المحكمة الدستورية الإسبانية تلغي رسمياً إعلان استقلال كاتالونيا

بوتشيمون مخاطباً قادة الاتحاد الأوروبي: هل هذه أوروبا التي ترغبون في بنائها؟

متظاهرون يطالبون بالإفراج عن المسؤولين الكاتالونيين المحتجزين يقتحمون محطة القطارات في خيرونا (أ.ب)
متظاهرون يطالبون بالإفراج عن المسؤولين الكاتالونيين المحتجزين يقتحمون محطة القطارات في خيرونا (أ.ب)
TT

المحكمة الدستورية الإسبانية تلغي رسمياً إعلان استقلال كاتالونيا

متظاهرون يطالبون بالإفراج عن المسؤولين الكاتالونيين المحتجزين يقتحمون محطة القطارات في خيرونا (أ.ب)
متظاهرون يطالبون بالإفراج عن المسؤولين الكاتالونيين المحتجزين يقتحمون محطة القطارات في خيرونا (أ.ب)

أدخلت الحملة الانفصالية في كاتالونيا إسبانيا في أسوأ أزمة سياسية منذ أربعة عقود، وتسببت في نزوح شركات، وأجبرت مدريد على خفض التوقعات الاقتصادية، وفتحت أيضاً جروح الحرب الأهلية الإسبانية التي دارت في الثلاثينات.
وأمس ألغت المحكمة الدستورية الإسبانية رسميّاً إعلان برلمان كاتالونيا، من جانب واحد، استقلال الإقليم يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) في حكم كان من المتوقع على نطاق واسع صدوره بسبب قرار سابق للمحكمة بتعليق الاستفتاء. وكانت قد عزلت الحكومة المركزية في مدريد رئيس الإقليم كارليس بوتشيمون والحكومة المحلية وحلَّت البرلمان بعد ساعات من إعلان الاستقلال، وهذا ما اعتبرته مدريد مخالفةً دستورية، وتم تقديم عدد من أعضاء الحكومة للمحاكمة واحتجازهم احترازيا. أما الرئيس بوتشيمون فقد هرب إلى بلجيكا مع أربعة من وزرائه.
وتساءل بوتشيمون مخاطباً رئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر ورئيس البرلمان الأوروبي أنتونيو تاجاني حول ما يجري في إسبانيا من محاكمات لقادة منتخبين ديمقراطيّاً: «هل هذه أوروبا التي ترغبون في بنائها... بوجود بلد يضع القادة (السياسيين) في السجون؟».
ووصف بوتشيمون كاتالونيا بأنها «المنطقة الوحيدة في أوروبا حيث يحدث هذا الوضع الشاذ» في إشارة إلى منع برلمان إقليمي منتخَب من ممارسة سلطاته.
بوتشيمون وجَّه انتقاداته إلى الاتحاد الأوروبي متهماً إياه بـ«دعم انقلاب» رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي على السلطات المنتخبة في الإقليم الانفصالي. وقال بوتشيمون في لقاء مع رؤساء البرلمانات الأوروبية والمفوضية الأوروبية: «هل ستقبلون نتيجة استفتاء كاتالونيا أم ستستمرون في مساعدة راخوي في انقلابه؟».
وهذه التصريحات هي الأولى لبوتشيمون منذ أن أخلت محكمة بلجيكية سبيله، الأحد الماضي. وقد وصل إلى بلجيكا في 31 أكتوبر، بعد أن أقالته الحكومة الإسبانية في أعقاب إعلان الاستقلال من جانب واحد.
وقد يُضطَر بوتشيمون وأربعة من أعضاء حكومته إلى البقاء في بلجيكا حين تجري الانتخابات العامة في كاتالونيا في 21 ديسمبر (كانون الأول)، بانتظار أن يحسم قاضٍ بلجيكي مصير مذكرة توقيف أصدرتها السلطات الإسبانية بحقهم. كما شارك المسؤولون الخمسة في تجمع لأكثر من 200 رئيس بلدية كاتالوني في بروكسل دعماً للقضية الكاتالونية قرب مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وأوضح الرئيس الكاتالوني المقال أن أفضل من دافعوا عن قيم أوروبا هم «أولئك الذين حموا صناديق الاقتراع» أثناء استفتاء الاستقلال المحظور في الأول من أكتوبر الذي قمعته الشرطة الإسبانية بشكل عنيف أثار صدمة العالم.
وأخفقت الأحزاب الانفصالية في إقليم كاتالونيا في الاتفاق على تشكيل تحالف موحَّد لخوض انتخابات مبكرة في الإقليم في ديسمبر (كانون الأول)، مما يزيد الصعوبة أمامها لحكم الإقليم بعد الانتخابات والمضي قدماً في مسعاها المشترك للانفصال. وكان أمام الأحزاب الكاتالونية حتى منتصف ليل الثلاثاء لتسجيل الائتلافات قبيل الانتخابات لكن القوتين الرئيسيتين، اللتين شكلتا تحالفاً لحكم الإقليم خلال العامين الماضيين، لم تُفلِحا في الاتفاق على تحالف جديد في الوقت المحدد.
ورغم أنه لا يزال بوسعهم الاتفاق عقب الانتخابات يقول محللون سياسيون إن الإخفاق في التوصل إلى اتفاق على حملة مشتركة قد يتسبب أيضاً في صراع على الزعامة في الحركة الانفصالية. ووفقاً لاستطلاع أجرته «جي إيه دي3» في الفترة ما بين 30 أكتوبر والثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) ونشرته صحيفة «لافانجوارديا»، فستحصل ثلاثة أحزاب مؤيدة للاستقلال على ما بين 66 و69 مقعداً في البرلمان المؤلف من 135 مقعداً.
وخلص استطلاع آخر أجري في الفترة ذاتها لصالح صحيفة «لاريزون» المحافظة إلى نتائج مشابهة إذ أظهر أن الأحزاب المؤيدة للاستقلال ستحصل على أغلب الأصوات، لكنها لن تصل إلى أغلبية برلمانية. كما أظهر الاستطلاعان أن الأحزاب المؤيدة لبقاء كاتالونيا جزءاً من إسبانيا ستتقاسم المقاعد المتبقية. ودعت الأحزاب المؤيدة للاستقلال إلى إضراب عام في الإقليم. وسجلت حركة المرور صعوبة صباح الأربعاء حيث قطعت شوارع وطرقات سريعة عدة نتيجة إضراب دعت إليه نقابة انفصالية أثر أيضاً على حركة السكك الحديد.
وأوردت شركة «رينفي» الوطنية للسكك الحديدية أن قطار «تي جي في» السريع الذي يربط بين برشلونة وليون (فرنسا) وكان من المفترض أن يصل ظهرا بالتوقيت المحلي اضطر إلى العودة أدراجه.
فيما يتعلق بالطرقات، سُجّلت اضطرابات خصوصاً على الطريق السريع «إيه بي 7» على طول ساحل المتوسط لإسبانيا، الذي يربط بين أندلوسيا والحدود الفرنسية والطريق السريع «إيه 2» بين برشلونة ومدريد.
وكانت المنظمة النقابية المستقلة «سي إس سي» وجهت دعوة إلى إضراب عام للاحتجاج على ظروف العمل وعلى مرسوم للحكومة المركزية في مدريد يسهل معاملات رحيل المؤسسات من كاتالونيا. لكن التحرك الذي دعمته جمعيتان انفصاليتان قويتان أخريان هما الجمعية الوطنية الكاتالونية و«أومنيوم كولتورال» يرتدي طابعاً سياسياً أيضاً، إذ تطالب هذه الجمعيات بالإفراج عن مسؤولين محليين أودعتهم مدريد التوقيف الاحترازي.
وانتشرت مجموعات من المتظاهرين الذين حملوا لافتات انفصالية ويافطات تطالب بالإفراج عن المسؤولين المحتجزين في مختلف نقاط قطع الطرقات، من بينها محطة القطارات في خيرونا حيث اقتحم نحو مائة شخص حاجز أقامته الشرطة ونزلوا إلى السكك من أجل منع حركة القطارات.



روسيا مستعدة لتسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصَّب ضمن اتفاق سلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

روسيا مستعدة لتسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصَّب ضمن اتفاق سلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

أعلن الكرملين، الاثنين، أن روسيا مستعدة لتسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصَّب في إطار أي اتفاق سلام محتمل مع الولايات المتحدة.

وأفاد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الصحافيين، أن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عبَّر عن هذا المقترح أثناء اتصالات مع كل من الولايات المتحدة والدول الإقليمية. ما زال العرض قائماً لكن يم يجر بعد التحرُّك على أساسه»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجدّد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس (الأحد)، عرض وساطة بلاده لـ«تيسير تسوية سياسية ودبلوماسية للنزاع بشأن إيران» وسط تصاعد المخاوف من تجدد المعارك بعد فشل جولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية في إسلام آباد.

وأكّد بوتين خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، أن بلاده مستعدة لمواصلة جهود البحث عن تسوية تضمن مصالح كل الأطراف.

ويبدأ الجيش الأميركي، الاثنين، بتنفيذ حظر على حركة الملاحة إلى الموانئ الإيرانية في الخليج، بعد انهيار محادثات السلام في باكستان وتحميل واشنطن المسؤولية لإيران لرفضها التخلي عن طموحاتها النووية.

ويبدأ الحصار، وفق واشنطن، عند الساعة 14:00 بتوقيت غرينيتش من يوم الاثنين، ويطال كل السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المُبحرة منها.

وذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال» مساء الأحد، نقلاً عن مسؤولين ‌وأشخاص ‌مطلعين، ​أن ‌الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب ومستشاريه ⁠يدرسون استئناف شنِّ ضربات ⁠عسكريَّة ‌محدودة على إيران، ‌بالإضافة ​إلى ‌فرض ‌سيطرة أميركية على مضيق ‌هرمز، كوسيلة لكسر الجمود في ⁠محادثات ⁠السلام.


مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية إن خمسة من «إرهابيي المخدرات الذكور» قتلوا في «غارتين نشطتين فتاكتين» على قاربين تزعم الولايات المتحدة أنهما «كانا يعبران مسارات معروفة لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ويشاركان في عمليات تهريب مخدرات».

وأضافت القيادة الجنوبية أن شخصاً واحداً نجا من الغارات، التي وقعت يوم السبت.

وفي الأشهر الأخيرة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بشن هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

ويقول منتقدون إن الهجمات المميتة في المياه الدولية تنتهك القانون الدولي. ووفقاً للأرقام الرسمية، فقد قتل بالفعل أكثر من 130 شخصاً.


صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».