كتاب مصريون: ما يجري في سوق النشر عصي على الفهم

الدور الخاصة تبحث عن الربح... والحكومية تقدم خدمة سيئة

معرض القاهرة للكتاب 2017
معرض القاهرة للكتاب 2017
TT

كتاب مصريون: ما يجري في سوق النشر عصي على الفهم

معرض القاهرة للكتاب 2017
معرض القاهرة للكتاب 2017

وصف كتاب وشعراء مصريون ما يجري في سوق النشر ببلادهم بأنه عصي على الفهم، وأشاروا إلى أن هناك أزمة كبرى في العلاقة بين الناشر والكتاب، وأنها تتفاقم في الوقت الحالي إذا لم توضع لها الحلول السليمة، سواء من قبل دور النشر الرسمية أو الخاصة.
«الشرق الأوسط» اقتربت في هذا التحقيق من هموم الكتاب الشباب، واستطلعت آراءهم حول هذه المشكلات وأثرها على حركة النشر، خاصة في ظل الأجواء التنظيمية التي تسبق عادة موعد معرض القاهرة الدولي للكتاب.
في البداية قال الكاتب المسرحي أحمد سراج إن مشكلة النشر المصري هي مشكلة كل نشاط مصري؛ فالنشر الحكومي ليس إلا خدمة سيئة ولا يمكن الحصول عليها إلا بالواسطة، ناهيك بتحكم حزب أعداء النجاح في المؤسسات المصرية، والدليل على ذلك تقلص دور النشر في هيئة قصور الثقافة من سبعة وعشرين سلسلة منتظمة إلى لا شيء تقريباً.
وأكد سراج على أن دور النشر الخاصة لا تستهدف نشر الثقافة أو الكتب وإنما تحقيق ربح، فظاهرها النشر وباطنها مآرب أخرى مثل منح النشر، وتحصيل مبالغ مالية من المؤلفين، ورفع سعر الكتاب، وعدم دفع مستحقات المؤلف بعد البيع.
وأشار سراج إلى أن أبرز معوقات دخول مصر سوق النشر الإلكتروني هو دور النشر ذاتها، «لأنها تريد إحكام قبضتها على الصناعة، ولا تريد النظر إلى أبعد من تحت قدميها. مشكلة دور النشر المصرية أنها تستهدف الربح السريع متشدقة بما هو عكس ذلك، وليس عندي مشكلة في السعي إلى الربح لكن لكل صناعة مقومات منها؛ حق المؤلف، وجودة المنتج، وحسن توزيعه».
وتساءل: «لماذا لا تقوم إدارة المعارض بتحويل مقار هيئة الكتاب ودار المعارف وغيرها في مختلف المحافظات إلى معارض دائمة لمختلف دور النشر؟ ولماذا لا تكون هناك أسعار متعارف عليها طبقاً لتكلفة العمل كما تفعل دور النشر الخاصة؟ وأين دور اتحاد الناشرين في هذا؟ ولماذا لم تستطع دولة المائة مليون نسمة أن تصنع متجر كتب إلكترونياً حتى الآن؟ يبدو أن الحل سيكون باللجوء إلى متاجر الكتب العالمية العملاقة مثل أمازون، وسيحدث هذا قريباً جداً عندما تنجح هذه المتاجر في حل مشكلات برمجة اللغة العربية، وطرق توصيل المنتج الورقي».
ومن جانبه قال الروائي أحمد مجدي همام: «إن مأساة النشر في مصر عويصة وحلولها تبدو صعبة. والمسألة بدأت عندما وجد بعض الناشرين إقبالاً مهولاً من الشباب الساعين لنشر كتاباتهم، هذا يعني أن هناك مكاسب من المبيعات، لكنهم لم يكتفوا بذلك، واختاروا بجشع مضاعفة المكاسب عن طريق أخذ مبلغ من الكاتب نظير النشر، وهنا كان عليهم أن يقدموا تنازلاً ما مقابل ذلك المبلغ، وكان التنازل هو عدم اشتراط حد أدنى للجودة فيما ينشرون... وهكذا تحول الأمر إلى سباق في النشر بين الشبان، وسباق لجني الأموال بين الناشرين!
وتابع همام: «الواقع أن ذلك أنتج (إسهالاً) روائياً فظيعاً، الكل يكتب والكل ينشر، دور نشر نبتت كالطحالب، وبعض الكتّاب لا يفقهون من أبجديات الكتابة الكثير. ولا أعرف حلاً لمثل هذا الوضع، إلا أن النقاد يجب أن يكون لهم دور، لترشيد هذا الانفجار الروائي الذي يطغى عليه الرديء، وكذلك لالتقاط الأعمال الجيدة القليلة المردومة وسط هذا الطوفان الروائي. أما القراء، وأعني القراء الجادين، فربما عليهم التشبث بأسماء دور النشر الكبرى، الجادة، التي تحرص على تقديم الإضافة فيما تنشره، وللأسف لم تعد تلك الأسماء كثيرة في مصر».
حبيب: أزمة كبرى بين الناشر والكاتب

ويرى الشاعر والروائي عبد الرحمن حبيب أن هناك أزمة كبرى في العلاقة بين الناشر والكتاب، لافتاً إلى أن الأزمة تتفاقم في الوقت الحالي.
وأضاف: «لا يمكن فهم ما يجري في سوق النشر... الأمور تتم وفقا لوجهة نظر الناشر والكاتب في النهاية لا يملك شيئا إزاء كتبه التي يختار الناشر أحيانا أن يخزنها لديه بالسنوات».
وتابع: «مهما يكن الأمر لا بد من وقفة ولا بد من وجود جهة تحاسب الناشرين على تأخير طباعة كتب الروائيين والشعراء وأكل حقوق البيع وعوائد التوزيع. أعتقد أن اتحاد الناشرين لا بد وأن يضطلع بدور أكبر في هذه القضية وألا يترك الأمور تجري على هذا النحو الذي يهضم حقوق الكتاب.
إن الناشرين بزيادة عددهم، كما يضيف، صاروا يتعاملون مع الكتاب باعتبارهم موردا للمال دون أي مراعاة لحقوقهم، لافتاً إلى أن العقود التي يبرمها الناشرون في الوقت الحالي متضاربة ومختلفة البنود إلى حد يثير الدهشة. وهو يتساءل هنا: «لماذا لا تكون هناك نسخة واحدة معتمدة من العقود تلتزم دور النشر بها وتنظم العلاقة بين الكاتب والناشر؟». ويضيف: «هناك بعض دور النشر التي ترسل للكتاب عقودا مجحفة على نحو لا يصدق فهي تستأثر لنفسها بكل الحقوق ولا تعطي الكاتب حقا واحدا، فالناشر يشارك الكاتب في الجوائز وعقود الترجمة وفي الوقت نفسه لا يلتزم تجاهه بأي شيء! وما يثير الدهشة والعجب أن بعض دور النشر لا تلتزم حتى بما أقرته على نفسها، فمثلا تقر الدور في عقد النشر بحق الكاتب في رؤية كتابة بالأسواق بعد ثلاثة أشهر من إقرار البروفة النهائية للكتاب دون الالتزام بذلك، كما أن بعض دور النشر تقر بحق الكاتب في رؤية كتابه بالأسواق بعد أربعة أشهر من توقيع العقد وتتجاهل الالتزام بما أقرته هي على نفسها، بالإضافة إلى ضرورة مراقبة هذه العقود من قبل جهة رقابية أعلى تتقصى الحقائق لتكون حكما بين الكاتب والناشر، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أسعار الكتب لا يجد الكاتب آلية واحدة يضمن بها حقوقه المنصوص عليها في العقد».
وعن تجربته الخاصة مع إحدى دور النشر، قال: «لي تجربة مريرة في روايتي الأولى أتمني ألا تتكرر مع أحد ففي الوقت الذي اتفقت فيه مع الناشر على طبع الرواية بعد أربعة أشهر وتضمن العقد هذه الجزئية لم يلتزم الناشر بالاتفاق، بل إنه تهرب مني طوال شهور حتى اضطررت للذهاب أكثر من مرة إلى مكتبة الواقع في منطقة نائية. وبالمناسبة، هناك موضة منتشرة بين الناشرين في الوقت الحالي وهي أنهم غائبون طوال الوقت ولا يردون على الهواتف ولا يستجيبون لأي محاولة للتواصل معهم من قبل الكتاب فبعد أن يحصل الناشر على الرواية أو ديوان الشعر يصبح العثور عليه ضربا من ضروب الخيال، وهو أمر غير مفهوم ومتكرر على نحو يدعو للدهشة».

محجوب: مطلوب وكلاء أدب

بدوره يعتقد الشاعر سامح محجوب أن دور النشر دائما مأزومة أو هكذا تصدر لنا الصورة على غير الحقيقة والواقع، صحيح أننا نعيش في مجتمعات لا تحفل كثيرا بالقراءة كعادة أو كطقس أو كوسيلة للمعرفة لكن ذاك ليس أزمة الكاتب الذي يحارب على أكثر من جبهة.
وأضاف: «الكاتب مطالب بتأمين وجوده بيولوجيا، وكذلك تأمين أولاده إن كانت له أسرة، كما أنه مطالب بالقراءة وتطوير معارفه من أجل تكوين رؤية تسمح له بالإبداع أو الكتابة، كما أنه مطالب حسب اشتراطات سوق النشر في مصر أن يدفع للناشر ثمن كتابه ويشارك معه في توزيعه والترويج له، وهذا عمل أسطوري لا يستطيعه إلا محارب عنيد، حتما ستخور قواه وسينفق في الطريق إلى حلمه الكثير، هذا هو توصيف حالة النشر في مصر الذي أرى أنه عمل عشوائي، وأرى أن النشر الإلكتروني بات علاجا ناجزا لهذه الحالة المتأخرة من فهم وظيفة الناشر وآليات عمله، حيث إن النشر الإلكتروني غير مكلف وسهل التداول».

القرملاوي: أين المحرر الأدبي؟

ومن جانبه، قال الروائي أحمد القرملاوي: «لا يمكننا إجمال دور النشر الخاصة في خانة واحدة، فهناك من يهدف للربح السريع من طرقه القصيرة، بينما يجتهد البعض الآخر في سبيل البحث عن قيمة تحقق الربح المادي والأدبي مع مرور الوقت؛ هناك من يخطط للنشر بمنهجية وآلية تضمن حدّاً أدنى من النتائج المرجوة، وهناك من لا يعبأ بوضع نظام ولا يملك استراتيجية مدروسة».
وأضاف: «لذلك يتباين الدَّور الذي تقوم به دور النشر نحو كُتابها، ويمكن لأكثر المتفائلين أن يعد دور النشر التي تعمل بكفاءة ومنهجية على أصابع يديه، أما الأكثرية الكاسحة فتمارس دور الطباعة والتوزيع المحدود في أفضل الأحوال».
ويتابع: «الكاتب أياً كانت موهبته يظل بحاجة لمن يواليه بالرعاية و(التخديم) على هذه الموهبة، بتوفير لجان متخصصة ذات كفاءة لقراءة النصوص وتقييمها، ومحرّرين واعين ومدركين لأبعاد العملية الإبداعية لتقديم الرأي والمشورة التي تضيف للنص ولا تنتقص منه، ثم العمل على إصدار النصوص بشكل ملائم وجاذب لجمهور القراء، فضلاً عن تسويقها وتوزيعها وضمان وصولها لجمهورها المستهدف، كما تقديمها لنقاد مختصين وحملهم على الاهتمام بقراءتها وإبداء الرأي فيها حتى تنال حظها من التقييم النقدي والإعلامي، إلى آخر هذه الأنشطة التكميلية التي بغيرها لا يصل المبدع لمبتغاه. وبالنظر لكَمّ الإصدارات التي يزخم بها سوق الكتاب، والمحدودية النسبية لعدد القراء لمهتمين، يمكننا أن نتفهم صعوبة إدراك مثل هذا التصوّر، ولا سبيل إليه إلا بتقليص عدد الإصدارات عبر تمريرها على مراحل متعددة للتقييم الموضوعي، تُراعي الأبعاد الفنية والتسويقية، إضافة إلى توسيع قاعدة القراء عبر الاستثمار في تسويق النصوص المتميزة بوسائل مبتكرة. هناك بوادر مبشرة، لكننا بحاجة لما هو أبعد منها بكثير، فعلى سبيل المثال نجد بعض دور النشر المرموقة تُنشئ نوادي ومجموعات للقراءة، وتستحث التواصل مع القراء عبر وسائل التواصل المتعددة، كما توفر نسخاً ورقية وأخرى إلكترونية رسمية، وتدفع نحو تحويل بعض النصوص لأعمال درامية توسع من دائرة انتشارها وتبلغ بأسماء كُتابها لآفاق أرحب. وإن كانت جميع هذه الأنشطة تتم في نطاق محدود للغاية». وأضاف: «لسنا بحاجة لدور نشر جادة وفاعلة فحسب، بل لوكلاء أدبيين يرفعون عن كواهل الكُتاب ما يُدفعون إليه أحيانا لمحاولة تسويق أعمالهم وأشخاصهم من أجل إنجاح مشروعاتهم في الكتابة، فالكاتب يحتاج لتفرغ تام للقراءة والكتابة والتواصل مع الدوائر الثقافية من كُتاب ونقاد ومهتمين، حتى يُفسح لنفسه مجالاً لإنتاج نصوصه وتجويدها أكثر الوقت، فيكفيه ما يضطر للقيام به بعيداً عن الكتابة والإبداع من عمل يُدِرُّ عليه دخلاً مناسباً، فضلاً عن مسؤولياته الحياتية والأسرية وغيرها، ومن غير المعقول إن يُنتظَر منه المشاركة في تسويق نصوصه أو التعريف بنفسه لإعلاميين ونقاد ومسؤولي مكتبات، وهكذا. وهنا تبرز حاجتنا الماسّة للوكلاء الأدبيين، كما نرى في الدول الأكثر تقدماً في صناعة النشر، فهؤلاء الوكلاء يقومون بكل الأدوار التكميلية التي قد لا يُلائم الناشر أن يتكبَّد عناءها، على أن يتفرّغ الكاتب للقراءة والكتابة والقيام بأدوار محدودة ضمن إطار يُخطّط له الوكيل الأدبي بالتعاون مع دار النشر، كأن يشارك في المناقشات وحفلات التوقيع والبرامج الإعلامية طبقاً لخطط يعدّانها من أجله. عندها سنوجد مناخاً أكثر ملائمة للإبداع وتحريضاً على ممارسة القراءة».

المصري: نعمل على حماية حقوق الناشر والكاتب
أما عادل المصري رئيس اتحاد الناشرين المصريين فيقول إن حقوق الكتاب المادية والمعنوية يحميها القانون الصادر عام 2002، لكنه قانون لم يعد رادعاً في عام 2018، وبناء عليه أعد الاتحاد مشروعاً بتعديل هذا القانون، وهو موجود الآن في مجلس النواب للمناقشة وإقراره. ولدينا في الاتحاد لجنة لحماية حقوق الملكية الفكرية وكذلك لجنة لفض المنازعات، واللجنتان تعملان على حماية حقوق الناشر والمؤلف وتصدران تقارير في هذه النزاعات معترفاً بها في المحاكم علاوة على أنهما يتدخلان في كثير من النزاعات التي تنتهي بِشكل ودي.



«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.