«الأعمال الصغيرة» جانب خفي من الازدهار الاقتصادي في الصين

«الأعمال الصغيرة» جانب خفي من الازدهار الاقتصادي في الصين

توقعات بمواصلة تفوق الإنفاق الاستهلاكي في المناطق الريفية على المدن الكبرى
الأحد - 28 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 17 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [ 14264]
عمال توصيل تابعون لـ«جي دي دوت كوم» منهمكون في عملهم ببلدة ليانغدو شرق الصين (نيويورك تايمز)
بكين: مايكل شومان
ذات صباح منعش من أحد أيام شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استقل هان يوغون سيارته «الفان» الفضية المخصصة لتوصيل البضائع إلى المنازل، ليغادر بلدته الصغيرة بشرق الصين. وفي غضون دقائق، وجد سيارته المكتظة بالصناديق، من كل حجم وشكل، تقعقع فوق حقول الأرز، وسط حواري القرى الضيقة والبيوت المتواضعة، على مشارف حقول الصين الشاسعة مترامية الأطراف.

في الماضي، لم يكن هناك من الأسباب ما يدعو سائقي توصيل الطلبات مثل السيد هان إلى السفر بعيداً، لكن الازدهار الذي عم ربوع الصين خلال العقود الأربعة الأخيرة، جعل ملامح الثراء بادية على مدنها المزدحمة. بيد أن باقي مناطق البلاد، خصوصاً الزراعية منها، التي يسكنها الفلاحون مثل تلك التي تحيط منطقة ليانغدو شرق مقاطعة جيانغسو، لا تزال فقيرة نسبياً.

لكن مع مرور الوقت وتحسن الأوضاع أكثر وأكثر، عمت فوائد معجزة الصين الاقتصادية البلدات الصغيرة في الريف. أصبح السيد هان، عامل التوصيل البالغ من العمر 32 عاماً، الذي يعمل بموقع «جي دي دوت كوم» لتجارة التجزئة، ملماً بجميع تفاصيل بلداته الصغيرة. وتعتبر الصناديق التي حملتها سيارته «فان» التي تخطى عددها 70 صندوقاً ضعف الكمية التي كان يبيعها قبل ذلك بعام ونصف العام فقط، وهو ما دعاه إلى القول بأن «يوم العمل بات أطول من ذي قبل».

في الحقيقة، الصين في حاجة إلى جهات إنفاق بتلك المناطق، فالحكومة تسعى إلى تحويل ماكينة النمو بالبلاد بعيداً عن الاعتماد التقليدي على المصانع وقطاع البناء. فمصادر النمو تلك لم يعد من الممكن الاعتماد عليها طالما أنها تتطلب المزيد والمزيد من الديون باهظة الكلفة.

فبفضل الثورة الرقمية في الصين، وكذلك التطور في قطاع الصناعة ومليارات الدولارات التي تنفق على آلاف الأميال من الطرق السريعة الجديدة، وعلى خطوط السكك الحديدية، فقد بدت النعمة واضحة على الصينيين الذين يعيشون بعيداً عن المدن الكبيرة. فالكثير من مناطق الصين النائية تمكنت من اللحاق بعواصم المدن الصناعية، لتتواصل مع محاور الاقتصاد الأوسع بصورة لم يعهدها الصينيون من قبل، وبدت المنافع الاقتصادية طويلة الأمد، سواء للصين أو للعالم، بادية للعيان.

ففي المقاطعة التي تضم بلدات مثل ليانغدو ويانشنغ، باتت جيوب الناس منتفخة بالمال، وبوتيرة أسرع من المعدل القومي، وفاق معدل إنفاق الأسر المعيشية - الذي ارتفع بواقع 8 في المائة عام 2016 - معدل الزيادة التي تحققت في بكين وشانغهاي.

ويمكن ملاحظة علامات هذا الثراء الجديد في مدينة أوتو سيتي التي تضم مباني قريبة الشبه بالصناديق بمقاطعة ياتشنغ، والتي اتخذت منها شركات مثل «تويوتا» و«فورد» وغيرها من شركات إنتاج السيارات العالمية مقاراً لها لتتنافس للحصول على عملاء جدد. ويتوقع السيد زو زنغو، مالك أحد توكيلات شركة «جيلي» للسيارات، بيع نحو 2000 سيارة العام الحالي، وهو رقم يعادل أربعة أضعاف مبيعاته منذ عامين فقط. وأشار زو إلى أن «غالبية المشترين في السابق كانوا من طبقة رجال الأعمال، لكن الآن انضمت الطبقة العاملة إلى تلك الفئة».

وتعتبر الطبقات التي تعيش في المناطق الأقل نمواً في الصين هي الأكثر احتياجاً للنمو في المرحلة القادمة. ويرى روبن زنغ، الخبير الاقتصادي بمؤسسة مورغان ستانلي، أن الإنفاق الاستهلاكي في مناطق مثل ياتشنغ الريفية، سيتواصل في التفوق على المدن الكبرى، ونتيجة لذلك فإن ثلثي إجمالي الاستهلاك الخاص سوف يأتي من تلك المناطق الأقل نمواً حتى عام 2030. واستطرد زنغ قائلاً: «نتوقع أن يلحقوا بالركب وأن يضيقوا الفجوة بينهم وبين المدن الكبرى».

ينصب تركيز المشروعات على تلك المناطق لكن بأسلوب جديد، حيث تسهل الطرق السريعة الجديدة وخطوط السكك الحديدية السريعة، إنشاء المصانع والمشروعات، إذ تجعل من الوصول إلى المدن الصغيرة أمراً سهلاً، مما يسمح للمصانع بالاستفادة من انخفاض الكلفة هناك. فقد ارتفع إنتاج المصانع في مقاطعة ياتشنغ بصورة أسرع من المعدل القومي العام الماضي.

بيد أن المكاسب لا تقتصر على المدن بالمناطق الداخلية، نظراً لاتساع المزارع وتحسين كفاءتها وربحيتها.

في قرية زنلينغ القريبة، يعتبر السيد لو جانهوي (37 عاماً) نموذجاً للمستثمرين الزراعيين. فقد عمل بوتيرة ثابتة على توسيع مزرعته التي تشمل حقلين للأرز والقمح عن طريق استئجار الأراضي من جيرانه. كذلك استثمر لو بشراء جرارين زراعيين يقوم بتأجيرهما لغيره من المزارعين ممن يحتاجون إلى مثل هذه المعدات لحرث حقولهم الكبيرة. وعلى مدار السنوات الثلاثة الماضية، تضاعف دخله السنوي سبع مرات، ليبلغ نحو 100 ألف دولار أميركي سنوياً، وتركز غالبية إنفاقه على شراء الملابس الفاخرة لأطفاله الثلاثة، وشراء سيارة جديدة بمبلغ 17 ألف دولار من وكيل تابع لشركة «جنرال موتورز».

وبحسب تعبير لو نفسه، فإن «أسلوب حياته الحالي يعكس الفارق بين الفقر والغنى». وعلى نفس المنوال، وعلى مسافة قريبة من لو، قام تشنغ زيغو بتوسيع مزرعته العام الحالي، ليرتفع صافي دخله السنوي إلى 23 ألف دولار، وهو رقم يعادل خمسة أضعاف دخله السنوي منذ ثلاث سنوات فقط. وكافأ تشنغ نفسه بأن اشترى أول سيارة لنفسه في أغسطس (آب) الماضي، من ماركة «هيونداي».

وكان من شأن تلك التغييرات أن تغري أصحاب المشروعات في المجتمعات الحضرية مثل زو جيان (33 عاماً) الذي يعيش في مدينة نانجين الكبيرة بشرق الصين، والذي أدرك أن المشروعات الزراعية كبيرة الحجم تتطلب الكثير من المال. ففي عام 2013 أسس زو شركة «نونفنكي» التجارية، وهدفها تنظيم عمليات الإقراض لأسر المزارعين من خلال البنوك وغيرها من جهات الإقراض. ومنذ افتتاحها، تمكنت شركة «نونفنكي» من إتمام عمليات إقراض بقيمة 150 مليون دولار أميركي، وافتتاح أكثر من 100 فرع بمختلف المناطق الريفية في الصين يعمل بها نحو 800 موظف. ورداً على سؤال عن سبب تفكيره في هذا النشاط تحديداً، أجاب زو بقوله إن «تطور السوق سمح لنا بالعمل في خدمة كبار المزارعين».

كذلك فإن تلك الفرص المتاحة كانت سبباً في جذب شركة مثل «جي دي دوت كوم» للعمل في هذا القطاع. فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، رفعت الشركة عدد جيشها من موظفي توصيل الطلبات إلى المنازل بواقع الضعف، غالبيتهم يعمل في توصيل البضائع إلى القرى والبلدات الريفية الصغيرة.

وفي هذا السياق، صرح وانغ هوي، مدير قسم التوصيل بالشركة، بقوله «إن بناء شبكة إمداد تعمل في الريف يعد أحد أهم استراتيجياتنا»، مضيفاً أنه «في ظل نمو الاستهلاك في المناطق الريفية، نأمل أن نتمكن من استغلال تلك الفرصة لتوسيع عملنا». في هذا الصباح البارد بمدينة ليانغدو، حيث افتتح مكتب لتوصيل البضائع العام الماضي، وقفت شاحنة ضخمة تابعة لشركة «جي دي دوت كوم» في شارع رئيسي لتفرغ حمولتها التي تشمل مئات الصناديق المفترض توصيلها إلى المشترين عن طريق العمال المختصين. وتهدف الشركة إلى إتاحة الفرصة لأهالي المنطقة للتعرف عن كثب على أساليب الشراء عبر الإنترنت. وبالقرب من تلك الشركة تحول متجر إلى منفذ لشركة «جي دي دوت كوم» يستطيع المزارعون غير المعتادين على التجارة الإلكترونية طلب بضائعهم المتاحة على الإنترنت بتقديم طلبات شراء إلى المنفذ. «هي تجربة لتعليم المزارعين الشراء عبر الإنترنت من خلال المنفذ ليتحولوا بعدها إلى الشراء ذاتياً. فالغرض من المنفذ ليس البيع فقط، بل إرشاد المزارعين إلى طرق الشراء عبر الإنترنت»، بحسب يو هانغلونغ، مدير فرع شركة «جي دي دوت كوم» ببلدة ليانغدو، مضيفاً: «يستطيع أي شخص الحضور إلينا وتوجيه أي أسئلة».

لكن ليست كل المناطق الحضرية تتطور بمثل سرعة ليانغدو، فقد أفاد هو بنشوان، باحث مساعد بمعهد التنمية الريفية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ببكين، بأنه يخشى أن تكتشف الشركات، على الأقل في الوقت الحالي، أن أرباحهم من العملاء في الريف لا تستحق الجهود المبذولة فيها. وأضاف أن «غالبية المناطق الريفية لم تحقق مثل هذا النجاح بعد. فالمنصات التجارية الإلكترونية لن تستطيع استنساخ النجاحات التي حققتها في المدن لتحققها في الريف». لكن المستقبل يحمل الكثير من البشائر. فمن الأماكن التي توقف فيها السيد هان في بداياته كان منزل المزارعة هانغ أيفنغ التي طلبت صناديق من علب الحليب التي تحتاج إلى تناولها أثناء العمل بمزارع الاستزراع السمكي التي تملكها. ورغم أن الحليب يعتبر من السلع مرتفعة السعر في الصين، فإن السيدة هان (64 عاماً) تستطيع شراءها في الوقت الحالي. ويعمل زوجها بمصنع لإنتاج الأثاث المنزلي، لكن عملها ساهم في زيادة دخل الأسرة بدرجة أكبر عن طريق استزراع الأسماك، ثم بيعها في سوق القرية.

وقد ارتفع دخل الأسرة ليبلغ 30 ألف دولار سنوياً، وكذلك ارتفع معدل إنفاق السيدة هان على الطعام وغيره من المستلزمات المعيشية، غالبيتها تجري عن طريق الإنترنت باستخدام هاتفها الذكي. وتقوم بشراء صناديق الأرز والمشروبات والزبادي وغيرها عبر الإنترنت. واستطردت هان: «اعتدت في السابق أن أستخدم دراجتي الكهربائية عند التوجه إلى السوق عندما أحتاج إلى التسوق، لكن الآن هناك من يُحضرون كل شيء إلى باب البيت».

* خدمة «نيويورك تايمز»
الصين أخبار الصين

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة