الأمن التونسي يعتقل مجموعة إرهابية تنتمي لأنصار الشريعة

الأمن التونسي يعتقل مجموعة إرهابية تنتمي لأنصار الشريعة
TT

الأمن التونسي يعتقل مجموعة إرهابية تنتمي لأنصار الشريعة

الأمن التونسي يعتقل مجموعة إرهابية تنتمي لأنصار الشريعة

أعلنت وزارة الداخلية التونسية أمس تفكيك خلية إرهابية تتكون من 14 عنصرا ينتمون إلى تنظيم «أنصار الشريعة» المحظور.
وجاء في بيان للوزارة أن قوات الحرس الوطني تمكنت، إثر تلقيها معلومات استخباراتية، من اعتقال 14 عنصرا شكلوا «كتيبة أبو بكر الصديق»، المنتمية إلى تنظيم «أنصار الشريعة» المحظور في جهة قفصة (جنوب البلاد)، وجرت إحالتهم على النيابة العامة.
وأفادت الوزارة بأن هذه المجموعة كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية نوعية بضرب أهداف حيوية وحساسة. وكانت الداخلية أعلنت قبل أيام اعتقال 16 عنصرا إرهابيا كانوا يخططون لاستهداف شخصيات ومنشآت حيوية في البلاد. ويرى خبراء في تونس أن أزمة الإرهاب صارت أكثر تعقيدا اليوم، بحيث أصبحت تتطلب خططا أوسع، ربما تستدعي فتح حوار مع هذه الجماعات، إذ لم تعد تونس مجرد منطقة عبور للإرهابيين، كما تردد ذلك كثيرا في السابق، بل أضحت اليوم في معمعة الحرب على الإرهاب.
وقال رضوان المصمودي، مدير مركز «الإسلام والديمقراطية» في تونس لوكالة الصحافة الألمانية إن «الدور القتالي من مهام وزارة الداخلية والدفاع ضد الجماعات الإرهابية التي تستخدم العنف. لكن هناك معالجة أخرى فكرية وسياسية يجب أن لا نغفل عنها». وأضاف: «يجب أن نفهم لماذا يندفع الشباب نحو هذا التيار.. يجب أن نتحاور معه ونقنعه بأساليب علمية بأن العنف ليس سبيلا لحل المشاكل».
وتدرك تونس أنها تخوض حربا معقدة ضد الإرهاب، لكنها تواجه معضلة مزدوجة لا ترتبط فقط بالنقص الواضح في المعدات والتجهيزات، ولكن أيضا في انخراط منظومة الاستعلامات، وغياب البنية القانونية الواضحة للتعاطي مع القضايا الإرهابية، وغياب مراكز متخصصة تساعد الدولة في هذه الحرب. وربما ساهمت القيادات السياسية في تونس بنفسها، عبر قرارات وسياسات محددة، في إرساء أرضية ملائمة لتغذية الإرهاب، حيث بادرت أول حكومة بعد الثورة إلى حل جهاز أمن الدولة، وأعقبت ذلك بمرسوم العفو التشريعي العام الذي منح الحرية لآلاف المساجين، وبينهم المئات من المتورطين في قضايا إرهابية، أبرزهم أبو عياض زعيم تيار «أنصار الشريعة»، وقيادات أخرى من التنظيم.
واستفادت هذه الجماعات من مناخ الحرية بعد الثورة لتعزز نفوذها في الشوارع وفي المناطق الفقيرة، واستفادت أيضا من حالة الفراغ الأمني بتعزيز جناحها العسكري في بؤر الإرهاب، وهي اليوم ترفع السلاح ضد الدولة وتكبد الجيش والأمن خسائر في الأرواح.
وقال المحلل السياسي والخبير في الحركات الإسلامية صلاح الدين الجورشي: «أنا مع العفو كآلية تستعملها الدولة. لكن السؤال هو متى يجب استعمال هذا المبدأ؟ لا بد من حسن اختيار التوقيت.. يجب ألا يكون عفوا عاما، بل يتعين دراسة المشمولين بهذا القرار حالة بحالة».
وسواء كان التوقيت مناسبا أم لا، فإن تحقيق أي نجاح في خطط الحكومة المؤقتة الحالية، والمرتبطة بتوفير مناخ ملائم لإجراء انتخابات مفصلية في تاريخ تونس، وإنجاح الموسم السياحي، وجلب استثمارات جديدة، يتوقف على مدى قدرتها على إحراز تقدم ملموس في معركتها ضد الإرهاب.
من جهة أخرى في خطوة مفاجئة، وبعد اتفاق أولي على مبدأ الفصل بين المحطتين الانتخابيتين، تنتظر عودة الأحزاب السياسية إلى خيار التزامن بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، خاصة بعد فشل أول جلسة تفاوض عقدت أول من أمس، ولم تفض إلى اتفاق بين الأحزاب الممثلة في المجلس التأسيسي (البرلمان).
وأظهرت نتائج عملية التصويت التي أجرتها قيادات تلك الأحزاب، أن تسعة منها صوتت لصالح أسبقية الانتخابات البرلمانية على حساب الانتخابات الرئاسية، في حين صوتت عشرة أحزاب لفائدة إجراء الانتخابات الرئاسية أولا.
وتوزعت الأصوات يوم الجمعة الماضي بين 11 حزبا لصالح إجراء الانتخابات البرلمانية في مرحلة أولى، وثمانية لصالح الانتخابات الرئاسية. ومن المنتظر حسم هذا الموضوع إما عن طريق التوافق، أو التصويت بين الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، أو الرجوع إلى التصويت داخل المجلس التأسيسي في حال فشل التوافق السياسي.
وينص الدستور التونسي على نظام سياسي يجمع بين الرئاسي والبرلماني، وهو ما جعل أكثر من حزب سياسي يتمسك بمبدأ التزامن في إجراء الانتخابات، حتى لا تميل كفة النظام السياسي التونسي نحو نظام برلماني في حال إجراء الانتخابات البرلمانية أولا، أو نحو النظام الرئاسي في حال الاتفاق على أسبقية انتخاب رئيس الجمهورية.
وفي حال الفصل بين الانتخابات، أكد عامر العريض، رئيس الدائرة السياسية لحركة النهضة لـ«الشرق الأوسط» أن حزبه يشترط تقديم موعد الانتخابات البرلمانية على الانتخابات الرئاسية. ويتطابق موقف حزب «المسار الاجتماعي الديمقراطي» (الحزب الشيوعي سابقا) مع موقف حركة النهضة، فيما دعت «حركة نداء تونس»، أبرز منافس سياسي لحركة النهضة، إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في محطة أولى.
واتفقت الجبهة الشعبية (تحالف يضم 12 حزبا سياسيا موزعة بين يساريين وقوميين) و«حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات»، الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر، مع «حركة نداء تونس» حول تقديم الانتخابات الرئاسية، وأعلنت الجبهة أيضا نيتها ترشيح حمة الهمامي للرئاسة، فيما ينوي حزب التكتل تقديم بن جعفر.
وفي هذا السياق، قال الهمامي، المتحدث باسم الجبهة الشعبية لـ«الشرق الأوسط» إن قضية الفصل أو التزامن بين الانتخابات مرتبطة بتقديرات سياسية. وأضاف في تصريحه أن الجبهة تؤيد مبدأ إجراء الرئاسية أولا لإخراج رئاسة الجمهورية من دائرة الحسابات السياسية الضيقة، على حد تعبيره. وأبدى الهمامي خشيته من تشكل ائتلاف حكومي مؤثر على الانتخابات الرئاسية، في حال تقديم الانتخابات البرلمانية والإعلان عن نتائجها بصفة مسبقة. من جهة ثانية، دعا غازي الجريبي، وزير الدفاع التونسي، إلى تعزيز التعاون الأمني بين تونس والجزائر، وتفعيل اتفاقية التعاون في مجال تأمين الحدود المشتركة بين البلدين. وأشار في لقاء علمي افتتح في العاصمة التونسية أمس حول موضوع «التخوم التونسية عبر العصور» إلى تعقد الوضع الأمني في منطقة المغرب العربي، خاصة بعد استفحال مظاهر الإرهاب وانتشار الجريمة المنظمة، وتنامي مخاطر العبور غير المشروع عبر المناطق الحدودية الوعرة والنائية. وقال لدى افتتاحه هذا اللقاء إن الحدود المشتركة أصبحت تشكل «تهديدا لأمن المنطقة واستقرارها». وعلى صعيد متصل، قللت مصادر أمنية من أهمية تصريحات صحافية جزائرية أكدت أن عدد الإرهابيين المتحصنين في الحدود التونسية - الجزائرية لا يقل عن 450 عنصرا إرهابيا. وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن عددهم لا يمكن تحديده بدقة، ولكنه حتما لا يرقى إلى هذا العدد.
وقال الفاضل السايحي، وهو نقابي أمني من القصرين، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا العدد مبالغ فيه؛ «إذ لا يمكن لأي طرف أمني أو سياسي أن يعطي رقما نهائيا لأعداد الإرهابيين المتحصنين في الجبال الغربية من البلاد». وأشار إلى أن عددهم أقل بكثير من ذلك.
وكانت المؤسسة الأمنية والعسكرية التونسية، التي تخوض مواجهات مسلحة مع العناصر الإرهابية، قد أشارت إلى أن عددهم لا يزيد على 50 عنصرا، وأنها ساعية إلى تضييق الخناق عليهم إلى حين استئصالهم من تلك المناطق والقضاء على الإرهاب في تونس.
في غضون ذلك، ذكرت وزارات الداخلية والتجارة والمالية والصحة في بيان مشترك أصدرته أمس، بالقانون الذي يمنع صنع وتوريد وترويج الألعاب النارية، وذلك إثر استعمال أصوات المتفجرات الاصطناعية (الشماريخ) للتغطية على أصوات الرصاص أثناء تنفيذ العمليات الإجرامية. وأشارت إلى أن السلطات ستلجأ إلى متابعة كل من يخالف هذه القوانين، خاصة بعد أن تبين أن الهجوم الذي استهدف منزل عائلة وزير الداخلية التونسي وأودى بحياة أربعة أمنيين، سبقه إطلاق كثيف للألعاب النارية.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.