الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد

الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد
TT

الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد

الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد

لم يتوقع كثير من الناس، سواء داخل سوريا أو خارجها، أن تسفر الانتخابات الرئاسية السورية عن مفاجآت. «إنها انتخابات صورية»، هكذا قال لي أحد الخبراء البريطانيين المعنيين بشؤون الشرق الأوسط قبل بضعة أسابيع عندما كنا نتناقش حول التصويت المقبل في البلاد. ولكنه استطرد قائلا: «لكنها انتخابات صورية مهمة».
لا شيء يمكن أن يكون أكثر صدقا مما قاله هذا الخبير. فمع بدء التصويت يوم الأربعاء الماضي للسوريين المقيمين في الخارج، وإدلاء أولئك الذين يعيشون في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام داخل البلاد بأصواتهم أمس، تكشفت الأحداث الحالية خلال أسبوع الانتخابات السورية بشكل واضح عن الدمار الذي أصاب البلاد وألقى بظلاله على شعبها المحاصر جراء الاستقطاب الصارخ، الذي أسفرت عنه ثلاث سنوات من الصراع الحاد. ومما يدل على ذلك استخدام رجل من بين المصوتين، في مركز الاقتراع ببيروت، دمه من أجل التصويت لبشار الأسد، وذلك طبقا لما أفادت به بعض التقارير. وفي الوقت نفسه، نظم نشطاء المعارضة، في القرى والبلدات والمدن التي تقع في مناطق يسيطر عليها الثوار، سلسلة من الاحتجاجات الصاخبة ضد ما وصفوه «بانتخابات الدم» بقيادة الأسد. وفي بلد غارق في الدماء على مدى السنوات الثلاث الماضية، بدت رمزية الانتخابات مناسبة في كلتا الحالتين.
وحينما نمعن النظر في هذه الانتخابات نجد أن كل تفاصيلها صممت للتأكيد على أن أولئك الذين يؤيدون النظام هم من يحابيهم النظام، وأولئك الذين يكرهونه سيجري إقصاؤهم. وكمثال آخر على الاستقطاب خارج سوريا ما حدث في العاصمة الأرمينية يريفان، التي لجأ إليها ما بين عشرة آلاف و15 ألف سوري - أرميني كلهم من المسيحيين، وعدد كبير منهم من الطبقة الوسطى ويمثلون أغلبية ساحقة مؤيدة للنظام، إذ فتحت السفارة السورية أبوابها للتصويت. بينما في تركيا، وهي بلد مجاور تأوي أكثر من مليون لاجئ سوري، لم يتوفر صندوق اقتراع واحد بها. ولكن لم يكن ذلك مستغربا، بالنظر إلى أن معظم السوريين هناك من السنة الذين هربوا من المدن والبلدات الشمالية التي سحقها الأسد. هذا ولم يسمح لأي من السوريين الذين غادروا البلاد دون جوازات سفرهم أو عبر الحدود التي تسيطر عليها المعارضة - والفقراء المعدمين، والمنشقين من الجيش، والمدرجين في القوائم السوداء - بتسجيل أسمائهم من أجل التصويت.
«لم نكن نعتقد أن الأسد سيجري الانتخابات إلا عندما أعلن عنها»، هذا ما قاله يحيى العلاوي، الذي كان يمتلك مطعما في إدلب قبل أن يغادر خالي الوفاض بعد أن دُمِر بيته ومحل عمله. كما أضاف قائلا: «لا أستطيع أن أصف الشعور الذي انتابني عندما سمعت أنه من المقرر أن تكون هناك انتخابات. إن الأمر سخيف ومحزن للغاية، في ضوء ما حدث في سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية».
ومثل مئات الآلاف من السوريين الآخرين الذين فقدوا كل شيء، انتقل يحيى بعائلته إلى محافظة هاتاي التركية، المجاورة لسوريا على الطرف الغربي من المنطقة الحدودية. يجني يحيى من عمله الجديد، في مطعم بمدينة الريحانية، 750 ليرة تركية شهريا، ينفق منها 400 ليرة على الإيجار. وعند سؤاله عن الانتخابات، قال يحيى إنه لم يكن ليشارك بإدلاء صوته حتى لو كانت الحكومة السورية نظمت التصويت في تركيا. وبالنسبة للسوريين أمثال يحيى، كان مجرد طلب مشاركتهم في الانتخابات من شأنه أن يزيد من حجم الضرر الواقع عليهم بالفعل. وأردف قائلا: «إنه من الجيد أن الانتخابات لم تجر في تركيا. وكان ينبغي على جميع الدول أن تفعل الشيء نفسه. لا يجب أن يساعد أي شخص النظام على إقامة هذه الانتخابات».
وفي حصر الانتخابات في الأماكن التي لا تزال تحت سيطرته ويحظى فيها باحترام، فرض الأسد سيطرته على هذا العمل السياسي المسرحي تماما، وبنفس القدر من البراعة التي تمثلت في استعادته بعض الأراضي في الأسابيع الأخيرة. وسواء بمحض الصدفة أو بتضافر الجهود العسكرية، عقدت الانتخابات في الوقت الذي كان يبدو فيه أن الأسد له اليد العليا الحاسمة في ميدان المعركة. خلال الشهر الماضي استعادت قواته معقلا للثوار في حمص ويبدو أن قواته طوقت المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة في مدينة حلب. وفي المناطق الشمالية الشرقية الغنية بالنفط، يخوض الثوار غمار معركة أخرى في جبهة ثانية ضد الجماعات الإسلامية الانتهازية التي تستغل الفوضى للاستيلاء على موارد البلاد.
واستكمالا لهذا المشهد يروي أبو فهد، وهو أب لأربعة أبناء، ويدير محل بقالة صغير في الريحانية، ببالغ الأسى والغضب كيف استعاد النظام المدينة القديمة في حمص من المعارضة الشهر الماضي، معقبا بأن منزله وعمله كانا دائما هناك، ولكن الآن لم يبق أي شيء جراء القصف العنيف الذي شنته قوات النظام على مدار عامين.
وفي تعقيبه على إجراء الانتخابات قال أبو فهد: «لو تبقى لبشار أي ذرة من الإنسانية، لم يكن ليقيم هذه الانتخابات بعد تلك الأحداث»، مضيفا: «إنه دمّر كل شيء. دمّر عائلاتنا. نحن هنا لاجئون فكيف ينبغي لنا أن نقبل هذا؟».
من الجانب العملي، تعد نتائج الانتخابات بالكاد ذات أهمية في هذا السياق. ولكن على الجانب النفسي، فهي تعني كل شيء.
ويقول تشارلز ليست، الخبير في الشؤون السورية بمعهد بروكينغز، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مضمون الانتخابات أقل أهمية، بيد أن رمزيتها بالنسبة لجانبي الصراع هي المهمة، فهي تمثل بالنسبة لمؤيدي الأسد، تأكيدا على استمرار شرعيته».
وقال يحيى إنه كان يعتقد أن الآثار التي قد تنجم عن فوز الأسد، ستكون أبعد بكثير من كونها آثارا ملموسة». وأضاف: «بطبيعة الحال إذا فاز الأسد، سيحاول استعادة كل المناطق المحررة»، موضحا أنه «سوف يقتل المزيد من الناس».
وقد ادعى أنصار الأسد أن هذه المنافسة كانت خطوة حقيقية نحو الديمقراطية، في إشارة إلى أن هذه هي أول انتخابات رئاسية منذ تولي والد بشار، حافظ الأسد، السلطة في عام 1970، والتي أتيح فيها للسوريين البسطاء الاختيار من بين المرشحين. وفي انتخابات سابقة، كان يمكن للناخبين التصويت إما بـ«نعم» أو «لا» في استفتاء على الرئيس الموجود؛ كما حدث في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في عام 2007، وفاز فيها الأسد بتأييد بلغت نسبته 98 في المائة.
وقد بدا جليا من خلال مشاهد الفوضى التي رصدت يوم الاقتراع في السفارة السورية ببيروت، أن جزءا كبيرا من السوريين يعتقدون أن الأسد هو الخيار الأفضل إلى الأبد، وليس في الوقت الراهن، بل ويرون أنه الخيار الوحيد.
وفي هذا السياق يقول جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط، بأن تلك الحشود كانت أكثر رمزية وأهمية من نتيجة الانتخابات ذاتها. وأضاف في تصريحه لصحيفة «الشرق الأوسط»: «هذه الانتخابات ليس لها علاقة بالديمقراطية، وإنما هي سعيا للزعامة. لا يهم حقا إذا كان المادحون صادقين في محبتهم، فيكفي إثبات أن الرجل العظيم يستطيع أن يجعلهم ينتفضون بأعداد كبيرة لإظهار مدى تفانيهم».
وإذا كانت هذا السعي من جانب الأسد لإظهار روح الديمقراطية، فهي محاولة ضعيفة. وكان المرشحان المعارضان له، واللذان تم اختيارهما من بين 24 مرشحا ممن سجلوا في البداية، غير معروفين في الواقع.
وتعقيبا على ذلك، قال الدكتور أبو علي، الذي يعمل طبيبا جراحا بالمستشفى الميداني في إدلب منذ بدء النزاع المسلح، إن «المرشحين الآخرين كانا من أنصار بشار»، حسب تعبيره بأن «الأمر يبدو كخدعة. وإذا ذهبت إلى المناطق الخاضعة لنفوذ النظام، فلن ترى أي ملصقات للحملتين الانتخابيتين لهذين المرشحين، ستجد فقط صور بشار».
ليست هذه هي الديمقراطية التي كان المتظاهرون يأملون في تحقيقها عندما خرجوا إلى الشوارع قبل ثلاث سنوات طويلة. ومنذ ذلك الحين، وبطبيعة الحال، غمر تلك الاحتجاجات التمرد المسلح، الذي تحول بعد ذلك إلى حرب أهلية بشعة والتي تبدو مستعصية على الحل. ولكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، أخذ الناشطون المدنيون مرة أخرى زمام المبادرة باعتبارهم صوت المعارضة.
قال سامي، أحد مؤسسي حملة «لا تصوت، ارفع صوتك» التي أقيمت عبر شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، في حديثه عبر «سكايب» قبل يومين من بدء الاقتراع: «إن تحويل الأمر إلى نزاع مسلح كان واحدا من أكثر الأخطاء القاتلة للثورة». وحث أعضاء الحملة، التي يديرها ناشطون مدنيون من داخل دمشق في سرية تامة، السوريين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام على الامتناع عن التصويت كشكل من أشكال الاحتجاج على الانتخابات الرئاسية التي يشوبها عيوب كثيرة. ومن خلال الأسلوب والرسالة التي تؤديها الحملة، فإنها أعادت للأذهان الأيام الأولى للانتفاضة.
وأكد سامي قائلا: «إن بديل الأسد هو المعارضة معتدلة، وليس المعارضة المسلحة المعتدلة، ولكنها المعارضة المعتدلة التي حافظت على برنامجها ومسارها السياسيين، ودعت دائما إلى إيجاد حل سلمي». وأضاف: «هذا هو الطريق الذي لا بد من السير فيه، لأننا نعرف أن الصراع المسلح لن يؤدي إلى أي شيء إيجابي. فلن تستطيع الحكومة ولا المعارضة النجاح عسكريا».
فضلا عن ذلك، أجريت هذه الانتخابات في ظل أغرب وأبشع ظروف. ففي الوقت الذي أسقطت فيه أول بطاقة تصويت في صناديق الاقتراع، واصلت قوات النظام إلقاء البراميل المتفجرة على حلب، واستمر اللاجئون في التدفق عبر الحدود. إن المحرومين من التصويت هم أيضا النازحون، والمحبطون، الذين تدمرت حياتهم، هم أنفسهم الذين فقدوا الكثير على يد الأسد خلال السنوات الثلاث الماضية.
ويُنهي أبو علي حديثه متسائلا: «إذا كان لديك رئيس مثل بشار، هل ستنتخبه مرة أخرى؟». ويرد متسائلا: «كيف يمكن أن أصوت لقاتلي؟».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.