قذاف الدم يحلم بخلافة ابن عمه

أكد أن «لا سلام في ليبيا من دوننا»... ومعارضوه يؤكدون أن مهمته عسيرة

أحمد قذاف الدم  يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
أحمد قذاف الدم يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
TT

قذاف الدم يحلم بخلافة ابن عمه

أحمد قذاف الدم  يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
أحمد قذاف الدم يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)

في شقة فاخرة مطلة على نهر النيل بالقاهرة، {يعيش}، الديكتاتور الليبي الراحل معمر القذافي.
هناك صورة قديمة معلقة على أحد الجدران، تراه في شبابه متسكعا في خيمة من خيامه. وفي صورة أخرى، يرتدى البزة العسكرية الكاملة وهو جالس داخل إحدى الطائرات. وفي كل أسبوع، تجتمع حفنة من الرجال الذين كانوا برفقته، في تلك الشقة، لمناقشة مستقبل ليبيا ومصائرهم الشخصية. ويترأس تلك الاجتماعات في القاهرة ابن عم القذافي، والذي يمتلك هذه الشقة حاليا. يقول أحمد قذاف الدم، وهو يطالع إحدى الصور: «إنه يعيش في قلوب الملايين حتى اليوم».
أسفرت الإطاحة بحكم القذافي في ليبيا ووفاته قبل ست سنوات عن عكس حظوظ ومصائر عشيرته وحلفائه في البلاد، والذين ازدهرت معيشتهم في ظل حكمه لما يربو على أربعين عاما كاملة. ولقد فر عشرات الآلاف من الموالين له ولحكمه إلى المنفى خارج البلاد بعد وفاته، وتخير الكثيرون منهم الإقامة في مصر المجاورة. وظلوا فيها منذ ذلك الحين، يتوقون إلى الاضطلاع بدور مؤثر في مستقبل ليبيا الجديد.
ومع الملاحقات الدولية لأبناء القذافي، سواء في المنفى، أو السجن، أو حتى الوفاة، برز قذاف الدم في دور الناطق الرسمي باسم عائلة وعشيرة القذافي. وهو يمثل آمال وأحلام مواطنين ليبيين كانوا يتمتعون بحياة موسرة ذات يوم. كما أنه يعكس مخاوف وقلق الكثيرين من الآخرين الذين يخشون عودة أولئك الداعمين والمؤيدين لحكم القذافي الاستبدادي السابق.
ومع انعدام الأمن والعنف الشديد الذي صار يبطش بمختلف أرجاء ليبيا، يستشعر قذاف الدم فُـرجة في الجدار الأصم. إذ يعمل برفقة مؤيديه الآن على تنمية مختلف العلاقات مع القبائل ذات التأثير الكبير وغيرها من المنافسين السابقين الذين خابت آمالهم إثر حالة الجمود السياسية التي خيمت على أفق البلاد، محاولين السعي الحثيث لتقويض أركان الحكومة الهشة الضعيفة التي يدعمها الغرب في الآونة الأخيرة.
وهم يستشرفون الفرصة من خلال جهود الأمم المتحدة الجديدة لتحقيق السلام في البلاد، مع إمكانية إجراء انتخابات وطنية في العام المقبل. ومنحهم الإفراج الأخير عن أبرز أنجال القذافي، سيف الإسلام القذافي، من سجنه في صيف العام الحالي، بارقة أمل طال انتظروها، برغم أنه لا يزال متواريا عن الأنظار حتى الساعة.
يقول قذاف الدم، والذي هو أقرب الناس شبها بابن عمه الراحل: «لن يكون هناك سلام في ليبيا من دوننا. إننا نمثل أغلبية الشعب الليبي. وإننا نرغب في أن ترجع الأمور إلى نصابها السليم وتصحيح أخطاء الماضي». وهو يقصد بلفظة «الماضي» حالة التمرد العنيف، أي ذلك الفصل المريع من انتفاضات الربيع العربي، وعمليات القمع اللاحقة من جانب نظام القذافي، والتي أسفرت عن تدخل القوى الدولية والغارات الجوية من قبل حلف شمال الأطلسي على البلاد في عام 2011. الأمر الذي أدى إلى الإطاحة بالعقيد القذافي ثم وفاته على أيدي مقاتلي الميليشيات المسلحة في مدينة سرت، مسقط رأس الزعيم الراحل في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه.
وبحلول ذلك الوقت، كان السيد قذاف الدم قد فر من البلاد. وقذاف الدم، أحد أبرز أعضاء الدائرة الداخلية في حكومة القذافي، كان قد تلقى تعليمه في غير أكاديمية وكلية عسكرية في المملكة المتحدة، وتركيا، وباكستان. وساعد في نقل أموال وأسلحة القذافي إلى حركة الكفاح المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا وحركة الاستقلال في زيمبابوي. ثم شغل منصب المبعوث الليبي الخاص إلى القاهرة، إذ كان يعيش في شقة خاصة بحي الزمالك الراقي، المكان نفسه الذي استقر فيه منذ الانتفاضة الليبية الأخيرة.
وفي عام 2013 أصدرت السلطات الليبية في مرحلة ما بعد الثورة أمرا بالقبض على قذاف الدم والمطالبة بتسليمه، إلى جانب مسؤولين آخرين في النظام السابق. وداهمت الشرطة المصرية شقته في القاهرة واشتبكت مع حراسه قبل احتجازه. وعلى بُعد خطوات من غرفة نومه، لا يزال قذاف الدم يحتفظ بباب أبيض اللون مليء بثقوب الرصاصات كتذكرة على هذه المداهمة. وأطلقت إحدى المحاكم المصرية سراحه بعد أن أثبت محاموه أنه يحمل جواز سفر مصري - إذ إن والدته مصرية الجنسية - وأنه فر من ليبيا اعتراضا على قتل المتظاهرين هناك. وأصبح من غير المرجح إلقاء القبض على قذاف الدم في الأوقات الحالية.
ويبلغ قذاف الدم 65 عاما من عمره الآن، ويبدو في صورة أكثر شبابا من عمره، مع شعره الداكن المجعد، وتفضيله للحلات المفصلة وربطات العنق ذات الألوان الزاهية. وشقته مؤثثة بأرائك موشاة بالذهب وكراسي خشبية مزخرفة. وهناك جدار في مكتبه الخاص يحمل الكثير من الصور التي تجمعه بالكثير من الشخصيات المرموقة وزعماء القبائل البارزين.
يقول عبد الباسط أحمد أبو دية، المدير الأسبق لوكالة الأنباء الليبية: «لا يزال الكثير من الناس يثقون فيه، وهناك آخرون يتهمونه ببيع النظام السابق والتخلي عنه برحيله عن البلاد. وهو يحظى بنفوذ كبير... وبإمكانه المساعدة في إعادة صياغة المشهد السياسي، ولكنه لا يمكنه فرض رؤيته بالقوة نفسها والتأثير الذي كان يتمتع به في الماضي».
يصف قذاف الدم الثورة الليبية بأنها كانت «كارثة». وقال إن الشباب الليبي كان يملك «حق الخروج والتظاهر» ضد النظام، وأقر قائلا: «لم نكن ملائكة». غير أنه وصف أولئك الذين حملوا السلاح ضد النظام بالخونة. ولم يكن مقدرا للثورة الليبية النجاح من دون التدخلات الأجنبية، كما قال، وأثبتت «مقاومة» غارات حلف شمال الأطلسي لمدة 8 شهور كاملة أن النظام يحظى بتأييد الشعب. وأردف قائلا: «نحن نمثل النظام الحقيقي في البلاد. ولقد جاء الذين يحكمون الآن في أعقاب الغارات والصواريخ التي ضربت ليبيا. إن الصواريخ لا تخلق الشرعية».
دائما ما يظهر قذاف الدم في التلفزيون المصري محاولا التأكيد على رسالة صريحة: لا بد من تضمين بقايا النظام القديم في أي حل سياسي تشرف عليه الأمم المتحدة والقوى الغربية ويتعلق بمستقبل البلاد. ودعا إلى إطلاق سراح الآلاف من الموالين للعقيد القذافي والمحتجزين في السجون الليبية. وحتى مع هجومه المستمر على الثوار الليبيين، إلا أنه لم يتوقف عن الدعوة للمصالحة والسلام. ولقد لاقت مثل هذه الجهود، برغم كل شيء، الرفض التام من جانب الأطراف السياسية والميليشيات ذات التسليح الجيد والتي عارضت نظام حكم القذافي.
والعودة إلى مضمار السياسة سوف يكون من الأمور «العسيرة للغاية» بالنسبة إلى قذاف الدم وسيف الإسلام القذافي، كما قال محمد أمعزب، المسؤول الكبير في المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة في طرابلس، الذي أفاد: «الأمر من الناحية الأمنية يكاد يكون من المستحيل. إذ يرغب كبار شخصيات النظام السابق في العودة لسابق عهدهم، وليس كل ما يرومه المرء يناله».
ومع الاضطرابات التي تعصف بليبيا حاليا، قال قذاف الدم إنه يحاول التواصل وتعميق الصلات مع القبائل الليبية القوية، بما في ذلك بعض القبائل التي عارضت القذافي من قبل، إذ إن الكثير منها ناله التهميش الشديد على أيدي الجماعات المسلحة.
وقال إبراهيم الغويل، السفير الأسبق إبان حكم القذافي: «عندما تريد تشكيل مستقبل البلاد، عليك التواصل مع القبائل. لا بد من احترام وجودهم ودورهم، ولا بد من الاستماع لكلمتهم. تلك هي ثقافتنا». وأكد قذاف الدم المعنى نفسه إذ قال «إن كنا احترمنا القبائل ودورها ما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة».
وفي الآونة الأخيرة، اجتمعت حفنة من المؤيدين ذوي التأثير في غرفة معيشة قذاف الدم بشقته في القاهرة. وأعلنت الأمم المتحدة استراتيجية جديدة بالنسبة إلى ليبيا تتضمن إجراء استفتاء على الدستور الجديد، وفي خاتمة المطاف، إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وقال غسان سلامة، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، إن العملية السياسية الجديدة سوف تفتح الأبواب أمام أولئك المنبوذين، والمهمشين ذاتيا، واللاعبين الذين كانوا يرفضون الانضمام إلى العملية السياسية من قبل. وكان ذلك من قبيل الأنباء السارة للحفنة المجتمعة في شقة قذاف الدم بالقاهرة. وقال علي حسن أبو سيف، النقيب الأسبق في جيش القذافي: «لماذا ينبغي على الثوار أن يضطلعوا بمفردهم بمهمة صياغة الدستور الجديد؟».
فأجابه قذاف الدم قائلا: «أعتقد أن الأمم المتحدة والبلدان التي دمرت ليبيا تريد منا أن نكون جزءا من المناقشات، وجزءا من عملية استعادة السلام في ليبيا. أعلم أن الحكومة الحالية تحاول تهميشنا والنيل منا، ولكننا نريد الخروج من هذه الأوضاع المزرية والمثيرة للشفقة».
وفي نهاية الاجتماع المذكور، قرر المجتمعون إرسال مبعوث عنهم للمساعدة في صياغة مسودة الدستور الليبي الجديد، والمشاركة في المؤتمر السياسي الوطني، واختيار أعضاء المجلس الرئاسي.
وقال قذاف الدم: «لا يمكننا السماح لخصومنا باختيار الأعضاء»، ولقد وافق جميع الحاضرين في الغرفة على ذلك. كما وافقوا جميعا على أن أفضل الشخصيات المؤهلة لإدارة شؤون البلاد هو سيف الإسلام القذافي. وأطلق سراح سيف الإسلام في يونيو (حزيران) الماضي، بعد احتجازه لدى الميليشيات منذ عام 2011، وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأصدرت إحدى المحاكم في طرابلس عليه حكما بالإعدام. وصرح سلامة لإحدى شبكات التلفزيون الفرنسي بأن «سيف الإسلام يمكنه الترشح في الانتخابات المزمع انعقادها في العام المقبل».
وفي مؤتمر صحافي انعقد في تونس الشهر الماضي، صرح أحد المحامين لعائلة القذافي أن سيف الإسلام يتمتع بصحة جيدة ويتابع التطورات في ليبيا عن كثب. وقال خالد الزيدي محامي عائلة القذافي «إنه يتابع السياسة من موقعه في ليبيا، فيما يتعلق بالقبائل، وبالمدن، وبصناع السياسات».
واليوم، يحاول أنصار سيف الإسلام الإبقاء على أماكن وجوده طي السرية والكتمان لأسباب أمنية، رغم أن بعض المجتمعين في شقة قذاف الدم قالوا إنهم كانوا على اتصال به. وأصروا على أن الشعب الليبي سوف يتقبل قذافي آخر على رأس البلاد، وأشاروا إلى أنه قبل مشاركة سيف الإسلام لوالده الراحل في قمع التمرد، كان يؤيد الحريات السياسية، وإصلاحات السوق الحرة، وإتاحة الفرص أمام الشباب الليبي.
وقال نور إبراهيم، أحد المحامين الشبان: «إنه ليس كمثل والده».
وفي غرفة المعيشة، هناك لوحة للديكتاتور الليبي الراحل تعلو صورة أخرى لعمر المختار، الزعيم الليبي الذي قاوم المستعمرين الإيطاليين قبل أن يعدموه شنقا في عام 1931. واليوم، يعتبر عمر المختار رمزا للمقاومة في العالم العربي. وتلك هي الرؤية التي يعتقد قذاف الدم أن العالم سوف ينظر بها إلى ابن عمه الراحل في يوم من الأيام. وقال أخيرا: «سوف يحتل مكانة مرموقة لدى الشعب الليبي، ولدى العرب، ولدى المسلمين، بل والأفارقة أيضا. ويشعر الشعب الليبي بأسره اليوم بندم قاتل لعدم وجود القذافي في البلاد. ويرغبون لو أن أيامه الأولى تعود».
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.