«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

التنظيم حوَّل منزل مسؤول ليبي سابق إلى مقر لإدارة العمليات ضد الجيش

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا 1 من 5: «داعش» ترك بنغازي محطمة وجريحة... وآثاره تكشف علاقاته الخفية

واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.
واحدة من الفتحات التي أحدثها المتطرفون في سور منزل الجبالي للتنقل بين المعسكرات المحيطة بعد استيلائهم عليها.

تركت تنظيمات متطرفة مدناً مُحطمة وجريحة. وتشهد طوابق العمارات المنهارة والمحترقة، في ضواحي العاصمة طرابلس، وفي بنغازي وسرت، على شدة المعارك التي خاضها الليبيون ضد هذه التنظيمات التي يُطلق عليها الأهالي مسميات مختلفة منها «الدواعش» و«الأنصار» و«الإخوان».
ومن بين خطوط الألغام والمفخخات وأصوات الرصاص، تقدّم «الشرق الأوسط» خمس حلقات عن قصص المعارك الحربية الشرسة لإسقاط أوكار عدة كان المتطرفون يستخدمونها مقاراً للانطلاق وغرف عمليات، بالإضافة إلى سراديب لسجن الأسرى، وأخرى لتكديس «الغنائم» من أسلحة وأموال وجواهر، بينما كان زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي يرسل لأتباعه المنهزمين في ليبيا رسائل بالتوجه إلى الجنوب والاستعداد لاستقبال «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا.
بينما ما زالت طرابلس تعاني وتنتظر مستقبلاً مجهولاً، لم يتبقَ في بنغازي إلا مربع سكني واحد يتحصن فيه بقايا المسلحين المنهزمين. ويقع على مساحة نصف كيلومتر في نصف كيلومتر، قرب منطقتي الصابري وسوق الحوت. اسم المكان «سيدي خريبيش»، ولا يمكن الاقتراب منه لأن المنطقة شديدة الخطورة، فقد جرى تفخيخ الشوارع والمباني المحيطة بها على أيدي المتحصنين في الداخل. كما جرى حفر أنفاق تحت الأرض يستخدمها المسلحون للتنقل بين مواقعهم والاختباء. وبين وقت وآخر تسمع صوت القذائف الصاروخية وزخات من طلقات الرصاص. ويحدث الأمر بشكل مفاجئ. وحين تحني رأسك وتستعد للفرار، يقول لك مرافقك العسكري: طالما سمعت صوت الرصاص فأنت ما زلت على قيد الحياة!
وحتى الجري للنجاة بنفسك محفوف بالمخاطر... ففي كثير من الطرقات ما زال رجال الهندسة العسكرية يصِلون الليل بالنهار من أجل نزع الألغام والمفخخات.
وأسس تنظيم داعش أول غرفة عمليات له في جنوب بنغازي، في منزل يخص مسؤولاً ليبياً سابقاً يدعى علي حسين الجبالي، بعد طرده منه وقتل ابنه. وأقام قادة التنظيم فيه لمدة عامين. والمكان عبارة عن منزل كبير وفناء مزروع بالورد ومحاط بسور، وله أبواب حديد. وكان صاحبه، الجبالي، يعمل مديراً للمِلْكيات والإحصاء في هذه البلاد التي تعمها الفوضى منذ عام 2011. ويقع المنزل على حدود مزرعة العقيد الراحل معمر القذافي في ضاحية الليثي.
وحين تزور البيت اليوم ستجد جدراناً مهدمة ومحترقة والألوف من فوارغ طلقات الرصاص المبذورة في التراب وبين أوراق العشب الناشف، وتوجد بقايا صواريخ من طراز «سام» وأخرى من نوع «غراد»، ومزقاً من أوراق تحتوي على أسماء رجال أمن مستهدفين.
ويقول الجبالي عن هذه الجماعة التي عصفت ببيته وألقت رداء الحزن على أسرته إلى الأبد، إنهم «الأنصار» نسبة إلى «تنظيم أنصار الشريعة» الذي أعلن فريق منه موالاته لتنظيم داعش في عام 2014، بينما ظل فريق آخر على الولاء لتنظيم القاعدة.
ولمعرفة تداخل الأسماء بين الجماعات المتطرفة في ليبيا، لا بد من الإشارة إلى أن «تنظيم أنصار الشريعة» ولد قبل نحو أربعة أعوام من رحم تنظيم له كتيبة كبيرة كانت مجاورة لمزرعة القذافي ببنغازي، اسمها «كتيبة راف الله السحاتي». كما أن «كتيبة راف الله السحاتي» نفسها كانت قد خرجت من بطن تنظيم «كتيبة 17 فبراير» التي أسستها جماعة «الإخوان» لتستوعب فيها التيارات المتطرفة المختلفة، أثناء انتفاضة 2011، في أحد معسكرات الجيش الليبي الذي كان يعرف بـ«معسكر السابع من أبريل».
وعادت كل هذه التنظيمات للتعاون معاً تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي» بعد أن بدأ المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، حملته لطرد المتطرفين من المدينة قبل نحو ثلاث سنوات.
وبينما كان يعيش حياة التقاعد من العمل في بيته، ويعتني بأزهار حديقته، لاحظ الجبالي تزايد أعداد العناصر التي كانت تقوم باحتلال مواقع حكومية ومصانع ومتاجر ومعسكرات الجيش القريبة من منزله. كان ذلك في صيف 2014. كما تزايد صوت إطلاق النار في ساحات التدريب المجاورة وسط أهازيج عن «قدوم دولة الخلافة» المزعومة لـ«داعش».
يقول الرجل، والدهشة ما زالت على وجهه، إنه لم يكن يتخيل أن هذه الجماعات ستسيطر على المدينة، من البحر شمالاً، حتى مطار بنينا جنوباً، بطول يزيد على 30 كيلومتراً، وبعرض مماثل يصل حتى منطقة قار يونس غرباً.
وانطلاقاً من بيت الجبالي، أسَّس المتطرفون أسفل مصنع الإسمنت الضخم، في منطقة استراتيجية ببنغازي، مقرات لاحتجاز الخصوم ومحاكمتهم وقتلهم، كما أسسوا، في أنفاق تحت المصنع نفسه، بيتاً أطلقوا عليه «بيت مال المسلمين» كان مكدساً بالأموال والجواهر وبكل ما كان «يغنمه» المتشددون من أهالي المدينة التجارية العريقة.
وأخيراً ترك التنظيم بنغازي.. لكنه تركها محطمة وجريحة.. تستطيع أن ترى ذلك بداية من الحطام والسُّخام الذي يلطخ المجمع التجاري، والذي كان يغص بفروع الشركات من كل الدنيا، والمعروف باسم «مجمع الدعوة الإسلامية»، وحتى مبنى «جامعة قار يونس» حيث حوَّل التنظيم كلية العلوم إلى مختبر للمتفجرات وصناعة المفخخات، ودمر القبة السماوية نادرة التصميم، والتي تتوسط فناء الجامعة.
وحتى اليوم يتطلب دخول أي صحافي إلى مبنى الجامعة تصاريح وموافقات خاصة، ومرافقة مسؤول أيضاً، بسبب الخوف من المفخخات والقنابل. فالطرقات بين مجمعات الكليات ما زالت مقطعة الأوصال بالكتل الخرسانية وصناديق الشاحنات والركام والشجر المحترق. ومن بين كل هذه الفوضى يمكن أن تكون هناك دانات مزروعة في انتظار من يقترب منها لتنفجر في وجهه.
علاقات خفية مع زعماء ميليشيات
وبينما تم دحره وإجبار عناصره على الفرار إلى غرب البلاد وإلى جنوبها، ترك التنظيم وراءه آثاراً في غرف عملياته في ضواحي الليثي، والصابري، وقنفودة، والميناء، وغيرها، لتكشف علاقات خفية مع زعماء ميليشيات في كل من طرابلس ومصراتة غرباً، ودرنة شرقاً، ومنها طُرق الحصول على المَدد والعون من داخل ليبيا ومن دول أخرى وراء البحر.
وجمعت هيئة القضاء العسكري، في مقرها في بنغازي، ملفات تضم الكثير من الأسماء الليبية وغير الليبية التي تسببت في كل هذا الخراب، للمطالبة بمحاكمتها، داخل ليبيا بالنسبة لليبيين، وعن طريق محكمة الجنايات الدولية بالنسبة لغير الليبيين. وتتولى جهات مسؤولة تابعة للقوات المسلحة التي يقودها المشير حفتر فحص المئات من الهواتف النقالة والحواسب المحمولة التي أمكن الحصول عليها من العناصر المتطرفة بعد أن تعرضت للقتل أو الأسر أو فرت خلال الحرب مع الجيش الوطني.
ويقوم الجبالي حالياً بترميم منزله بعد أن أضرم المتطرفون المنهزمون النار في محتوياته، أثناء تقهقرهم بفعل ضربات أفراد القوات المسلحة والمتطوعين المساندين لها. وكوّم الرجل عدة قذائف صاروخية معطوبة في جانب الفناء. ووضع في الجانب الآخر ما تبقى من مراتب وأغطية محترقة وأَسرَّة وخزائن خشبية محطمة، بينما ملأت رائحة الطلاء البيت من الداخل، حيث تقدمت ابنته الصغيرة للترحيب بالضيوف فيما رسمت والدتها ابتسامة حزينة على محياها.
ويقول، والدموع تكاد تفر من عينيه، إنه وأسرته أمضوا وقتاً عصيباً، بعد أن قتل الدواعش ابنه، واحتلوا مسكنه هذا، وكتبوا على واجهته «قادمون يا أقصى»، ودمروا كل شيء، بما في ذلك مكتبته التي تغص بشتى أنواع الكتب.
ويضيف أنه، قبل ثلاث سنوات، كان قد بدأ يرى طلائع العناصر المتطرفة وهي تعاين المنطقة. ثم أخذت مجاميع غريبة، تتحدث بلهجات ليبية ومصرية وتونسية وسورية وغيرها، «تتكاثر مثل الجراد» بالأسلحة والمعدات الحربية. كان بينهم أفارقة أيضاً. شن هؤلاء هجوماً على عدة معسكرات في الجوار، من بينها معسكر الصاعقة التابع للجيش الوطني، حيث كان ابن الجبالي؛ إحسونة، جندياً فيه.. «قتلوا إحسونة؛ استوقفوه حين كان عائداً للبيت في سيارته، وأطلقوا عليه الرصاص».
كيف حدث هذا؟ وأين كان الجيش وقوات الأمن لحماية المدينة؟ كانت الأمور معقدة. واللعبة تشارك فيها جهات محلية تريد أن تشكل قواتها الخاصة بعد أن تعرض الجيش، في 2011، لضربات موجعة من طائرات وصواريخ حلف شمال الأطلسي (ناتو). ويقول العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، إن الحلف بعد أن انتهى من ضرب مخازن ودشم القوات المسلحة الليبية، جاءت جماعة «الإخوان» في 2012، وأخرجت آلاف العسكريين من الخدمة، وجلبت العسكريين المفصولين من الجيش من أيام القذافي، ومعظمهم كانوا مفصولين إما بسبب أنهم كانوا يحملون فكراً تكفيرياً، أو بسبب قضايا تمس الشرف وطبيعة الخدمة العسكرية، بحسب ما قال.
وتشكل مع أواخر ذلك العام جيشٌ جرار يتكون من خليط عجيب من ميليشيات ذات توجهات جهوية تخص مدناً بعينها أو توجهات مذهبية لها علاقة بجماعة «الإخوان» و«الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة). واختلطت العناصر المدنية بالعسكرية.
وتشير التحقيقات العسكرية الحالية، التي تعتمد على ما تركه المتطرفون من أدلة وإثباتات، إلى حصول أمراء وعناصر من هذه الميليشيات على عتاد ودعم من جهات محلية وإقليمية ثبت فيما بعد أن لها علاقة بالإرهاب.
ويقول حسن إرحومة الذي كان يعمل في مصنع الإسمنت في بنغازي: «في ذلك الوقت أصبحت الكلمة العليا في المدينة لتنظيم أنصار الشريعة. أذكر أنه بعد أن استولوا على منزل الجبالي، تقدم نحو خمسين شاباً منهم، تتراوح أعمارهم بين تسعة عشر عاماً وثلاثين عاماً، وهم يهتفون الله أكبر، الله أكبر.. وقاموا بتفجير مبنى مديرية الأمن القريب من المصنع. وهزت قوة التدمير شوارع بنغازي، وهوت بطوابق المبنى إلى الأرض. وأثارت هذه الواقعة الفزع، وبدأت العائلات ترحل بعيداً».
حمل إرحومة أسرته في سيارة وغادر المدينة متسللاً ليقيم لدى أبناء عمومته في طبرق شرقاً. ومع أواخر عام 2014 كان فرع تنظيم «أنصار الشريعة» في درنة قد أعلن مبايعته لتنظيم داعش، بينما انقسم التنظيم في بنغازي بين مؤيد ومُنتظر، لكن إصرار الجيش الوطني على طرد التنظيم من هذه المدينة، أعاد تحالف كل أنواع المتطرفين ضمن «مجلس شورى بنغازي»، وأخذت المجاميع المسلحة تتحرك بكل حرية وطمأنينة في المدينة، وقد اقتربت عناصرها كثيراً من منطقة المعسكرات والمصانع ومزرعة القذافي القديمة، في نطاق منزل الجبالي.
ويضيف إرحومة: «أصبحوا يتحركون بالدبابات والمدرعات والسيارات التي تحمل فوقها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمتراً. وقلت وقتها إنه ما من قوة تقدر على إخراجهم من المدينة. وقد يمكثون فيها عشرات السنين. أثناء ذلك.. وفي الضواحي الخلفية، كانت سيارات العائلات تتسلل لتغادر إلى أي مكان آمن، سواء داخل ليبيا أو خارجها. لكن حتى الهروب كان صعباً ومحفوفاً بالمخاطر».
ويذكر جبريل عبد الله، الذي كان يعمل في قطاع الأمن بالمدينة، أنه سهَّل مهمة مغادرة عشرات العائلات، بينما كان يرى «الأنصار» أو «الدواعش» وهم ينتقون المنازل الكبيرة والمحصنة لكي يحولوها إلى مراكز لهم، ثم يقيمون الحواجز بحثاً عن رجال الأمن والجيش لقتلهم، كما فعلوا مع إحسونة ابن الجبالي.
إعدامات
ويتذكر عبد الله تلك الأيام حيث كانت رائحة الموت تغطي الطرقات: «في كل زاوية وعلى كل شارع كانت تقف سيارة تابعة للمتطرفين، مجهزة بأجهزة حواسب محمولة عليها ملفات تحوي أسماء كل من التحق في أي يوم من الأيام بالجيش أو بالشرطة. وإذا تصادف مرور أي شاب أو عائلة معها رجل، تقوم بوابة الدواعش بتوقيفها والكشف على أسماء الركاب على الحاسوب. إذا ظهر أن اسم أي راكب مسجل في ملفات الجيش أو الشرطة، يتم إطلاق النار على رأسه في الشارع ولو كانت معه أسرته».
ويقول مصدر أمني يشارك في التحقيق في مخلفات غرف «الدواعش» إن قاعدة البيانات المجمعة عن رجال الجيش والأمن، التي كانت لدى التنظيمات المتطرفة، حصلت عليها تلك التنظيمات من قادة لها في طرابلس.. «هذه المنظومة المتكاملة لم تكن توجد إلا في العاصمة... من المسؤول عن وصولها إلى متطرفي بنغازي؟ أياً كان فنحن نرى أنه شريك في أعمال التفخيخ والقتل التي طالت رجال الجيش».
وتقول مصادر أمنية إن المتطرفين قتلوا أكثر من خمسمائة من المنتمين للقوات المسلحة والشرطة في بنغازي وحدها، خلال عام 2014 فقط... وحين أطلق المشير حفتر «عملية الكرامة» لمحاربة المتطرفين وإنقاذ المدينة، استشاط قادة هذه التنظيمات غضباً. ويقول ضابط من قادة الحرب في المحور الذي يقع فيه منزل الجبالي إن أمراء حرب من مصراتة وطرابلس دخلوا في ذلك الوقت على الخط لدعم هؤلاء المسلحين في بنغازي، حيث مكنهم المدد والدعم بالأسلحة والأموال والمعلومات الاستخباراتية من اجتياح ما تبقى من معسكرات الجيش ومقار الشرطة. وكان أبرزها معسكر الصاعقة الذي كان يعد آخر مركز لوجود الدولة في بنغازي، وهو المعسكر نفسه الذي كان ابن الجبالي أحد جنوده.
وأقام قادة «الدواعش» في منزل الجبالي نحو عامين وحولوه إلى مقر نموذجي للتخطيط والتوجيه، لأنه يتوسط معسكرات ومرافق عدة جرت السيطرة عليها بالفعل من قبل خليط المتطرفين... كان زعماء كبار من هذه التنظيمات، من أمثال محمد الزهاوي (قتل في معركة مطار بنينا) ووسام بن حميد (يعتقد أنه فرَّ خارج ليبيا)، وزياد بلعم (انتقل بقواته للمنطقة الغربية)، وفقاً للمصادر الأمنية، يترددون على المقر الذي كان يغص بأجهزة الكومبيوتر والملفات والأوراق التي تخص «أمراء الحرب».
ولفناء البيت بوابة حديدية كبيرة لدخول السيارات وأخرى صغيرة لدخول الأفراد. أما باب المنزل فيشبه أبواب الفيلات. وله واجهة إسمنتية عريضة. وتدل الآثار على أن المتطرفين استخدموا السطح للإشراف على باقي معسكراتهم المحيطة، وللتمركز من فوقه بالصواريخ والمدافع المضادة للطائرات، ومنع أي محاولة للجيش من الاقتراب. وتوجد بقايا لمناظير مراقبة من تلك التي يصل مداها إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات.
ويقول الجبالي: «حين زاد عدد المعسكرات التي سيطر عليها الدواعش من حولي، وبعد قيامهم بقتل ابني، تركت بيتي.. صدرت تعليمات من الجيش لسكان المناطق التي فيها معسكرات للدواعش بإخلائها... لقد كانوا يحيطون بمسكني من كل جانب». ويشير بذراعه إلى جهة اليمين: «من هنا مقر كتيبة راف الله السحاتي». ثم يشير إلى اليسار: «ومن هناك كتيبة أخرى اسمها الكتيبة 210. وفي الخلف ثلاث كتائب.. كانوا موجودين في كل مكان».
وكان أحد أقارب الجبالي يتردد على بيته لتفقده بين وقت وآخر، إلى أن فوجئ في يوم من الأيام بقدوم «الدواعش» لاحتلال المنزل. وقالوا إنهم من تنظيم «أنصار الشريعة». وقالوا أيضاً إنهم يعرفون من هو صاحب البيت. وقبل خروجهم من المقر، وأمام تقدم الجيش الوطني، قام «الدواعش» بحرق المنزل بما فيه بعد أن أخذوا منه ما أمكن من أجهزة وأوراق مهمة. وحتى الآن ما زال يمكن أن تعثر على بقايا أوراق يبدو فيها رصد للعاملين في جهاز الأمن. وأثناء إقامتهم في المنزل فتح المتطرفون ممرات، مثل الأبواب، للتنقل بين سور البيت والمعسكرات التي استولوا عليها في الجوار.
وتمكن الرجل من إعادة طلاء معظم جدران البيت، وأعاد ري وتنسيق زهور حديقة منزله بعد أن رجع إليه أخيراً، لكنه ترك الحجرة التي تقع على يمين الباب، بما فيها من آثار الخراب والحريق الذي خلفه الدواعش، كما هي، للذكرى.

- غداً في الحلقة الثانية:
آخر مربع سكني يتحصن فيه مسلحو بنغازي
قصة «سيدي خريبيش»



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.