كيف يصبح الشباب المنحرف إرهابياً؟

الإرهاب والجريمة المنظمة في عصر «الهجانة»

عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
TT

كيف يصبح الشباب المنحرف إرهابياً؟

عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

يعتقد عالِم الإجرام جان فرنسوا جيرو في كتابه الذي صدر له أخيراً بعنوان «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، أن الإرهاب اليوم يعيش حقبة جديدة استطاعت من خلالها الجريمة المنظمة كسر الحدود القائمة بين عالمها المافيوي والإرهاب. ومن هنا ينطلق الخبير الدولي الفرنسي ليؤكد أن الحدود التقليدية بين الطرفين قد تلاشت تماماً، وأن الانفصال الذي نعيشه اليوم بين الإرهاب والجريمة المنظمة هو في الحقيقة إجرائي، وجاء بعد فترة طويلة كان كل منهما يعيش باعتباره فئة ضيقة، ليجدا نفسيهما اليوم في طفرة غريبة تجسد نوعاً جديداً من الاتصال الشبكي بين الجانبين.
وليس من الغريب أن نجد المقاتلين الماركسيين الثوريين يعيشون من الاتجار بالكوكايين، بينما المجموعات القومية المسلحة تدعم وتمارس أعمال اللصوصية، كما تحول رجال العصابات إلى الإرهاب المتطرف. كل ما سبق يؤكد أننا في حقبة جديدة أطلق عليها مستشار التنسيق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب (المتصل بالرئاسة الفرنسية) جان فرنسوا جيرو «التهجين»، مما يفيد بأن التشابك والاختلاط بين الجريمة المنظمة والإرهاب أصبح قاعدة، وأن كل منهما محفز للآخر، وأن تفسير أسباب انتشار أحدهما بمعزل عن تطور الآخر لا يقدم تحليلاً علمياً لما نعيشه من تهديد كبير للاستقرار والسلم العالمي.
في هذا السياق التبادلي المعقد بين الجريمة والإرهاب، يمكن فهم الانتقال السلس للشباب من عالم الجريمة إلى حضن الجماعات الإرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش»، كما يمكننا هذا التحول الجديد من تفسير ظهور الميليشيات على سطح الأحداث السياسية لمناطق التوتر الدولي، فبشكل مفاجئ ظهرت قوى غير نظامية مقاتلة، مع نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والغرب.
واليوم، فرض فاعل جديد نفسه في ساحة القتال المسلح، وتميز بأنه لا يخضع للجيوش الوطنية، وهو يعبر عن نفسه عبر تنظيمات معقدة التركيب ولها دهاء كبير، وتوحدها خاصية «الهجانة»، بمعنى المزج بين النشاط السياسي وممارسات العصابات.
وتبعاً لذلك، يجب أن نستغرب كون الشباب المنحرف والمحترف للجريمة المنظمة يمارسون الإرهاب بالغطاء الديني المزيف، ذلك أن «الفاعلين السياسيين»، مثل الإرهاب أو الميليشيات، وكذا الجهات الفاعلة في «القانون العام»، مثل العصابات أو الكارتلات أو المافيا، الذين عاشوا بالأمس انفصالاً حقيقياً، في الفضاءات العامة بفعل منطق الحرب الباردة، وجدوا أنفسهم، فجأة، على مسرح موحد لهم هو «العنف المفترس».
لم يكن هذا ليحدث لولا قدرة كل من الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية على تجنيد الشباب، غير أن التجنيد نفسه يعيش على الاقتيات من الظروف التي أنتجتها العولمة بعد الحرب الباردة، كما ينتعش التجنيد في مناطق التوتر والصراعات الأهلية الدينية والسياسية، وهذا هو سرّ تنامي دور الميليشيات والتنظيمات الإرهابية على المستوى الدولي.
لقد أصبح العنف اليوم معتقداً ذا وجهين، مثل الإله يانوس بيفرون. وهذا التطور الذي انخرطت فيه الجريمة والإرهاب مسلحين بجيش من الشباب المتعدد الجنسيات، والأحوال الاجتماعية، والطوائف والمهارات العلمية والنوازع الآيديولوجية، جعل الخبير جان فرنسوا جيرو يقترح اعتماد شبكة جديدة جذرياً لتحليل العنف ما بعد الحرب الباردة، على اعتبار أن التحولات الجوهرية التي حدثت على ساحة العنف السياسي والإجرامي تشكل طفرة غير مسبوقة من حيث تجنيد الشباب، ومن حيث القدرة الفائقة على التعاون والاتصال بين عالم الجريمة والإرهاب، وعليه، فلم يعد من المقبول علمياً، وواقعياً، اليوم، الحديث عنهما باعتبارهما فضاءين منفصلين، كما كانا قبل سنوات مضت.
فنظرية «الهجانة» التي يطرحها جيرو اليوم باعتبارها نظرية علمية تفسر التداخل بين الجريمة والإرهاب، تجد في الأحداث الإرهابية التي ضربت كلاً من فرنسا وبلجيكا سنتي 2015 و2016 سندها الكبير، بل يمكن القول إن هذه الموجة من الهجمات هي مثال لتطبيق هذه النظرية. فماذا حدث فعلاً؟ إن الذي وقع، هو أن لجميع الشباب مرتكبي هذه الهجمات تقريباً تاريخاً من الإجرام قبل اللجوء إلى الإرهاب، وقد سُجلت ضد مجملهم جرائم، وتحتفظ الشرطة الفرنسية والبلجيكية بسجلات هؤلاء الشباب المتطرفين باعتبارهم مجرمين، لكنهم فاجأوا الجهات الأمنية بقفزهم وبسلاسة، في وقت وجيز، من عالم الإجرام إلى تنفيذ أعمال إرهابية وحشية.
أكثر من ذلك، عندما نرجع بالبحث والتقصي العلمي للبيانات الاجتماعية، والمسار الفردي للإرهابيين، نجد أن التحول من مجرم إلى إرهابي، ليس حالة معزولة وشاذة ووليدة ظروف معينة. بل تجد أن الهجانة كما تطرح هنا لها قوة تفسيرية قوية وتتجاوز غيرها من النظريات التفسيرية المعاصرة التي عالجت ظاهرة الإرهاب المعاصر بشقه الميليشياوي والتنظيمي الديني. فالشباب الذين تحولوا إلى إرهابيين لم يكونوا ممن تلقى تعليماً عالياً، ولا هم من الطبقة الميسورة، بل هم من المهمشين والمنبوذين اجتماعياً الذين يهاجمون مقرات الشرطة ويمارسون السرقة والاتجار في المخدرات وغيرها.
وهؤلاء الشباب في الواقع، ومن الناحية الذهنية، هم أقرب لأعضاء عصابات شوارع لوس أنجليس، أو أعضاء في فرق موسيقى الهيب هوب العنيفة المعروفة عند العصابات الأميركية، وهم في المقابل أبعد عن ذهنية خريجي الأزهر بالقاهرة.
في هذا الإطار يجب فهم «الهجرة المعاكسة» التي أدت لاستقبال تنظيم داعش لأكثر من 40 ألف مقاتل شاب من 110 دول في سنة 2014، أما الإنتربول فقد أفاد في سبتمبر (أيلول) 2017 بأنه تأكد من أن 19000 شخص انضموا إلى «داعش». ولم يكن هذا العدد ليصل للعراق وسوريا لولا التداخل والتشابك الكبير بين التنظيمات المافيوية والإرهاب، واستغلالها لوسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الهجرة غير الشرعية الدولية.
وبحسب التقرير الذي أعده منسق الاتحاد الأوروبي لقضايا الإرهاب، جيل دو كيرشوف، نهاية 2016م، فإن إجمالي المقاتلين الأوروبيين الداعشيين نحو 2500 مقاتل. وبحسب المرجع ذاته، فقد قتل منهم 15 إلى 20 في المائة، بينما عاد نحو 30 إلى 35 في المائة إلى دولهم، في الوقت الذي لا يزال ما يقرب من 50 في المائة إلى حدود النصف الأول من 2017 في سوريا والعراق.
وفيما يخص الشباب الفرنسي المسلم الملتحق بـ«داعش»، فعلينا أن نعلم أن الأمر لا يتعلق بأسلمة التطرف أو تطرف الإسلام، هذا الموضوع ناقشه البروفسور والخبير في الجماعات الإرهابية أوليفي روا بتفصيل وهي وجهة نظر محترمة.
بالنسبة لجيرو عالم الإجرام، ومستشار التنسيق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب المرتبطة بقصر الإليزيه، فإن إدراك أبعاد المشكلة يتطلب تجاوز النقاش الرسمي المتعلق بـ«أسلمة التطرف والتطرف الإسلامي».
ما تطرحه نظرية «الهجانة» هو تصور خارج هذا التفسير، لذا فهي تقف على أرضية أخرى وتنظر بعيداً. فمن الواضح أن الواقع الآيديولوجي للسلفية أمر حاسم، و«الخطأ الكبير الذي ارتكب في فرنسا، هو أننا سمحنا بانتشار هذه الآيديولوجية، مما يعني تكريس صورة من صور الانفلات من العقاب».
غير أنه من السذاجة حصر مصدر الإرهاب في العامل الديني، وفي الوقت ذاته، لا يمكن القول إن الإسلام لا علاقة له بذلك، ومن هنا يجب الاهتمام بالجريمة، وبالتفسير الذي تطرحه نظرية «الهجانة». ففي الواقع الفرنسي والأوروبي، نجد آلاف الشباب في الأحياء المهمشة، مثل حي مولنبيك بضواحي بروكسل، وضواحي باريس، يعيشون في عالم الجريمة، ويتعرضون للعقوبات، كما يتعرضون لخطر التجنيد والتحول المفاجئ لمربع الإرهاب.
وهكذا، يمكن الاستدلال بضاحية العاصمة البلجيكية باعتبارها مثالاً لمنطقة تحولت إلى «مولنبيكستان»، تعيش على وقع ثلاث حقائق إجرامية أبطالها هم الشباب بالدرجة الأولى، وهي: أولا: اقتصاد إجرامي مكثف يستند أساساً إلى الاتجار بالمخدرات، وثانياً، تعايش قائم على خلفية للأخلاق التي تشكل أرضاً خصبة للعمل الإرهابي، وثالثاً، سياسات محلية متواطئة مع الوضع القائم، مقابل ضمان السلم الاجتماعي والأصوات الانتخابية. وهذا التهجين السياسي - الإجرامي لا يمكن أن يتجذر إلا في سياق إنكار الواقع، الذي يطرح بشكل ملح انتشار مواضيع العنصرية وكراهية الأجانب، والإسلاموفوبيا.
بكلمة يعتقد صاحب كتاب «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، بأن نظرية «الهجانة» تملك قوة تفسيرية تتجاوز الأطروحات التي درست الظاهرة الإرهابية المعاصرة، وأن تطبيق هذه «النظرية» على كثير من الحالات الإجرامية، في أماكن وسياقات مختلفة جداً، يثبت تطور العلاقة بين الإرهاب والإجرام في المسار والتاريخ، غير أنه لا بد من الاعتراف كذلك بأن بعض الأعمال الإجرامية، تبقى غامضة، ربما لأسباب وظروف وملابسات سياسية، مما يعقِّد الأمر ويجعله صعب التفسير.
وبحسب الرؤية التفسيرية التي كانت سائدة والمنتشرة نظرياً، فمن المفتَرَض أن يشير الاختلاف بين عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة إلى تعارُض واضح في الأهداف، والوسائل، على اعتبار أن للإرهاب غرضاً سياسياً، في حين أن المنظمة الإجرامية تسعى فقط إلى الربح. بينما يريد الأول تدمير أو قهر السلطة لأغراض مختلفة (الآيديولوجية والدينية والعرقية)، فإن الجريمة تهدف إلى افتراس المجال الاقتصادي والمالي، وتحقيق تراكم الثروة.
أما اليوم فلم يعد ممكناً اعتماد التصنيف الذي يفصل عالم العصابات والجريمة المنظمة عن الإرهاب وتنظيماته، فالأهداف والوسائل، وطرق الاشتغال نفسها تعرضت للتشابك والاندماج بين الجانبين، ومن هنا تقدم نظرية التهجين نموذجاً تفسيرياً، لتوضيح هذه الظاهرة المعقدة. وبدءاً من تحليلات لويز شيلي وجون بيكاريلي، يقترح كتاب «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، نموذجاً لمسار التحول في العلاقة بين الإرهاب والجريمة، عبر دينامية تاريخية أنتجت التهجين، وتمت عبر أربع عمليات وهي: أولاً، عملية التعاون، ثانياً، التقارب، ثالثاً تحقيق عملية التحول، ورابعاً إنجاز التعايش في المجال الجغرافي. وهكذا وصلنا في الواقع الدولي اليوم إلى الاندماج والتشابك، وبعبارة أخرى، وصنا لمرحلة تم فيها تسييس الجريمة وتجريم السياسة، وعليه يستحيل فصل الإرهاب عن الجريمة المنظمة.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية
في جامعة محمد الخامس - الرباط



اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
TT

اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)

لا تزال حياة اليمنيين محكومة بالضغوط المعيشية، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الغلاء واستمرار الضغط على أسعار الغذاء والطاقة والشحن نتيجة الاضطرابات في المنطقة.

تزامن ذلك، مع تصنيف دولي للبلاد وضعها بين الأعلى عربياً في تكلفة المعيشة، مع بقاء مستويات الدخل والقوة الشرائية عند حدودها المتدنية، رغم الإشادات بالإصلاحات الاقتصادية.

التحذيرات صدرت من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي قالت إن تداعيات الاضطرابات الإقليمية لن تتوقف بانتهاء الأزمة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ومضيق هرمز تحديداً، وإن انعكاسات الأزمة على أسعار الغذاء وقطاع النقل ستستمر لفترة أطول؛ نتيجة الاضطرابات الواسعة التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية لأكثر من 100 يوم.

وحسب تقرير «أونكتاد»، فإن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية قد يخففان الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن آثار الاضطراب ستظل قائمة لفترة أطول، بما يهدد الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها اليمن، بمزيد من تقلبات أسعار الوقود والحبوب وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من معدلات الفقر وسوء التغذية.

جاءت هذه التحذيرات في وقت أظهر فيه تصنيف حديث لمنصة «نومبيو»، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية تعتمد على المستخدمين لمقارنة تكلفة المعيشة وجودة الحياة بين مدن ودول العالم، أن اليمن يحتل المرتبة الـ46 في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربياً.

وتعكس هذه النتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون أن يُقابل ذلك تحسن مماثل في مستويات الأجور والمداخيل أو القوة الشرائية؛ ما يجعل الأعباء المعيشية أكثر ثقلاً على السكان.

غلاء دائم

يعدّ التناقض في اليمن مفارقة لافتة، فالمؤشر يقيس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بمدينة نيويورك الأميركية بوصفها معياراً مرجعياً؛ إذ ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة في اليمن هذا العام مقارنة بسابقه، عندما سجل 48.4 نقطة؛ ما يعكس زيادة في مستويات الأسعار خلال العام الحالي، رغم تراجعه في الترتيب العالمي.

رغم الإشادات الدولية بالإصلاحات الحكومية لا يزال اليمنيون يعانون ضيق المعيشة (أ.ف.ب)

ويقتصر المؤشر على قياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ويغطي أسعار المواد الغذائية والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الأساسية، ولا يشمل الأجور أو جودة الخدمات أو القوة الشرائية، في حين تُحتسب إيجارات السكن ضمن مؤشر مستقل.

واشتكى سكان العاصمة اليمنية المؤقتة عدن من ارتفاعات جديدة في الأسعار، ورغم أنه اقتصر على سلع محدودة، فإنه أثار مخاوف من أن يكون مؤشراً على موجة غلاء جديدة مقبلة.

جانب من مخيم لنازحين يمنيين من الحديدة (غرب) إلى محافظة أبين (جنوب) (أ.ب)

ففي حين تشهد أسواق الأسماك زيادة في أسعار «الثمد» (سمك التونة)، وهو النوع الأكثر استخداماً في الأطباق الشعبية في عدن، ارتفعت أسعار بعض الأدوية الضرورية للأمراض المزمنة إلى جانب شحها في الصيدليات.

ويقول الصيادون وبائعو الأسماك إن تأثير الأحوال الجوية المتمثلة بقدوم رياح الشمال على حركة الصيد تسبب في تراجع كميات الأسماك التي يمكن اصطيادها ونقلها إلى الأسواق في ظل الطلب الدائم عليها؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ورغم التوقعات أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية ضاعف المخاوف في أوساط الأهالي.

إصلاحات مطلوبة

في ضوء هذه المعطيات، تشكو عائلات المرضى وكبار السن من زيادات جديدة في أسعار أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكر. ويذكر عبد الكريم غانم، وهو مهندس، ويعاني السكر والضغط، لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر قبل أسبوعين إلى شراء أدوية بديلة للأدوية التي أوصاه الأطباء باستخدامها بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن يفاجأ بارتفاع أسعار الأدوية البديلة، مع اختفاء الأدوية الأخرى من الصيدليات بشكل واسع.

ومنذ قرابة شهرين، حملت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مع الحكومة اليمنية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إشارات أكثر تفاؤلاً؛ إذ أشاد الصندوق بتحسن القدرات المؤسسية، وعدّ أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً تدريجياً بعد سنوات من الركود، مع تراجع وتيرة الانكماش، واستمرار جهود الإصلاح المالي والنقدي.

غير أن الصندوق ربط هذا التعافي بجملة من الشروط، أبرزها مواصلة الإصلاحات المالية، وتحسين الحوكمة، واعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة، إلى جانب استمرار الدعم الخارجي، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات الإقليمية والأزمة الإنسانية ما زالتا تمثلان أبرز المخاطر التي قد تعرقل أي تحسن اقتصادي خلال الفترة المقبلة.

طفلة يمنية نازحة تتناول قطعة خبز مع الشاي (أ.ب)

ويرى الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التراجع المستمر في القدرة الشرائية لليمنيين يعود إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، واتساع عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، والانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، فضلاً عن تمويل العجز بطباعة المزيد من العملة.

ويؤكد أن أي تعافٍ مستدام يتطلب استعادة مصادر الدخل الخارجي، وتوحيد السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي، موضحاً أن التصدي لغلاء المعيشة لن يكون كافياً بزيادة الأجور فقط، بل وبضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان وزيادة إيرادات الدولة وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بالأداء الاقتصادي المتوائم مع القرار السياسي.


100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
TT

100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)

حصل اليمن على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار من البنك الدولي لدعم جهود الحد من سوء التغذية وتعزيز سبل كسب العيش، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع وظهور بؤر جديدة للمجاعة، بالتزامن مع التراجع الحاد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، الأمر الذي يفاقم أوضاع ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.

وتأتي المنحة في ظل مؤشرات مقلقة بشأن الأمن الغذائي، إذ أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نحو 53 في المائة من سكان اليمن سيواجهون أزمة أو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان المصنفين في المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، وهي المرحلة التي يصبح فيها خطر الوفاة بسبب الجوع وسوء التغذية مرتفعاً بصورة كبيرة.

وأوضح البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق على المنحة المقدمة لليمن من المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشروع «النقد مقابل التغذية وسبل كسب العيش»، الذي ستنفذه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية.

اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة وسط اتساع أزمة الجوع (إعلام محلي)

ويهدف المشروع إلى الحد من سوء التغذية وتعزيز قدرة الأسر الأكثر ضعفاً على مواجهة الظروف الاقتصادية، مع التركيز بصورة خاصة على الأمهات والأطفال دون سن الثانية، باعتبار الألف يوم الأولى من عمر الطفل المرحلة الأكثر أهمية في بناء صحته ونموه.

ووفق البنك الدولي، سيستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون شخص في 15 محافظة يمنية تعد الأكثر تضرراً من سوء التغذية، على أن تمثل النساء ما لا يقل عن نصف المستفيدين، في إطار توجه يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز رأس المال البشري في البلاد.

مصادر تمويل صغيرة

لا يقتصر المشروع الدولي الجديد في اليمن على تقديم تحويلات نقدية، بل يشمل برامج لتعزيز سبل كسب العيش، من بينها إشراك نحو 55 ألف شخص في جمعيات الادخار والإقراض القروية، بما يتيح لهم الوصول إلى مصادر تمويل صغيرة تساعدهم على إنشاء أنشطة مدرة للدخل أو توسيع مشاريعهم القائمة، وتقليل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

كما يتضمن المشروع مساعدة أكثر من 675 ألف يمني في الحصول على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، بما يسهل وصولهم إلى الخدمات المالية والاجتماعية، ويعزز اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

مشروع دولي يستهدف 15 محافظة يمنية متضررة من سوء التغذية (إعلام محلي)

وفي جانب آخر، يستهدف المشروع الدولي الجديد في اليمن تنفيذ برنامج للعمل الرقمي متناهي الصغر يستفيد منه نحو ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، مع تخصيص نصف الفرص على الأقل للنساء. وسيحصل المشاركون على تدريب في المهارات الرقمية والعمل عبر المنصات الإلكترونية، إضافة إلى أجهزة لوحية وخدمات إنترنت، بما يمكنهم من تنفيذ أعمال رقمية لصالح جهات في الأسواق العالمية وتحقيق مصادر دخل جديدة.

وأكد المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي ستيفان جيمبرت أن المشروع يجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستثمار في بناء القدرات الاقتصادية للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم مرتكزات تعافي اليمن على المدى الطويل.

تحذيرات من تفاقم الجوع

تأتي المنحة الدولية لليمن في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني نتيجة الانخفاض غير المسبوق في التمويل الدولي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت خلال الأشهر الماضية من أن تقليص المساعدات الإنسانية يهدد بظهور جيوب للمجاعة في عدد من المناطق، مع اضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل.

ويؤكد البنك الدولي أن اليمن ما زال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، إذ يعاني أكثر من 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعيش نحو 74 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم، وهو أحد أخطر مؤشرات سوء التغذية المزمن.

وأشار البنك إلى أن المشروع سيستمر حتى يونيو (حزيران) 2029، ضمن محفظة عمليات نشطة في اليمن تضم 12 مشروعاً بإجمالي تمويل يبلغ 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للصمود والتعافي وإعادة الإعمار.

مأرب في واجهة الاحتياجات

في موازاة ذلك، جددت الحكومة اليمنية دعوتها للمجتمع الدولي إلى توفير دعم عاجل لتلبية احتياجات أكثر من 1.6 مليون شخص في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، ويقدر عددهم بنحو 65 في المائة من إجمالي النازحين.

وأكدت الحكومة أن المحافظة تشهد مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، الأمر الذي يضع مئات الآلاف من الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ على الخدمات الأساسية وضمان استمرار برامج الغذاء والتغذية.

ويرى مراقبون أن المنحة الجديدة تمثل دفعة مهمة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة اتساع الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع حجم التمويل الدولي مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ما يجعل ملايين اليمنيين عرضة لمزيد من الجوع والفقر ما لم تتعزز الاستجابة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.


الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».