الأزمة اليمنية... خيارات الحسم العسكري باتت الأقرب

التدخلات الإيرانية تفاقم الأوضاع الإنسانية وتزيد معاناة المواطنين

الأزمة اليمنية... خيارات الحسم العسكري باتت الأقرب
TT

الأزمة اليمنية... خيارات الحسم العسكري باتت الأقرب

الأزمة اليمنية... خيارات الحسم العسكري باتت الأقرب

بعد مضي قرابة ثلاث سنوات من الصراع في اليمن، ما زال موقف الأمم المتحدة ومبعوثها إسماعيل ولد الشيخ أحمد يترنّح، بعد تقديمه عدة مبادرات سلام لحل الأزمة اصطدمت كلها بتعنّت الانقلابيين ورفضهم أي حلول سياسية، يقابل ذلك ضعف الموقف الأممي والدولي في الضغط عليهم لإنهاء الصراع الذي راح ضحيته السكان المدنيون.
ويبدو أن الحسم العسكري بات الخيار الأقرب للحكومة الشرعية اليمنية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، بمساندة ودعم مباشر من قيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن، خصوصاً بعد سيطرتها على نحو 85 في المائة من الأراضي اليمنية، حيث حققت قوات الجيش الوطني اليمني والمقاومة الشعبية انتصارات نوعية خلال الأيام الماضية في طريقها لتحرير العاصمة صنعاء الخاضعة لسلطة الميليشيات الحوثية وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
يقول رئيس هيئة الأركان العامة اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي إن الوضع العسكري في اليمن «متقدم في مختلف الجبهات» وإن «تحرير صنعاء هدف لكل يمني وعربي شريف... وما يخوضه الجيش الوطني بمساندة التحالف العربي (معركة كرامة) بكل ما تعنيه الكلمة».
وفي هذه الأثناء، لا يزال النظام الإيراني يزوّد الميليشيات الحوثية بمختلف أنواع الأسلحة في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار «2216» الذي يحظر تزويد الميليشيات بالأسلحة من أي طرف كان. ومعلوم أن إيران دعمت الحوثيين بصواريخ «باليستية» طويلة المدى وصل أحدها إلى العاصمة السعودية الرياض خلال الأسبوع الماضي، وهو تطوّر اعتبرته المملكة «إعلان حرب» من نظام ملالي إيران تجاهها، محتفظة بحق الرد في الوقت وبالشكل المناسبين.
أما على الجانب الإنساني، فيواصل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية جهوده لدعم الشعب اليمني عبر مراكزه المباشرة في الداخل اليمني، إلى جانب دعم منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى العاملة في اليمن. وكان المركز قد كشف النقاب أخيراً عن أنه قدم أكثر من 8 مليارات دولار في الجانب الإغاثي والإنساني في اليمن خلال العامين الماضيين، غير أن جهود المركز والمنظمات الدولية تواجه صعوبات كبيرة في إيصال المساعدات لجميع المناطق بعد تعرضها للمنع من قبل الميليشيات الحوثية وقوات صالح، والسطو والسرقة، ومن ثم البيع لهذه المساعدات في السوق السوداء.

الخياران السياسي والعسكري
وفقاً للمتحدث باسم وزارة الخارجية السعودية أسامة نقلي فإن الخيار العسكري لم يكن أبداً هو الخيار الأول في اليمن، بل إن الخيار السياسي كان الخيار الأول. وذكر أن «السعودية في عام 2011 أسهمت في إيقاف حرب أهلية في اليمن، ودعمت انتقال سلمي للحفاظ على وحدة واستقرار اليمن وأمنه، كما تقدمت مع أشقائها في مجلس التعاون بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ودعمت الحوار الوطني اليمني واستضافت اليمنيين بكل مكوّناتهم في الرياض عام 2015م، ولا تزال الجهود السياسية بالنسبة للمملكة والتحالف مستمرة من خلال دعم جهود المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد».
ومن جانبه، أكد محمد آل جابر، السفير السعودي لدى اليمن، أن «ممارسات النظام الإيراني تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن المملكة تدعم كل الجهود السياسية التي تبذلها الأمم المتحدة لعودة الأطراف اليمنية لطاولة المشاورات والتوصل لحل سياسي».
وكان المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد قد أعلن قبل أيام اعتزامه إحياء المفاوضات بين أطراف النزاع اليمني، عبر طرح مبادرة شاملة للحل تتضمن مبادرات إنسانية لإعادة بناء الثقة وأخرى لعودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
وذكر آل جابر أن «إقدام النظام الإيراني على توقيع اتفاقية مع الميليشيات الحوثية في فبراير (شباط) 2015م لتسيير 28 رحلة أسبوعية للطيران التجاري بين صنعاء وطهران، وتزويد الحوثيين بالصواريخ (الباليستية) والزوارق الموجهّة والطائرات من دون طيار (الدرون) وبالأسلحة النوعية تطور يشكل تهديداً للأمن والسلم في المنطقة».
وأردف السفير قائلاً: «إن الموقف السعودي واضح بشأن الحل في اليمن، وهو سياسي يعتمد على ثلاث مرجعيات أساسية، هي: المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني، وقرار مجلس الأمن الدولي 2216»، مجدداً دعم المملكة كل الجهود السياسية التي يبذلها المبعوث ولد الشيخ أحمد لعودة الأطراف اليمنية لطاولة المشاورات والتوصل لحل سياسي.

تأكيد دعم التحالف للشرعية
من جهة أخرى، خلال اجتماع عقده وزراء خارجية ورؤساء أركان «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، في العاصمة السعودية الرياض، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أكد الوزراء ورؤساء الأركان في «التحالف»، المكوّن من 13 دولة عربية وإسلامية، أن «تحرُّك دول تحالف دعم الشرعية في اليمن سياسياً وعسكرياً جاء تلبية لنداء الحكومة اليمنية الشرعية ممثلة بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ضد ميليشيا الانقلابيين الذين قاموا بانقلاب عسكري لاختطاف الدولة اليمنية واحتلالهم للعاصمة صنعاء، وانسجاماً مع قرار مجلس الأمن 2216».
كذلك عبّر المجتمعون عن إصرارهم «على التصدي للممارسات العدائية لميليشيا الانقلابيين ووقوفهم مع الشرعية اليمنية، ومع أمن واستقرار اليمن ووحدته وسلامة أراضيه، وأيضاً حماية الإنسان اليمني من الانتهاكات المتواصلة من قبل هذه الميليشيات، والعمل على مواجهة تنظيم القاعدة والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وصون أمن دول المنطقة واستقرارها».
وشدّد البيان على أن العمليات العسكرية للتحالف منضبطة ومنسجمة مع القوانين الدولية المتعارف عليها، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني. واستنكر المجتمعون ما تقوم به ميليشيا الانقلابين من ممارسات إجرامية، مثل استخدام الأطفال في النزاع المسلح وتدريبهم وضمهم إلى صفوفهم، وفرض حصار على المدن، ونهب المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى انتشار الأوبئة والمجاعة في صفوف المدنين. واتفق المجتمعون على ضرورة قيام دول التحالف بإبراز رسالتها والاستمرار في كشف المخططات والممارسات الإجرامية التي تقوم بها ميليشيا الانقلابين بدعم من إيران و«حزب الله» الإرهابي.

الصواريخ «الباليستية» والإرهابيون
على صعيد آخر، أكد العقيد الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم «تحالف دعم الشرعية في اليمن» أن «النظام الإيراني يزوّد جماعة الحوثيين الإرهابية بقدرات (باليستية) وصواريخ أرض - أرض لاستخدامها في قتل الشعب اليمني وتهديد دول الجوار وأمن وسلامة الملاحة الدولية في مضيق باب المندب»، محذراً في الوقت نفسه من تسرّب هذه القدرات الخطيرة لأيدي جماعات إرهابية أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم بأسره.
وكشف المالكي أن الجماعة الحوثية قامت بإطلاق حتى الآن نحو 78 صاروخاً «باليستياً» على الأراضي السعودية «وهذا يستثير مشاعر كثير من المسلمين حول العالم»، على حد تعبيره. واستطرد: «كان آخرها قبل أيام باستهداف سافر للتجمّعات السكنية والمدنية للقرى الحدودية السعودية... والتحالف لديه مسؤولية والتزام في عدم استمرار الجماعة الإرهابية بالحصول على القدرة الباليستية. ومن الضروري أن يقوم المجتمع الدولي بتحمل مسؤولية في هذا الجانب لعدم حصول الجماعات الإرهابية على هذه القدرات».
وأكد العقيد الركن المالكي أن ثمة «حقائق تُثبِت أن الحوثيين يحصلون على الأسلحة الباليستية والصواريخ أرض - أرض بدعم من خبراء من نظام إيران». وأضاف: «إنهم يحصلون على الصواريخ من خلال تهريب القدرات الباليستية والصاروخية من النظام الإيراني عبر ميناء الحُدَيدة، ولحل هذه الإشكالية هناك أمران: الأول أن تكفّ إيران عن دعم الجماعة الإرهابية بالصواريخ الباليستية وصواريخ أرض - أرض، والثاني تجديد دعوة الأمم المتحدة لتسلم إدارة ميناء الحُدَيدة لوقف تدفق السلاح للجماعة الحوثية لحماية الشعب اليمني وأمن وسلامة اليمن والسعودية والإقليم والأمن والسلم الدولي، خصوصاً أن اليمن يشرف على مضيق باب المندب».

رسالة إلى المجتمع الدولي
إلى ذلك، قال المحلل الاستراتيجي العسكري السعودي العقيد الركن إبراهيم آل مرعي إن «النبرة السعودية الشديدة تجاه إيران، ودعمها للحوثيين بقدرات صاروخية، تمثل رسالة واضحة لصانع القرار في طهران بأن المعركة ستنتقل للداخل الإيراني، ولن يُسمح بعد اليوم بوصول السفن الإيرانية للشواطئ اليمنية دونما تفتيش ورقابة صارمة»، على حد تعبيره.
وأضاف آل مرعي في حديث لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «هل يعتقد صانع القرار في إيران أن المملكة ستصبر على استهداف العاصمة؟ إنهم مخطئون، لن يسمح بانتهاك السيادة السعودية وتهديد المواطن والمقيم على أراضيها، لن نستغرب إذا تم الرد خلال الأيام المقبلة على الداخل الإيراني».
وأوضح آل مرعي أن السعودية «تحملت التدخلات الإيرانية في كل شؤون الدول العربية، خصوصاً في الملف اليمني، وأن 79 صاروخاً باليستياً أطلقت على السعودية جميعها إيرانية». وتابع: «وصول الصاروخ لشمال شرقي الرياض وسقوط شظاياه في محيط مطار الملك خالد الدولي تصعيد خطير ندّدت به دول عظمى مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، (...) البيان هو رسالة واضحة لصانع القرار في طهران أن المعركة ستنتقل للداخل الإيراني. ولن يسمح بعد الآن على الإطلاق بوصول سفن إيرانية للشواطئ اليمنية دون أن يكون هناك تفتيش ومراقبة لصيقة لأي تحرك في مضيق باب المندب أو خليج عدن، كما لن يسمح بأن تنتهك السيادة السعودية وأن يكون هناك تهديد للمواطن والمقيم على أراضيها بعد الآن، ولن نستغرب في الأيام المقبلة إذا تم إغراق سفن إيرانية، أو إذا تم الرد على الداخل الإيراني».
ويرى العقيد الركن آل مرعي أنه يتوجب على الدول الراعية للاتفاق النووي «5+1» والدول العظمى، لا سيما الأوروبية والولايات المتحدة - التي لها مصالح في منطقة الخليج العربي - أن تأخذ بعين الاعتبار أن «السعودية مقبلة على مرحلة حاسمة ضد التصعيد الإيراني واستهدافها للداخل السعودي». وتابع: «أطلقت آلاف المقذوفات على الحدود السعودية، ومارست المملكة أعلى درجات ضبط النفس، وأبقت المعركة محصورة مع الميليشيات الانقلابية في اليمن. اليوم تصرّ إيران على استهداف العاصمة... ولم تكن هذه المرة الأولى، إذ استهدفت منطقة مكة المكرمة. ولذلك فإن البيان واضح وصريح... لا يوجد عاقل في المنطقة يريد حرباً أو تصعيداً، ولكن عندما تُهدَّد عاصمة دول ما فإنها تقوم باتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة لحماية سيادتها ومواطنيها والمقيمين على أرضها، وهذا ما ستفعله المملكة في الأيام المقبلة. وعلى الدول العظمى أن تقوم بواجبها تجاه المجتمع الدولي والأمن والسلام العالمي».
وفي السياق نفسه، كان مسؤول أميركي رفيع هو الأدميرال آدم كيفن دونيغان، نائب قائد القوات البحرية الأميركية، قد أكد أن إيران لا تزال مستمرة في تهريب الأسلحة وتكنولوجيا الصواريخ غير المشروعة للحوثيين، الأمر الذي يزيد الصراع القائم ويهدد الدول المجاورة والملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وفصّل الأدميرال دونيغان أن «إيران تواصل تهريب أسلحة وتكنولوجيا غير مشروعة إلى اليمن ما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية وتمكين المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران من إطلاق صواريخ أكثر دقة وبعيدة المدى على السعودية المجاورة». واستطرد: «هذه الأسلحة لم تكن موجودة في اليمن قبل النزاع، وبحسب استنتاجنا فإن الحوثيين لا يحصلون على هذه الأنظمة فقط، بل على الأرجح يحصلون أيضاً على التدريب والمشورة والمساعدة في كيفية استخدامها».
وأضاف نائب قائد القوات البحرية الأميركية في حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» أن «إيران تحافظ على حصول الحوثيين، وبشكل متزايد، على صواريخ مضادة للسفن والألغام البحرية القاتلة، وحتى القوارب المتفجرة التي هاجمت سفن التحالف في البحر الأحمر أو الأراضي السعودية عبر الحدود الشمالية لليمن». وبيّن الجنرال الأميركي أن الولايات المتحدة والحكومة اليمنية وحلفاءها في المنطقة ردّوا بضربات خاصة أدت لاستعادة بعض المناطق الساحلية التي يسيطر عليها الحوثيون، لكنه اعترف بأن التهديد للملاحة البحرية الدولية ما زال قائماً.

تقارير دولية موثقة
ومن جانبها، أكدت الأمم المتحدة في تقارير رسمية ضلوع إيران في تهريب الأسلحة للمتمردين الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014م. وأشارت إلى أن ذلك «يؤجج الصراع ويزيد من مآسي الشعب الذي أنهكته الحرب المستمرة لأكثر من سنتين». وبدورها، اعتبرت منظمة «هيومان رايتس ووتش» الحقوقية إطلاق الميليشيات الحوثية صاروخاً باليستياً بطريقة عشوائية باتجاه مطار مدني في العاصمة السعودية الرياض بمثابة «جريمة حرب»، مبينةً أن هذه الأسلحة غير قادرة على تحري الدقة اللازمة في استهداف الأهداف العسكرية.
وحقاً، كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد اتهم، يوم أمس، إيران «بشن عدوان عسكري مباشر ضد السعودية عبر اليمن». وقال خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إن «ضلوع النظام الإيراني في تزويد الميليشيات الحوثية التابعة له بالصواريخ يُعدّ عدواناً عسكرياً مباشراً من قبل النظام الإيراني».
وأضاف الأمير محمد أن هذا الانخراط «قد يرقى إلى اعتباره عملاً من أعمال الحرب ضد المملكة». وتجدر الإشارة، في هذا الإطار، أن الدفاعات الجوية السعودية نجحت، مساء السبت الماضي، في اعترض صاروخ باليستي أطلقته الميليشيات الحوثية وقوات صالح على شمال شرقي الرياض، وذلك من دون حدوث أي خسائر بشرية أو مادية.
وفق تقرير «هيومن رايتس ووتش» فإن الهجوم تم بصاروخ باليستي غير موجّه مثل الطراز «بركان إتش 2» من مسافة كهذه عشوائياً «وبما أن هذه الأسلحة غير قادرة على تحري الدقة اللازمة في استهداف الأهداف العسكرية، وعندما تطلق الأسلحة عمداً أو عشوائياً تجاه مناطق مأهولة بالسكان أو أهداف مدنية، فإن هذه الهجمات تنتهك قوانين الحرب، وقد ترقى إلى جرائم الحرب».
وأشارت المنظمة إلى أنها وثّقت إطلاق قوات الحوثي - صالح عشوائياً صواريخ مدفعية غير موجهة قصيرة المدى من شمال اليمن على مناطق مأهولة بالسكان جنوب السعودية، منذ مايو (أيار) 2015 وقتلت بعض الهجمات مواطنين مدنيين. كذلك اعتبرت «هيومن رايتس ووتش» أن قوات الحوثي - صالح المسيطرة على صنعاء «انتهكت التزاماتها بموجب القانون الدولي بتيسير وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين، وأضرت كثيراً بالسكان المدنيين».
وفي حديث إلى «الشرق الأوسط» وصف الدكتور هادي اليامي، رئيس لجنة حقوق الإنسان العربية السابق، إدانة «هيومن رايتس ووتش» إطلاق الصاروخ الباليستي على الرياض بـ«الخطوة الإيجابية»، مضيفاً أنها «خطوة إيجابية، رغم المواقف المتباينة للمنظمة خلال الفترة الماضية إزاء الانتهاكات التي ارتكبها وترتكبها الميليشيات الحوثية وقوات صالح، وتمنينا أن نرى منهم مواقف جادة من أجل دعم عودة الشرعية اليمنية».
وأكد اليامي أن تسليط الضوء على الممارسات والانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الميليشيات الحوثية وقوات صالح خلال الفترة الماضية، بما فيها إطلاق الصاروخ الباليستي على الرياض، لا سيما من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني «بداية لخطوات مقبلة ولأدوات أخرى يجب اتخاذها بحق الانقلابيين ومساءلتهم»، وأردف: «إطلاق الصواريخ بشكل عشوائي على المدنيين جريمة تستوجب الحساب. وهذه ليست ممارسات عسكرية، بل انتهاكات جسيمة كما وصفتها (هيومن رايتس ووتش) بأنها جرائم حرب».
ورأى رئيس لجنة حقوق الإنسان العربية السابق أن «استهداف الميليشيات الحوثية وقوات صالح الرياض يمثل أسلوب العاجز الذي فقد كل شيء»، إلا أنه ركز أيضاً على المساندة والدعم اللذين يتلقاهما الحوثيون من النظام الإيراني، موضحاً: «لا شك، هناك مساندة إقليمية لهم من إيران. وكانت المملكة واضحة خصوصاً بعد فحص أجزاء الصواريخ وإثبات أنها صناعة إيرانية».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.