«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

التنظيم حوَّل منزل مسؤول ليبي سابق إلى مقر لإدارة العمليات ضد الجيش

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.

تركت تنظيمات متطرفة مدناً مُحطمة وجريحة. وتشهد طوابق العمارات المنهارة والمحترقة، في ضواحي العاصمة طرابلس، وفي بنغازي وسرت، على شدة المعارك التي خاضها الليبيون ضد هذه التنظيمات التي يُطلق عليها الأهالي مسميات مختلفة منها «الدواعش» و«الأنصار» و«الإخوان».
ومن بين خطوط الألغام والمفخخات وأصوات الرصاص، تقدّم «الشرق الأوسط» خمس حلقات عن قصص المعارك الحربية الشرسة لإسقاط أوكار عدة كان المتطرفون يستخدمونها مقاراً للانطلاق وغرف عمليات، بالإضافة إلى سراديب لسجن الأسرى، وأخرى لتكديس «الغنائم» من أسلحة وأموال وجواهر، بينما كان زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي يرسل لأتباعه المنهزمين في ليبيا رسائل بالتوجه إلى الجنوب والاستعداد لاستقبال «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا.
بينما ما زالت طرابلس تعاني وتنتظر مستقبلاً مجهولاً، لم يتبقَ في بنغازي إلا مربع سكني واحد يتحصن فيه بقايا المسلحين المنهزمين. ويقع على مساحة نصف كيلومتر في نصف كيلومتر، قرب منطقتي الصابري وسوق الحوت. اسم المكان «سيدي خريبيش»، ولا يمكن الاقتراب منه لأن المنطقة شديدة الخطورة، فقد جرى تفخيخ الشوارع والمباني المحيطة بها على أيدي المتحصنين في الداخل. كما جرى حفر أنفاق تحت الأرض يستخدمها المسلحون للتنقل بين مواقعهم والاختباء. وبين وقت وآخر تسمع صوت القذائف الصاروخية وزخات من طلقات الرصاص. ويحدث الأمر بشكل مفاجئ. وحين تحني رأسك وتستعد للفرار، يقول لك مرافقك العسكري: طالما سمعت صوت الرصاص فأنت ما زلت على قيد الحياة!
وحتى الجري للنجاة بنفسك محفوف بالمخاطر... ففي كثير من الطرقات ما زال رجال الهندسة العسكرية يصِلون الليل بالنهار من أجل نزع الألغام والمفخخات.
وأسس تنظيم داعش أول غرفة عمليات له في جنوب بنغازي، في منزل يخص مسؤولاً ليبياً سابقاً يدعى علي حسين الجبالي، بعد طرده منه وقتل ابنه. وأقام قادة التنظيم فيه لمدة عامين. والمكان عبارة عن منزل كبير وفناء مزروع بالورد ومحاط بسور، وله أبواب حديد. وكان صاحبه، الجبالي، يعمل مديراً للمِلْكيات والإحصاء في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ عام 2011. ويقع المنزل على حدود مزرعة العقيد الراحل معمر القذافي في ضاحية الليثي.
وحين تزور البيت اليوم ستجد جدراناً مهدمة ومحترقة والألوف من فوارغ طلقات الرصاص المبذورة في التراب وبين أوراق العشب الناشف، وتوجد بقايا صواريخ من طراز «سام» وأخرى من نوع «غراد»، ومزقاً من أوراق تحتوي على أسماء رجال أمن مستهدفين.
ويقول الجبالي عن هذه الجماعة التي عصفت ببيته وألقت رداء الحزن على أسرته إلى الأبد، إنهم «الأنصار» نسبة إلى «تنظيم أنصار الشريعة» الذي أعلن فريق منه موالاته لتنظيم داعش في عام 2014، بينما ظل فريق آخر على الولاء لتنظيم القاعدة.
ولمعرفة تداخل الأسماء بين الجماعات المتطرفة في ليبيا، لا بد من الإشارة إلى أن «تنظيم أنصار الشريعة» ولد قبل نحو أربعة أعوام من رحم تنظيم له كتيبة كبيرة كانت مجاورة لمزرعة القذافي ببنغازي، اسمها «كتيبة راف الله السحاتي». كما أن «كتيبة راف الله السحاتي» نفسها كانت قد خرجت من بطن تنظيم «كتيبة 17 فبراير» التي أسستها جماعة «الإخوان» لتستوعب فيها التيارات المتطرفة المختلفة، أثناء انتفاضة 2011، في أحد معسكرات الجيش الليبي الذي كان يعرف بـ«معسكر السابع من أبريل».
وعادت كل هذه التنظيمات للتعاون معاً تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي» بعد أن بدأ المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، حملته لطرد المتطرفين من المدينة قبل نحو ثلاث سنوات.
وبينما كان يعيش حياة التقاعد من العمل في بيته، ويعتني بأزهار حديقته، لاحظ الجبالي تزايد أعداد العناصر التي كانت تقوم باحتلال مواقع حكومية ومصانع ومتاجر ومعسكرات الجيش القريبة من منزله. كان ذلك في صيف 2014. كما تزايد صوت إطلاق النار في ساحات التدريب المجاورة وسط أهازيج عن «قدوم دولة الخلافة» المزعومة لـ«داعش».
يقول الرجل، والدهشة ما زالت على وجهه، إنه لم يكن يتخيل أن هذه الجماعات ستسيطر على المدينة، من البحر شمالاً، حتى مطار بنينا جنوباً، بطول يزيد على 30 كيلومتراً، وبعرض مماثل يصل حتى منطقة قار يونس غرباً.
وانطلاقاً من بيت الجبالي، أسَّس المتطرفون أسفل مصنع الإسمنت الضخم، في منطقة استراتيجية ببنغازي، مقرات لاحتجاز الخصوم ومحاكمتهم وقتلهم، كما أسسوا، في أنفاق تحت المصنع نفسه، بيتاً أطلقوا عليه «بيت مال المسلمين» كان مكدساً بالأموال والجواهر وبكل ما كان «يغنمه» المتشددون من أهالي المدينة التجارية العريقة.
وأخيراً ترك التنظيم بنغازي.. لكنه تركها محطمة وجريحة.. تستطيع أن ترى ذلك بداية من الحطام والسُّخام الذي يلطخ المجمع التجاري، والذي كان يغص بفروع الشركات من كل الدنيا، والمعروف باسم «مجمع الدعوة الإسلامية»، وحتى مبنى «جامعة قار يونس» حيث حوَّل التنظيم كلية العلوم إلى مختبر للمتفجرات وصناعة المفخخات، ودمر القبة السماوية نادرة التصميم، والتي تتوسط فناء الجامعة.
وحتى اليوم يتطلب دخول أي صحافي إلى مبنى الجامعة تصاريح وموافقات خاصة، ومرافقة مسؤول أيضاً، بسبب الخوف من المفخخات والقنابل. فالطرقات بين مجمعات الكليات ما زالت مقطعة الأوصال بالكتل الخرسانية وصناديق الشاحنات والركام والشجر المحترق. ومن بين كل هذه الفوضى يمكن أن تكون هناك دانات مزروعة في انتظار من يقترب منها لتنفجر في وجهه.
علاقات خفية مع زعماء ميليشيات
وبينما تم دحره وإجبار عناصره على الفرار إلى غرب البلاد وإلى جنوبها، ترك التنظيم وراءه آثاراً في غرف عملياته في ضواحي الليثي، والصابري، وقنفودة، والميناء، وغيرها، لتكشف علاقات خفية مع زعماء ميليشيات في كل من طرابلس ومصراتة غرباً، ودرنة شرقاً، ومنها طُرق الحصول على المَدد والعون من داخل ليبيا ومن دول أخرى وراء البحر.
وجمعت هيئة القضاء العسكري، في مقرها في بنغازي، ملفات تضم الكثير من الأسماء الليبية وغير الليبية التي تسببت في كل هذا الخراب، للمطالبة بمحاكمتها، داخل ليبيا بالنسبة لليبيين، وعن طريق محكمة الجنايات الدولية بالنسبة لغير الليبيين. وتتولى جهات مسؤولة تابعة للقوات المسلحة التي يقودها المشير حفتر فحص المئات من الهواتف النقالة والحواسب المحمولة التي أمكن الحصول عليها من العناصر المتطرفة بعد أن تعرضت للقتل أو الأسر أو فرت خلال الحرب مع الجيش الوطني.
ويقوم الجبالي حالياً بترميم منزله بعد أن أضرم المتطرفون المنهزمون النار في محتوياته، أثناء تقهقرهم بفعل ضربات أفراد القوات المسلحة والمتطوعين المساندين لها. وكوّم الرجل عدة قذائف صاروخية معطوبة في جانب الفناء. ووضع في الجانب الآخر ما تبقى من مراتب وأغطية محترقة وأَسرَّة وخزائن خشبية محطمة، بينما ملأت رائحة الطلاء البيت من الداخل، حيث تقدمت ابنته الصغيرة للترحيب بالضيوف فيما رسمت والدتها ابتسامة حزينة على محياها.
ويقول، والدموع تكاد تفر من عينيه، إنه وأسرته أمضوا وقتاً عصيباً، بعد أن قتل الدواعش ابنه، واحتلوا مسكنه هذا، وكتبوا على واجهته «قادمون يا أقصى»، ودمروا كل شيء، بما في ذلك مكتبته التي تغص بشتى أنواع الكتب.
ويضيف أنه، قبل ثلاث سنوات، كان قد بدأ يرى طلائع العناصر المتطرفة وهي تعاين المنطقة. ثم أخذت مجاميع غريبة، تتحدث بلهجات ليبية ومصرية وتونسية وسورية وغيرها، «تتكاثر مثل الجراد» بالأسلحة والمعدات الحربية. كان بينهم أفارقة أيضاً. شن هؤلاء هجوماً على عدة معسكرات في الجوار، من بينها معسكر الصاعقة التابع للجيش الوطني، حيث كان ابن الجبالي؛ إحسونة، جندياً فيه.. «قتلوا إحسونة؛ استوقفوه حين كان عائداً للبيت في سيارته، وأطلقوا عليه الرصاص».
كيف حدث هذا؟ وأين كان الجيش وقوات الأمن لحماية المدينة؟ كانت الأمور معقدة. واللعبة تشارك فيها جهات محلية تريد أن تشكل قواتها الخاصة بعد أن تعرض الجيش، في 2011، لضربات موجعة من طائرات وصواريخ حلف شمال الأطلسي (ناتو). ويقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، إن الحلف بعد أن انتهى من ضرب مخازن ودشم القوات المسلحة الليبية، جاءت جماعة «الإخوان» في 2012، وأخرجت آلاف العسكريين من الخدمة، وجلبت العسكريين المفصولين من الجيش من أيام القذافي، ومعظمهم كانوا مفصولين إما بسبب أنهم كانوا يحملون فكراً تكفيرياً، أو بسبب قضايا تمس الشرف وطبيعة الخدمة العسكرية، بحسب ما قال.
وتشكل مع أواخر ذلك العام جيشٌ جرار يتكون من خليط عجيب من ميليشيات ذات توجهات جهوية تخص مدناً بعينها أو توجهات مذهبية لها علاقة بجماعة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة). واختلطت العناصر المدنية بالعسكرية.
وتشير التحقيقات العسكرية الحالية، التي تعتمد على ما تركه المتطرفون من أدلة وإثباتات، إلى حصول أمراء وعناصر من هذه الميليشيات على عتاد ودعم من جهات محلية وإقليمية ثبت فيما بعد أن لها علاقة بالإرهاب.
ويقول حسن إرحومة الذي كان يعمل في مصنع الإسمنت في بنغازي: «في ذلك الوقت أصبحت الكلمة العليا في المدينة لتنظيم أنصار الشريعة. أذكر أنه بعد أن استولوا على منزل الجبالي، تقدم نحو خمسين شاباً منهم، تتراوح أعمارهم بين تسعة عشر عاماً وثلاثين عاماً، وهم يهتفون الله أكبر، الله أكبر.. وقاموا بتفجير مبنى مديرية الأمن القريب من المصنع. وهزت قوة التدمير شوارع بنغازي، وهوت بطوابق المبنى إلى الأرض. وأثارت هذه الواقعة الفزع، وبدأت العائلات ترحل بعيداً».
حمل إرحومة أسرته في سيارة وغادر المدينة متسللاً ليقيم لدى أبناء عمومته في طبرق شرقاً. ومع أواخر عام 2014 كان فرع تنظيم «أنصار الشريعة» في درنة قد أعلن مبايعته لتنظيم داعش، بينما انقسم التنظيم في بنغازي بين مؤيد ومُنتظر، لكن إصرار الجيش الوطني على طرد التنظيم من هذه المدينة، أعاد تحالف كل أنواع المتطرفين ضمن «مجلس شورى بنغازي»، وأخذت المجاميع المسلحة تتحرك بكل حرية وطمأنينة في المدينة، وقد اقتربت عناصرها كثيراً من منطقة المعسكرات والمصانع ومزرعة القذافي القديمة، في نطاق منزل الجبالي.
ويضيف إرحومة: «أصبحوا يتحركون بالدبابات والمدرعات والسيارات التي تحمل فوقها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمتراً. وقلت وقتها إنه ما من قوة تقدر على إخراجهم من المدينة. وقد يمكثون فيها عشرات السنين. أثناء ذلك.. وفي الضواحي الخلفية، كانت سيارات العائلات تتسلل لتغادر إلى أي مكان آمن، سواء داخل ليبيا أو خارجها. لكن حتى الهروب كان صعباً ومحفوفاً بالمخاطر».
ويذكر جبريل عبد الله، الذي كان يعمل في قطاع الأمن بالمدينة، أنه سهَّل مهمة مغادرة عشرات العائلات، بينما كان يرى «الأنصار» أو «الدواعش» وهم ينتقون المنازل الكبيرة والمحصنة لكي يحولوها إلى مراكز لهم، ثم يقيمون الحواجز بحثاً عن رجال الأمن والجيش لقتلهم، كما فعلوا مع إحسونة ابن الجبالي.
إعدامات
ويتذكر عبد الله تلك الأيام حيث كانت رائحة الموت تغطي الطرقات: «في كل زاوية وعلى كل شارع كانت تقف سيارة تابعة للمتطرفين، مجهزة بأجهزة حواسب محمولة عليها ملفات تحوي أسماء كل من التحق في أي يوم من الأيام بالجيش أو بالشرطة. وإذا تصادف مرور أي شاب أو عائلة معها رجل، تقوم بوابة الدواعش بتوقيفها والكشف على أسماء الركاب على الحاسوب. إذا ظهر أن اسم أي راكب مسجل في ملفات الجيش أو الشرطة، يتم إطلاق النار على رأسه في الشارع ولو كانت معه أسرته».
ويقول مصدر أمني يشارك في التحقيق في مخلفات غرف «الدواعش» إن قاعدة البيانات المجمعة عن رجال الجيش والأمن، التي كانت لدى التنظيمات المتطرفة، حصلت عليها تلك التنظيمات من قادة لها في طرابلس.. «هذه المنظومة المتكاملة لم تكن توجد إلا في العاصمة... من المسؤول عن وصولها إلى متطرفي بنغازي؟ أياً كان فنحن نرى أنه شريك في أعمال التفخيخ والقتل التي طالت رجال الجيش».
وتقول مصادر أمنية إن المتطرفين قتلوا أكثر من خمسمائة من المنتمين للقوات المسلحة والشرطة في بنغازي وحدها، خلال عام 2014 فقط... وحين أطلق المشير حفتر «عملية الكرامة» لمحاربة المتطرفين وإنقاذ المدينة، استشاط قادة هذه التنظيمات غضباً. ويقول ضابط من قادة الحرب في المحور الذي يقع فيه منزل الجبالي إن أمراء حرب من مصراتة وطرابلس دخلوا في ذلك الوقت على الخط لدعم هؤلاء المسلحين في بنغازي، حيث مكنهم المدد والدعم بالأسلحة والأموال والمعلومات الاستخباراتية من اجتياح ما تبقى من معسكرات الجيش ومقار الشرطة. وكان أبرزها معسكر الصاعقة الذي كان يعد آخر مركز لوجود الدولة في بنغازي، وهو المعسكر نفسه الذي كان ابن الجبالي أحد جنوده.
وأقام قادة «الدواعش» في منزل الجبالي نحو عامين وحولوه إلى مقر نموذجي للتخطيط والتوجيه، لأنه يتوسط معسكرات ومرافق عدة جرت السيطرة عليها بالفعل من قبل خليط المتطرفين... كان زعماء كبار من هذه التنظيمات، من أمثال محمد الزهاوي (قتل في معركة مطار بنينا) ووسام بن حميد (يعتقد أنه فرَّ خارج ليبيا)، وزياد بلعم (انتقل بقواته للمنطقة الغربية)، وفقاً للمصادر الأمنية، يترددون على المقر الذي كان يغص بأجهزة الكومبيوتر والملفات والأوراق التي تخص «أمراء الحرب».
ولفناء البيت بوابة حديدية كبيرة لدخول السيارات وأخرى صغيرة لدخول الأفراد. أما باب المنزل فيشبه أبواب الفيلات. وله واجهة إسمنتية عريضة. وتدل الآثار على أن المتطرفين استخدموا السطح للإشراف على باقي معسكراتهم المحيطة، وللتمركز من فوقه بالصواريخ والمدافع المضادة للطائرات، ومنع أي محاولة للجيش من الاقتراب. وتوجد بقايا لمناظير مراقبة من تلك التي يصل مداها إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات.
ويقول الجبالي: «حين زاد عدد المعسكرات التي سيطر عليها الدواعش من حولي، وبعد قيامهم بقتل ابني، تركت بيتي.. صدرت تعليمات من الجيش لسكان المناطق التي فيها معسكرات للدواعش بإخلائها... لقد كانوا يحيطون بمسكني من كل جانب». ويشير بذراعه إلى جهة اليمين: «من هنا مقر كتيبة راف الله السحاتي». ثم يشير إلى اليسار: «ومن هناك كتيبة أخرى اسمها الكتيبة 210. وفي الخلف ثلاث كتائب.. كانوا موجودين في كل مكان».
وكان أحد أقارب الجبالي يتردد على بيته لتفقده بين وقت وآخر، إلى أن فوجئ في يوم من الأيام بقدوم «الدواعش» لاحتلال المنزل. وقالوا إنهم من تنظيم «أنصار الشريعة». وقالوا أيضاً إنهم يعرفون من هو صاحب البيت. وقبل خروجهم من المقر، وأمام تقدم الجيش الوطني، قام «الدواعش» بحرق المنزل بما فيه بعد أن أخذوا منه ما أمكن من أجهزة وأوراق مهمة. وحتى الآن ما زال يمكن أن تعثر على بقايا أوراق يبدو فيها رصد للعاملين في جهاز الأمن. وأثناء إقامتهم في المنزل فتح المتطرفون ممرات، مثل الأبواب، للتنقل بين سور البيت والمعسكرات التي استولوا عليها في الجوار.
وتمكن الرجل من إعادة طلاء معظم جدران البيت، وأعاد ري وتنسيق زهور حديقة منزله بعد أن رجع إليه أخيراً، لكنه ترك الحجرة التي تقع على يمين الباب، بما فيها من آثار الخراب والحريق الذي خلفه الدواعش، كما هي، للذكرى.

- غداً في الحلقة الثانية:
آخر مربع سكني يتحصن فيه مسلحو بنغازي
قصة «سيدي خريبيش»



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended