننا سمحنا بانتشار هذه الآيديولوجية، مما يعني تكريس صورة من صور الانفلات من العقاب».
غير أنه من السذاجة حصر مصدر الإرهاب في العامل الديني، وفي الوقت ذاته، لا يمكن القول إن الإسلام لا علاقة له بذلك، ومن هنا يجب الاهتمام بالجريمة، وبالتفسير الذي تطرحه نظرية «الهجانة». ففي الواقع الفرنسي والأوروبي، نجد آلاف الشباب في الأحياء المهمشة، مثل حي مولنبيك بضواحي بروكسل، وضواحي باريس، يعيشون في عالم الجريمة، ويتعرضون للعقوبات، كما يتعرضون لخطر التجنيد والتحول المفاجئ لمربع الإرهاب.
وهكذا، يمكن الاستدلال بضاحية العاصمة البلجيكية باعتبارها مثالاً لمنطقة تحولت إلى «مولنبيكستان»، تعيش على وقع ثلاث حقائق إجرامية أبطالها هم الشباب بالدرجة الأولى، وهي: أولا: اقتصاد إجرامي مكثف يستند أساساً إلى الاتجار بالمخدرات، وثانياً، تعايش قائم على خلفية للأخلاق التي تشكل أرضاً خصبة للعمل الإرهابي، وثالثاً، سياسات محلية متواطئة مع الوضع القائم، مقابل ضمان السلم الاجتماعي والأصوات الانتخابية. وهذا التهجين السياسي - الإجرامي لا يمكن أن يتجذر إلا في سياق إنكار الواقع، الذي يطرح بشكل ملح انتشار مواضيع العنصرية وكراهية الأجانب، والإسلاموفوبيا.
بكلمة يعتقد صاحب كتاب «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، بأن نظرية «الهجانة» تملك قوة تفسيرية تتجاوز الأطروحات التي درست الظاهرة الإرهابية المعاصرة، وأن تطبيق هذه «النظرية» على كثير من الحالات الإجرامية، في أماكن وسياقات مختلفة جداً، يثبت تطور العلاقة بين الإرهاب والإجرام في المسار والتاريخ، غير أنه لا بد من الاعتراف كذلك بأن بعض الأعمال الإجرامية، تبقى غامضة، ربما لأسباب وظروف وملابسات سياسية، مما يعقِّد الأمر ويجعله صعب التفسير.
وبحسب الرؤية التفسيرية التي كانت سائدة والمنتشرة نظرياً، فمن المفتَرَض أن يشير الاختلاف بين عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة إلى تعارُض واضح في الأهداف، والوسائل، على اعتبار أن للإرهاب غرضاً سياسياً، في حين أن المنظمة الإجرامية تسعى فقط إلى الربح. بينما يريد الأول تدمير أو قهر السلطة لأغراض مختلفة (الآيديولوجية والدينية والعرقية)، فإن الجريمة تهدف إلى افتراس المجال الاقتصادي والمالي، وتحقيق تراكم الثروة.
أما اليوم فلم يعد ممكناً اعتماد التصنيف الذي يفصل عالم العصابات والجريمة المنظمة عن الإرهاب وتنظيماته، فالأهداف والوسائل، وطرق الاشتغال نفسها تعرضت للتشابك والاندماج بين الجانبين، ومن هنا تقدم نظرية التهجين نموذجاً تفسيرياً، لتوضيح هذه الظاهرة المعقدة. وبدءاً من تحليلات لويز شيلي وجون بيكاريلي، يقترح كتاب «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، نموذجاً لمسار التحول في العلاقة بين الإرهاب والجريمة، عبر دينامية تاريخية أنتجت التهجين، وتمت عبر أربع عمليات وهي: أولاً، عملية التعاون، ثانياً، التقارب، ثالثاً تحقيق عملية التحول، ورابعاً إنجاز التعايش في المجال الجغرافي. وهكذا وصلنا في الواقع الدولي اليوم إلى الاندماج والتشابك، وبعبارة أخرى، وصنا لمرحلة تم فيها تسييس الجريمة وتجريم السياسة، وعليه يستحيل فصل الإرهاب عن الجريمة المنظمة.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية
في جامعة محمد الخامس - الرباط



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)