الجيش اليمني يدفع بلواءين إلى صعدة ويحرر مواقع جديدة

150 قتيلاً وجريحاً من الانقلابيين... واحتدام المعارك على أكثر من جبهة في تعز

TT

الجيش اليمني يدفع بلواءين إلى صعدة ويحرر مواقع جديدة

شهدا اليومان الماضيان مقتل وإصابة نحو 150 من الانقلابيين، في محافظة حجة، في الوقت الذي استعادت فيه قوات الجيش الوطني اليمني في تعز عدداً من المواقع غرب المدينة بعد مواجهات عنيفة استمرت لساعات مع ميليشيات الحوثي الانقلابية، أفق ذلك دفع قوات الجيش الوطني بلواءين عسكريين إلى صعدة، معقل الحوثي الأول، لاستكمال تحرير ما تبقى من المحافظة.
ونقل موقع الجيش الوطني «26 سبتمبر»، عن قائد محور صعدة، العميد عبيد الأثلة، تأكيده «وصول لواءين عسكريين بكامل عتادهما إلى المحور، يوم الثلاثاء، ضمن قوات المنطقة العسكرية السادسة للمشاركة في العمليات القتالية»، وقال الأثلة: «الجميع يعرف أهمية هذه المعركة التي تأتي امتداداً لعملية عسكرية لقطع رأس الأفعى في قلب صعدة، وصولاً إلى جبال مران معقل المتمردين الذين أوصلوا البلاد إلى مرحلة من الدمار لم يسبق لها مثيل في تاريخنا الحديث».
وتزامن ذلك مع تكثيف مقاتلات تحالف دعم الشرعية من غاراتها على مواقع وتعزيزات الانقلابيين في تعز والحديدة حجة، وغارات على مواقع الانقلابيين في الشريط الساحلي ومديرية حيس، وذكر سكان محليون في مقبنة، غرب تعز، لـ«الشرق الأوسط» أن مقاتلات التحالف شنت خمس غارات على مواقع وتجمعات الميليشيات الانقلابية في الجبل المطل على مصنع إسمنت البرح بمديرية مقبنة، غرباً، حيث تتمركز فيه عدد من المدافع والآليات العسكرية لقصف مواقع الجيش الوطني وقرى المدنيين غرب المدينة، وشوهد تصاعد ألسنة اللهب من المكان المستهدف وسيارات الحوثيين تهرع للمكان لنقل جرحاها وقتلاها.
إلى ذلك، احتدمت المعارك في مقبنة ومحيط معسكر اللواء 34 مدرع، وتبة ياسين ومدارات والدفاع الجوي، في تعز، عقب هجوم شنته الميليشيات الانقلابية؛ في محاولات منها التسلل إلى مواقع الجيش شمال وغرب تعز. وذكر مصدر في محور تعز أن «قوات الجيش الوطني تمكنت من استعادة تبة الخزان وقرية المزاندة، وعدد من المواقع المجاورة لها في مديرية مقبنة، غرب المدنية، بينما تستميت الميليشيات لاستعادتها من خلال محاولاتها التسلل إلى مواقع الجيش مصحوباً بقصف مستمر بمختلف الأسلحة على مواقع الجيش». وأضاف المصدر: «أصيب 3 من عناصر الميليشيات الانقلابية بجروح خطيرة جراء استهداف مدفعية الجيش الوطني لطقم عسكري كان على متنه تعزيزات الميليشيا في جبهة مقبنة».
وكانت كتائب أبي العباس، التابعة للواء 35 مدرع، جيش وطني، أعلنت أول من أمس إبرامها صفقة تبادل أسرى مع الحوثيين، حيث تم الإفراج عن 24 أسيراً، 12 أسيراً من أسرى الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، ينتمون إلى ألوية وفصائل مختلفة، مقابل الإفراج عن 12 أسيراً من أسرى الميليشيات الانقلابية. وتمت عملية التبادل في منطقة الكدحة، غرب تعز، بعد التحضير لها منذ أشهر عدة.
يأتي ذلك في الوقت الذي تتواصل فيه المواجهات في جبهة الساحل الغربي، في استماتة من الجيش الوطني، المسنود من المقاومة التهامية والمقاومة الجنوبية ومقاتلات تحالف دعم الشرعية، لتحرير محافظة الحديدة الساحلية ومينائها، ثاني أكبر ميناء في اليمن بعد ميناء عدن، والذي أثمرت عن تحرير مديرية الخوخة، أولى مديرياتها الجنوبية، بينما تقدمت القوات إلى مديرية حيس وسيطرة خلى مثلث حيس – الخوخة، علاوة على السيطرة على عدد من قرى مديرية التحيتا.
وطبقاً لسكان محليين جنوب الحديدة، فقد أكدوا شن مقاتلات التحالف العربي غاراتها على مواقع الميليشيات الانقلابية في منطقة الكيدية في الزرانيق، جنوب مدينة الحديدة، حيث شوهد تصاعد ألسنة الدخان من الموقع المستهدف، الذي يعتقد أنها آليات عسكرية ومخزن أسلحة للانقلابيين.
من جهته، كشف أيمن جرمش، ركن التوجيه في لواء «صقور تهامة» والقيادي الميداني في المقاومة الشعبية التهامية، أن «المعارك ما زالت مستمرة في جبهة الساحل الغربي، وباتجاه مديريات محافظة الحديدة وصولاً إلى مدينة الحديدة تحت إشراف قيادة التحالف العربي وبقيادة قائد المقاومة التهامية عبد الرحمن حجري، الذي يتقدم صفوف المقاومة التهامية، في حين تتقدم القوات في الوقت الراهن باتجاه النجيبة شرق الخوخة وباتجاه مديرية حيس، ويجري العمل الآن على تأمين الخوخة من جميع الاتجاهات وتطهير ما تبقى من أوكار الميليشيات في بعض المزارع وتمشيطها بشكل كامل».
وأضاف جرمش «مديريات التحيتا وحيس أمام أعين قواتنا؛ فالنصر قاب قوسين، وبخاصة بعد السيطرة وتطهير عدد من المواقع في التحيتا وحيس، الميليشيات في مديرية حيس من الجهات الغربية والجنوبية، وبإسناد جوي من مقاتلات تحالف دعم الشرعية الذي استهدف تجمعات ومواقع وتعزيزات لهم في حيس ووسط المدينة»، موضحاً أنه «لم يتم وقف العمليات في التحيتا، لكن يجري الآن تأمين المناطق المحررة، والتصدي للميليشيات الانقلابية التي تستميت لاستعادة ما خسرتها، وبخاصة مديرية المخا».
وأكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» «استهداف مقاتلات التحالف العربي، أول من أمس، رتلاً عسكرياً من الانقلابين ما يقارب المائة انقلابي، وقتلت العشرات منهم، شمال شرقي الخوخة، كانت عبارة عن تعزيزات للانقلابيين قادمة من حيس في محاولة منها لاستعادة مديرية الخوخة»، علاوة على «مقتل مدير أمن الخوخة المُعين من قبل الانقلابيين، صادق البريهي، إلى جانب اثنين من مرافقيه في إحدى المزارع التي كان قد هرب إليها».
وأوضح جرمش أن «ميليشيات الحوثي تستميت من أجل استعادة مواقع خسرتها بينما تستميت المقاومة التهامية من أجل تطهير المحافظة بشكل كامل من الميليشيات الانقلابية، وصولاً إلى مدينة الحديدة ومينائها، وأن المعركة الحالية هي معركة وطنية بمشاركة المقاومة التهامية والمقاومة الجنوبية إلى جانب قوات الجيش الوطني»، مبشراً أبناء تهامة بأن «النصر سيكون قريباً، وسيتم رفع الظلم عنهم»، داعياً إلى «الصبر وعدم الزج بأبنائهم إلى جبهات القتال للمشاركة في الحرب الخاسرة للميليشيات الانقلابية»، إضافة إلى دعوته المغرر بهم من أبناء تهامة إلى «التراجع وترك الحوثيين والعودة إلى صوابهم».
إلى ذلك، قتل 11 انقلابياً في محافظة شبوة جراء استهداف مقاتلات تحالف دعم الشرعية طقماً عسكرياً كان يقلهم في محيط حيد بن عقيل بعسيلان؛ ما أدى إلى تدميره بالكامل.
جاء ذلك في الوقت الذي كثفت المقاتلات من قصفها على مواقع وتجمعات ميليشيات الحوثي الانقلابية بما فيها غارات على تحصينات للانقلابيين في حيد بن عقيل بمديرية عسيلان، موقعة بذلك خسائر بشرية ومادية.
وتشهد جبهتا الساق وطوال السادة بعسيلان بمحافظة شبوة معارك مستمرة وسط قصف مدفعي مكثف من قبل الجيش الوطني على تحركات ومراكز الانقلابيين في مواقع سلسلة جبال الصفحة والدقيق وعكيد صوفه وطوال السادة.
على سياق متصل، كشف الجيش اليمني، الثلاثاء، عن مقتل أكثر من 50 انقلابياً في معارك وغارات للتحالف العربي بمحافظة حجة، شمال غربي اليمن، خلال ثلاثة أيام.
وقال بيان عسكري، نشره المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة: إن «ما لا يقل عن خمسين عنصراً من الميليشيات الحوثية لقوا مصرعهم وجرح أكثر من مائة آخرين خلال الأيام الثلاثة الماضية في مناطق مختلفة بمحافظة حجة».
وذكر أن «المواجهات في بني سراع بمديرية الشغادرة تدخل يومها السابع بين أهالي المنطقة وبين الميليشيات الحوثية التي تحاول اقتحام المنطقة المنتفضة وإخضاعها لسيطرتهم، حيث إن الاشتباكات أسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الميليشيات نتيجة المواجهات المحتدمة واستهداف طيران التحالف العربي لآليات ومواقع تمركزها في تخوم المنطقة».
وأكد (البيان) مقتل «مسؤول شؤون الأفراد التابع للميليشيات الحوثية في جبهة ميدي، عبد الله يحيى علي مهدي، الاثنين، بضرب مدفعي لقوات الجيش الوطني جنوب مديرية ميدي، استهدفته ومجموعة من مقاتلي الميليشيا الحوثية أثناء تحضيرهم لاجتماع جنوب مديرية ميدي».
وفي البيضاء، قتل ستة انقلابيين كانوا على متن طقم عسكري في منطقة الحجف الواقعة بين جبل جميدة وجبل الثعالب بمديرية القريشية، وذلك بعملية هجوم شنتها عليهم عناصر المقاومة الشعبية، طبقاً لما أكده مصدر في المقاومة الشعبية لـ«الشرق الأوسط»، الذي قال: إن المقاومة الشعبية «شنت هجوماً مماثلاً على مواقع الانقلابيين في منطقة الزوب بجبهة قيفة رداع، سقط فيها قتلى وجرحى من الميليشيات الحوثية».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.