جرعة هائلة من التاريخ والفن والحضارة في أجنحة اللوفر أبوظبي

المعروضات تنتظم لتروي تاريخ البشرية بأسلوب جديد

جرعة هائلة من التاريخ والفن والحضارة في أجنحة اللوفر أبوظبي
TT

جرعة هائلة من التاريخ والفن والحضارة في أجنحة اللوفر أبوظبي

جرعة هائلة من التاريخ والفن والحضارة في أجنحة اللوفر أبوظبي

بعد خفوت أضواء الاحتفالات وسريان الهدوء النسبي في أروقة اللوفر أبوظبي الذي شغل العالم لأيام، نعود للزيارة الهادئة للاستمتاع واستكشاف الكنوز الفنية والأثرية في قاعاته. لا شك أنّ المبنى وتصميمه يسترعيان الانتباه، ويشغلان البصر والحواس بقوة، ولكن ما إن نخطو لأول قاعات العرض تبدأ صورة أخرى لا تقل بهاء في التجلي، نحن هنا أمام أجمل ما أنجزته البشرية على مدى قرون، ولكن السؤال الذي يدور في رأس الزائر لأول مرة قد يكون، كيف أبدأ الزيارة؟ اللوفر أبوظبي، رغم أنه يحمل معه ثقل متحف اللوفر في باريس بكلاسيكيته وعراقته، إلا أنه متحف مقام في القرن الواحد والعشرين، فكان من الطبيعي أن تختلف طريقة العرض وتنظيم المعروضات.
ولكن لنبدأ رحلتنا نحو الفن والتاريخ والإبداع من القاعة الأولى، التي تبدو مختلفة عن أي قاعة عرض في المتاحف العالمية، فهي أولاً غير مكتظة بالمعروضات، تلفتنا المساحة الشاسعة التي تكتفي بخزائن عرض قليلة كلها من الزجاج، أمّا الأرضية فهي عمل فني آخر، وإن كان حديثاً، فهي تمثل المحطات البحرية في العالم، هناك أبوظبي بالطبع وغيرها من مرافئ العالم. نخطو على الخريطة، وتتجه أنظارنا نحو خزانات العرض الزجاجية ومحتوياتها، نحن في قاعة تمثل «القرى الأولى»، بداية الحضارات، الأسس والرموز. قطع تمثل الأم والخصوبة وقطع أخرى تمثل أقنعة ذهبية وفخارية تصنع لطبع وجوه الموتى عليها، هي ما يسمى «أقنعة الموت». تختصر القاعة الأولى نشأة الحضارات، ولكن اللافت أنها لم تصنف من حيث المكان أو الزمان، فنجد قطعاً من مجتمعات بشرية غربية وشرقية تتجاور وتروي قصة نشأة الحضارات.
في كل خزانة عرض هناك لافتات للشرح، وإن كانت موضوعة على الأرضية، ما جعلها بعيدة عن مستوى النظر، ولكن عوضاً عنها هناك أدوات عرض متطورة تستكشف بعض القطع عليها باستخدام مستجدات التقنية المتطورة.
الممالك الأولى
القاعة التالية تأخذنا نحو المرحلة التالية في تاريخ البشرية، بعد القرى الأولى تطورت الحضارات، وظهرت الممالك الأولى التي تعود لثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في الأودية الخصبة على ضفاف أنهار دجلة والفرات والنيل والسند.
المعروضات في هذه القاعة متنوعة ومستمدة من جهات مختلفة. من القطع اللافتة تمثال ضخم ذو رأسين يعود لعين غزال بالأردن في 6500 قبل الميلاد. من العراق هناك مجسم لأحد الأمراء من المملكة السومرية الحديثة يعود لـ2120 قبل الميلاد. في القاعة يهيمن مجسم ضخم للفرعون رمسيس الثاني على ما جواره، وزنه خمسة أطنان، قريب منا نستطيع تأمل تفاصيل النقش على الجرانيت، إحساس غريب بأن هناك أيادٍ فنية حفرت هنا منذ آلاف السنين، ثمة ألفة وإحساس بالصلة بين العصور البشرية المختلفة.
المعروضات تنقسم في قاعات مفتوحة وأخرى جانبية، ندلف لإحداها تتخذ شكل طرق ضيقة متعرجة، في بعض انفراجاتها نجد المعروضات، هناك تابوت ملون قمة في الإبداع للأميرة المصرية حوت تاوي، يلاحظ أحد الزوار الإبداع في التصميم والنقوش والألوان التي لا تزال حية وغنية، يلفت النظر لتفصيلة مبدعة، وهي تجسيد ثلاثي الأبعاد لكفي الأميرة تبرز من السطح المستوى لغطاء التابوت. في إحدى الكوات نجد تمثالاً من الحجر الأسود للملك خوفو، هنا تخطف أبصارنا المعروضات بثقلها التاريخي، كما يستغرقنا المعمار المتميز، الذي لا يزال يبهرنا.
في هذه القاعة أيضاً نحن أمام الأديان، بتاريخ يعود لأكثر من ألفي عام، حيث نجحت الديانات التوحيدية العالمية في الوصول إلى معظم المناطق المتحضرة في أوروبا وآسيا وأفريقيا في غضون بضعة قرون، واستطاعت تجاوز الخصوصيات الثقافية المحلية، وإحداث تحول جذري في مجتمعات العصور القديمة.
في قاعة جانبية هادئة الإضاءة، نرى نماذج من الكتب المقدسة، منها كتاب مقدس قوطي كتب في فرنسا في 1250 - 1280 على جلد العجل، إلى جانبه كتاب من صنعاء يعود لـ1498 م يعرض أسفار موسى الخمسة ثم صفحة من «المصحف الأزرق» الذي يعود لعام 900 م مكتوبة حروفه بالذهب. المعروضات كلها من مقتنيات اللوفر أبوظبي.
طرق التجارة
يأخذنا السرد المتحفي لموضوع آخر مرتبط بانتشار الأديان في المجتمعات المختلفة، حيث تزامنت مع إنشاء شبكات واسعة من التبادلات بين القارات. ولعب التجار المسلمون دوراً رئيسياً في التبادلات التجارية، حيث شغلت حواضر الدول الإسلامية في قلب الشبكة التجارية المزدهرة التي تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتشابكت مسالك القوافل التجارية مع مسالك الحج مما ساهم في انتشار تيارات فكرية جديدة. وعززت هذه التبادلات انتشار المواد الفريدة والتقنيات والسلع الفاخرة مثل الحرير والخزف والمجوهرات والبخور والعاج. في قاعة جانبية خافتة الإضاءة نرى تجسيداً لانتعاش التجارة في ظل الحضارات الإسلامية متمثلاً في قطعة سجاد «أوشاك» من زمن الإمبراطورية العثمانية (1480).
وتأخذنا الزيارة نحو أزمنة ومنجزات حضارية أخرى، فنتأمل لوحة للعبقري ليوناردو دافنشي تعبر في تألقها عن منجزات عصر النهضة الذي شهد إنجازات فنية وعلمية بارعة. ونستمر نحو القرون التالية ومنجزات الحضارة البشرية في القرون الـ17 و18 وتداعيات الثورة الصناعية الضخمة، وحركة الاستعمار الأوروبي، وتأثيرها على مختلف الحضارات، وما مثلته من إلهام للفنانين الأوروبيين.
الفن الحديث والمعاصر
في القاعات المتقدمة نرى نماذج لأعمال أشهر فناني العصر الحديث عبر سلسلة من اللوحات الفنية تشمل «لعبة ورق بزيك» للفنان غوستاف كايبوت و«عذوبة الشرق» للفنان بول كلي و«الغجري» للفنان مانيه وغيرها من الروائع. أما عشّاق الأعمال الفنية المعاصرة، فيخاطبهم المتحف عبر مجموعة متميّزة تضم تسع لوحات قماشية من إبداعات الرسام الأميركي سي تومبلي، والمنحوتة التذكارية من الفنان آي ويوي (1957)، بالإضافة إلى الأعمال التركيبية التي قام اللوفر أبوظبي بتكليف فنايين معاصرين بتنفيذها.



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.