خلفيات فك الارتباط بين الظواهري والجولاني

«القاعدة» تهاجم «تحرير الشام» وتتوعد بالرد

عناصر من «جبهة النصرة»  قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)
عناصر من «جبهة النصرة» قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)
TT

خلفيات فك الارتباط بين الظواهري والجولاني

عناصر من «جبهة النصرة»  قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)
عناصر من «جبهة النصرة» قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)

تأتي حملة الاعتقالات التي طالت «جهاديين» بارزين في سوريا، والتي شنتها «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً)، لتؤكد الانفصال الآيديولوجي للهيئة عن تنظيمها الأم أي تنظيم القاعدة. فهذا المسار الانفصالي الذي بدأت تلوح بوادره منذ شهر يوليو (تموز) 2016، والذي يندرج ضمن استراتيجية زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني الساعي إلى إعطاء الهيئة طابعاً سياسياً سورياً محضاً، يمكن أن يشكل سابقة على ساحة المتشددين الدولية، كما يأتي ليبرهن أن «جهاد القاعدة» فشل للمرة الثانية في سوريا، بعد أن قطع أواصر صلته في عام 2014 بتنظيم داعش.
ففي 27 نوفمبر (تشرين الثاني)، تناقل بعض من أنصار «هيئة تحرير الشام» خبر توقيف سامي العريدي وأبو جليبيب بعد اجتماع تمت الدعوة إليه من قبل الهيئة. ويبدو أن الاعتقال استهدف عدداً من أعضاء «جبهة النصرة» التي كانت ذراع تنظيم القاعدة في سوريا سابقاً، والتي حُلَّت في يوليو (تموز) 2016 عندما انفصلت عن تنظيمها الأم، وأعيد تسميتها باسم جبهة «فتح الشام». وإلى جانب الدكتور سامي العريدي وأبو جليبيب الأردني، ألقى القبض أيضاً على أعضاء بارزين آخرين مثل أبو خديجة الأردني، وأبو مصعب الليبي، وفق الخبير المتخصص بالساحة «الجهادية» السورية حسن دغيم.
كما انتشرت معلومات عن توقيف أبو همام السوري، القائد العسكري السابق في «النصرة»، وأبو القاسم الأردني، نائب أبو مصعب الزرقاوي عضو تنظيم القاعدة السابق في العراق، الذي أعلن مقتله في غارة أميركية عام 2006. ويشير الشيخ دغيم إلى أن جميع هؤلاء الأعضاء كانوا يعارضون انتقال الهيئة من الثوب «الجهادي» السلفي إلى الثوب المدني. وكان قد سبق عمليات الاعتقال هذه حملة اغتيالات طويلة بحيث كشف المحلل السوري هايد هايد من «المجلس الأطلسي» عن أكثر من 35 عملية اغتيال طالت أعضاء المنظمة.
وأكد هايد أن معظم الهجمات استهدفت زعماء وقادة بارزين، غالبيتهم من الأردنيين والتونسيين، مثل أبو طلحة الأردني وأبو عبد الرحمن المهاجر وأبو سليمان المغربي وأبو يحيى التونسي وسراقة المكي وأبو محمد الشرعي، فضلاً عن عدد من القادة المحليين مثل أبو إلياس البانياسي ومصطفى الزهري وسعيد نصر الله وحسن بكور. وفي السياق نفسه، أشارت مصادر من إدلب إلى أن العديد من الهجمات يمكن أن تكون نتيجة حملة داخلية ضد المتشددين في التنظيم. وعلى الأرجح فهذه الاغتيالات والتوقيفات تندرج في إطار قرار زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني قطع أي علاقات خارجية للهيئة بتنظيم «القاعدة».
إن التطور السريع لهذه الأحداث يعكس التبدل في الفكر الآيديولوجي الذي تبنته «جبهة النصرة» السابقة، وأدى إلى الانقسام في سوريا. وفي هذا الصدد يشير دغيم إلى أن الاعتقال قد يكون خطوة مكلفة قامت بها «هيئة تحرير الشام» التي سعت لأكثر من عام ونصف العام، لأن تنأى بنفسها عن التفسير الذي يعطيه تنظيم القاعدة لـ«الجهاد الدولي»، محاولة بذلك إعادة تصويب مسارها. وقد اتسم هذا الاختلاف الآيديولوجي بين «هيئة تحرير الشام» وتنظيم القاعدة بثلاثة تواريخ رئيسية.
ففي يوليو 2016 أعلنت «جبهة النصرة» أنها انفصلت عن «القاعدة»، وعن تشكيل «جبهة فتح الشام». وحظيت هذه الخطوة بدعم قادة الفكر المؤثرين مثل الشيخ عبد الله محيسني. وأشادت الفصائل الإسلامية السورية مثل «أحرار الشام» و«أجناد الشام» بقرار «جبهة النصرة». في المقابل تُرجم انفصال «النصرة» عن تنظيم القاعدة باستياء المتشددين ضمن الجماعة، وأثار نقاشاً حاداً داخل «الشبكة الجهادية السورية»، رغم أن ذلك فسح المجال أمام «جبهة فتح الشام» للتخلي عن مفهوم «العدو البعيد» (أي العدو خارج المنطقة المباشرة) الذي كان في صلب آيديولوجية «القاعدة» منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
من ثم، جاء إنشاء «هيئة تحرير الشام» في يناير (كانون الثاني) 2017، ليشكل نقطة الانعطاف الثانية. فهذا التطور الثاني سمح للهيئة بالانضمام إلى فصائل المعارضة الشمالية التي تضم حركات منفتحة وحركات متشددة مثل: «نور الدين زنكي» و«لواء الحق» و«جبهة أنصار الدين» و«جيش السنة»، فضلاً عن المنشقين من «أحرار الشام» الذين شكلوا «جيش الأحرار». وفي حين كان يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من قبل «جبهة النصرة» السابقة لتوطيد سلطتها، إلا أن أثرها الآيديولوجي كان أكبر بكثير، بحيث أدى انضمام العناصر الأكثر اعتدالاً إلى تأجيج حدة الخلافات بين المتشددين والمفكرين البراغماتيين. وفي يونيو (حزيران) 2017، اعتبر «الجهاديون» أن التعليق الذي أدلى به هشام الأطرش، أحد قادة الهيئة الذي كان يتبع سابقاً «لواء زنكي»، أنه «ارتداد» حين دعا الأطرش في سلسلة من التغريدات جماعات الثوار، بما في ذلك هيئة «تحرير الشام»، إلى حل مجموعاتهم والانضمام إلى حكومة مؤقتة للمعارضة من شأنها أن تحكم المناطق المتمردة. انتُقدت هذه التغريدات بشدة من قبل أعضاء سابقين من «جبهة النصرة» كانوا قد انفصلوا عنها حين أعلنت المجموعة انشقاقها عن «القاعدة» على غرار أبو خديجة وأبو جليبيب والدكتور سامي العريدي.
وطبقاً لقناة «وريث الزرقاوي» التي تعنى بنشر كتابات زعماء من «القاعدة» و«النصرة»، فإن العلاقات بين المتشددين السابقين في «جبهة النصرة» و«هيئة تحرير الشام» تفاقمت لدرجة أن المنظمة عمدت إلى ملاحقة أبو خديجة وأبو جليبيب. كما نشرت الصفحة مقالاً للدكتور العريدي، الشخصية المؤثرة في صفوف «جبهة النصرة» سابقاً، دان فيه الرد الضعيف لـ«هيئة تحرير الشام» على بيان الأطرش، إذ اكتفت الهيئة باعتبار أن بيان الأطرش هو «رأي فردي». وندد الدكتور العريدي برد فعل «شقيقيه» في إشارة إلى محمد الجولاني والشيخ عبد الرحيم عطون، مضيفاً أنه خلال مناقشة سابقة مع الرجلين، قال الجولاني رداً على سؤال عما سيفعله إذا أيد أعضاء جدد من حركته شكلاً من أشكال الحكم الديمقراطي، «بأنه سيقتل أي شخص يقدم مثل هذا الاقتراح». واعتبر العريدي أن الجولاني غيّر رأيه، أو فقد السيطرة على منظمته. وبالإضافة إلى ذلك، وفي بيان آخر، انتقد الشيخ مقدسي أيضاً بشكل غير مباشر الهيئة لـ«تمييع» القضية «الجهادية السورية».
أما نقطة الانعطاف الثالثة عن «النصرة»، فجاءت مع اعتقال حرس «النصرة» القديم. وهنا يشير الشيخ دغيم إلى «أن الجولاني يسعى إلى الحصول على دعم دولي، وتبييض صفحته». كما يُعتقد أن دخول تركيا إلى إدلب في أكتوبر (تشرين الأول)، بالتنسيق مع الهيئة، قد سرّع الطلاق بين الهيئة وتنظيم القاعدة، إلا أنه وبغض النظر عن دخول تركيا، فإن الطلاق الآيديولوجي كان في طور الإنجاز.
في المقابل، هاجم زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، «هيئة تحرير الشام» على خلفية الاعتقالات التي بدأتها ضد مناصري «القاعدة»، واعتبر أن إعلان فك ارتباط «جبهة النصرة» منفي وغير مقبول. وفي تسجيل صوتي قال الظواهري إن «العقود والبيعات من الأمور العظيمة، وأوجب الشرع الوفاء بها»، مؤكداً «لم نحل (جبهة النصرة) ولا غيرها من بيعتنا». وأضاف أن تنظيم القاعدة لم يقبل سابقاً أن تكون بيعة «جبهة النصرة» سرية، واعتبرها من الأخطاء القاتلة. وحذّر من «خطر الاجتياح التركي المقبل، ومحاولات الإيرانيين»، عدا عن سياسة التضييق على المتمسكين ببيعة «قاعدة الجهاد في الشام»، والذين تعرضوا للاعتقال والتحقيق.
إن رد فعل تنظيم القاعدة القوي على تطور مسار «هيئة تحرير الشام» الأخير يمكن فهمه بسهولة، إذ يبدو أن «جهاد القاعدة في سوريا» باء بالفشل، أضف إلى أن انفصال «هيئة تحرير الشام» عن «القاعدة» ليس الأول من نوعه، بعد أن سبقه فك ارتباط تنظيم القاعدة بتنظيم داعش في فبراير (شباط) 2014، حين أعلن تنظيم القاعدة قطع علاقاته بتنظيم داعش، وعدم تبني أي مسؤولية عن أعمالها.



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.