ليبيا حائرة بين مصرفين مركزيين... ومواطنون يدفعون «فاتورة الانقسام»

99 % من الاعتمادات والأنشطة في يد {طرابلس}... و«البيضاء» ينازعه بـ4 مليارات دينار

مصرف طرابلس المركزي («الشرق الأوسط»)
مصرف طرابلس المركزي («الشرق الأوسط»)
TT

ليبيا حائرة بين مصرفين مركزيين... ومواطنون يدفعون «فاتورة الانقسام»

مصرف طرابلس المركزي («الشرق الأوسط»)
مصرف طرابلس المركزي («الشرق الأوسط»)

عمّقت الأزمة السياسية في ليبيا من وضعية «المصرف المركزي» المُنقسم بين المقر الرئيسي، المُعترف به دوليا، في العاصمة طرابلس (غرب البلاد)، الذي تذهب إليه إيرادات النفط، ويترأسه الصدّيق الكبير، وبين آخر مواز ويديره نائبه علي الحبري، في مدينة البيضاء (شرق البلاد)، وذلك في وقت تضرب فيه البلاد أزمة نقص سيولة حادة، أدت إلى اصطفاف المواطنين في طوابير طويلة أمام المصارف، فضلا عن وصول الدين الخارجي إلى 71 مليار دينار ليبي (نحو 7.9 مليار دولار).
وأعلن الحبري، من تونس أمس، خلال افتتاحه معرض المنتجات المصرفية الذي يقام على هامش المنتدى السنوي الأول لتطوير القطاع المصرفي في ليبيا، أن «مستقبل المصرف المركزي يتوقف على تعيين محافظ جديد»، متحدثا عن «أشخاص معينة (لم يسمها) تعرقل هذا الاتجاه لمصالح شخصية».
وأمام انقسام «المركزي»، وجّه رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، دعوة لكل من الكبير والحبري للاجتماع في طرابلس، «لاتخاذ تدابير وقرارات توحيد المصرف، ووضع سياسات نقدية لمعالجة سعر الصرف، وأزمة السيولة، ودعم الدينار الليبي». وبعد نحو أسبوع، دخل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على خط الأزمة، وكرر الدعوة نفسها للطرفين أول من أمس، لعقد لقاء في مدينة البيضاء، لبحث الأمر نفسه.
وجاء رد الحبري سريعاً، مرحباً بدعوة السراج، وقال في بيان رسمي: «إننا تحت تصرفكم، وفي خدمة الوطن، ولن يتردد أعضاء مجلس الإدارة في عقد جلسة استثنائية في الوقت الذي ترونه مناسبا لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لتصحيح المسار الاقتصادي، واحترام إرادة المواطن الذي يعاني على كل المسارات».
في موازاة ذلك، استقبل الكبير دعوة السراج بـ«الاستغراب»، ففيما رحب بالدعوة إلى إلغاء «المؤسسات الموازية»، رأى أن يتم ذلك على «أسس قانونية بتكليف جهة متخصصة بمراجعة جميع أعمال المصرفين في طرابلس والبيضاء، ليتحمل كل طرف المسؤولية القانونية الناجمة عن أعماله»، الأمر الذي وصفه مؤسس سوق المال في ليبيا الدكتور سليمان الشحومي لـ«الشرق الأوسط» بأن الكبير كـ«من يضع العصا في العجلة، فهو يطالب بمكتب دولي لمراجعة حسابات المصرفَين».
لكن الكبير عزز موقفه الرافض لدعوة السراج، بتعاظم فاتورة الانقسام السياسي، والانفلات الأمني، وغياب مؤسسات الدولة والحروب التي دارت رحاها في مدن ليبية منذ عام 2014، وقال إن «وجود حكومات موازية، بالإضافة إلى الإقفال القسري للموانئ والحقول النفطية، نتج عنه تدنٍ حاد في الإيرادات النفطية، كونها المصدر الوحيد لتمويل الميزانية العامة، حيث هبط من 53.2 مليار دولار إلى 4.8 مليار دولار فقط في عام 2016... وارتفعت قليلا إلى 10.4 مليار دولار حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017».
وتابع الكبير: «هذه الإجراءات كبدت الدولة خسائر مباشرة وغير مباشرة تقدر بأكثر من 160 مليار دولار، الأمر الذي تسبب في أزمة اقتصادية ومالية وعجز في الموازنة العامة بلغ معه الدين العام حدا خطيرا زاد على 71 مليار دينار مع نهاية أكتوبر 2017، هذا عدا 20 مليار دينار أنفقها المصرف المركزي بالبيضاء، بالإضافة للعجز المستمر في ميزان المدفوعات منذ عام 2013 إلى اليوم».
وانتهى الكبير قائلا إن «مصرف ليبيا المركزي أعلن الفترة الماضية عن برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي، تمت فيه الاستفادة من جهود الخبراء والمختصين المتعلقة بمعالجة الأزمات. وهذه الجهود لا يمكن أن تؤتي نتائجها المستهدفة بشكل أحادي، وإنما في إطار حزمة متكاملة من الإصلاحات تتعاون في تنفيذها السلطات والمؤسسات ذات العلاقة».
ويرى الشحومي، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي يطالب بها الكبير قبيل الاجتماع مع الحبري، ويوافق عليها مجلس النواب و«الأعلى للدولة»، هي معادلة «مستحيلة»، متسائلا: «كيف يضع الكبير البرلمان في المعادلة، وقد سبق وأقاله من منصبه قبل ثلاثة أعوام؟».
ويرجع انقسام «المركزي» في ليبيا إلى عام 2014، عندما رفض الكبير الدخول تحت سلطة البرلمان المنتخب في طبرق، متمسكا برئاسته للمقر الرئيسي في طرابلس والبقاء تحت شرعية حكومة الوفاق، مما اضطر مجلس النواب إلى عزله من منصبه، وإسناد رئاسة المصرف المركزي إلى نائبه علي الحبري، وزاد من تفجّر الأزمة بين المؤسستين الماليتين، منع حكومة الوفاق توريد إصدار نقدي جديد طلبه مصرف البيضاء، رأت أن له «تبعاته سلبية على الاقتصاد والعملية السياسية في البلاد».
وتحدث الشحومي، عن آلية عمل «المصرفين المركزيين»، وقال إنه «لا يوجد بينهما أي تواصل في التعاملات البنكية، فكل منهما يعمل بشكل مستقل»، مشيرا إلى أن «مركزي البيضاء، الذي يستمد شرعيته من مجلس النواب، موارده محدودة ويكاد يوفر الأموال من الاقتراض وإصدار سندات الدين، لتوفير مرتبات الموظفين وجوانب من ميزانية الحكومة المؤقتة»، متابعاً: «هذا مصرف مستحدث».
وأضاف الشحومي أن المصرف المركزي في طرابلس هو من يملك الـ«سويفت كود» (الرمز البنكي الحسابي) الرسمي، و«البنوك الخارجية تتعامل مع من يمتلك هذا الحق»، فضلا عن أنه «يمتلك الاحتياطات النقدية في الخارج»، لافتا إلى أنها رغم أن هذه الاحتياطيات «تتناقص؛ فإنها لا تزال كبيرة إلى حد ما».
وذهب الشحومي إلى أن «الأزمة الحقيقية بين المصرفين في طرابلس والبيضاء زادت بعد أن لجأ الأخير العام الماضي إلى طبع العملة في روسيا، للإنفاق وتمويل القروض، فضلا عن انتهاء المدة القانونية للصديق الكبير، والتجاذبات السياسية في البلاد».
وسبق وأن تعاقد مصرف البيضاء على طبع 4 مليارات دينار في روسيا، تلقى جانبا كبيرا منها وجرى توزيعها على المصارف الخاضعة له، في حين يطبع مصرف طرابلس نقوده في بريطانيا.
ودخل الطرفان في سجال حول «الصكوك»، والحديث عن أن النقود المطبوعة في روسيا «مزورة»، بجانب رفض مصرف ليبيا المركزي بطرابلس التعامل بالدينار المعدني المصكوك من قبل مركزي البيضاء قبل شهر مضى.
وقال الكبير في مؤتمر صحافي، إن «المصرف المركزي بالبيضاء اتخذ جملة من الإجراءات، منها تطوير نظام المدفوعات ليجري تمرير الصكوك في وقت وجيز، والدفع بالقطاع الخاص لينافس على نظام البطاقات، وإدخال برنامج Mobile Banking ليتم عبره تحويل الأموال من أي مكان في ليبيا».
ورد الحبري عبر قناة فضائية قائلا إنه «بإمكان (الكبير) تسلم الصكوك ومراجعتها (غداً)، فعملنا قانوني وفق الأُطر القانونية»، مضيفا: «الكبير لديه 50 مليون دينار من العملة المطبوعة في روسيا»، مطالبا بتحليلها وإرسال التقرير إلى مركزي البيضاء إن كان صادقا في قوله إنها مزورة»، ومضى يقول إن «الاحتياطات النقدية الموجودة في طرابلس هي ملك لليبيين، ولمصرف ليبيا المركزي»، في إشارة إلى فرع البيضاء.
في مقابل ذلك، رأى مؤسس سوق المال في ليبيا الدكتور سيلمان الشحومي، أن «الطرفين لن يصلا إلى حل إلا بعد الانتهاء من الاتفاق السياسي، ووجود حكومة موحدة، يعقبها تشكيل مجلس إدارة للمصرف بمحافظ ونائب»، لافتا إلى أن الخيارات أمام مصرف البيضاء ضعيفة، وربما يصطدم بحائط، إن لم يتجه إلى التوحد مع مصرف طرابلس، فهذه الخطوة هي أخف الضررين له.
ويعاني الاقتصاد الليبي من تراجعات حادة لمؤشراته الكلية، وخسائر متلاحقة لقطاعاته، فمنذ عام 2013 دخل في حالة ركود قوية، وحقق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي معدلات سالبة حادة بلغت 24 و8.9 و2.9 في المائة في الأعوام 2014 و2015 و2016 على التوالي.
وفشلت الحكومات المتعاقبة في تدبير إيرادات عامة تغطي نفقاتها، ليرتفع في المحصلة عجز الموازنة العامة للدولة إلى معدلات غير مسبوقة، وغاية في الخطورة... حيث وصل إلى 43.3 في المائة عام 2014، ثم إلى 76.9 في المائة خلال عام 2015، ثم إلى 52.7 في المائة عام 2016.
وذهب الخبير الليبي في البنك الأوروبي، عمرو فركاش، إلى أن «المركزية» التي وضعها النظام السابق، تقف عائقا أمام المصرف المركزي في البيضاء، مشيرا إلى أن المنظومة الإلكترونية لفتح الاعتمادات مربوطة بمصرف طرابلس، وبالتالي إذا أرادت أي شركة فتح اعتماد في شرق البلاد، لا بد أن يمر هذا عبر المصرف المركزي الذي يترأسه الصديق الكبير.
وأضاف فركاش لـ«الشرق الأوسط»، أن «جميع البنوك في ليبيا تتعامل مع المصرفين المركزيين، لكن بعضها قد يرفض تنفيذ أوامر بنكية صادرة من مصرف البيضاء»، مستكملاً: «في الوقت ذاته، إذا رفضت التعامل مع مصرف طرابلس (وهذا لم يحدث من قبل)، فقد تتعرض لعقوبات، نظرا لأن 99 في المائة من الاعتمادات والأنشطة المالية خارج التراب الوطني تقع تحت سلطته».
وقدّر فركاش حجم السيولة التي يتعامل فيها مصرف البيضاء بـ4 مليارات دينار ليبي فقط، ورأى أن «نشاطه يقتصر على المراقبة، وتوزيع السيولة على المصارف، وطباعة النقود».
وانتهى الخبير في البنك الدولي إلى أن توحيد المؤسسة المالية في البلاد، ووجود سياسة نقدية واحدة، وعدم تضارب في القرارات، قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العملات الأجنبية أمام الدينار الليبي، «لكن للأسف كل يغني على ليلاه»، ليظل المواطن هو الضحية لتلك السياسات المتضاربة.
وتراجعت معاملات القطاع الخارجي في ليبيا لتحقق عجزا قدر بـ46.1 و67.1 و50.8 في المائة أعوام 2014 و2015، و2016 على التوالي، فيما بلغ التضخم 26 في المائة عام 2016. وتجاوز الدين العام نسبة 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات «المرصد الاقتصادي» للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لمجموعة البنك الدولي.



مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
TT

مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص

شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)
شخص بلا مأوى ينام على الرصيف بينما يمرّ المارة في حي ريكوليتا بمدينة بوينس آيرس (رويترز)

ارتفع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي للمرة الأولى منذ إطلاقه عام 2010، ليصل عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد إلى نحو 1.2 مليار شخص، وفقاً لتقرير سنوي صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، الاثنين.

وأظهر إصدار عام 2026 من التقرير زيادة قدرها 51.5 مليون شخص يعيشون في فقر حاد مقارنة بالعام السابق، في تطور وصفه مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، بأنه «جرس إنذار للعالم».

وقال دي كرو إن وراء هذه الأرقام 1.2 مليار شخص يواجهون صعوبات متداخلة تشمل الجوع، والحرمان من التعليم، ونقص المياه النظيفة والكهرباء، مضيفاً أن هذا الوضع غير مقبول.

ويشكل الأطفال أكثر من نصف الأشخاص الذين يعانون الفقر الحاد، ما يسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للأزمة، ولا سيما في المجتمعات الأكثر هشاشة.

النمو السكاني يفسر جانباً من الزيادة

وأوضح البرنامج أن النمو السكاني يمثل عاملاً رئيسياً في ارتفاع العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون في الفقر، مشيراً إلى أن البيانات الجديدة لم تتوافر إلا لـ13 دولة من أصل 108 دول نامية يشملها التقرير.

وعلى الرغم من ارتفاع العدد الإجمالي للفقراء، أظهرت النتائج تقدماً في عدد من الدول؛ إذ تمكنت 33 دولة من خفض نسبة سكانها الذين يعانون الفقر، وفقاً لمعايير المؤشر، إلى النصف خلال السنوات الـ15 الماضية.

وشملت هذه الدول ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فيما سجلت دول آسيوية، من بينها الصين وفيتنام، تقدماً سريعاً في الحد من الفقر، بحسب التقرير.

أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا الأكثر تأثراً

وكما في التقرير السابق، تركزت غالبية الفئات الأشد فقراً في منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، ولا سيما شبه القارة الهندية، التي تُعد من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.

وأشار التقرير إلى انخفاض ملحوظ في معدلات الفقر وأعداد الأشخاص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد في مصر ونيبال وطاجيكستان.

وفي المقابل، تراجعت معدلات الفقر في أنغولا وزامبيا، لكن النمو السكاني تجاوز أثر هذا التحسن، ما أدى إلى زيادة العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعيشون في الفقر في البلدين.

الفقر يتجاوز الدخل إلى الخدمات الأساسية

ولا يقيس مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الفقر من خلال الدخل وحده، بل يعتمد على مجموعة من المؤشرات التي ترصد الحرمان من الاحتياجات والخدمات الأساسية، بما في ذلك السكن الملائم، والصرف الصحي، والكهرباء، ووقود الطهي، والغذاء، والتعليم.

ويعكس المؤشر بذلك تداخل أوجه الحرمان التي قد تواجهها الأسر، حتى عندما لا تكفي مؤشرات الدخل وحدها لتصوير ظروفها المعيشية.


صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)
غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)

تضع الطفرة العالمية في استثمارات الذكاء الاصطناعي الاقتصاد العالمي أمام معادلة متناقضة؛ إذ تدعم النمو وتفتح آفاقاً استثمارية جديدة، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوظائف، خصوصاً أمام الخريجين الجدد. وفيما يقدّر صندوق النقد الدولي أن هذه الاستثمارات تسهم في إبقاء النمو العالمي عند نحو 3 في المائة، تضغط صدمة إمدادات الطاقة وارتفاع أعباء الديون على الاقتصادات، ولا سيما الدول النامية، لتتصدر هذه التحديات مناقشات الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك.

وحذّر رئيس سنغافورة، ثارمان شانموغاراتنام، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، الاثنين، من تراجع الطلب على الوظائف المخصصة للخريجين الجدد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، داعياً الحكومات إلى التعامل سريعاً مع هذه القضية.

وقال شانموغاراتنام، إن المشكلة تبرز في أولى درجات السلم الوظيفي، حيث تتراجع الحاجة إلى الموظفين الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى بعد التخرج.

وأضاف أن الأدلة على هذا التحول باتت واضحة، ولا سيما في القطاعات الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، محذراً كذلك من نشوء فجوة جديدة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية نتيجة الاضطرابات التي قد تحدثها التقنية.

وتضع هذه المخاوف صانعي السياسات أمام تحدي الموازنة بين الاستفادة من مكاسب الإنتاجية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على فرص العمل، خصوصاً أمام الشباب الذين يعتمد دخولهم إلى سوق العمل على الوظائف المبتدئة.

استثمارات الذكاء الاصطناعي تدعم النمو العالمي

في المقابل، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن قوة الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تسهم في إبقاء النمو الاقتصادي العالمي عند نحو 3 في المائة، رغم الضغوط الناجمة عن صدمة إمدادات الطاقة.

وأوضحت أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تمثل صدمة إيجابية للطلب والاستثمار، من شأنها تعزيز النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة بنحو 0.5 إلى نقطة مئوية كاملة، وفي الاقتصادات الآسيوية الناشئة بنحو 0.2 إلى 0.8 نقطة مئوية.

وتستفيد اقتصادات آسيوية عدة من الطلب المتزايد على المعدات والأجهزة اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك سلاسل إمداد الرقائق الإلكترونية والبنية التحتية التقنية.

لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي بين الدول، إذ قد تستفيد الاقتصادات المرتبطة بسلاسل إمداد التقنية العالمية أكثر من الدول التي تفتقر إلى البنية التحتية والاستثمارات اللازمة للمشاركة في هذا التوسع.

وقالت غورغييفا إن الذكاء الاصطناعي أصبح محركاً رئيسياً متزايد الأهمية في تحديد المواقع النسبية للدول ضمن الاقتصاد العالمي، في إشارة إلى الدور الذي قد تؤديه التقنية في إعادة تشكيل خريطة النمو والتنافسية الدولية.

صدمة الطاقة تضاعف الضغوط على الاقتصادات

وتنعقد الاجتماعات في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات النفط والغاز العالمية، مع امتداد آثارها إلى تكاليف المعيشة والتضخم والنشاط الاقتصادي.

ويرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصادات النامية المعتمدة على استيراد الطاقة تواجه العبء الأكبر من هذه الصدمة، في وقت لا تزال فيه آثار الأزمات السابقة، بما فيها جائحة كوفيد-19، تضغط على أوضاعها المالية.

ودعا الصندوق الحكومات إلى ضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات المالية اللازمة لمواجهة الصدمات المستقبلية، بما في ذلك الحد من الاعتماد على الدعم الحكومي واسع النطاق لأسعار الطاقة.

غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات بشأن قدرة الدول منخفضة الدخل على تقليص الإنفاق في وقت تتزايد فيه احتياجات الأسر الأكثر هشاشة، وترتفع فيه تكاليف الغذاء والطاقة، وتتفاقم المخاطر المناخية.

وقال كيفن غالاغر، مدير مركز سياسات التنمية العالمية في جامعة بوسطن، إن الدول الأشد فقراً تواجه ضغوطاً متزامنة ناجمة عن تداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الغربية، وأزمة المناخ التي تتفاقم بفعل ظاهرة «إل نينيو».

ودعا المؤسسات المالية الدولية إلى تقديم استجابة أكثر طموحاً، تشمل توفير السيولة الطارئة على المدى القصير والتمويل طويل الأجل، بما يجعل مسارات النمو في الدول النامية أقل عرضة للصدمات.

من جانبه، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن تزامن الأزمات قد يدفع ملايين إضافية إلى دائرة الفقر، في ظل صعوبة استمرار الحكومات في توفير الدعم للأسر مع ارتفاع أسعار النفط والغذاء.

وقال مدير البرنامج ألكسندر دي كرو إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والمواد الغذائية يحرم ملايين الأسر من أي هامش مالي لامتصاص الصدمات، محذراً من احتمال عودة عشرات الملايين، وربما مئات الملايين، إلى الفقر.

التضخم والديون في صدارة جدول الأعمال

ولا تقتصر الضغوط على الاقتصادات النامية، إذ تواجه الاقتصادات المتقدمة أيضاً ارتفاعاً في التضخم نتيجة زيادة تكاليف الطاقة وانتقال آثارها إلى أسعار السلع الأخرى.

وقد دفعت الضغوط التضخمية البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية أو إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، ما يزيد تكلفة الاقتراض ويحد من النشاط الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، أسهمت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في دعم أسواق الأسهم والنمو في الاقتصادات المتقدمة، لكنها ترافقت مع زيادة كبيرة في احتياجات التمويل، وسط مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض وإعادة تمويل الديون.

وتشمل الملفات المطروحة خلال الاجتماعات أيضاً ارتفاع عوائد السندات، فيما يُنتظر أن تنشر المديرة العامة لصندوق النقد الدولي التوقعات الاقتصادية العالمية، الثلاثاء، إلى جانب توقعات إقليمية تفصيلية خلال الأسبوع.

كما تتضمن الاجتماعات لقاءات لوزراء مالية مجموعة العشرين، يُتوقع أن يكون ارتفاع عوائد السندات من أبرز الملفات المطروحة خلالها.

وتعكس المناقشات تحدياً عالمياً مزدوجاً: الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها طفرة الذكاء الاصطناعي، مع احتواء تداعيات صدمة الطاقة وتزايد الديون، وضمان ألا تؤدي التحولات التقنية والاقتصادية إلى تعميق التفاوت بين الدول أو تقليص فرص الأجيال الجديدة في سوق العمل.


الأسهم الكورية الجنوبية تتراجع 1.7% وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
TT

الأسهم الكورية الجنوبية تتراجع 1.7% وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا تظهر انخفاض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (إ.ب.أ)

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية، الاثنين، مع عودة المستثمرين إلى التداول بعد عطلة نهاية أسبوع طويلة، وسط تقييمهم لتجدد الهجمات في الشرق الأوسط، وما قد تسببه من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة العالمية.

وتعرضت معنويات المستثمرين لضغوط عقب إعلان السعودية مقتل شخص وإصابة نحو 12 آخرين في هجوم جديد استهدف مطار الرياض الدولي، الأحد، بعد يوم من هجوم أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه وأسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300.

وفي المقابل، ارتفعت قيمة الوون الكوري إلى أقوى مستوى له أمام الدولار منذ 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية القياسية.

وانخفض مؤشر «كوسبي» الرئيسي للأسهم الكورية الجنوبية بمقدار 114.80 نقطة، بما يعادل 1.73 في المائة، إلى 6511.13 نقطة بحلول الساعة 01:57 بتوقيت غرينتش.

وتراجعت أسهم شركة «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 1.43 في المائة، فيما هبطت أسهم منافستها «إس كيه هاينكس» بنسبة 2.44 في المائة.

وخالفت أسهم شركة «إل جي إنرجي سوليوشن» المتخصصة في صناعة البطاريات الاتجاه العام، مرتفعة بنسبة 0.25 في المائة. واستقرت أسهم «هيونداي موتور» دون تغيير، بينما صعدت أسهم «كيا» بنسبة 1.69 في المائة.

كما انخفضت أسهم شركة «بوسكو هولدينغز» لصناعة الصلب بنسبة 1.31 في المائة، وتراجعت أسهم «سامسونغ بايولوجيكس» للأدوية بنسبة 1.97 في المائة.

وسجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات للأسهم بقيمة 604.8 مليار وون كوري.

الوون يعزز مكاسبه أمام الدولار

وفي سوق العملات، بلغ سعر الوون 1336.1 مقابل الدولار على منصة التسوية المحلية، مرتفعاً بنسبة 0.44 في المائة مقارنة بالإغلاق السابق عند 1342 ووناً للدولار.

وفي التداولات الخارجية، ارتفع الوون بنسبة 0.3 في المائة إلى 1335.6 مقابل الدولار، فيما سجل العقد الآجل غير القابل للتسليم لأجل شهر واحد 1334.6 وون للدولار.

وعلى أساس الأداء منذ بداية العام، ارتفع مؤشر «كوسبي» بنسبة 54.51 في المائة، فيما سجل الوون مكاسب بلغت 7.7 في المائة أمام الدولار.

تراجع عوائد السندات الحكومية

وفي أسواق الدين، ارتفعت العقود الآجلة لسندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات، تسليم ديسمبر (كانون الأول)، بمقدار 0.18 نقطة إلى 102.68 نقطة.

في المقابل، انخفض عائد السندات الحكومية الكورية لأجل ثلاث سنوات، الأكثر نشاطاً في التداول، بمقدار 4.8 نقطة أساس إلى 3.946 في المائة، كما تراجع عائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 6.6 نقطة أساس إلى 4.328 في المائة.