هومان مجد العائد إلى إيران يكشف عن أسرار من داخل النظام الغامض

هجر الموسيقى إلى السياسة وعمل مترجما لخاتمي أثناء زياراته السنوية لنيويورك

عائلة أميركية في إيران المؤلف: هومان مجد الناشر: ألن لين، نيويورك 252 صفحة
عائلة أميركية في إيران المؤلف: هومان مجد الناشر: ألن لين، نيويورك 252 صفحة
TT

هومان مجد العائد إلى إيران يكشف عن أسرار من داخل النظام الغامض

عائلة أميركية في إيران المؤلف: هومان مجد الناشر: ألن لين، نيويورك 252 صفحة
عائلة أميركية في إيران المؤلف: هومان مجد الناشر: ألن لين، نيويورك 252 صفحة

على الرغم من تقديمه كفيلم مصور عن أدب الرحلات، يعد كتاب هومان مجد الجديد في حقيقة الأمر رواية عن شخص يعاني أزمة هوية. ويحظى موضوع الكتاب باهتمام كبير نظرا لمعاناة ملايين الناس في شتى أنحاء المعمورة من نفس المأزق، فهم يولدون في بلد، ثم يقضون حياتهم متنقلين بين عدد من البلدان، وفي النهاية ينتهي بهم الأمر للعيش في بلد آخر ذي ثقافة مختلفة خلال رحلة زمنية ممتدة تنقضي بسرعة كبيرة تكاد تصيب الإنسان بالدوار.
تنحدر أصول عائلة مجد من قرية أردكان الواقعة على أطراف الصحراء الشاسعة في وسط إيران. وقد انتقل جزء من تلك العائلة، التي تضم فلاحين ورجال دين، للعيش في طهران، وبفضل كدهم وتعبهم بالإضافة إلى قليل من الحظ الجيد استطاعوا تسلق السلم الاجتماعي الذي وفره مشروع الحداثة الذي أطلقه شاه إيران رضا بهلوي قبل الحرب العالمية الثانية. أصبح أحد أجداد مجد من رجال الدين ذوي النفوذ وحصل على لقب آية الله، بينما دخل والد مجد السلك الدبلوماسي خلال عهد الشاه بهلوي الثاني. (وقد كان ناصر، والد مجد، دبلوماسيا قديرا ورجلا وطنيا من الطراز الأول، وقد شرفت بصداقته شخصيا على مدى عقود من الزمن). وقد حدث الانفصال الدرامي عن الماضي عندما قرر والد مجد أن يسميه «هومان»، وهو تحديث لـ«فاهومان»، أحد الشخصيات الشهيرة في الأساطير الزرادشتية قبل مجيء الإسلام. وقد قضى مجد جل حياته خارج إيران بسبب وظيفة والده الدبلوماسية، لكنه لم ينس أبدا أصوله وجذوره.
وقد تصادف وجود مجد في الولايات المتحدة الأميركية عندما استولى الملالي على السلطة في طهران عام 1979، وظل هناك حيث حصل على الجنسية الأميركية، بيد أن ثورة الملالي كانت، بالنسبة لمجد، تحمل في طياتها بعض الإيجابيات، فقد استطاع بعض من أقاربه استغلال نفوذه الديني وركوب التيار السياسي الجديد، حتى إن واحدا منهم، وهو محمد خاتمي، أصبح رئيسا للجمهورية الإسلامية فيما بعد. وقد هجر مجد مسيرته في عالم الموسيقى ليتحول إلى الاشتغال بالسياسة، فعمل مترجما لخاتمي أثناء زياراته السنوية لنيويورك، كما كتب مجد الكثير من التحليلات السياسية عن إيران في عهد الخميني. وعلى هامش عمله السياسي، عمل مجد كوسيط لمشاهير مقدمي نشرات الأخبار في التلفزيون الأميركي خلال الزيارات التي كانوا يقومون بها إلى إيران. وعلى مدى عقد من الزمان، شعر مجد أنه ينجذب بشدة إلى إيران وإلى كل ما يتعلق بوطنه الأم إيران. وفي عام 2010، قرر مجد أن يختبر الحياة في إيران من خلال الانتقال للعيش على مدى عام كامل في طهران. في ذلك الوقت، كان مجد في أواخر الخمسينات من عمره وكان قد تزوج لتوه من شقراء نباتية من ولاية ويسكونسن وأصبح أبا لطفل سماه خشایار، وهو مصغر زيريكس (الشاه الذي ينتسب لأسرة الأخمينيين الذي أحرق أثينا). (وقد جرى اختصار خشايار إلى خاش على الطريقة الأميركية في اختصار الأسماء).
ويعد الجزء الأكبر من الكتاب سردا للمعاناة والأحداث العصيبة التي واجهها مجد في طهران، حيث تتحول الأمور البسيطة، كاستئجار شقة على سبيل المثال، إلى معضلة معقدة أو حتى مغامرة خطيرة. وقد عاش مجد طوال العام الذي قضاه في طهران بهاجس مستمر وهو أنه قد يتهم في أي وقت بتهمة التخابر ومن ثم يجري احتجازه في إيران، واضعا نصب أعينه أن الملالي لا يفوتون عاما واحدا من دون أن يحتجزوا أميركيا واحدا على الأقل كرهينة. (في هذا الأثناء يحتجز الملالي خمسة أميركيين كرهائن). ورغم دخولها طهران بجواز سفر إيراني، كانت زوجة مجد الأميركية التي ولدت في ولاية ويسكونسن تشعر دائما بالقلق، بيد أن الابن خشایار تأقلم سريعا، إذ إن الإيرانيين يحبون الأطفال ولا يستطيعون مقاومة تدليلهم.
وحتى يتأكد من أن أسرته لا تواجه أي متاعب، اتخذ مجد مزيدا من الاحتياطات، حيث قام بإطلاق لحيته التي لم تكن طويلة بالقدر الذي يثير المخاوف وليست قصيرة بالقدر الذي يغضب الملالي. أما زوجته، فاتخذت هي الأخرى بعد التدابير مثل لبس حجاب مناسب لها، وفي بعض المناسبات كانت تحاول التأقلم مع طريقة العيش في إيران من خلال التزام نفس طريقة الحديث التي يفضلها النظام الإسلامي الحاكم.
واتخذ مجد أيضا بعض الاحتياطات الأخرى مثل تجديد الاتصال بأعضاء عائلته وأصدقائه النافذين في السلطة الحاكمة. وقد كان أحد أقاربه واسمه علي، وهو شقيق الرئيس الأسبق محمد خاتمي، مفيدا جدا في كثير المواقف، حيث كان يساعد الأسرة في قيادة سيارتها في شوارع طهران المزدحمة. وكان صديقه، صادق خرازي، مفيدا في التخفيف من المعاملة الخشنة التي كان مجد يلقاها من السلطات الإيرانية، فصادق كان مقربا من المرشد الأعلى على خامنئي، حيث كان يدير إحدى المؤسسات البحثية التابعة للأخير، لدرجة أن البعض في طهران يعدون صادق وزير خارجية الظل لخامنئي، على الرغم من أن المرء قد يرى أن محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران الرسمي، قد يكون مجرد ظل.
وبناء على قرابته لعائلة خاتمي وبالتالي قرابته لأسرة آية الله الخميني، الملا الذي أسس النظام الإسلامي الحاكم في إيران، يظهر مجد تعاطفا واضحا مع الفصيل الذي يقوده الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني. وقد جرى وضع الكتاب عندما كان محمود أحمدي نجاد، الذي يعده مجد مغتصبا للسلطة، رئيسا للبلاد في ذلك الوقت، بيد أن الكتاب جرى نشره بعد أن ترك «المغتصب» السلطة وشغل ملا آخر، وهو حسن روحاني، الكرسي الرئاسي الذي يعده الملالي حقا أصيلا لهم. وعلى الرغم من علاقاته المقربة بالملالي، يعترف مجد بحيادية بأن الأسلوب الشعبي الذي تبناه أحمدي نجاد في سياساته قد يكون قد أكسبه بعض الدعم من بعض شرائح المجتمع الإيراني.
يتضمن الكتاب الكثير من الفقرات التي تلقي الضوء على أسرار ما يدور بداخل نظام إيران الغامض. ويوضح مجد في كتابه أن الملالي قد قسموا المجتمع الإيراني بالفعل إلى قسمين: قسم يضم المقربين إلى رجال الدين وقسم يضم «الآخرين». أما أولئك المقربون إلى رجال الدين فيتمتعون بمزايا هائلة، كما أنهم مسموح لهم بهامش من المعارضة محروم منه آخرون في المجتمع الإيراني. ويجري التعامل مع أولئك «الآخرين» عن طريق أجهزة قمعية تقوم بعمليات اعتقال جماعية بدلا من عمل مذابح للناس في الشوارع. ويعتقد مجد أن المعارضين الإيرانيين ليس عندهم همة وغير موحدين، حتى أنهم لا يشكلون أي تهديد للنظام الحاكم في طهران، كما يعتقد أن الملالي سوف يستمرون في حكم إيران في المستقبل القريب، وهذا ما حدا به إلى أن يحث الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى للتوصل لصفقة مع الملالي.
ويؤكد مجد أيضا في كتابه أن اللواء قاسم سليماني الذي يقود فيلق القدس، وهو فرقة عسكرية مسؤولة عن «تصدير الثورة»، إذ يقول إنه جرى التحقق أخيرا من أن اللواء سليماني، الذي يدير حزب الله في لبنان، هو الذي يضع الخطط الاستراتيجية للرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد معارضيه. ويوضح مجد أن العالمين ببواطن الأمور في النظام الحاكم في طهران يثقون ثقة كبيرة في سليماني، حتى إنه سمع خرازي يقول: «إنني على استعداد أن أضحي بنفسي من أجله». الأكثر من ذلك أن الرئيس السابق محمد خاتمي وصف سليمان بأنه «المسؤول الأكثر اطلاعا والأكثر مهنية» الذي عمل معه خلال فترة رئاسته.
يقول مجد في كتابه، إن خاتمي «كان يعتمد على سليماني أكثر من اعتماده على وزير الخارجية أو حتى على السفارات الإيرانية في المنطقة».
ويتسم وصف مجد للصراع بين الهويات المختلفة بالروعة، فالرابطة التي تضرب بجذورها في التاريخ لآلاف السنين، وهي الهوية الإيرانية، من الصعب على الغرباء أن يكتسبوها مهما بلغت مقدرتهم على التأقلم خارج بلادهم. وفي المقابل، يستطيع أي شخص أن يصبح أميركيا إذا أراد ذلك بكل بساطة. غير أن النظام الأميركي يسمح للفرد بأن يطور هوية خاصة به من خلال خليط من الوصفات التي يريدها هو. ففي الولايات المتحدة، يمكن لمجد بمنتهى البساطة أن يكون أميركيا من أصل إيراني، لكن في إيران، لا يجلب هذا الخليط إلا المشكلات، بيد أنه تبقى الحقيقة أن مجد يرغب في أن يعيش بهاتين الهويتين، حيث يقضي شطرا من حياته في طهران ويقضي الشطر الآخر في نيويورك، وينتقل من عالم إلى عالم آخر كما يفترض على إنسان ما بعد الحداثة أن يفعل من دون أن يواجه أي صعوبات.
وفي النهاية، تبقى جاذبية الهوية الأميركية أكثر قوة لدى مجد، لكنه لن يتوقف عن حبه الشديد لإيران، بيد أنه عانى في إيران من فقدانه لممارسة أي نوع من الحريات التي يتمتع بها في الولايات المتحدة، فكوب من قهوة ستاربكس في أميركا يتحول إلى كعك ماديلين في إيران.
أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل عنوان «الوطن»، أي نيويورك، التي اختارها مجد في النهاية وطنا له.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».