لم ينجح حزبا «القوات» و«الكتائب» في خضم الأزمة السياسية التي دخلتها البلاد مع إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته، باستثمار تلاقي موقفهما الاستراتيجي بخصوص موضوع «حزب الله» وسلاحه وتحييد لبنان، لتخطي خلافاتهما التي انفجرت بعيد تبني رئيس «القوات» سمير جعجع ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وسيره بما يُعرف بـ«التسوية الرئاسية» التي رفضها رئيس «الكتائب» سامي الجميل وقرر بحينها اللجوء وحيدا إلى صفوف المعارضة.
إلا أنه وبعد الهزة العنيفة التي شهدتها معظم التحالفات السياسية على خلفية إعلان الحريري استقالته وما تلا ذلك من أحداث، بدا وكأن ما يجري قد ينعكس إيجابا على علاقة القوات - الكتائب اللذين تلاقت مواقفهما عند رفض استمرار الحكومة بتأمين غطاء سياسي لحزب لله والسكوت عن تدخله بشؤون الدول العربية، إضافة لإصرارهما على وجوب الاستفادة من الواقع الحالي لإعادة وضع ملف سلاح الحزب على الطاولة، تمهيدا لإيجاد حل نهائي له. لكن الخلافات المتراكمة بين الطرفين حالت دون تمكنهما من اقتناص الفرصة الحالية في ظل إصرارهما على تبادل الاتهامات والمسؤوليات عما آلت إليه علاقتهما التي كانت على مر السنوات علاقة تحالف استراتيجي.
وبينما تنتقد «القوات» وبشكل رئيسي ما تسميه «استهدافا متكررا لها من قبل الجميل رغم المساعي التي كانت تبذل لوضع حد لمرحلة الخلافات الماضية»، يشدد «الكتائب» على أن الأحوال ستبقى على ما هي عليه ما دامت القوات جزءا من الحكومة، وبالتالي «تغطية الصفقات المشبوهة كما جر لبنان إلى صراعات المنطقة من خلال تغطية ممارسات حزب الله».
ويؤكد رئيس دائرة الإعلام والتواصل في حزب «القوات اللبنانية» شارل جبور حرص حزبه على عودة العلاقة مع «الكتائب» إلى سابق عهدها، «خاصة أننا نتلاقى معهم على نحو 90 في المائة من الخطوط والعناوين الوطنية العريضة»، إلا أنه يستغرب «الاستهداف المتكرر من قبل الكتائب للقوات في كل محطة ومناسبة، وهو ما حاولنا تجاوزه، فدخلنا بحوار منذ فترة ليست ببعيدة وتم عقد لقاء بين وزير الإعلام ملحم رياشي ممثلا القوات والنائب سامي الجميل تم الاتفاق خلاله على وقف السجالات والعمل على وضع خريطة طريق سياسية، لنتفاجأ بعد يومين وبالتحديد في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بتهجم الجميل من جديد على القوات في مقابلة صحافية». ويضيف جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الهجوم الجديد أدى لوقف كل المساعي والمبادرات كما إلى تجميد الأمور، علما بأننا لم نسمع حتى الساعة أسباب وخلفيات هذا الهجوم».
بالمقابل، يستهجن عضو المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية» سيرج داغر إصرار «القوات» على «تصوير هجوم الكتائب على الحكومة كهجوم مباشر وشخصي عليها»، مشددا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أنه لا نية على الإطلاق لدى حزبه باستهداف القوات أو نسف العلاقة معهم. ويضيف: «نحن قلنا إن التسوية أدت لوضع حزب الله يده على البلد، وللأسف فإن القوات كانوا جزءا من هذه التسوية، وقد بينت التجربة الأخيرة صحة قراءتنا السياسية».
ويعول الكتائبيون على ما يبدو على استقالة «القوات» من الحكومة لتمهيد درب التلاقي مجددا. ويشير داغر في هذا المجال إلى أن الكرة حاليا في الملعب القواتي، «بحيث إذا استقال وزراء القوات من الحكومة وانضموا إلينا في صفوف المعارضة يكونون قد سهلوا عملية التلاقي، أما إذا أصروا على الوجود في الحكومة بعد استعادة نشاطها وممارساتها وبالأخص صفقاتها المشبوهة، فعندها حكما سنعود إلى التباعد».
ولم تكن تجربة التلاقي التي تحدث عنها جبور مطلع الشهر الجاري التجربة الأولى لإعادة المياه إلى مجاريها بين الطرفين، إذ كانت هناك مساع أخرى تبذل في السياق عينه في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انتهت إلى تفاقم الخلاف بين الطرفين على خلفية اتهامات واضحة وجهها الجميل لـ«القوات»، مفادها «التخلي عن المبادئ السياسية والسيادية لصالح منطق المحاصصة وتحقيقا لمصالح شخصية». وهو ما دفع قواتيين للرد وبحزم على هذه الاتهامات، ما انعكس سلبا على الوساطات التي كانت مبذولة لتقريب وجهات النظر بين الحزبين تمهيدا لمرحلة الانتخابات النيابية المقبلة.
ورغم التجارب الفاشلة المتكررة لرأب الصدع، لا يزال حزب «القوات»، وبحسب جبور، يعول على توحيد «القوى السيادية حول العناوين الكبرى المشتركة، فيتم تجاوز الخلافات التي يتوجب أن تبقى في إطارها الطبيعي دون أن تؤثر على طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين هذه القوى».
ستريدا جعجع
الى ذلك، انتقد حزب «القوات» الحملات السياسية ضده، مؤكدا على لسان زوجة رئيس الحزب النائب ستريدا جعجع «الاستمرار على مواقفنا المبدئية، ولن نتراجع عنها مهما اشتدت الضغوط والافتراءات»، فيما شدد وزير الإعلام ملحم الرياشي على أن الاختلاف مع الرئيس اللبناني ميشال عون «لن يؤدي إلى أي خلاف مهما رغب الراغبون».
وتزايدت الهجمات السياسية ضد حزب «القوات» على خلفية الأزمة الحكومية، والتي وصلت في بعض وسائل الإعلام إلى حدّ الإيحاء بأن التسوية الجديدة ستتضمن تغييراً في التركيبة الوزارية سيشمل وزراء «القوات»، بموازاة التباين في المواقف بين «القوات» و«تيار المستقبل».
وقالت النائب جعجع في بيان إن «القوات اللبنانية» تتعرض لحملة منهجية مبرمجة تستهدفها موقعاً وموقفاً، ولا غرابة في ذلك، لأن «القوات اللبنانية» تخوض معركة مزدوجة، الأولى وطنية سيادية، والثانية ترتبط بالشفافية ومحاربة الفساد.
ورأت جعجع: «إن تكتل الخصوم السياسيين لـ(القوات) هو بحكم تحصيل الحاصل، ولهم أقول: إنكم واهمون، فأنتم لم تستطيعوا النيل من (القوات اللبنانية) وتشويه سمعتها في أحلك الظروف، عندما حُلَّ الحزب واعتُقل رئيسه لأسباب سياسية، وتم توقيف وملاحقة الآلاف من شبان (القوات) وشاباتها، والحكم زوراً على أنطوانيت شاهين وتصفية فوزي الراسي واغتيال رمزي عيراني، فضلاً عن أصناف القمع والمنع».
وتوجهت إلى محازبي «القوات اللبنانية» قائلة: «ارفعوا رؤوسكم حيثما كنتم، لأن المعركة التي نخوضها معركة مشرّفة عنوانها بقاء لبنان السيد الحر المستقل من جهة، والتصدي من جهة ثانية للسماسرة الذين يعملون على تمرير الصفقات التي تفوح منها روائح الهدر والفساد».
ورداً على الأنباء عن خلافات بين «القوات» ورئيس الجمهورية، وعن حقيقة العلاقة مع عون، قال وزير الإعلام ملحم الرياشي، وهو أحد ممثلي «القوات» الثلاثة في الحكومة اللبنانية: «فليتوقف المزايدون على علاقة القوات والحكيم، برئيس الجمهورية الذي هو شريك في مقاومة زمن الاضطهاد وهو الشريك في المصالحة التاريخية التي أرست دعائم الدولة وقواعد الجمهورية، وأكدت أصول العلاقة بين التيار والقوات التي ضمنتها وثيقة النيات سواء في الاتفاق أو في الاختلاف وما أكثره، لكنه لن يؤدي إلى أي خلاف مهما رغب الراغبون».








