«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

التنظيم حوَّل منزل مسؤول ليبي سابق إلى مقر لإدارة العمليات ضد الجيش

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.

تركت تنظيمات متطرفة مدناً مُحطمة وجريحة. وتشهد طوابق العمارات المنهارة والمحترقة، في ضواحي العاصمة طرابلس، وفي بنغازي وسرت، على شدة المعارك التي خاضها الليبيون ضد هذه التنظيمات التي يُطلق عليها الأهالي مسميات مختلفة منها «الدواعش» و«الأنصار» و«الإخوان».
ومن بين خطوط الألغام والمفخخات وأصوات الرصاص، تقدّم «الشرق الأوسط» خمس حلقات عن قصص المعارك الحربية الشرسة لإسقاط أوكار عدة كان المتطرفون يستخدمونها مقاراً للانطلاق وغرف عمليات، بالإضافة إلى سراديب لسجن الأسرى، وأخرى لتكديس «الغنائم» من أسلحة وأموال وجواهر، بينما كان زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي يرسل لأتباعه المنهزمين في ليبيا رسائل بالتوجه إلى الجنوب والاستعداد لاستقبال «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا.
بينما ما زالت طرابلس تعاني وتنتظر مستقبلاً مجهولاً، لم يتبقَ في بنغازي إلا مربع سكني واحد يتحصن فيه بقايا المسلحين المنهزمين. ويقع على مساحة نصف كيلومتر في نصف كيلومتر، قرب منطقتي الصابري وسوق الحوت. اسم المكان «سيدي خريبيش»، ولا يمكن الاقتراب منه لأن المنطقة شديدة الخطورة، فقد جرى تفخيخ الشوارع والمباني المحيطة بها على أيدي المتحصنين في الداخل. كما جرى حفر أنفاق تحت الأرض يستخدمها المسلحون للتنقل بين مواقعهم والاختباء. وبين وقت وآخر تسمع صوت القذائف الصاروخية وزخات من طلقات الرصاص. ويحدث الأمر بشكل مفاجئ. وحين تحني رأسك وتستعد للفرار، يقول لك مرافقك العسكري: طالما سمعت صوت الرصاص فأنت ما زلت على قيد الحياة!
وحتى الجري للنجاة بنفسك محفوف بالمخاطر... ففي كثير من الطرقات ما زال رجال الهندسة العسكرية يصِلون الليل بالنهار من أجل نزع الألغام والمفخخات.
وأسس تنظيم داعش أول غرفة عمليات له في جنوب بنغازي، في منزل يخص مسؤولاً ليبياً سابقاً يدعى علي حسين الجبالي، بعد طرده منه وقتل ابنه. وأقام قادة التنظيم فيه لمدة عامين. والمكان عبارة عن منزل كبير وفناء مزروع بالورد ومحاط بسور، وله أبواب حديد. وكان صاحبه، الجبالي، يعمل مديراً للمِلْكيات والإحصاء في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ عام 2011. ويقع المنزل على حدود مزرعة العقيد الراحل معمر القذافي في ضاحية الليثي.
وحين تزور البيت اليوم ستجد جدراناً مهدمة ومحترقة والألوف من فوارغ طلقات الرصاص المبذورة في التراب وبين أوراق العشب الناشف، وتوجد بقايا صواريخ من طراز «سام» وأخرى من نوع «غراد»، ومزقاً من أوراق تحتوي على أسماء رجال أمن مستهدفين.
ويقول الجبالي عن هذه الجماعة التي عصفت ببيته وألقت رداء الحزن على أسرته إلى الأبد، إنهم «الأنصار» نسبة إلى «تنظيم أنصار الشريعة» الذي أعلن فريق منه موالاته لتنظيم داعش في عام 2014، بينما ظل فريق آخر على الولاء لتنظيم القاعدة.
ولمعرفة تداخل الأسماء بين الجماعات المتطرفة في ليبيا، لا بد من الإشارة إلى أن «تنظيم أنصار الشريعة» ولد قبل نحو أربعة أعوام من رحم تنظيم له كتيبة كبيرة كانت مجاورة لمزرعة القذافي ببنغازي، اسمها «كتيبة راف الله السحاتي». كما أن «كتيبة راف الله السحاتي» نفسها كانت قد خرجت من بطن تنظيم «كتيبة 17 فبراير» التي أسستها جماعة «الإخوان» لتستوعب فيها التيارات المتطرفة المختلفة، أثناء انتفاضة 2011، في أحد معسكرات الجيش الليبي الذي كان يعرف بـ«معسكر السابع من أبريل».
وعادت كل هذه التنظيمات للتعاون معاً تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي» بعد أن بدأ المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، حملته لطرد المتطرفين من المدينة قبل نحو ثلاث سنوات.
وبينما كان يعيش حياة التقاعد من العمل في بيته، ويعتني بأزهار حديقته، لاحظ الجبالي تزايد أعداد العناصر التي كانت تقوم باحتلال مواقع حكومية ومصانع ومتاجر ومعسكرات الجيش القريبة من منزله. كان ذلك في صيف 2014. كما تزايد صوت إطلاق النار في ساحات التدريب المجاورة وسط أهازيج عن «قدوم دولة الخلافة» المزعومة لـ«داعش».
يقول الرجل، والدهشة ما زالت على وجهه، إنه لم يكن يتخيل أن هذه الجماعات ستسيطر على المدينة، من البحر شمالاً، حتى مطار بنينا جنوباً، بطول يزيد على 30 كيلومتراً، وبعرض مماثل يصل حتى منطقة قار يونس غرباً.
وانطلاقاً من بيت الجبالي، أسَّس المتطرفون أسفل مصنع الإسمنت الضخم، في منطقة استراتيجية ببنغازي، مقرات لاحتجاز الخصوم ومحاكمتهم وقتلهم، كما أسسوا، في أنفاق تحت المصنع نفسه، بيتاً أطلقوا عليه «بيت مال المسلمين» كان مكدساً بالأموال والجواهر وبكل ما كان «يغنمه» المتشددون من أهالي المدينة التجارية العريقة.
وأخيراً ترك التنظيم بنغازي.. لكنه تركها محطمة وجريحة.. تستطيع أن ترى ذلك بداية من الحطام والسُّخام الذي يلطخ المجمع التجاري، والذي كان يغص بفروع الشركات من كل الدنيا، والمعروف باسم «مجمع الدعوة الإسلامية»، وحتى مبنى «جامعة قار يونس» حيث حوَّل التنظيم كلية العلوم إلى مختبر للمتفجرات وصناعة المفخخات، ودمر القبة السماوية نادرة التصميم، والتي تتوسط فناء الجامعة.
وحتى اليوم يتطلب دخول أي صحافي إلى مبنى الجامعة تصاريح وموافقات خاصة، ومرافقة مسؤول أيضاً، بسبب الخوف من المفخخات والقنابل. فالطرقات بين مجمعات الكليات ما زالت مقطعة الأوصال بالكتل الخرسانية وصناديق الشاحنات والركام والشجر المحترق. ومن بين كل هذه الفوضى يمكن أن تكون هناك دانات مزروعة في انتظار من يقترب منها لتنفجر في وجهه.
علاقات خفية مع زعماء ميليشيات
وبينما تم دحره وإجبار عناصره على الفرار إلى غرب البلاد وإلى جنوبها، ترك التنظيم وراءه آثاراً في غرف عملياته في ضواحي الليثي، والصابري، وقنفودة، والميناء، وغيرها، لتكشف علاقات خفية مع زعماء ميليشيات في كل من طرابلس ومصراتة غرباً، ودرنة شرقاً، ومنها طُرق الحصول على المَدد والعون من داخل ليبيا ومن دول أخرى وراء البحر.
وجمعت هيئة القضاء العسكري، في مقرها في بنغازي، ملفات تضم الكثير من الأسماء الليبية وغير الليبية التي تسببت في كل هذا الخراب، للمطالبة بمحاكمتها، داخل ليبيا بالنسبة لليبيين، وعن طريق محكمة الجنايات الدولية بالنسبة لغير الليبيين. وتتولى جهات مسؤولة تابعة للقوات المسلحة التي يقودها المشير حفتر فحص المئات من الهواتف النقالة والحواسب المحمولة التي أمكن الحصول عليها من العناصر المتطرفة بعد أن تعرضت للقتل أو الأسر أو فرت خلال الحرب مع الجيش الوطني.
ويقوم الجبالي حالياً بترميم منزله بعد أن أضرم المتطرفون المنهزمون النار في محتوياته، أثناء تقهقرهم بفعل ضربات أفراد القوات المسلحة والمتطوعين المساندين لها. وكوّم الرجل عدة قذائف صاروخية معطوبة في جانب الفناء. ووضع في الجانب الآخر ما تبقى من مراتب وأغطية محترقة وأَسرَّة وخزائن خشبية محطمة، بينما ملأت رائحة الطلاء البيت من الداخل، حيث تقدمت ابنته الصغيرة للترحيب بالضيوف فيما رسمت والدتها ابتسامة حزينة على محياها.
ويقول، والدموع تكاد تفر من عينيه، إنه وأسرته أمضوا وقتاً عصيباً، بعد أن قتل الدواعش ابنه، واحتلوا مسكنه هذا، وكتبوا على واجهته «قادمون يا أقصى»، ودمروا كل شيء، بما في ذلك مكتبته التي تغص بشتى أنواع الكتب.
ويضيف أنه، قبل ثلاث سنوات، كان قد بدأ يرى طلائع العناصر المتطرفة وهي تعاين المنطقة. ثم أخذت مجاميع غريبة، تتحدث بلهجات ليبية ومصرية وتونسية وسورية وغيرها، «تتكاثر مثل الجراد» بالأسلحة والمعدات الحربية. كان بينهم أفارقة أيضاً. شن هؤلاء هجوماً على عدة معسكرات في الجوار، من بينها معسكر الصاعقة التابع للجيش الوطني، حيث كان ابن الجبالي؛ إحسونة، جندياً فيه.. «قتلوا إحسونة؛ استوقفوه حين كان عائداً للبيت في سيارته، وأطلقوا عليه الرصاص».
كيف حدث هذا؟ وأين كان الجيش وقوات الأمن لحماية المدينة؟ كانت الأمور معقدة. واللعبة تشارك فيها جهات محلية تريد أن تشكل قواتها الخاصة بعد أن تعرض الجيش، في 2011، لضربات موجعة من طائرات وصواريخ حلف شمال الأطلسي (ناتو). ويقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، إن الحلف بعد أن انتهى من ضرب مخازن ودشم القوات المسلحة الليبية، جاءت جماعة «الإخوان» في 2012، وأخرجت آلاف العسكريين من الخدمة، وجلبت العسكريين المفصولين من الجيش من أيام القذافي، ومعظمهم كانوا مفصولين إما بسبب أنهم كانوا يحملون فكراً تكفيرياً، أو بسبب قضايا تمس الشرف وطبيعة الخدمة العسكرية، بحسب ما قال.
وتشكل مع أواخر ذلك العام جيشٌ جرار يتكون من خليط عجيب من ميليشيات ذات توجهات جهوية تخص مدناً بعينها أو توجهات مذهبية لها علاقة بجماعة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة). واختلطت العناصر المدنية بالعسكرية.
وتشير التحقيقات العسكرية الحالية، التي تعتمد على ما تركه المتطرفون من أدلة وإثباتات، إلى حصول أمراء وعناصر من هذه الميليشيات على عتاد ودعم من جهات محلية وإقليمية ثبت فيما بعد أن لها علاقة بالإرهاب.
ويقول حسن إرحومة الذي كان يعمل في مصنع الإسمنت في بنغازي: «في ذلك الوقت أصبحت الكلمة العليا في المدينة لتنظيم أنصار الشريعة. أذكر أنه بعد أن استولوا على منزل الجبالي، تقدم نحو خمسين شاباً منهم، تتراوح أعمارهم بين تسعة عشر عاماً وثلاثين عاماً، وهم يهتفون الله أكبر، الله أكبر.. وقاموا بتفجير مبنى مديرية الأمن القريب من المصنع. وهزت قوة التدمير شوارع بنغازي، وهوت بطوابق المبنى إلى الأرض. وأثارت هذه الواقعة الفزع، وبدأت العائلات ترحل بعيداً».
حمل إرحومة أسرته في سيارة وغادر المدينة متسللاً ليقيم لدى أبناء عمومته في طبرق شرقاً. ومع أواخر عام 2014 كان فرع تنظيم «أنصار الشريعة» في درنة قد أعلن مبايعته لتنظيم داعش، بينما انقسم التنظيم في بنغازي بين مؤيد ومُنتظر، لكن إصرار الجيش الوطني على طرد التنظيم من هذه المدينة، أعاد تحالف كل أنواع المتطرفين ضمن «مجلس شورى بنغازي»، وأخذت المجاميع المسلحة تتحرك بكل حرية وطمأنينة في المدينة، وقد اقتربت عناصرها كثيراً من منطقة المعسكرات والمصانع ومزرعة القذافي القديمة، في نطاق منزل الجبالي.
ويضيف إرحومة: «أصبحوا يتحركون بالدبابات والمدرعات والسيارات التي تحمل فوقها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمتراً. وقلت وقتها إنه ما من قوة تقدر على إخراجهم من المدينة. وقد يمكثون فيها عشرات السنين. أثناء ذلك.. وفي الضواحي الخلفية، كانت سيارات العائلات تتسلل لتغادر إلى أي مكان آمن، سواء داخل ليبيا أو خارجها. لكن حتى الهروب كان صعباً ومحفوفاً بالمخاطر».
ويذكر جبريل عبد الله، الذي كان يعمل في قطاع الأمن بالمدينة، أنه سهَّل مهمة مغادرة عشرات العائلات، بينما كان يرى «الأنصار» أو «الدواعش» وهم ينتقون المنازل الكبيرة والمحصنة لكي يحولوها إلى مراكز لهم، ثم يقيمون الحواجز بحثاً عن رجال الأمن والجيش لقتلهم، كما فعلوا مع إحسونة ابن الجبالي.
إعدامات
ويتذكر عبد الله تلك الأيام حيث كانت رائحة الموت تغطي الطرقات: «في كل زاوية وعلى كل شارع كانت تقف سيارة تابعة للمتطرفين، مجهزة بأجهزة حواسب محمولة عليها ملفات تحوي أسماء كل من التحق في أي يوم من الأيام بالجيش أو بالشرطة. وإذا تصادف مرور أي شاب أو عائلة معها رجل، تقوم بوابة الدواعش بتوقيفها والكشف على أسماء الركاب على الحاسوب. إذا ظهر أن اسم أي راكب مسجل في ملفات الجيش أو الشرطة، يتم إطلاق النار على رأسه في الشارع ولو كانت معه أسرته».
ويقول مصدر أمني يشارك في التحقيق في مخلفات غرف «الدواعش» إن قاعدة البيانات المجمعة عن رجال الجيش والأمن، التي كانت لدى التنظيمات المتطرفة، حصلت عليها تلك التنظيمات من قادة لها في طرابلس.. «هذه المنظومة المتكاملة لم تكن توجد إلا في العاصمة... من المسؤول عن وصولها إلى متطرفي بنغازي؟ أياً كان فنحن نرى أنه شريك في أعمال التفخيخ والقتل التي طالت رجال الجيش».
وتقول مصادر أمنية إن المتطرفين قتلوا أكثر من خمسمائة من المنتمين للقوات المسلحة والشرطة في بنغازي وحدها، خلال عام 2014 فقط... وحين أطلق المشير حفتر «عملية الكرامة» لمحاربة المتطرفين وإنقاذ المدينة، استشاط قادة هذه التنظيمات غضباً. ويقول ضابط من قادة الحرب في المحور الذي يقع فيه منزل الجبالي إن أمراء حرب من مصراتة وطرابلس دخلوا في ذلك الوقت على الخط لدعم هؤلاء المسلحين في بنغازي، حيث مكنهم المدد والدعم بالأسلحة والأموال والمعلومات الاستخباراتية من اجتياح ما تبقى من معسكرات الجيش ومقار الشرطة. وكان أبرزها معسكر الصاعقة الذي كان يعد آخر مركز لوجود الدولة في بنغازي، وهو المعسكر نفسه الذي كان ابن الجبالي أحد جنوده.
وأقام قادة «الدواعش» في منزل الجبالي نحو عامين وحولوه إلى مقر نموذجي للتخطيط والتوجيه، لأنه يتوسط معسكرات ومرافق عدة جرت السيطرة عليها بالفعل من قبل خليط المتطرفين... كان زعماء كبار من هذه التنظيمات، من أمثال محمد الزهاوي (قتل في معركة مطار بنينا) ووسام بن حميد (يعتقد أنه فرَّ خارج ليبيا)، وزياد بلعم (انتقل بقواته للمنطقة الغربية)، وفقاً للمصادر الأمنية، يترددون على المقر الذي كان يغص بأجهزة الكومبيوتر والملفات والأوراق التي تخص «أمراء الحرب».
ولفناء البيت بوابة حديدية كبيرة لدخول السيارات وأخرى صغيرة لدخول الأفراد. أما باب المنزل فيشبه أبواب الفيلات. وله واجهة إسمنتية عريضة. وتدل الآثار على أن المتطرفين استخدموا السطح للإشراف على باقي معسكراتهم المحيطة، وللتمركز من فوقه بالصواريخ والمدافع المضادة للطائرات، ومنع أي محاولة للجيش من الاقتراب. وتوجد بقايا لمناظير مراقبة من تلك التي يصل مداها إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات.
ويقول الجبالي: «حين زاد عدد المعسكرات التي سيطر عليها الدواعش من حولي، وبعد قيامهم بقتل ابني، تركت بيتي.. صدرت تعليمات من الجيش لسكان المناطق التي فيها معسكرات للدواعش بإخلائها... لقد كانوا يحيطون بمسكني من كل جانب». ويشير بذراعه إلى جهة اليمين: «من هنا مقر كتيبة راف الله السحاتي». ثم يشير إلى اليسار: «ومن هناك كتيبة أخرى اسمها الكتيبة 210. وفي الخلف ثلاث كتائب.. كانوا موجودين في كل مكان».
وكان أحد أقارب الجبالي يتردد على بيته لتفقده بين وقت وآخر، إلى أن فوجئ في يوم من الأيام بقدوم «الدواعش» لاحتلال المنزل. وقالوا إنهم من تنظيم «أنصار الشريعة». وقالوا أيضاً إنهم يعرفون من هو صاحب البيت. وقبل خروجهم من المقر، وأمام تقدم الجيش الوطني، قام «الدواعش» بحرق المنزل بما فيه بعد أن أخذوا منه ما أمكن من أجهزة وأوراق مهمة. وحتى الآن ما زال يمكن أن تعثر على بقايا أوراق يبدو فيها رصد للعاملين في جهاز الأمن. وأثناء إقامتهم في المنزل فتح المتطرفون ممرات، مثل الأبواب، للتنقل بين سور البيت والمعسكرات التي استولوا عليها في الجوار.
وتمكن الرجل من إعادة طلاء معظم جدران البيت، وأعاد ري وتنسيق زهور حديقة منزله بعد أن رجع إليه أخيراً، لكنه ترك الحجرة التي تقع على يمين الباب، بما فيها من آثار الخراب والحريق الذي خلفه الدواعش، كما هي، للذكرى.

- غداً في الحلقة الثانية:
آخر مربع سكني يتحصن فيه مسلحو بنغازي
قصة «سيدي خريبيش»



اليمن يعزز شراكاته الدولية لدعم التنمية والاستقرار والخدمات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)
TT

اليمن يعزز شراكاته الدولية لدعم التنمية والاستقرار والخدمات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل في الرياض مسؤولاً أممياً (سبأ)

كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والتنموية مع شركائها الدوليين، في مسعى لتعزيز الدعم الإنساني والخدمي، والانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مسار التعافي وبناء المؤسسات، بالتزامن مع جهود تستهدف تحسين الخدمات الأساسية، وتمكين السلطات المحلية، وتطوير قطاعات النقل والبنية التحتية، وتسهيل جهود المنظمات الدولية العاملة في البلاد.

وفي هذا السياق، استقبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، في الرياض الممثل المقيم لمنظمة «يونيسف» في اليمن، بيتر هوكينز، حيث ناقش الجانبان تدخلات المنظمة في قطاعات الصحة والتعليم، وحماية الطفولة، ومكافحة سوء التغذية، وبرامج التحصين ضد الأمراض، إضافة إلى مشروعات الإصحاح البيئي، والدعم النفسي، وتنمية قدرات السلطات المحلية في إدارة منظومات المياه.

وأشاد العليمي بالشراكة القائمة بين الحكومة اليمنية ومنظمات الأمم المتحدة، مؤكداً أن «يونيسف» لعبت دوراً محورياً في دعم الأطفال والأسر اليمنية منذ سبعينات القرن الماضي، خصوصاً خلال سنوات الحرب، عبر برامج الإغاثة والتغذية والتعليم والرعاية الصحية.

وأشار رئيس مجلس القيادة إلى أن انقلاب الحوثيين تسبب في انهيار شبكة الحماية الإنسانية، وأدى إلى تحويل ملايين الأطفال إلى ضحايا مباشرين للنزاع، من خلال عمليات التجنيد، وحرمانهم من التعليم واللقاحات الأساسية، إلى جانب تدمير البنية التحتية والخدمات العامة والاقتصاد الوطني.

وأكد العليمي أهمية البناء على الشراكة مع الأمم المتحدة لمضاعفة التدخلات المرتبطة بالأطفال، خصوصاً في مجالات التغذية المدرسية، ومنع التسرب من التعليم، وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، والرعاية الصحية الأولية، وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، مع توسيع نطاق هذه البرامج لتشمل مختلف المحافظات.

توجه نحو التعافي

أعرب رئيس مجلس القيادة اليمني عن تطلع الحكومة إلى الانتقال التدريجي من منطق الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مقاربة أكبر استدامة تقوم على دعم التعافي الاقتصادي وبناء المؤسسات والخدمات الأساسية، عادّاً أن الاستثمار في الأطفال يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل اليمن واستقراره.

كما ثمّن دعم الدول والجهات المانحة لبرامج «يونيسف»، وفي مقدمها السعودية والشركاء الدوليون، الذين يواصلون تمويل البرامج الإنسانية والتنموية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وجدد العليمي التزام الحكومة توفير الحماية والتسهيلات اللازمة للمنظمات الإنسانية والأممية، وضمان بيئة آمنة لعملها، بوصف العمل الإنساني شريكاً رئيسياً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي.

وفي السياق نفسه، جدد رئيس مجلس القيادة اليمني مطالبته بالإفراج عن موظفي الإغاثة والعاملين الأمميين المحتجزين لدى الحوثيين، واصفاً احتجازهم بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي والأعراف الإنسانية.

دعم للإصلاحات والمحلّيّات

في سياق التحركات الحكومية اليمنية، شهدت العاصمة المؤقتة عدن سلسلة لقاءات جمعت مسؤولين بممثلين عن «الأمم المتحدة» و«الاتحاد الأوروبي» و«برنامج الغذاء العالمي»، حيث عكست توجهاً حكومياً لتوسيع الشراكات الدولية، وربط المساعدات الإنسانية بمشروعات تنموية أكبر استدامة، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي فاقمتها الحرب والانقلاب الحوثي.

ووفق الإعلام الرسمي، فقد بحث فريق من وزارة الإدارة المحلية اليمنية، برئاسة الوزير بدر باسلمة، مع سفير «الاتحاد الأوروبي» لدى اليمن، باتريك سيمونيه، ترتيبات عقد «مؤتمر الشراكة بين الحكومة والسلطات المحلية»، المقرر تنظيمه منتصف يونيو (حزيران) المقبل في عدن.

اجتماع يمني في عدن مع مسؤولين من «الاتحاد الأوروبي» (سبأ)

وتناول اللقاء إمكانية عقد الاجتماع الأول لـ«المجموعة الداعمة للاستراتيجية» بالتزامن مع المؤتمر، في خطوة تهدف إلى حشد الدعم الدولي لخطة الحكومة الخاصة بتمكين السلطات المحلية ومنحها صلاحيات أوسع في إدارة الشؤون الخدمية والتنموية.

وأكد الجانبان استمرار دعم «الاتحاد الأوروبي» مسارات التنمية والإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تنفذها الحكومة اليمنية، في وقت ثمّن فيه الجانب الحكومي موافقة «الاتحاد» على تمويل المرحلة الأولى من «الاستراتيجية الوطنية لتمكين السلطات المحلية»، التي تركز على التدريب والتأهيل المؤسسي، عبر «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي».

ويرى مسؤولون يمنيون أن تعزيز قدرات السلطات المحلية يمثل أحد المسارات الرئيسية لتحسين الخدمات العامة، وتقليص الاختلالات الإدارية، وتمكين المحافظات من إدارة الموارد والمشروعات التنموية بصورة أكبر فاعلية.

خطط لتطوير النقل

في ملف آخر، بحث وزير النقل اليمني، محسن العمري، مع السفير «الأوروبي»، باتريك سيمونيه، سبل تعزيز التعاون في مجالات النقل البحري والجوي والبري، ودعم مشروعات البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

واستعرض الوزير اليمني رؤية حكومته لتطوير قطاعات النقل المختلفة؛ بما يسهم في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز الربط بين اليمن والأسواق والممرات الدولية، وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية.

وتطرق العمري إلى خطط تطوير المطارات اليمنية وتحويل بعض المطارات المحلية مطاراتٍ دوليةً، إضافة إلى تحديث خدمات النقل البحري ورفع كفاءتها التشغيلية، إلى جانب إصلاح أوضاع «الهيئة العامة للنقل البري»، و«الشركة اليمنية لأحواض السفن»، و«المؤسسة العامة للنقل البري».

وأكد الوزير أن الحكومة تعمل على تحسين بيئة الاستثمار في قطاعات النقل المختلفة، عبر حزمة من الإصلاحات والتسهيلات الهادفة إلى جذب القطاع الخاص ورؤوس الأموال، بما يساعد على إعادة تأهيل البنية التحتية ورفع الكفاءة التشغيلية للمرافق الحيوية.

من جانبه، أكد السفير «الأوروبي» حرص «الاتحاد» على توسيع مجالات التعاون مع اليمن، خصوصاً في القطاعات الحيوية، وفي مقدمها قطاع النقل، بما يعزز التعاون الاقتصادي ويحسن الربط بين اليمن والمنافذ والأسواق الدولية.

وفي الشأن «الاقتصادي الإنساني»، ناقش محافظ «البنك المركزي» اليمني، أحمد غالب، مع المدير القطري لـ«برنامج الغذاء العالمي» في عدن، الخضر دالون، الترتيبات المالية والتنسيقية مع البنوك اليمنية، وسبل تسهيل أعمال البرامج الإنسانية والإغاثية.

وتناول اللقاء الدور الذي يضطلع به «برنامج الغذاء العالمي» في دعم الفئات الأعلى تضرراً من الأزمة الإنسانية، في ظل اتساع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في البلاد.

وعبّر محافظ «البنك المركزي» اليمني عن تقدير الحكومة الدور الإنساني الذي يؤديه «البرنامج»، مؤكداً استعداد «البنك» والجهات المعنية كافة لتقديم التسهيلات اللازمة لضمان استمرار تنفيذ البرامج الإغاثية بكفاءة وفاعلية، في وقت تواجه فيه البلاد إحدى أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.


مياه الصرف الصحي في إب تنذر بكارثة بيئية

مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)
مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)
TT

مياه الصرف الصحي في إب تنذر بكارثة بيئية

مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)
مجرى سيول جوار رئاسة جامعة إب يمتلئ بمياه الصرف الصحي (فيسبوك)

كشفت سلسلة من الشكاوى والإجراءات والتحذيرات الصحية عن أزمة بيئية متفاقمة في محافظة إب تتورط الجماعة الحوثية فيها، وباعتراف أحد القيادات فيها، حيث يؤدي طفح مياه الصرف الصحي واستخدامها في الري إلى تهديد البيئة والصحة العامة، ويمتدّ التلوث إلى محافظتي الضالع ولحج، مع تصاعد المخاوف من تفاقم الأمراض والأوبئة.

وبينما أصدرت محكمة حوثية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) حكماً بإدانة أحد المزارعين، يواجه السكان هناك أزمة بيئية وصحية متفاقمة منذ سنوات، تتمثل بطفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية واستخدامها في ري بعض المحاصيل الزراعية، قبل أن تشق هذه المياه طريقها عبر وادي تُبَن إلى مناطق في محافظتي الضالع ولحج.

وتزايدت شكاوى سكان مركز المحافظة، خصوصاً حي الصلبة الذي يقع بالقرب من جامعة إب، من طفح مياه المجاري، حيث باتت المياه الملوثة والمستنقعات تحاصر المنازل وتمر أمام المدارس والتجمعات السكنية، ناشرة روائح خانقة ومخاوف من تكاثر الحشرات وانتشار الأوبئة، وبالذات مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.

وفي مديرية السياني ومدينة القاعدة (جنوب المحافظة) يتهم السكان قيادياً حوثياً يُدعى مفيد إسحاق بجباية ما يقارب 17 ألف دولار، (9 ملايين ريال يمني وفق سعر الصرف الذي تفرضه الجماعة في مناطق سيطرتها)، مقابل مشاريع للصرف الصحي وإصلاحات الشبكات، في حين تتسع رقعة تلوث شوارع المدينة بالمياه الملوثة.

مياه الصرف الصحي ومخلفات القمامة تملأ شوارع ومسارات السيول وسط مدينة إب (فيسبوك)

وفي سياق متصل، أصدرت محكمة غرب إب حكماً بإدانة أحد المتهمين بري محاصيل زراعية بمياه الصرف الصحي، مكتفية بفرض غرامة قدرها 300 ألف ريال يمني (ما يعادل نحو 560 دولاراً)، وهو ما عدّه السكان عقوبة محدودة، مقابل احتفال مؤيدي الجماعة به، وعدّه خطوة مهمة لحماية المستهلكين.

ووصف عدد من أهالي المحافظة الحكم بالمتهاون وغير المجدي؛ لكونه لا يوقّع عقوبة رادعة بحق المتورطين بتلويث الغذاء، وجاء بعد أشهر طويلة من الإجراءات البطيئة في ظل تزايد الشكاوى والبلاغات، واتهموا الجماعة بالمشاركة بتلويث الطعام بالتساهل والتواطؤ.

ويرى الأهالي الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الغرامة المذكورة لا تعدّ عقوبة في حد ذاتها إزاء حجم التهم التي كان يفترض أن تواجه عشرات، وربما مئات، المزارعين الذين يغرقون، منذ سنوات، الأسواق بالمحاصيل التي تنتجها مزارعهم المروية بمياه الصرف الصحي، دون أن تُتخذ ضدهم أي إجراءات، ولم يتم إخضاعهم للرقابة أو المساءلة.

تواطؤ وتربح

يتساءل الأهالي في إب عن سبب تجاهل سلطات الجماعة لكل النداءات والبلاغات المقدمة لها حول المَزارع التي تغرق بمياه الصرف الصحي أمام الأنظار، في حين يجري نقل صور ومشاهد وشهادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

مضخة مياه تُستخدم للسحب من شبكة الصرف الصحي وري المزروعات في إب (إكس)

وتكتفي الجماعة، طبقاً لمصادر مطلعة، بإصدار تعميمات بعدم السماح لمنتجات المزارع الملوثة بمياه الصرف الصحي من دخول الأسواق، دون أن يتم الالتزام بها.

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة الحوثية تفرض جبايات مضاعفة على مُلاك تلك المزارع الذين يدفعونها من دون اعتراض مقابل السماح لهم بتسويق منتجاتهم وعدم احتجازها.

وتضيف أن الدوريات الأمنية التابعة للجماعة، ومنذ سنوات، تزور تلك المزارع باستمرار حسب البلاغات التي ترد إليها، إلا أنها لم تتخذ إجراءات بحق ملاك المزارع سوى في حالات نادرة، مرجحة أن يكون ذلك بسبب رفض أولئك الملاك دفع الإتاوات التي فُرضت عليهم.

ويرى كثير من السكان أن العقوبة محدودة ولا تشكل رادعاً كافياً في مواجهة ممارسات يقولون إنها استمرت لسنوات وأسهمت في وصول منتجات مروية بمياه ملوثة إلى الأسواق.

وكان القيادي الحوثي عبد الحميد الشاهري، المعيَّن من قِبل الحوثيين وكيلاً لمحافظة إب، اعترف، قبل نحو 5 أشهر بأن سلطات الجماعة سبق أن أفرجت عن متورطين في استخدام مياه الصرف الصحي في الري، بعد اعتقالهم لأيام، ليعودوا إلى ممارسة النشاط ذاته.

كما وصف الشاهري الصمت تجاه هذه القضية بـ«المخزي والمهين»، متعهداً بالشروع في حلها.

اختراق المحافظات المجاورة

يمتد أثر هذه الكارثة إلى خارج المحافظة عبر وادي تُبَن، الذي ينقل مياه الصرف الصحي من إب إلى مناطق في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع (جنوب) ومديرية المسيمير بمحافظة لحج (جنوب غرب) اللتين تقعان تحت إدارة الحكومة الشرعية.

تسرب مياه الصرف الصحي وسط أحد شوارع مدينة إب (فيسبوك)

ومنذ أيام حذَّر مسؤول صحي في مديرية الأزارق من أن تدفق هذه المياه بات يشكل تهديداً خطيراً بسبب تلوث المياه الجوفية واتساع نطاق انتشار أمراض مثل الإسهالات المائية والكوليرا والملاريا والتيفوئيد وأمراض الكبد.

وقال محمد صالح المقرعي، مدير مكتب الصحة في المديرية، إنه تم تسجيل أكثر من 900 إصابة بالملاريا وحالة وفاة واحدة منذ مطلع العام، في مؤشر يعكس، حسب تقديره، تصاعد المخاطر الصحية المرتبطة بالتلوث البيئي.

ونبَّه إلى أن تدفق مياه الصرف الصحي عبر مجرى الوادي، لم يعد ظاهرة موسمية كما في السابق، بل أصبح يتكرر بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة مع كل موجة سيول قادمة من محافظة إب؛ ما يوسّع من الضرر وارتفاع معدلات انتشار أمراض الإسهالات المائية والكوليرا والملاريا والحميات وتلوث مياه الشرب وتزايد حالات الإصابة بأمراض الكبد.

طفل يعبر بدراجته وسط شارع يغرق بمياه الصرف الصحي في مديرية السياني (إكس)

ومنذ سنوات يناشد أهالي الوادي الجهات المعنية للتدخل العاجل لوقف ما وصفوه بالخطر المحدق بصحة السكان والزراعة، مشيرين إلى أن الوادي الذي يمثل شريان حياة لعدد من المحافظات بات مهدداً بتلوث يطال المياه والأراضي الزراعية، وتحدثوا عن زيادة لافتة في حالات السرطان، مرجحين أن يكون هذا التلوث سبباً فيها.

من جهتهم، وجَّه أهالي مديريتي الأزارق والمسيمير الاتهامات للجماعة الحوثية بفتح قنوات تصريف مياه الصرف الصحي باتجاه مناطقهم بشكل متعمد، كعقاب جماعي لهم بسبب الوقوف في صف الحكومة الشرعية.


«اتفاق غزة»: «الخط البرتقالي» عقبة جديدة أمام مسار الوسطاء

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»: «الخط البرتقالي» عقبة جديدة أمام مسار الوسطاء

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها عند «الخط الأصفر» الذي يعادل ما يقرب من 53 في المائة من مساحة قطاع غزة ليبلغ حالياً 64 في المائة من القطاع، لتضع خطاً جديداً أطلق عليه «الخط البرتقالي»، وذلك رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

تلك الخطوات الإسرائيلية يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ضغوطاً جديدة لإطالة أمد مفاوضات الانسحاب، وترسيخ الوجود مع أي تصعيد جديد، متوقعين استمرار جهود الوسطاء (مصر وقطر وتركيا) لإبقاء «اتفاق غزة» المتعثر تحت الأضواء، وعدم طي التزاماته لحين وجود ضغوط أميركية جادة بعد انتهاء حرب إيران.

توسع جديد

وأفادت صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية أنه تم «توسيع المناطق الأمنية داخل قطاع غزة بمساحة إضافية تبلغ 34 كيلومتراً مربعاً، بموافقة (مجلس السلام) بعدما لم تنفذ (حماس) الالتزامات المرتبطة بنزع السلاح».

وبذلك «يسيطر الجيش الإسرائيلي حالياً على نحو 64 في المائة من مساحة قطاع غزة، بعدما أنشأ (الخط البرتقالي)، وهو خط تمركز جديد لقواته يحل محل الخط الأصفر ويضيف نحو 34 كيلومتراً مربعاً إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بما يعادل قرابة 11 في المائة من إجمالي مساحة القطاع»، وفق ما ذكرته الصحيفة، الثلاثاء.

في المقابل، قال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج، عبد الجبار سعيد، إن الحركة أبلغت الوسطاء مراراً رفضها «لتوسيع نطاق سيطرة الاحتلال ومحاولة فرض الأمر الواقع» داخل غزة، مضيفاً: «لا بد من الانسحاب وعدم التوقف عند ما يسمى (الخط الأصفر)، ومن باب أولى نرفض التوسع إلى (الخط البرتقالي)».

وشدد على أن موقف الحركة يقوم على «انسحاب الاحتلال باتجاه حدود القطاع، وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول)».

أهالي إحدى ضحايا القصف الإسرائيلي خلال جنازة في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ف.ب)

من جانبه، قال المحلل في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، إن ذلك التوسع الإسرائيلي في اقتطاع أراضي غزة على هذا النحو، يضر مسار الوسطاء بشكل كبير ولا يساعد للوصول لتفاهمات، مشيراً إلى «أن هذا يؤكد استمرار تل أبيب في مسار التصعيد والضغوط على (حماس)، وأن أي حديث عن التوصل لحلول قبل نهاية حرب إيران غير وارد في ظل انشغال أميركي كامل».

ويرى أن تلك التسريبات الإسرائيلية التي تربط التمدد الإسرائيلي بأنه بموافقة من «مجلس السلام» مجرد ضغوط للدفع بملف تسليم سلاح «حماس»، الذي بات الشغل الشاغل لمبعوث المجلس في غزة، نيكولاي ملادينوف، محذراً من تعميق العقبات أمام الوسطاء التي تسعى لإدخال لجنة التكنوقراط في أقرب وقت.

ضوء أخضر للتصعيد

ويشير المحلل في الشأن الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إلى أن تلك التطورات يمكن قراءتها في ضوء زيارة ملادينوف إلى إسرائيل، الأربعاء، ودعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعقد مجلس الوزراء المصغر دون توضيح تفاصيله، وسط حراك من الوسطاء بينها لقاء في أنقرة مع «حماس»، متوقعاً أن يكون التوسع في الاحتلال ضوءاً أخضر لتصعيد جديد أو ضغوط.

ويعتقد أن إنشاء «خط برتقالي» بخلاف «الأصفر»، محاولة إسرائيلية لإطالة أمد مفاوضات الانسحاب من القطاع حال طرحت، بخلاف أنه ضغط لتسليم السلاح الذي إن حدث الآن دون وجود قوات استقرار دولية وأخرى شرطية فلسطينية، بجانب دخول «لجنة إدارة القطاع» فسيحدث فراغاً أمنياً وربما حرباً أهلية، ولن تسمح «حماس» بحدوث ذلك السيناريو أو الوسطاء في مصر وقطر وتركيا.

على جانب آخر، لم يعلق الوسطاء على هذا التوسع، ولا تزال الدول الثلاث تطالب بتنفيذ اتفاق غزة.

وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أكد خلال لقاء قبل أيام مع نظيره الفرنسي، جان نويل بارو، أهمية تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من الخطة الأميركية، والبدء في تنفيذ المرحلة الثانية، مشيراً إلى أهمية مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة مهامها من داخل القطاع، وسرعة نشر قوة الاستقرار الدولية.

ورغم توقع الدكتور سعيد عكاشة أن مصر وقطر وتركيا ستواصل الاتصالات بشأن تحرك اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، فإنه يرجح أن يشهد مسار الاتفاق «جموداً مؤقتاً لحين حسم ملف حرب إيران من واشنطن».

ويعتقد الرقب أن الاتفاق يتوقف الآن على حجم الضغوط الأميركية على إسرائيل، ولكن ما يتم حتى الآن شراء للوقت من تل أبيب دون ضغوط من واشنطن، مؤكداً أن المعادلة الحالية في القطاع لن تتوقف على جمود الاتفاق فحسب، بل قد تصل لعودة الحرب من جديد.