«دون جوان المكتبات» ألبرتو مانغويل: لديّ 40 ألف كتاب... ومصيرها يقلقني

الكاتب الأرجنتيني قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يقصد ابتكار نوع جديد من الأدب

مانغويل في مكتبته
مانغويل في مكتبته
TT

«دون جوان المكتبات» ألبرتو مانغويل: لديّ 40 ألف كتاب... ومصيرها يقلقني

مانغويل في مكتبته
مانغويل في مكتبته

قبل خمس عشرة سنة تقريباً، أطل علينا كاتب لم نكن، آنذاك، قد سمعنا به عربياً، اسمه ألبرتو مانغويل، أرجنتيني المولد، كندي الجنسية، مقيم في فرنسا، ليحدثنا عن القراءة التي حرث في تاريخها وفنونها. واستمرت الكتب المترجمة له عبر «دار الساقي»، لنقرأ عبرها انطباعات القارئ المثقف النهم لكتب الآخرين منذ بدأت الكتابة أشكالها الأولى مسمارية على ألواح الطين في بلاد الرافدين، حتى تبلورها بأبجدية واضحة واختراع آلة الطباعة.
ويمكن القول إن ألبرتو مانغويل قد أحدث نوعاً أدبياً جديداً، اسمه «علم القراءة»، دون أن يعي في حينها أنه يبتكر نوعاً أدبياً جديداً، كما يقول في حواره مع «الشرق الأوسط». وقد وجه قراءه عبر تلك الكتابات لمتابعة تفاصيل عميقة عن القراءة، وعن الكتب والمكتبات؛ كتب مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«يوميات القراءة» و«المكتبة في الليل»، وعناوين أخرى، احتفت بفعل القراءة وتطوره مثل أي تقاليد أخرى، بعد أن كانت الدراسات الحديثة تركز تاريخياً على اختراع الكتابة وتطورها. ومن أفضال مانغويل أنه أعاد الاعتبار للثقافة الإنسانية جمعاء، فلم يتوقف عند ثقافة محددة في قراءاته، فهو مطلع على آداب الشعوب القديمة، وعلى نتاج أدباء معاصرين، لهذا تزدحم مكتبته، وتتعدد غرفها وأماكنها إلى حد أنها وصلت إلى 40 ألف عنوان كتاب.
وهذا حوار تم معه عبر رسائل إلكترونية...
> بإصدارك كتباً عن القراءة، تاريخها وفنها، استحدثت ظاهرة غير مسبوقة في الأدب، بمعنى أصح: نوعاً أدبياً جديداً... كيف حدث أن قرأت كتباً معينة بطريقة أخرى غير الطريقة النقدية التقليدية؟
- لم أكن على دراية حينها بأنه كان نوعاً جديداً؛ إن تعريفات النوع الأدبي تتعلق بقيود لا أقبلها، وكل كاتب (ما لم يكن لديه أو لديها عقل بيروقراطي) يمزج ويناسب بين ما نتفق أو نختلف على تسميته «النوع». فلقد مزج براوننغ القصائد الشعرية مع المناجاة المسرحية، وجمع ابن بطوطة بين قصص الرحلات والسير الذاتية، وكتب بورخيس القصص الخيالية التي بدت مثل دراسات، كما أن أبو العلاء المعري نسج الكتابة اللاهوتية في الكوميديا الشعرية. ولأن القراءة بالنسبة لي هي الوسيلة الطبيعية لتجربة العالم، فإن تعليقاتي على ما أقرأ هي نوع من أنواع السير الذاتية والنقد والأبحاث التاريخية، وفي بعض الأحيان مقتطفات من قصص مختلفة.
> أتساءل عما إذا كان بين أكوام الكتب الضخمة في مكتبتك... هناك كتب (وربما مؤلفون معينون) لديهم تأثير أعمق على شخصيتك من مؤلفات ومؤلفين آخرين.
- بكل تأكيد، غير أن كثيراً من هذه التأثيرات يتوقف على الزمن والمكان. في لحظات معينة، كانت كتب تشيسترتون والقديس يوحنا، وكتب أليس (سلسلة كتب للمراهقين للكاتبة فيليس رينولدز نايلور)، ذات تأثير رهيب على نفسي. وفي لحظات أخرى، كان تأثير مسرحية «الملك لير» و«الليالي العربية» عميقاً عليّ. أما الآن، فإنني أعاود باستمرار القراءة لميشيل دي مونتين ودانتي، على وجه التحديد. وكذلك بورخيس وستيفنسون وأبو نواس وفيرجينيا وولف وكالفينو وأولغا سيداكوفا وصادق هدايت وكافكا وميغيل هرنانديز ومحمود درويش وسينثيا أوزيك ونورمان مانيا وخوان رولفو. ويبدو أن القائمة ممتدة بلا نهاية.
> قلت ذات مرة إن الإلحاح للحصول على كتاب وامتلاكه «هو نوع من الرغبات التي لا يمكن مقارنتها بأية متعة أخرى»... أنت تكتب أيضاً الآن الرواية وغيرها، فهل متعة الكتابة تماثل متعة القراءة عندك؟
- إن الرغبة في اقتناء كتاب ما لا يمكن مقارنتها بالرغبات الأخرى، بسبب أنها لا ترتبط بالأنانية أو الجشع أو الشهوة، بل إنها الدافع الذاتي لأن تكون جزءاً من شيء أعظم منك، وأن تنتمي إلى كوكبة قد تمنحك معنى حقيقياً لوجودك في الحياة، وتلك الإرادة هي التي تستكمل المكتبة التي تعبر عن كينونتنا. وإنني أتوق كثيراً لاقتناء كتاب ما، كما قد أتوق تماماً لأصبع مفقودة.
> ذكرت صحيفة «ذي سكوتلاند أون صنداي» ذات مرة أن «ولع الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل بالقراءة يشبه كازانوفا وولعه بالنساء»... هل راق لك مثل هذا التشبيه؟
- أجده طريفاً للغاية. لقد وصفني جورج شتاينر بتعبيره «دون جوان المكتبات»، وإنني أحب التفكير في الكتب بطريقة إيروتيكية.
> كم تضم مكتبتك من عناوين تقريباً؟
- لديّ في حدود 40 ألف عنوان كتاب.
> وماذا تنوي أن تفعل بهذا الموروث الكبير من الكتب... هل ستهديها لاحقاً لمكتبات وطنية مثلاً أم ستتركها لعائلتك؟
- بصراحة، حتى الآن لا أدري ماذا سأفعل بهذه الكتب، ولكن من المؤكد أن عائلتي لا تريد أن تتورط بعبء مكتبة بهذا الحجم.
بورخيس يشبه كتبه
> قرأت لبورخيس لمدة أربع سنوات كاملة، وهو الذي كان مديراً للمكتبة الوطنية في خمسينات القرن الماضي، المنصب الذي تشغله أنت الآن... فهل يمكنك إخبارنا عن كتبه المفضلة؟ وأي أنواع الكتب التي كان يفضلها أكثر من غيرها؟
- كان بورخيس يقرأ الأدب الإنجليزي بصورة أساسية، بيد أن الكتابات الشرقية والعربية كان لها أبلغ الأثر على أعماله الأدبية. كان يحب القصص الملحمية، وكان لديه ذوق خاص لأدب العنف والمشاعر المرهفة. وتأتي القوة الكبيرة في كتاباته، كما أعتقد، من مقدرته الفريدة على تحويل كل شيء يقرأه إلى «بورخيس». ومن بين أفضل الكتاب المقربين إليه كان ستيفنسون وكيبلينغ وتشيسترتون وكارلايل ودي كوينسي وروبرت فروست وإيكا دي كويروز ودانتي.
> ذكرت في كتابك حول بورخيس أنه لم يلتزم أبداً بالانتهاء من قراءة كتاب ما. كقارئ، هل تلتزم أنت دائماً بإنهاء قراءة أي كتاب في حال عدم الاستمتاع بقراءته؟
- أبداً، أنا أشرع في قراءة صفحة أو صفحتين من أي كتاب، فإن لم يغرني ما أقرأه بالاستمرار والمواصلة، فإنني أتخلى عن ذلك الكتاب فوراً. ربما أعاود قراءته مرة أخرى في المستقبل، غير أن علاقتي المبدئية به تكون قد انقطعت.
> هل تشعر أن هناك فارقاً بين بورخيس كإنسان وبين كتبه؟ لقد أدركت أنك لم تذكر كتبه بين تلك المفضلة لديك، بحسب قائمة في لقاء صحافي معك. صحح لي إن أغفلت شيئاً.
- بورخيس الإنسان تقاسم مع بورخيس الكاتب سمات كثيرة، بينها الذكاء والدعابة والاعتبارات الأخلاقية، ولكنني لم أتعرف عليه بصورة مقربة ووثيقة، وأعتقد أن الصديق الحقيقي الوحيد لديه كان أدولفو بيوي كاساريس؛ لقد كان بورخيس حريصاً على خصوصيته. وما من شك في أن كتب بورخيس هي من ضمن الكتب المفضلة عندي، وأعتقد أنك اطلعت على قائمة عن كتبي المفضلة باللغة الإنجليزية، وترجمات بورخيس إلى اللغة الإنجليزية هي شيء أمقته.
> برأيك هل اتهم بورخيس بمعاداة القومية الأرجنتينية لمجرد أنه تبنى الميثولوجيا والتراث الأجنبي في كتاباته، مثل «الليالي العربية»، متجاهلاً الميثولوجيا الوطنية؟
- عارض بورخيس الحمقى من أنصار القومية الأرجنتينية الرعناء، الذين كانوا مثل أولئك الذين قالوا، وفقاً للمؤرخ اليوناني القديم بلوتارخس، إن قمر إسبارطة هو أكثر جمالاً وبهاء من قمر أثينا. وقال إنه يمكننا أن نكون أرجنتينيين بأن نكون عالميين.
> ما أهدافك بوصفك مديراً للمكتبة الوطنية في الأرجنتين الآن؟ ومجلتكم تنشر باللغة الإسبانية، فهل فكرتم في نشر إصدارات بلغات أخرى، مثل الإنجليزية، بغية الوصول إلى قطاع أكبر من الجمهور؟
- لقد فكرت في الأمر، وكم أود القيام به، ولكن تنقصنا الميزانية الكافية للتنفيذ. أود أن تكون المكتبة الوطنية مكتبة عالمية حقاً، ونحن نوقع على اتفاقيات مع كثير من المكاتب الوطنية في بلدان أخرى حول العالم. كما أننا نعمل على تنظيم معرض مشترك مع مدير مجلس المكتبات العامة في القاهرة، خالد الخميسي؛ معرض كبير يحمل عنوان «بورخيس والعالم العربي».
> حصلت أخيراً على جائزة «فورمنتور دي لاس ليتراس» المرموقة، لإنجازاتك على مدى حياتك الأدبية... هل تشعر بأن الجائزة هي نوع من أنواع المكافأة للكاتب على جهده الشاق؟ وفي هذا الصدد، هل سبق لك أن قرأت لمؤلفين ما وشعرت بالدهشة لأنهم لم يحصلوا حتى الآن على أية جوائز؟
- الجائزة هي ثمرة آراء بعض القراء (في لجنة تحكيمها). وإن كان تولستوي في هيئة للحكم على أعمال شكسبير، لم يكن ليمنح شكسبير الجائزة لأن تولستوي كان يمقت الملك لير. إن الجوائز تتعلق بالآراء ليس إلا، وهو السبب في أن بورخيس أو محمود درويش لم يحصلا على جائزة نوبل، في حين أن داريو فو وبوب ديلان حصلا عليها. واليوم، لو لي حق القرار، كنت سأمنح جائزة نوبل إلى نورمان مانيا أو سيس نوتبوم أو آن كارسون أو مارغريت أتوود أو إيان ماك - إيوان.
المكتبات والحروب
> وصفت إعادة افتتاح المكتبة الوطنية اللبنانية، التي دمرت خلال الحرب الأهلية عام 1975، بأنه «مشروع سياسي للمصالحة بين جموع الشعب اللبناني». أود أن أضيف أنه مما يؤسف له، كما تعلم، أن المئات من الكتب النادرة المطبوعة والمخطوطات التي لا تقدر بثمن، وغيرها من المعالم الأثرية، قد نالها الدمار أو النهب أو الحرق في البلدان التي مزقتها الحروب، مثل العراق وسوريا واليمن وفلسطين. وأعتقد أنهم في حاجة إلى اهتمامكم كأحد الكتاب البارزين في العالم الآن.
- أوافقك الرأي تماماً، وهذا هو السبب في أنني أثناء تقريظ أحد الكتب لملحق صحيفة «التايمز»، أشرت إلى أنه عندما تعرضت المنازل الفلسطينية للنهب في عام 1948، سُرقت الكتب والمخطوطات من بيوت الفلسطينيين ثم ظهرت مرة أخرى في المكتبة الوطنية الإسرائيلية. وعندما أغلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشكل تعسفي، المكتبة الأوكرانية في موسكو، وأمر بسجن مديرها، قررت أن افتتح فرعاً للمكتبة الأوكرانية داخل المكتبة الوطنية في الأرجنتين، حيث توجد الآن. لا يمكننا التغافل عن أعمال السرقة والقرصنة والرقابة القميئة، ولا أن نلتزم الصمت المطبق حيالها، وإلا صرنا شركاء في تلك الجرائم.
> نشرت «دار الساقي» أغلب كتبك المترجمة إلى العربية. وبالنسبة لي، الترجمة جيدة للغاية. هل أنت على علم بترجمة أخرى غير التي نشرتها «دار الساقي»، أعني باللغة العربية؟
- أعتقد أن هناك ترجمة أخرى، ولكنني لا أذكر أين تمت. لقد كانت «دار الساقي» مخلصة لأعمالي على مدى سنوات؛ منذ أيام السيدة الرائعة مي غصوب، الصديقة العزيزة التي أفتقدها كثيراً.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً