مؤتمر باريس حول لبنان: دعم سياسي ومؤتمرات أمنية واقتصادية

حض على «النأي بالنفس» للحفاظ على الاستقرار وتعزيز الجيش... وتيلرسون ينتقد «حزب الله»

وزير الخارجية الفرنسي يتوسط رئيس الوزراء اللبناني ونائبة الأمين العام للأمم المتحدة في مؤتمر «مجموعة دعم لبنان» في باريس أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي يتوسط رئيس الوزراء اللبناني ونائبة الأمين العام للأمم المتحدة في مؤتمر «مجموعة دعم لبنان» في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

مؤتمر باريس حول لبنان: دعم سياسي ومؤتمرات أمنية واقتصادية

وزير الخارجية الفرنسي يتوسط رئيس الوزراء اللبناني ونائبة الأمين العام للأمم المتحدة في مؤتمر «مجموعة دعم لبنان» في باريس أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي يتوسط رئيس الوزراء اللبناني ونائبة الأمين العام للأمم المتحدة في مؤتمر «مجموعة دعم لبنان» في باريس أمس (إ.ب.أ)

قلما سمع اللبنانيون صرخة من القلب كتلك التي صدرت عن الرئيس الفرنسي في كلمته الافتتاحية صباح أمس، لاجتماع «مجموعة الدعم الدولية» للبنان في مقر وزارة الخارجية الفرنسية. إيمانويل ماكرون الذي كان أول من دعا للاجتماع، ولعب الدور الأول في ملف استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وعودته اللاحقة عنها، لم يبخل بالثناء على لبنان: لبنان بالنسبة إليه هو «البلد - النموذج للتعددية واحترام الأقليات وتعايش الأديان». كما أنه «ليس فقط صديقاً لفرنسا بل إنه بلد تقرر فيه التوازنات الإقليمية».
لذا، فإن الأسرة الدولية «ستكون جاهزة للوقوف إلى جانب لبنان في الاستحقاقات الدولية القادمة» لأنه يحمل رسالة السلام والتسامح العالمية، إنه «البلد الرمز، الشقيق والبلد الاستراتيجي الذي نرفع راية الدفاع عنه». وحض ماكرون اللبنانيين على الاستمرار في تجسيد «النظام الديمقراطي والتعايش والتسامح لأنه ضروري للمنطقة».
من الناحية السياسية، أكد الرئيس الفرنسي أن «استقرار لبنان ليس مهماً فقط للبنان، بل هو مهم لكافة المنطقة التي تهزها النزاعات العديدة، ولذا فإن حماية لبنان من أزماتها تتطلب أن يحترم الفرقاء اللبنانيون واللاعبون الإقليميون المبدأ الهام جداً، وهو النأي وعدم التدخل». وفي إشارة واضحة لحزب الله ودوره في نزاعات المنطقة، أكد ماكرون أن «الأحداث الأخيرة أثبتت أن انخراط الميليشيات اللبنانية في المواجهات التي تدمي الشرق الأوسط لا يمكن أن تتواصل من غير تعريض لبنان بكافة مكوناته لأخطارها الجانبية». منذ أول كلمة وحتى آخر خطاب، سيطر مفهوم النأي المزدوج على اجتماع باريس، كما جاء التشديد على تنفيذ مضمون البيان الصادر عن مجلس الوزراء اللبناني أول الأسبوع المنتهي بمثابة لازمة تكررت على كل شفة ولسان. وفي المؤتمر الصحافي الذي أعقب أعمال الاجتماع، سعى الحريري لطمأنة المشككين حول قدرة اللبنانيين على الالتزام بهذا المبدأ الذي أقر قبل خمس سنوات، لكنه بقي حبراً على ورق. وقال الحريري، في غياب ما يمكن اعتباره ضمانات جدية للعمل بهذا المبدأ، إن «الجميع ينتظر تنفيذ قرار النأي وكافة مكونات الحكومة اللبنانية تريد تطبيقه». وأضاف رئيس الوزراء اللبناني أنه يشدد على تطبيق القرار «قولاً وفعلاً لأن مصلحة لبنان تقتضي ذلك ولأن أي خرق سيضع لبنان في دائرة الخطر»، مؤكداً أنه شخصياً «سيكون بالغ الجدية» في متابعة الالتزامات التي اتخذت في هذا الموضوع.
حقيقة الأمر أن الحريري ليس وحده من سيتابع عن قرب تنفيذ الالتزامات. إذ جاء في البيان النهائي الصادر عن الاجتماع أن مجموعة الدعم «ستتابع عن كثب تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء الخاصة بموضوع النأي، والتي أقرتها كافة الأطراف اللبنانية». كذلك دعت «المجموعة» إلى «ضرورة تنفيذ القرارين الدوليين رقم 1559 و1701 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي عام 2004 وعام 2006». كذلك، فإن الرئيس الفرنسي شدد على تمسك باريس بـ«التنفيذ الكامل» لمضمون بيان مجلس الوزراء اللبناني، منبهاً لـ«التهديدات الخطيرة التي تطأ بثقلها على استقرار لبنان، والتي تجعل مساندة الأسرة الدولية القوية والحازمة لا مفر منها». ولمزيد من الوضوح في التعبير، أشار ماكرون، إضافة إلى التزام الأطراف اللبنانية، إلى أن عدم التدخل في نزاعات المنطقة والتمسك بسيادة لبنان ووحدته وسلامة أراضيه يجب أن يحترمها الجميع بدءاً بالقوى الإقليمية». وبرأيه، فإنه «لا يتعين أن يكون لبنان ضحية الخلافات الإقليمية»، منبهاً من التهديدات المترتبة على قرار الرئيس الأميركي بشأن مستقبل القدس لجهة إدخال عامل جديد لزعزعة الاستقرار في المنطقة كلها.
كانت باريس تريد أن يكون اجتماع الأمس، الذي وصف بأنه وزاري، قادراً على اجتذاب أكبر عدد من وزراء الدول التي دعيت «مجموعة الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإيطاليا وألمانيا ومصر، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية....»، بيد أن ريكس تليرسون، وزير الخارجية الأميركي، كان الوحيد الذي حضر، فيما غاب الآخرون، وانتدبوا من يمثلهم. ومثل روسيا والصين سفيراهما في باريس.
وما حصل أن تليرسون استمع إلى الكلمات الافتتاحية، ثم ألقى كلمته، وخرج من قاعة الاجتماعات، ولم يعد إليها، وعقد لقاءً جانبياً مع سعد الحريري الذي وصفته أوساطه بأنه كان «جيداً» دون إعطاء مزيد من التفاصيل. وما تجدر الإشارة إليه، وبحسب مصادر حضرت الاجتماع، فإن تليرسون ومساعد وزير الخارجية البريطاني كانا الوحيدين اللذين طلبا بشكل مباشر نزع سلاح «حزب الله»، وكلاهما وصف هذا السلاح بأنه «غير شرعي». أما الآخرون فقد لمحوا إلى هذا الأمر من خلال الدعوة إلى تطبيق القرارات الدولية التي يتضمن أحدها نزع السلاح المذكور. ويبدو أن التوجه الثاني كانت له الغلبة في تحرير الإعلان النهائي، حيث جاء على ضرورة تطبيق واحترام القرارات الدولية. وأشار تليرسون في كلمته إلى أن واشنطن لم تتوقف أبداً عن دعم الجيش اللبناني الذي «يواجه التهديدات الإرهابية».
وفي البيان الختامي، حث المجتمعون الحكومة اللبنانية على «استعادة المناقشات من أجل التوصل إلى إجماع حول الاستراتيجية الدفاعية» للبنان التي يعتبرها اللبنانيون أساسية من أجل إيجاد مخرج لسلاح حزب الله. وبما أن الجيش اللبناني سيكون عماد هذه الاستراتيجية، و«الورقة الشرعية الوحيدة»، فإن المجتمعين دعوا الأسرة الدولية إلى الاستمرار في تقيد المساعدة والمساندة له، لأن المؤسسات الأمنية اللبنانية هي «أساسية من أجل تثبيت سيادة لبنان ووحدته». في السياق الأمني، جددت «المجموعة» الدعم لقوة اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان، وحثتها على التعاون بشكل أفضل مع القوات المسلحة اللبنانية من أجل «تسريع انتشارها الدائم والفاعل في الجنوب وفي المياه الإقليمية استجابة للقرار 2373 عام 2017». ولم يشر البيان مباشرة إلى إسرائيل أو إلى الشكاوى اللبنانية من اختراقها شبه الدائم للأجواء والمياه اللبنانية. أما الترجمة العملية لدعم الجيش فإنها ستبرز خلال المؤتمر المخصص لدعم القوات المسلحة اللبنانية الذي ستستضيفه العاصمة الإيطالية تحت مسمى «روما 2». ومن المنتظر أن يعقد أوائل العام 2018. وكان ماكرون قد أكد أن الجميع «يريدون تلافي نزاع جديد» بين إسرائيل و«حزب الله» عبر التنفيذ الكامل للقرار 1701.

التحضير للانتخابات
ما الذي كسبه لبنان من الاجتماع؟ إلى جانب ما سبق، فإن لبنان كسب دعماً سياسياً، ليس فقط فيما جاء على لسان ماكرون، وإنما جماعياً في البيان الختامي الذي يؤكد على «تمسك المشاركين باستقرار وأمن وسيادة لبنان ومساندتهم لجهود السلطات اللبنانية لترميم العمل الطبيعي للمؤسسات وتحضير الانتخابات المقبلة وفق المعايير الدولية». وحض البيان «دول ومنظمات المنطقة على العمل من أجل المحافظة على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي للبنان وصون سيادته ووحدة أراضيه». لكن الحريري حصد أيضاً دعماً شخصياً، إذ رحبت «المجموعة» بعودته عن استقالته، واعتبرته «شريكاً أساسياً من أجل المحافظة على وحدة واستقرار لبنان». وبحسب الحريري، فإن دور حكومته بعد إغلاق ملف الاستقالة هو أن «تكرس نفسها لمهمة الحفاظ على أفضل العلاقات مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي على أساس احترام القرارات الدولية». وفي هذا السياق، قال الحريري في رد على سؤال صحافي أن «لا أزمة في العلاقات مع المملكة العربية السعودية»، واصفاً إياها بـ«المميزة». والتزم رئيس الوزراء اللبناني «شخصياً» بـ«متابعة العمل لتدعيم مؤسسات الدولة والإصلاح الاقتصادي والتشريعي الذي يدعم دولة القانون، ويضمن مزيداً من الشفافية ومكافحة أفضل للفساد».
إذا كانت الوعود والالتزامات المحسوسة قد غابت عن الاجتماع، فإن مصادر دبلوماسية فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» اعتبرته «أمراً طبيعياً لأننا لسنا في إطار مؤتمر مانحين بل في إطار مؤتمر سياسي». رغم ذلك، فإن لبنان لم يخرج خالي الوفاض. فالرئيس ماكرون اعتبر أن أحد التحديات التي يواجهها لبنان، إضافة إلى التحدي الأمني، هو التحدي الاقتصادي. من هنا تأتي أهمية التأكيد على التزام باريس ودعم «المجموعة» بعقد مؤتمر «باريس 4» كما وصفه لو دريان في العاصمة الفرنسية في شهر مارس (آذار) المقبل. ويريد لبنان أن يكون مؤتمراً لدعم الاستثمارات والتركيز على البنى التحتية كما شرح ذلك الرئيس الحريري. ويرى ماكرون، كما الحريري والمتدخلين الآخرين، أن هناك حاجة لمساعدة لبنان. ووفق رئيس الوزراء، فإن لبنان «يسدد الفاتورة عن العالم أجمع» في هذه المسألة. ولذا، فإن الاجتماع الذي ستستضيفه بروكسل بداية العام سيركز على لبنان بعد أن ركز سابقاً على تركيا والأردن. ورأى ماكرون أن أزمة النازحين السوريين مستمرة «بسبب غياب الحل السياسي واستدامة النزاع». كما أنه ربط عودتهم إلى سوريا بـ«عملية الانتقال السياسي» وبـ«احترام القوانين الدولية والإنسانية التي تتمسك بها فرنسا». وفي هذا الخصوص، جاء في إعلان باريس أن المجموعة «تذكر بضرورة عودة النازحين عندما تتيح الظروف ذلك، بحيث تكون العودة آمنة، بكرامة وغير إلزامية، وبتسهيل من الأمم المتحدة، ووفق القانون الدولي والمبادئ الإنسانية، بما في ذلك احترام مبدأ الامتناع عن الترحيل». ولكل هذه الأسباب، فإنه من «الضروري» دعم الدولة اللبنانية لمواجهة الأعباء المترتبة عليها بسبب وجود 1.5 مليون نازح سوري على أراضيها. وعمدت باريس مؤخراً إلى تعيين السفير بيار دوكين مسؤولاً عن ملف تنظيم المؤتمر الاقتصادي الموعود للبنان. لكن مصادر دبلوماسية فرنسية أشارت أول من أمس إلى أن السير بهذه الطريق «يفترض حصول الانتخابات وقيام حكومة تتمتع بدعم أكثرية نيابية وبالتزامات واضحة لبنانية ببرنامج اقتصادي له صدقية». وجاء إعلان باريس دافعاً في هذا الاتجاه إذ دعا الحكومة اللبنانية إلى «تسريع العمل» ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية، وشدد على «الشفافية» والديمقراطية، في إشارة مغلفة إلى ملف الفساد وتشعباته. ودعا البيان الفاعلين الإقليميين والدوليين والقطاع الخاص إلى دعم لبنان، معتبراً أن مؤتمر الوعود الخاص بدعم الاستثمار سيساعد على إطلاق النمو الاقتصادي، وتوفير فرص عمل وتجديد البنى التحتية.



تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)

سلطت أحدث التقارير الحقوقية الضوء على آلاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات في مختلف المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي للنساء والفتيات.

وندد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة حقوقية مقرها في أميركا، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يصادف 8 مارس (آذار) من كل عام، باستمرار الانتهاكات المُمنهجة ضد اليمنيات قمعاً وتهجيراً، مُحملاً جماعة الحوثيين التبعات الجنائية المُباشرة غير الإنسانية لتحويل النساء إلى رهائن سياسيات، كما طالب التقرير المعنيين بالعمل على بناء شبكات حماية حقيقية ومستدامة تتجاوز مربع الاستجابات الإغاثية الطارئة، وتعمل على تخفيف وطأة القيود المفروضة على النساء.

«زينبيات» يرفعن أسلحة تظهر عليها شعارات الحوثيين في صنعاء (غيتي)

وبحسب التقرير الحقوقي، فقد تحولت الانتهاكات الحوثية ضد المرأة اليمنية إلى سياسة يومية مُمنهجة، حيث تبرز هذه المنهجية القمعية للجماعة باتخاذ الاعتقال التعسفي والمحاكمات المُسيسة أدواتٍ لكسر الإرادة المجتمعية، كما هو الحال مع المُعتقلة فاطمة العرولي، مؤكداً عدم توقف آلة القمع والترهيب الحوثية عند هذا الحد، لتتسع وتشمل مصادرة الفضاء المدني عبر استمرار تغييب عدد من الناشطات وصاحبات الرأي اليمنيات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار تقاعس المنظومة الدولية واكتفاءها ببيانات القلق إزاء الانتهاكات المُتكررة بحق النساء اليمنيات يجعلاها طرفاً متواطئاً في إطالة أمد هذه المعاناة، واستعادة الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

آلاف الجرائم

وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير حديث، أكثر من 5.8 ألف جريمة وانتهاك حوثي بحق المرأة في اليمن خلال 9 سنوات، شمل بعضها القتل والإصابات والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، والفصل من الوظيفة والتجنيد القسري.

ورصد الفريق الميداني للشبكة نحو 5.834 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى نهاية 2025، في 15 محافظة، شملت: الحديدة، الضالع، تعز، حجة، ذمار، لحج، مأرب، ريمة، شبوة، إب، صنعاء، البيضاء، الجوف، صعدة، صنعاء، عمران.

وشمل بعض الانتهاكات الحوثية 1.479 جريمة قتل، و3.398 حالة إصابة، و547 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، و176 حالة تجنيد قسري للنساء والفتيات، من بينهن طالبات، فضلاً عن انتهاكات أخرى.

يمنية مع طفلها على جسر لعبور المشاة في صنعاء (الشرق الأوسط)

وجاءت هذه الانتهاكات في وقت لا تزال تعاني فيه المرأة في اليمن ظروفاً إنسانية ونفسية بالغة القسوة من جراء استمرار العنف الممنهج، وفقدان الآلاف من أفراد الأسرة والمنازل، إضافة إلى وجود مئات النساء اللواتي يعانين من إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ناجمة عن الحرب.

وعلى الرغم من تطور أساليب ووسائل الحرب، يؤكد التقرير أن المرأة اليمنية لا تزال هدفاً مباشراً لهذه الجرائم، مع استمرار القصف الحوثي الذي يطول منازل المواطنين والأحياء السكنية، بما فيها المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات.

وطبقاً للتقرير، لا تزال مُعظم النساء اليمنيات يعانين من ضيق نفسي شديد من جراء العنف المفرط وتكرار أعمال القتل والفظائع التي ترتكبها الجماعة الحوثية ضد كثير منهن، وأكد التقرير أنه لا يمر يوم دون موت أو دمار.

كما حمّل التقرير المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية لحماية المدنيين، وفي مقدمتهم النساء، من الإرهاب والانتهاكات التي يمارسها الحوثيون، داعياً لاتخاذ إجراءات رادعة وعاجلة لوقف هذه الجرائم وضمان مُحاسبة مرتكبيها.

تحذيرات أممية

على وقع هذه الانتهاكات، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني للنساء والفتيات في اليمن، مؤكدة أن نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة عاجلة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود كثيرة ومشددة يفرضها الحوثيون على اليمنيات (أ.ف.ب)

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بيان له، أن تقلّص المساحات الآمنة والخدمات المخصصة للنساء والفتيات في اليمن يزيد من تعرضهن لمخاطر جسيمة، بما في ذلك العنف الأسري، وزواج القاصرات، وأشكال متعددة من الاستغلال.

وأكد البيان أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد معاناة النساء والفتيات، ويجعل توفير الحماية والدعم لهن أولوية إنسانية ملحّة. مُبيناً أن ملايين اليمنيات ضمن 18 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد هذا العام، ولافتاً إلى أن 3 نساء يمتن يومياً بسبب مضاعفات الحمل، بينما يفتقد 5 ملايين امرأة خدمات الصحة الإنجابية الأساسية.


رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
TT

رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)

على سفرة منزلها في مدينة القاهرة الجديدة بشمال العاصمة، استنسخت أسرة رجل الأعمال السوري أنس ربيع طقوس شهر رمضان التي كانت تمارسها في سوريا... من مأكولات خاصة، إلى مناكفة على مشروب «العرقسوس»، إلى الاحتفاء بالأطفال الصائمين لأول مرة.

ويقول ربيع إن استقرار جزء من عائلته في مصر أتاح استحضار العادات نفسها، وروح الشهر الدمشقية، وإضافة عادات مصرية إليها.

يقيم ربيع في مصر منذ أكثر من عقد، حيث افتتح مصنعاً للشوكولاته، وتوسَّع في عمله، وحصل على إقامة استثمارية تمكّنه من البقاء مطمئناً دون قلق، على عكس سوريين آخرين يمنعهم قلق الترحيل من الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، نظراً لانتهاء مدة إقامتهم، سواء التعليمية، أو لزواج من حامل للجنسية المصرية، أو المسجلين لدى مفوضية اللاجئين، ووجود صعوبات في تجديدها في ظل حملة لتقليل أعداد الوافدين في مصر، بحسب مراقبين.

أحد هؤلاء هو الصحافي السوري سامر مختار، الذي رُحّل قبل أيام رغم حملة أطلقها صحافيون ونشطاء لمناشدة السلطات تجديد إقامته لمنع تشتيت شمله عن ابنه الوحيد، المصري الجنسية.

«التكريزة» و«الزفة»

تذهب التقديرات إلى أن حجم الجالية السورية في مصر يصل إلى مليون ونصف المليون نسمة، وفق ما أعلنه رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتشابه عادات المصريين والسوريين في شهر رمضان، من حيث تزيين المحال والشوارع استقبالاً لشهر الصوم، والإكثار من ولائم الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، وارتباطه بأنواع معينة من الحلوى؛ غير أن ذلك لا يخلو من تفاصيل مميزة لكل شعب، فبينما يتفوق المصريون في الزينة، يتميز السوريون بالمأكولات، والمشروبات.

مطاعم سورية ملاصقة لأخرى مصرية في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدأ استعداد السوريين لشهر رمضان بـ«التكريزة» التي يصفها ربيع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنها نزهة للعائلة قبل شهر رمضان بأسبوعين أو أقل، احتفالاً بقدوم الشهر، وتوديعاً للتنزه الذي يصعب تكراره مع روتين رمضان الخاص. ولا تزال أسرته تحرص على هذه العادة منذ استقرارها في القاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام.

أما إن كان لدى الأسرة السورية طفل يصوم لأول مرة، فالأمر لا يخلو من إقامة «زفة» احتفالاً، وتشجيعاً.

وعن طقس «الزفة» يقول ربيع: «الطفل الذي يبلغ 7 سنوات مثلاً ويرغب في صوم رمضان، نختبره بصيام يوم النصف من شعبان؛ فإذا استطاع صيامه، صام رمضان. وعند الإفطار في أول يوم من الشهر، تنظم العائلة المجتمعة له زفة، مثل زفة العُرس، وتغدق عليه بالأموال احتفالاً به، وتشجيعاً له على الصوم».

المطبخ السوري

لطالما اشتهر السوريون بأطباقهم الشهية التي كانت مفتاحاً لقلوب المصريين. وهم يحتفون برمضان عبر قائمة مأكولات ومشروبات مميزة ترتبط بالشهر، خصوصاً الحلوى، مثل «الناعم»، وهو يشبه الخبز المقرمش مع «الدِبس».

ويحرص هيثم عثمان (31 عاماً)، وهو رجل أعمال سوري مقيم في مدينة 6 أكتوبر جنوبي القاهرة، على إحضار حلوى رمضان السورية لعائلته كل عام منذ استقروا في مصر قبل سنوات.

يقول: «العادات متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً العزومات التي تجمع الأهل والأصدقاء طيلة الشهر».

غير أن الناشط السوري سليم سبع الليل يرى أن الحلوى السورية لم تكن متوفرة بسهولة في مصر هذا العام مع غلق الكثير من المطاعم، وعودة أهلها إلى سوريا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السوريون كانوا يُفضلون تناول الإفطار خارج المنزل داخل مطاعم تقدم الأكل السوري التقليدي، لكن بعضها أُغلق، ما أثر على هذه العزومات أيضاً».

حالة من القلق تسيطر على السوريين بشأن مستقبلهم في مصر (مفوضية اللاجئين)

وعن المشروبات، يقول ربيع إنها «شيء أساسي على السفرة قبل الإفطار، خصوصاً العرقسوس، والتمر هندي، والجلاب»، وهو مشروب قريب من «العنَّاب» لدى المصريين.

ويظل «العرقسوس» لدى السوريين، كما المصريين، محل مناوشات على وسائل التواصل، وداخل الأُسر كل عام، بين محب وكاره له، وكل ينتقد الآخر على ذوقه.

أما أشهر المأكولات السورية فهي «الشاكرية»، وهي لحم ضأن مطبوخ بالزبادي السوري، بالإضافة إلى «الشوربة» و«البرك»، وهي مخبوزات لا توجد في المطبخ المصري، حسب ربيع.

ويتطرق ربيع إلى عادة أخرى لدى السوريين تتمثل في الوقوف لنحو ربع الساعة أمام المساجد بعد صلاة التراويح، لاحتساء الشاي الذي يُحضره كبار العائلات في أوانٍ تحفظ الحرارة، وهي عادة ما زالوا يمارسونها في مصر.

عادات مكتسبة من المصريين

وعدَّد السوريون في حواراتهم مع «الشرق الأوسط» العادات التي اكتسبوها من المصريين في شهر رمضان، بداية من الزينة على البيوت والطرقات، وانتهاء بـ«شُنط رمضان» التي يعبئون فيها سلعاً غذائية، ويوزعونها على الأسر البسيطة.

يقول ربيع: «أصبحنا نزيّن المنزل احتفالاً بقدوم شهر رمضان، وهي عادة لم تكن لدينا في سوريا».

وعن «سلة رمضان» كما يطلق عليها السوريون، أو «شنط رمضان» الخيرية، قال عثمان: «في سوريا كانت تُوزع على نطاق ضيق. من الممكن أن يُهديها صاحب العمل للعاملين لديه. لكن في مصر تُوزع بشكل واسع على الفقراء والمحتاجين دون وجود أي صلة بين من يوزعها ومن يحصل عليها».

ويلفت إلى أنه تعلم التوسع في هذا العمل الخيري خلال وجوده في مصر.


غضب قبلي يتصاعد في رداع ضد الحوثيين

عنصر حوثي يحرس مظاهرة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء لدعم إيران (إ.ب.أ)
عنصر حوثي يحرس مظاهرة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء لدعم إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب قبلي يتصاعد في رداع ضد الحوثيين

عنصر حوثي يحرس مظاهرة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء لدعم إيران (إ.ب.أ)
عنصر حوثي يحرس مظاهرة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء لدعم إيران (إ.ب.أ)

تتصاعد حالة الغضب والاحتقان الشعبي في مدينة رداع بمحافظة البيضاء اليمنية، وسط دعوات قبلية لتنظيم وقفات احتجاجية سلمية ضد الجماعة الحوثية، في حال عدم الاستجابة لمطالب الأهالي بتسليم المتهمين بالتورط في جرائم قتل شهدتها المدينة خلال الفترة الماضية، إلى جانب فتح ملفات فساد في المؤسسات الخاضعة لسيطرتها.

وجاءت هذه التحركات بعد أيام من جنازة حاشدة شيّعت خلالها قبائل رداع أحد أبنائها الذي قُتل على يد عناصر تابعة للجماعة الحوثية، في حادثة أعادت إلى الواجهة مطالب السكان بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المتكررة، ووضع حد لما يصفونه بحالة الظلم التي تعيشها مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت مصادر قبلية في المديرية، التي شهدت خلال الأشهر الماضية مواجهات متقطعة بين القبائل والحوثيين، لـ«الشرق الأوسط»، إن مدينة رداع تعيش حالة متصاعدة من الغضب الشعبي، مع تزايد الانتهاكات التي تنسب إلى عناصر الجماعة، الأمر الذي دفع زعماء القبائل إلى الدعوة لتنظيم مظاهرة احتجاجية سلمية عقب انتهاء المهلة التي منحوها لسلطات الحوثيين لتسليم المتورطين في سلسلة من جرائم القتل.

الحوثيون اقتحموا حياً في مدينة رداع وهدموا منازل على رؤوس ساكنيها (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر أن المهلة التي حددتها القبائل انتهت الثلاثاء، من دون أن تظهر مؤشرات واضحة على استجابة الجماعة لمطالب الأهالي، وهو ما يزيد من احتمالات تصاعد التوتر في المدينة والمناطق المجاورة لها.

دعوة للتظاهر

بحسب وثيقة متداولة بين وجهاء وأعيان قبائل رداع ومديرياتها الست، فقد وُجّهت الدعوة للسكان للخروج في مظاهرة سلمية للمطالبة بإنصاف الضحايا ورفع ما وصفته الوثيقة بالظلم الواقع على السكان، إضافة إلى المطالبة بمحاسبة المتورطين في جرائم القتل وفتح ملفات الفساد في المرافق الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة.

ووفقاً للوثيقة، يطالب الأهالي بالقبض على المتورطين في مقتل الشاب عبد الله الحليمي ووالده، إضافة إلى علوي سكران، الذين قُتلوا في حوادث منفصلة نُسبت إلى عناصر أمنية تابعة لجماعة الحوثي.

تشييع حاشد لأحد ضحايا القمع الحوثي في رداع وتعهد قبلي بالمواجهة (إعلام محلي)

وتقول المصادر القبلية إن الضحايا كانوا قد طالبوا في وقت سابق بالإفراج عن أقارب لهم معتقلين لدى الجماعة منذ 8 أشهر من دون مسوغ قانوني، الأمر الذي أدى إلى توتر بين الأهالي والعناصر الأمنية التابعة للجماعة.

كما يطالب المحتجون بالإفراج الفوري عن عشرات المختطفين من أبناء «حارة الحفرة»، المحتجزين منذ أشهر في سجون الجماعة بمدينة رداع من دون إجراءات قانونية، بتهمة مساعدة اثنين من سكان الحي على الفرار خلال مواجهة حملة أمنية نفذها الحوثيون في المنطقة.

وكانت تلك الحملة قد اقتحمت الحي قبل أكثر من عام ونصف العام، ورافقتها عمليات تدمير لبعض المنازل، وأسفرت عن مقتل نحو 9 مدنيين، وفق روايات سكان محليين، وهو ما ترك آثاراً عميقة في العلاقة بين الأهالي والجماعة.

توتر وتصعيد محتمل

جاءت التحركات القبلية الأخيرة عقب انتهاء المهلة التي منحتها قبائل رداع، ومدتها يومان، للاستجابة لمطالبها، والتي أعلنت عنها خلال مراسم تشييع الشاب عبد الله الحليمي، الذي قُتل قبل نحو شهر أثناء متابعته إجراءات قانونية لملاحقة المتورطين في مقتل والده.

وتعيش مدينة رداع ومديرياتها المجاورة أجواء مشحونة بالتوتر والغضب، وسط تحذيرات قبلية من أن تجاهل هذه المطالب قد يدفع القبائل إلى اتخاذ خطوات تصعيدية أوسع خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك تنظيم احتجاجات جماهيرية أو اللجوء إلى وسائل ضغط أخرى.

وكان الحوثيون قد دفعوا منتصف الشهر الماضي بتعزيزات قتالية وأمنية وعناصر استخباراتية إلى حي «الحفرة»، عقب اشتباكات شهدها الحي وأسفرت عن قتلى وجرحى في صفوفهم وفي صفوف أبناء القبائل، ورافقتها حملات مداهمة ومطاردات للسكان.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على سكان مدينة رداع منذ نحو عامين خشية انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ووفق المصادر المحلية، فإن حملة المداهمات جاءت عقب محاولة عناصر تابعة لمخابرات الجماعة اختطاف الشاب محمد الصباحي من جوار أحد مطاعم المدينة، قبل أن تتطور الواقعة إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن مقتل أحد المشرفين في الجماعة وإصابة آخرين.

وأعقبت تلك المواجهات حملة اختطافات واسعة طالت 22 شاباً من سكان الحي، جرى نقلهم إلى سجن المخابرات في مدينة البيضاء، عاصمة المحافظة، ولا يزالون محتجزين حتى الآن رغم المطالبات المتكررة من أسرهم ووجهاء القبائل بالإفراج عنهم.

ويخشى سكان رداع أن يؤدي استمرار حالة الاحتقان إلى انفجار الأوضاع مجدداً، خصوصاً في ظل تشديد القبضة الأمنية من قبل الجماعة في المدينة، وفرض إجراءات رقابية على تحركات السكان، تحسباً لأي تحركات احتجاجية أو انتفاضة شعبية محتملة.