قذاف الدم يحلم بخلافة ابن عمه

أكد أن «لا سلام في ليبيا من دوننا»... ومعارضوه يؤكدون أن مهمته عسيرة

أحمد قذاف الدم  يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
أحمد قذاف الدم يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
TT

قذاف الدم يحلم بخلافة ابن عمه

أحمد قذاف الدم  يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
أحمد قذاف الدم يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)

في شقة فاخرة مطلة على نهر النيل بالقاهرة، {يعيش}، الديكتاتور الليبي الراحل معمر القذافي.
هناك صورة قديمة معلقة على أحد الجدران، تراه في شبابه متسكعا في خيمة من خيامه. وفي صورة أخرى، يرتدى البزة العسكرية الكاملة وهو جالس داخل إحدى الطائرات. وفي كل أسبوع، تجتمع حفنة من الرجال الذين كانوا برفقته، في تلك الشقة، لمناقشة مستقبل ليبيا ومصائرهم الشخصية. ويترأس تلك الاجتماعات في القاهرة ابن عم القذافي، والذي يمتلك هذه الشقة حاليا. يقول أحمد قذاف الدم، وهو يطالع إحدى الصور: «إنه يعيش في قلوب الملايين حتى اليوم».
أسفرت الإطاحة بحكم القذافي في ليبيا ووفاته قبل ست سنوات عن عكس حظوظ ومصائر عشيرته وحلفائه في البلاد، والذين ازدهرت معيشتهم في ظل حكمه لما يربو على أربعين عاما كاملة. ولقد فر عشرات الآلاف من الموالين له ولحكمه إلى المنفى خارج البلاد بعد وفاته، وتخير الكثيرون منهم الإقامة في مصر المجاورة. وظلوا فيها منذ ذلك الحين، يتوقون إلى الاضطلاع بدور مؤثر في مستقبل ليبيا الجديد.
ومع الملاحقات الدولية لأبناء القذافي، سواء في المنفى، أو السجن، أو حتى الوفاة، برز قذاف الدم في دور الناطق الرسمي باسم عائلة وعشيرة القذافي. وهو يمثل آمال وأحلام مواطنين ليبيين كانوا يتمتعون بحياة موسرة ذات يوم. كما أنه يعكس مخاوف وقلق الكثيرين من الآخرين الذين يخشون عودة أولئك الداعمين والمؤيدين لحكم القذافي الاستبدادي السابق.
ومع انعدام الأمن والعنف الشديد الذي صار يبطش بمختلف أرجاء ليبيا، يستشعر قذاف الدم فُـرجة في الجدار الأصم. إذ يعمل برفقة مؤيديه الآن على تنمية مختلف العلاقات مع القبائل ذات التأثير الكبير وغيرها من المنافسين السابقين الذين خابت آمالهم إثر حالة الجمود السياسية التي خيمت على أفق البلاد، محاولين السعي الحثيث لتقويض أركان الحكومة الهشة الضعيفة التي يدعمها الغرب في الآونة الأخيرة.
وهم يستشرفون الفرصة من خلال جهود الأمم المتحدة الجديدة لتحقيق السلام في البلاد، مع إمكانية إجراء انتخابات وطنية في العام المقبل. ومنحهم الإفراج الأخير عن أبرز أنجال القذافي، سيف الإسلام القذافي، من سجنه في صيف العام الحالي، بارقة أمل طال انتظروها، برغم أنه لا يزال متواريا عن الأنظار حتى الساعة.
يقول قذاف الدم، والذي هو أقرب الناس شبها بابن عمه الراحل: «لن يكون هناك سلام في ليبيا من دوننا. إننا نمثل أغلبية الشعب الليبي. وإننا نرغب في أن ترجع الأمور إلى نصابها السليم وتصحيح أخطاء الماضي». وهو يقصد بلفظة «الماضي» حالة التمرد العنيف، أي ذلك الفصل المريع من انتفاضات الربيع العربي، وعمليات القمع اللاحقة من جانب نظام القذافي، والتي أسفرت عن تدخل القوى الدولية والغارات الجوية من قبل حلف شمال الأطلسي على البلاد في عام 2011. الأمر الذي أدى إلى الإطاحة بالعقيد القذافي ثم وفاته على أيدي مقاتلي الميليشيات المسلحة في مدينة سرت، مسقط رأس الزعيم الراحل في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه.
وبحلول ذلك الوقت، كان السيد قذاف الدم قد فر من البلاد. وقذاف الدم، أحد أبرز أعضاء الدائرة الداخلية في حكومة القذافي، كان قد تلقى تعليمه في غير أكاديمية وكلية عسكرية في المملكة المتحدة، وتركيا، وباكستان. وساعد في نقل أموال وأسلحة القذافي إلى حركة الكفاح المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا وحركة الاستقلال في زيمبابوي. ثم شغل منصب المبعوث الليبي الخاص إلى القاهرة، إذ كان يعيش في شقة خاصة بحي الزمالك الراقي، المكان نفسه الذي استقر فيه منذ الانتفاضة الليبية الأخيرة.
وفي عام 2013 أصدرت السلطات الليبية في مرحلة ما بعد الثورة أمرا بالقبض على قذاف الدم والمطالبة بتسليمه، إلى جانب مسؤولين آخرين في النظام السابق. وداهمت الشرطة المصرية شقته في القاهرة واشتبكت مع حراسه قبل احتجازه. وعلى بُعد خطوات من غرفة نومه، لا يزال قذاف الدم يحتفظ بباب أبيض اللون مليء بثقوب الرصاصات كتذكرة على هذه المداهمة. وأطلقت إحدى المحاكم المصرية سراحه بعد أن أثبت محاموه أنه يحمل جواز سفر مصري - إذ إن والدته مصرية الجنسية - وأنه فر من ليبيا اعتراضا على قتل المتظاهرين هناك. وأصبح من غير المرجح إلقاء القبض على قذاف الدم في الأوقات الحالية.
ويبلغ قذاف الدم 65 عاما من عمره الآن، ويبدو في صورة أكثر شبابا من عمره، مع شعره الداكن المجعد، وتفضيله للحلات المفصلة وربطات العنق ذات الألوان الزاهية. وشقته مؤثثة بأرائك موشاة بالذهب وكراسي خشبية مزخرفة. وهناك جدار في مكتبه الخاص يحمل الكثير من الصور التي تجمعه بالكثير من الشخصيات المرموقة وزعماء القبائل البارزين.
يقول عبد الباسط أحمد أبو دية، المدير الأسبق لوكالة الأنباء الليبية: «لا يزال الكثير من الناس يثقون فيه، وهناك آخرون يتهمونه ببيع النظام السابق والتخلي عنه برحيله عن البلاد. وهو يحظى بنفوذ كبير... وبإمكانه المساعدة في إعادة صياغة المشهد السياسي، ولكنه لا يمكنه فرض رؤيته بالقوة نفسها والتأثير الذي كان يتمتع به في الماضي».
يصف قذاف الدم الثورة الليبية بأنها كانت «كارثة». وقال إن الشباب الليبي كان يملك «حق الخروج والتظاهر» ضد النظام، وأقر قائلا: «لم نكن ملائكة». غير أنه وصف أولئك الذين حملوا السلاح ضد النظام بالخونة. ولم يكن مقدرا للثورة الليبية النجاح من دون التدخلات الأجنبية، كما قال، وأثبتت «مقاومة» غارات حلف شمال الأطلسي لمدة 8 شهور كاملة أن النظام يحظى بتأييد الشعب. وأردف قائلا: «نحن نمثل النظام الحقيقي في البلاد. ولقد جاء الذين يحكمون الآن في أعقاب الغارات والصواريخ التي ضربت ليبيا. إن الصواريخ لا تخلق الشرعية».
دائما ما يظهر قذاف الدم في التلفزيون المصري محاولا التأكيد على رسالة صريحة: لا بد من تضمين بقايا النظام القديم في أي حل سياسي تشرف عليه الأمم المتحدة والقوى الغربية ويتعلق بمستقبل البلاد. ودعا إلى إطلاق سراح الآلاف من الموالين للعقيد القذافي والمحتجزين في السجون الليبية. وحتى مع هجومه المستمر على الثوار الليبيين، إلا أنه لم يتوقف عن الدعوة للمصالحة والسلام. ولقد لاقت مثل هذه الجهود، برغم كل شيء، الرفض التام من جانب الأطراف السياسية والميليشيات ذات التسليح الجيد والتي عارضت نظام حكم القذافي.
والعودة إلى مضمار السياسة سوف يكون من الأمور «العسيرة للغاية» بالنسبة إلى قذاف الدم وسيف الإسلام القذافي، كما قال محمد أمعزب، المسؤول الكبير في المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة في طرابلس، الذي أفاد: «الأمر من الناحية الأمنية يكاد يكون من المستحيل. إذ يرغب كبار شخصيات النظام السابق في العودة لسابق عهدهم، وليس كل ما يرومه المرء يناله».
ومع الاضطرابات التي تعصف بليبيا حاليا، قال قذاف الدم إنه يحاول التواصل وتعميق الصلات مع القبائل الليبية القوية، بما في ذلك بعض القبائل التي عارضت القذافي من قبل، إذ إن الكثير منها ناله التهميش الشديد على أيدي الجماعات المسلحة.
وقال إبراهيم الغويل، السفير الأسبق إبان حكم القذافي: «عندما تريد تشكيل مستقبل البلاد، عليك التواصل مع القبائل. لا بد من احترام وجودهم ودورهم، ولا بد من الاستماع لكلمتهم. تلك هي ثقافتنا». وأكد قذاف الدم المعنى نفسه إذ قال «إن كنا احترمنا القبائل ودورها ما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة».
وفي الآونة الأخيرة، اجتمعت حفنة من المؤيدين ذوي التأثير في غرفة معيشة قذاف الدم بشقته في القاهرة. وأعلنت الأمم المتحدة استراتيجية جديدة بالنسبة إلى ليبيا تتضمن إجراء استفتاء على الدستور الجديد، وفي خاتمة المطاف، إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وقال غسان سلامة، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، إن العملية السياسية الجديدة سوف تفتح الأبواب أمام أولئك المنبوذين، والمهمشين ذاتيا، واللاعبين الذين كانوا يرفضون الانضمام إلى العملية السياسية من قبل. وكان ذلك من قبيل الأنباء السارة للحفنة المجتمعة في شقة قذاف الدم بالقاهرة. وقال علي حسن أبو سيف، النقيب الأسبق في جيش القذافي: «لماذا ينبغي على الثوار أن يضطلعوا بمفردهم بمهمة صياغة الدستور الجديد؟».
فأجابه قذاف الدم قائلا: «أعتقد أن الأمم المتحدة والبلدان التي دمرت ليبيا تريد منا أن نكون جزءا من المناقشات، وجزءا من عملية استعادة السلام في ليبيا. أعلم أن الحكومة الحالية تحاول تهميشنا والنيل منا، ولكننا نريد الخروج من هذه الأوضاع المزرية والمثيرة للشفقة».
وفي نهاية الاجتماع المذكور، قرر المجتمعون إرسال مبعوث عنهم للمساعدة في صياغة مسودة الدستور الليبي الجديد، والمشاركة في المؤتمر السياسي الوطني، واختيار أعضاء المجلس الرئاسي.
وقال قذاف الدم: «لا يمكننا السماح لخصومنا باختيار الأعضاء»، ولقد وافق جميع الحاضرين في الغرفة على ذلك. كما وافقوا جميعا على أن أفضل الشخصيات المؤهلة لإدارة شؤون البلاد هو سيف الإسلام القذافي. وأطلق سراح سيف الإسلام في يونيو (حزيران) الماضي، بعد احتجازه لدى الميليشيات منذ عام 2011، وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأصدرت إحدى المحاكم في طرابلس عليه حكما بالإعدام. وصرح سلامة لإحدى شبكات التلفزيون الفرنسي بأن «سيف الإسلام يمكنه الترشح في الانتخابات المزمع انعقادها في العام المقبل».
وفي مؤتمر صحافي انعقد في تونس الشهر الماضي، صرح أحد المحامين لعائلة القذافي أن سيف الإسلام يتمتع بصحة جيدة ويتابع التطورات في ليبيا عن كثب. وقال خالد الزيدي محامي عائلة القذافي «إنه يتابع السياسة من موقعه في ليبيا، فيما يتعلق بالقبائل، وبالمدن، وبصناع السياسات».
واليوم، يحاول أنصار سيف الإسلام الإبقاء على أماكن وجوده طي السرية والكتمان لأسباب أمنية، رغم أن بعض المجتمعين في شقة قذاف الدم قالوا إنهم كانوا على اتصال به. وأصروا على أن الشعب الليبي سوف يتقبل قذافي آخر على رأس البلاد، وأشاروا إلى أنه قبل مشاركة سيف الإسلام لوالده الراحل في قمع التمرد، كان يؤيد الحريات السياسية، وإصلاحات السوق الحرة، وإتاحة الفرص أمام الشباب الليبي.
وقال نور إبراهيم، أحد المحامين الشبان: «إنه ليس كمثل والده».
وفي غرفة المعيشة، هناك لوحة للديكتاتور الليبي الراحل تعلو صورة أخرى لعمر المختار، الزعيم الليبي الذي قاوم المستعمرين الإيطاليين قبل أن يعدموه شنقا في عام 1931. واليوم، يعتبر عمر المختار رمزا للمقاومة في العالم العربي. وتلك هي الرؤية التي يعتقد قذاف الدم أن العالم سوف ينظر بها إلى ابن عمه الراحل في يوم من الأيام. وقال أخيرا: «سوف يحتل مكانة مرموقة لدى الشعب الليبي، ولدى العرب، ولدى المسلمين، بل والأفارقة أيضا. ويشعر الشعب الليبي بأسره اليوم بندم قاتل لعدم وجود القذافي في البلاد. ويرغبون لو أن أيامه الأولى تعود».
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.