النساء الجزائريات... الفن والاستعمار من ديلاكروا إلى بيكاسو

لوحة «النساء الجزائريات في شقتهن» ليوجين ديلاكروا
لوحة «النساء الجزائريات في شقتهن» ليوجين ديلاكروا
TT

النساء الجزائريات... الفن والاستعمار من ديلاكروا إلى بيكاسو

لوحة «النساء الجزائريات في شقتهن» ليوجين ديلاكروا
لوحة «النساء الجزائريات في شقتهن» ليوجين ديلاكروا

«النساء الجزائريات» هو العنوان الذي اختاره الرسام الفرنسي يوجين ديلاكروا للوحته التي تعد من أشهر ما أنتجته المخيلة التشكيلية الأوروبية في تمثلها للشرق العربي الإسلامي عبر الصورة المرسومة والمنسوبة للمرأة الجزائرية. ووصف المشهد بأنه منسوب للمرأة الجزائرية مهم لإبراز عنصر التخييل أو التمثل في عمل فني ذائع الصيت تظل أهميته كامنة في ذلك التمثل وليس في مدى تمثيله للواقع أو انطباقه عليه. ومرد ذلك إلى أمرين: الأول موقع الثقافة الفرنسية تجاه منطقة عربية كانت عند إنتاج اللوحة واقعة تحت الاحتلال الفرنسي، والثاني أن واقع المرأة الجزائرية لا يمكن اختزاله في صورة واحدة مهما كانت منصفة، ناهيك بألا تكون كذلك. ومع أن سؤال الانطباق على الواقع قد يبدو نشازاً في تناول عمل فني سداه ولحمته الخيال الذي يعيد تشكيل الواقع، فإن سؤال الواقع سيظل يلح في سياق الاختلاف الثقافي وعلاقات القوة التي ترسم المسافة بين الفنان والموضوع في لوحة أو بالأحرى لوحات كالتي أشير إليها هنا.
أنجز ديلاكروا اللوحة الشهيرة عام 1834 تحت عنوان «نساء الجزائر في شقتهن» أو في «مسكنهن» وأعاد رسم المشهد من زاوية مختلفة قليلاً لتنتج لوحة أخرى تحت الاسم نفسه. واللوحة الأشهر من اللوحتين موجودة الآن في متحف اللوفر في باريس، وتظهر ثلاث نساء تجلس اثنتان منهن في وضع يشير إلى حديث مشترك بينما جلست الثالثة منفردة تنظر باتجاه الرسام أو الرائي، وفي الوقت نفسه تبدو على يمين الصورة امرأة أفريقية تبدو وكأنها خادمة. وضع النساء مفتوح لتفسيرات كثيرة ولكن الواضح افتتان الرسام بالديكور وزركشة الملابس مع بعد عن الإثارة الجنسية التي اتسمت بها رسومات أخرى للحريم أو النساء الشرقيات في المخيلة الأوروبية، والتي تتسم بالعري أو ما يقترب منه. العناصر التي تسم الشرق موجودة ليس في اللباس والديكور فحسب، وإنما في الملذات الحسية كالنارجيلة أو الأرجيلة المتاحة للجميع في وسط اللوحة. حضور المرأة السمراء ووقوفها في وضع مغادرة يجعلها ثانوية بالقياس للنساء البيض اللاتي تقوم على خدمتهن فيما يبدو، ذلك الحضور يذكر بعنصر العبودية المنتشر في ذلك الوقت والذي يعد جزءاً من الحريم الشرقي، أو ما عرف في أوروبا بالأوداليسك، (وهي كلمة مشتقة من الكلمة التركية «أودا» أو «أوضة»، أي ما يتعلق بالغرف).
لوحة ديلاكروا وعنوانها عادا للظهور مرة أخرى في عام 1980 حين نشرت الكاتبة الجزائرية الفرانكوفونية آسيا جبار مجموعة قصصية بالعنوان نفسه وباللوحة نفسها على الغلاف. وفي عام 1999 عادت الكاتبة إلى ديلاكروا ضمن رسامين آخرين لتناقش تمثلهم للنساء الجزائريات في كتاب بالفرنسية عنوانه «هذه الأصوات التي تحاصرني» تضمن مجموعة من المقالات. في تناولها عبرت جبار، كما يشير أحد المحللين، عن إعجابها بما أنجزه أولئك الفنانون من تحرير لجسد المرأة الجزائرية وشخصيتها من خلال لوحات اقتحمت العزلة التقليدية المضروبة على الأنثى. فجبار لم ترَ في اللوحات مجرد تكرار للصور النمطية التي تسم كثيراً من الأعمال الأوروبية حول الشرق بإظهاره في شكل مثير أو غرائبي. غير أن ذلك المحلل يذكر أيضاً وجهات نظر مخالفة منها النظرة النسوية التي ترى في بعض اللوحات، لا سيما لوحة بيكاسو الشهيرة التي تحمل نفس العنوان والتي استوحاها من ديلاكروا، حيث يبدو بيكاسو وهو يتعامل بوحشية مع الجسد الأنثوي ممزقاً إياه على الطريقة التكعيبية ومبرزاً ما فيه من شهوانية على حساب الكرامة الإنسانية. كما أن جبار من ناحية أخرى تتجاهل حضور الرق في لوحة ديلاكروا وما يعنيه ذلك من معاناة مخبوءة في شكل المرأة الزنجية المغادرة على يمين الناظر إلى اللوحة.
ما يسترعي الانتباه ربما أكثر من قراءة جبار ومنتقديها هو أن لوحتي ديلاكروا وبيكاسو تقفان على طرفي العلاقة التاريخية التي ربطت فرنسا بالجزائر: تزامنت لوحة ديلاكروا مع الاحتلال الفرنسي للجزائر في حين تزامنت لوحة بيكاسو بقيام الثورة الجزائرية. هل قصد بيكاسو بلوحته التكعيبية إبراز العنف الذي كانت الجزائر مقبلة عليه في ثورتها على المحتل الفرنسي، انمحاء لحظات الصفاء والسكون التي تخيلها ديلاكروا قبل قرن تقريباً وحول حالة من العنف والتمزق محلها في عصر بيكاسو؟ ربما.
إلى جانب ذلك الارتباط المتوتر بين عملين فنيين شهيرين، من ناحية، وحدثين سياسيين استعماريين، من ناحية أخرى، تبزر مفارقة مثيرة للانتباه وجديرة بالتأمل. لوحة ديلاكروا من اللوحات العالية الثمن والقيمة بطبيعة الحال ووجودها في متحف اللوفر أوضح دليل على ذلك، لكن لوحة بيكاسو لم تبقَ في متحف وإنما ظلت تنتقل بين أيدي جامعي اللوحات من الأثرياء فبيعت بما يتجاوز 32 مليون دولار عام 1997 لتحقق بعد ذلك بنحو عشرين عاماً أعلى مبلغ دفع للوحة حتى ذلك التاريخ هو 179.4 مليون دولار، وذكر أن المشتري هو رئيس وزراء قطر السابق، جاسم بن حمد آل ثاني. المفارقة الساخرة والمتراكمة هنا ليست في ضخامة المبلغ (الذي ربما فسرته الرغبة بمزيد من الأرباح عند بيع اللوحة مرة أخرى) وإنما في علاقة اللوحة بالوطن العربي، تكريسها لصورة نمطية للمرأة العربية ولعلاقة أوروبا الاستعمارية بالإنسان العربي ومقدراته، بالرؤية الاستشراقية للثقافة العربية. هل كان مشتري اللوحة واعياً بذلك كله، وهو يضع تلك الثروة الضخمة في لوحة مهما كانت قيمتها الفنية؟ المفارقة الأخرى تنبع من ذلك الوعي الذي يبدو وكأنه يكرس جانباً من الرؤية الاستشراقية للإنسان العربي ثرياً وساذجاً في الوقت نفسه، متخماً بالمال ومفرغاً من الوعي السياسي والثقافي.
في التصور الشائع للفنون بصورة عامة والتشكيلي بصفة خاصة تبدو تلك الفنون متعالية بإبداعها على السياسة وتحيزات الثقافة واشتباك أهواء الفنانين بها. لكن ذلك ما ينهار أو يتراجع عند تأمل ملابسات كالتي ربطت رسامين كبيرين بموضوع لوحاتهما. فالفن يظل جزءاً من صيرورة التاريخ ومتغيرات الصراع الاجتماعي والاقتصادي. أكدت ذلك الماركسية وبينته تحليلياً اتجاهات أخرى منها التاريخانية الجديدة وإن انصب اهتمامها على النص الأدبي. فالعمل التشكيلي نص آخر بخطوطه وألوانه، يتواشج بالمتغير ويتأثر بالمصالح والميول الخاصة. صحيح أن ذلك لا يلغي قدرة الفن على تجاوز العرضي واليومي والسطحي، لكنه متأثر بها لا محالة على تفاوت بين الفنانين في حجم التأثر والقدرة على التجاوز.



«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».