نحو إعادة فهم لعلاقة الدين بالدولة

عالم الأنثروبولوجيا الأميركي طلال أسد يعيد طرح الأسئلة الصعبة

جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى
جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى
TT

نحو إعادة فهم لعلاقة الدين بالدولة

جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى
جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى

هل يمكن فهم تاريخ العلاقة بين الدين والسياسة والقوة في العالم الإسلامي على ضوء الخبرة التاريخية الأوروبية؟ وهل إشكالية علاقة الدين بالدولة قابلة للتعميم على الشعوب غير الغربية؟ أي دور تؤديه الطقوس والرموز والشعائر الدينية في الضبط الاجتماعي؟ وما علاقة ذلك بتاريخ التحول الفكري الديني نحو العلمانية؟ ولماذا تجد الشعوب من غير البلاد الغربية نفسها مضطرة لقراءة تاريخ الغرب في ذلك في حين لا يشعر الغربيين بالحاجة إلى قراءة تاريخ الآخرين؟ هل يمكن أن نقرأ تاريخ الفكر الديني غير الغربي بمعزل عن التاريخ الغربي وخبرته؟ ولماذا ينظر إلى التاريخ الغربي على أنه تاريخ عالمي في حين ينظر إلى تاريخ الشعوب الأخرى على أنه تاريخ محلي؟ هل ذلك مرتبط بعلاقات القوة؟
تشكل هذه الأسئلة الكبرى أساساً لموضوعات هذا الكتاب البحثية لعالم الأنثروبولوجيا الأميركي الشهير في جامعة نيويورك طلال أسد، الخبير بالفكرين الإسلامي والمسيحي، فخلفية تكوينه ورحلاته العلمية تسمح له بقراءة فريدة لهذين الموضوعين من منظور أنثربولوجي؛ إذ تتناول فصول الكتاب موضوعات تاريخية تتباين في الزمان والمكان، وتشمل أموراً تتعلق بالمسيحيين الأوروبيين في القرون الوسطى وبعض العرب المسلمين، وما يجمعها هو الاعتقاد بأن التاريخ الغربي أدى دوراً بالغ الأهمية في تشكيل العالم الحديث، وأن الجيولوجيا الفكرية للتاريخ المسيحي والإسلامي لها دلالات عميقة على الطرق التي تمكّنَ أنماط من التراث غير الغربي بواسطتها من النمو والتغير.
ينظر أسد بشكل تقليدي إلى القوة الرأسمالية الطاغية على أنها هي التي تضع الحبكة الأساسية للقصة، وما تفعله الشعوب المحلية (شعوب الأطراف) هو أنها تأتي بتفسيراتها هي في الصيغ المحلية منها، وهو ما يعني أن الشعوب المحلية هي في أفضل الأحوال عوامل ثانوية ومتلقٍ سلبي، والتخلص من هذه النظرة التقليدية السائدة إلى حد بعيد، ورؤية التاريخ الخاص للشعوب ودينامياته الخاصة في النمو والتغير يكمن في دراسة تاريخ الشعوب المحلية بمشاركة علوم إنسانية متعددة.
يذهب طلال أسد إلى ضرورة فهم كل ذلك في إطار علاقات القوة؛ إذ يمكن أن يكون تغيير الناس أسهل عندما يتم إزاحة ذواتهم عن المركز (الحضاري والثقافي الخاص بهم) عندما يكونون مقتلعين جسمانياً وأخلاقياً، وعندما يكون تحريكهم (تغييرهم) سهلاً؛ فإن ذلك يسهل جعلهم زائدين عن اللزوم جسمانياً وأخلاقياً أيضاً، وبالتالي يكون ممكناً إحلال غيرهم محلها، وجعل الدوافع التي تدفعهم موافقة لأصحاب هذه القوة. إن المسألة لا يمكن اختزالها في «استعارة ثقافية» وحسب، بل يجب فهمها على أنها جزء من إطار أكبر له علاقة بالقوة، فحتى هذه الاستعارة تأخذ معناها ليس من مدلولها الذاتي فقط، إنما من علاقات القوة والإخضاع الواسعة القائمة خلفها.
عدم الرضا عن السرد التاريخي للبلاد غير الغربية التي يحتل فيها الأوروبيون مكاناً بارزاً أكثر من اللازم (بصفتهم فاعلين أو ممثلين لما هو معياري) تخفي فهماً لصنع التاريخ يتطفل على التواريخ الأخرى ويحجبها، فكل ظاهرة تاريخية يتحدد مسارها بالطريقة التي تشكلت فيها، وبعض عناصرها جوهرية لهويتها التاريخية وبعضها ليس بالضرورة كذلك. التحديث (التحول إلى النمط الغربي) مشروع يتضمن صنع التاريخ من دون شك، لكنه مشروع لا يتمتع فيه الفاعلون فيه بالاستقلال الذاتي الكامل، ولا بالوعي الكامل لأبعاده؛ فهو يسمح بفهم جديد للتاريخ وأزمنته ويعيد صياغتها على أساس أن ثمة هوية غربية جماعية تنظر إلى نفسها بالرجوع إلى تاريخية فريدة بالمقارنة مع الهويات الأخرى، وهي تاريخية تتحول من مكان إلى آخر – اليونان، روما، المسيحية اللاتينية، الأميركيتين - إلى أن تنتشر في أنحاء العالم.
إن الأفكار الكبرى التي يستخدمها الأنثربولوجيون ولدت من التقاء أوروبا بالشعوب غير الأوروبية (مثل وصف تلك المجتمعات بأنها «غير حديثة»: «محلية»: «تقليدية»)، فهي تعتمد إلى اليوم على موازنة هذه الصفات مع الحداثة الغربية التي تكتسب صفة معيارية، في حين أن الأساس السليم للمقارنة هو الإصرار على وحدة التجربة الإنسانية وعلى تنوعها في آن معاً.
يخلص المؤلف إلى أن علم الأنثروبولوجيا مشغول بالتعريفات المتعلقة بالغرب، بينما تعمل المشروعات الغربية على تغيير الشعوب، وإذا ما أراد علم الأنثروبولوجيا أن يفهم المجتمعات المحلية و«شعوب الأطراف» الذين «يدخلون» عصر الحداثة أو حتى «يقاومونه» فمن الأفضل أن يعمِّق فهمه للغرب أولاً على أنه ليس مجرد آيديولوجيا قديمة، وسيتضمن ذلك فهم تاريخيه الخاصة والقوى المتحركة التي شيدت بنيانه ومشروعاته ورغباته، حيث الدين هو جزء أساسي من عملية التشييد تلك، والمضي قدماً نحو علم أنثروبولوجيا تاريخي يجعل من الهيمنة الغربية الثقافية موضوعا له، أي الطرق التي تحدد فيها المفاهيم والممارسات الغربية في المجال الديني أشكال صنع التاريخ.
لكن كيف نفهم الدين أولاً لنقوم بذلك؟ ينطلق أسد من أن التوصل إلى تعريف شمولي للدين غير ممكن، ليس لأن مكوناته وعلاقاته متعينة تاريخياً فقط، بل لأن التعريف ذاته ناتج تاريخي لطرق معينة في الخطاب. إن فهم ما يعينه الدافع الديني والشعور الديني الوجداني، وكيف تتشكل عبر الرموز الدينية يقود إلى مفهوم «القوة» الدينية ومفهوم «الحقيقة» الدينية، والعلاقة بينهما وما يعرف بمفهوم «الضبط» بمعناه الذاتي والاجتماعي.
إن الرموز الدينية ليست هي وحدها ما يزرع المشاعر الدينية المسيحية الصادقة مثلاً، بل القوة التي تشملها القوانين (الحكومية أو الكنسية) والعقاب والثواب (نار جهنم، الموت، الخلاص، السمعة الطيبة، السلام...الخ)، وعوامل الضبط التي تفرضها المؤسسات الاجتماعية (العائلة، المدرسة، المدينة، الكنيسة)، وتلك التي تفرض على الأجسام البشرية (الصيام، الصلاة، الطاعة، التوبة)، أي القوة المتأتية من شبكة كاملة من الممارسات القائمة على دوافع خاصة بها، تتخذ شكلاً دينياً. وما حصل الآن ليس سوى أن أنماط القوة وتشكيلاتها تتغير من حقبة إلى أخرى، فما كان في العصور المسيحية الوسطى تغير جذرياً الآن، لكن المبدأ بقي هو ذاته.
إن شعوراً معيناً يمكننا أن نصفه بأنه شعور ديني إنما يكمن في كونه يحتل مكاناً خاصاً في تصور لنا عن الإطار الكوني، والسؤال هو كيف تحتل تلك الرموز والمعاني هذا الموقع الديني وتكتسب الصفة المرجعية للدين؟ من الذي يحدد تلك الصفة؟ إن هذا السؤال سيقود لا محالة إلى إعادة تعريف الفضاءات الدينية وتحديدها في تاريخ المجتمع الغربي، وما يعنيه ذلك من العودة إلى العلاقة السلطات المتعددة والمتحكمة بالفضاء العام وتغيرها. لقد أعيد رسم الخط الفاصل بين الديني والدنيوي مرات عدة قبل «حركة الإصلاح الديني»، لكن السلطة الكنسية الرسمية ظلت هي المرجعية السائدة، وفي القرون التي أعقبت ذلك ومع نشوء العلم الحديث ووسائل الإنتاج الحديثة وولادة الدولة الحديثة اتضح للكنيسة أن هناك حاجة إلى فصل الديني عن الدنيوي، بحيث اتجه وزن الدين باتجاه الحالات الوجدانية الفردية للفرد المؤمن ودوافعه الشخصية، وأدى ذلك إلى أن يهجر الانضباط (الفكري والاجتماعي) الحيز الديني تدريجياً لتحل محله أمور أخرى مثل «الاعتقاد» و«الضمير» و«رهافة الحس».
النظرية الدينية لا تنفصل عن الممارسة، هي في جوهرها مسألة تدخل، مسألة تشكيل الدين في العالم (وليس في الذهن) من خلال الخطابات التعريفية وتفسير المعاني «الصحيحة» واستبعاد بعض الأقوال والممارسات وضمّ سواها. هنا ينشأ السؤال: كيف تشكل القوة الدين؟
هنا تأتي وظيفة الطقوس والشعائر الدينية بما هي أفعال رمزية هي توليد القناعة الدينية، وفقا لبعض الأنثربولوجيين، لكن أسد يذهب إلى أنها هي محل عرض الإيمان لا إنتاجه، وهو أمر يعيد جذرياً التفكير في دور الطقوس والشعائر تلك، فهذا يعين على فهم تلك الظواهر وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية الأخرى، بل وتأثير القوى التاريخية في تشكيلها، وبذلك يمكن فهم الطقوس على أساس أنها جزء من نظام «الضبط» الديني، حيث يمكن فهم إمكانية الانفصال بين «الشعائر الدينية» عن «المشاعر الدينية»، هنا أمكن للكنيسة المسيحية مثلا في العصور الوسطى أن تستعمل الشعائر وسيلة لضبط المجتمعات عبر القوة ومفهوم «الدين الصحيح». وأيضاً هذا ما يمكننا من فهم كيف صارت الطقوس الدينية مناسبات رمزية أمراً مقبولاً في المجتمع الحديث، حيث يتخذ المسيحيون مواقف أخلاقية متباينة ويعيشون أنماطاً لا تختلف اختلافاً بينا عن أنماط الحياة لدى غيرهم، ينطبق ذلك على الطقوس والشعائر في الإسلام أيضاً، فهي تفهم على أنها إحياء لحقيقة عميقة في نظر من يؤديها، وهي تتضمن إدراكاً بكون الدين نموذجاً للعالم ونموذجاً من أجل العالم في الوقت نفسه، أي أن وظيفة الضبط تقريباً هي ذاتها في المسيحية.
يقوم الضبط على نوعين من الإجراءات «طرق تشكيل الذات» (الفرد) و«طرق التحكم بالآخرين» (المجتمع)، وهما شكلان من أشكال القوة، أحدهما يتصل بتنمية الفضائل والآخر بتطبيق الشريعة، عبر مبدأين: العقاب، والتعذيب أو العذاب. حيث يحتل مفهوم الألم مكاناً أساسياً في مفاهيم الدين وتقنيات الضبط فيه وتحقيق «الطاعة» لما يعتقد أنها الحقيقة، الضبط الذاتي المسمى «تهذيب النفس» في الفكر الإسلامي أو «إذلال النفس» في الرهبنة المسيحية يقومان على المبدأ ذاته.
لقد استطاع أسد بجدارة إثارة إشكالية وضع تعريف أنثروبولوجي للدين بإلإحالة التاريخية للمعرفة والقوة اللتين شكلتا العالم الحديث. وبالمضي في هذا المنهج لا يمكن عزو المصاعب الكبرى التي يواجهها العالم العربي مثلاً إلى ديمومة التدين في أو إلى صحوة دينية جديدة. كذلك، فإن الفكرة القائلة إن الدولة الحديثة تتطلب فصلاً جديداً بين «الدين» والسياسة» تغدو فكرة غير صحيحة من الناحية المفاهيمية وفقاً لطلال أسد، الذي يرى أن فهم ذلك يتطلب التفكير في السياسة بمنأى عن الثنائيات البسيطة التي لجأنا إليها زمنا أطول من اللازم، ففكرة «الدولة الإسلامية» هي وليدة التفكير القائم على الثنائيات، وهو تفكير يعتقد بأن «الدين» يجب أن يسود الدولة الحديثة ويوجهها، كذلك فإن دعاة الدولة العلمانية يقدمون أفكارهم على أساس هذه الثنائيات، ويصرون على أن الدولة يجب أن تكبح جماح «الدين».
بعض الكتب تشعر المرء بفداحة ما تعانيه الدراسات العربية من فقر وتواضع، وكتاب طلال أسد هذا، الذي يثير الإعجاب في نقده العميق وقدرته الفذة على طرح الأسئلة الصعبة، لا شك أنه واحد منها.

- كاتب سوري


مقالات ذات صلة

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

كتب سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن...

د. رشيد العناني
كتب تي. إس. إليوت

دفاع عن العاطفة

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة».

د. ماهر شفيق فريد
كتب طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية
TT

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

رسالة محفوظ إلى المترجم

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.

قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».

في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.

في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».

بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين... إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير...». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».

أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.

في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (...) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.

صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.

في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.


دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت
TT

دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة». وفي قاموس «الكامل الكبير: فرنسي - عربي» للدكتور يوسف محمد رضا نقرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر لدى القراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويترتب على ذلك في الأدب سوء استغلال عواطف القراء».

هذه العاطفية المفرطة موضوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية المفرطة» (Soft: A Breif History of Sentimentality) صدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في 2025 من تأليف فرديناند ماونت (Ferdinand Mount)، وهو رئيس تحرير سابق لملحق «التايمز الأدبي» في لندن.

يقول المؤلف إن الناس قد عبروا في مختلف الأزمنة عن أفراحهم وأتراحهم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت المجتمعات أهمية متغيرة على التعاطف مع الآخرين ووضع الذات في مكانهم. واقترنت الأحداث السياسية الكبرى - مثل الثورة الفرنسية في 1789 وحركة الحقوق المدنية في عصرنا - بثورات اجتماعية بعيدة المدى.

تشارلز ديكنز

على أن المشاعر القوية ظلت طيلة تاريخها الطويل تتعرض للهجوم من عدة جهات. وصفت بأنها مخنثة أو متهافتة أو شعبوية. ودعا نقاد كبار في القرن الماضي - مثل إرفنج بابت الأميركي، وت. س. إليوت الأنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم الإنجليزي - إلى الموضوعية وكبح المشاعر وهاجموا الرومانسية وأنكروا أن يكون الشعر تعبيراً عن الشخصية أو فيضاناً تلقائياً لانفعالات قوية. لكن ذلك لم يقض على سلطان العاطفة على النفوس، اليوم كما في الماضي.

وكتاب فرديناند ماونت دفاع عن العاطفية إزاء من يرون أنها تزييف للواقع الخارجي والوعي الداخلي على السواء، ومن يقولون إن السنتمنتالي شخص ديدنه الإنكار، فهو ينكر الواقع الماثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له.

ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموماً لا يكونون عاطفيين في كل لحظة من حيواتهم وإنما هم يراوحون - حسب الموقف - بين نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفياً متحمساً في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد المشاعر إزاء حزب العمال مثلاً.

إن الأعمال الفنية العاطفية - سواء كانت كتباً أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تمنح الضحايا صوتاً يعبرون به عن معاناتهم ويخاطبون الرأي العام، وما إسرافها في العاطفية إلا خطوة ضرورية لإيقاظ الضمائر من غفوتها.

ولا ينكر ماونت أن كثيراً من المسرحيات أو المسلسلات التلفزيونية التى تصور، مثلاً، العثور على ابنة مفقودة بعد غياب طويل عاطفية رخيصة ترمي إلى استدرار دموع المشاهد. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، ولا يجب أن نستسلم لإغراء اعتبار أنفسنا فوق مشاعر الآخرين نحكم عليها من عل وكأننا نعلو على المستوى البشري.

وفي رصدنا لتاريخ التعبير العاطفي نلتقي عدداً من علامات الطريق: الحب الرفيع (أو حب البلاط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ منها الموسيقار الألماني فاغنر موضوعاً لأوبراه في 1865)، وقصة غرام ترويلوس وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة لأبي الشعر الإنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة الوردة» في نحو 22 ألف بيت للشاعرين الفرنسيين جيوم دي لوريس وجان دي مين، ورواية سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع الأوهام لفتاة تدعي دوروثيا لا تكاد تشعر بوجوده.

وعلى ظهر القارة الأوروبية ازدهرت الرواية العاطفية، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جاك روسو. وظهر من الفلاسفة من عالجوا العواطف، واتخذوا منها مواقف إيجابية أو سلبية. ومن هؤلاء الفلاسفة توماس هوبز وديفيد هيوم وآدم سميث.

وأهم روائي إنجليزي أثارت معالجته للعواطف الخلاف ما بين مادح وقادح هو بلا شك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات القديمة» (1841) و«دمبي وولده» (1847 - 1848). في هذه الرواية الأخيرة يسعى ديكنز إلى إثارة عطفنا على بطله دمبي وهو صبي رقيق النفس، ضعيف البنية، يمرض ويموت.

وفي «محل العاديات القديمة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الصغيرة تعيش مع جدها صاحب المحل وترعاه. ويعاني الاثنان مشاق كبيرة ويواجهان الشر المتمثل في قزم شرير يدعى «كويلب». وتسلم نللي الأنفاس في مشهد مؤثر، ثم يلحق بها جدها.

كان من الواضح أن ديكنز يريد أن يستثير شفقة القارئ على بطلته الصغيرة، وأن يدفع بالدموع إلى عيني من يتابع معاناتها. ولكن إسرافه في العاطفة كاد يحدث أثراً عكسياً حتى إن أوسكار وايلد قال: «لا بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك».

ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «الأمير السعيد» و«العملاق الأناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه الأقصوصة الأخيرة.

ويختم ماونت كتابه بقوله إننا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عشر ومستشفياته، والاتجاهات المتحررة والمتعاطفة مع معاناة الإنسان في الثلث الأخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة المفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء لا غنى عنه من وجود الإنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن المجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة لا بد أن ينكمش ويتضاءل ويفتقر. إننا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة الإنسانية»، وإن كانت هي ذاتها قد تنكرت لهذه الرحمة، وقمعت نوازع الحنان والأمومة في صدرها.


طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً
TT

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن التشكيليّ السوريّ والعربيّ، ويعيد بناء عالمه الإنسانيّ والفنيّ عبر مقاربة سردية تنفتح على الذاكرة والتأمّل والأسئلة الوجودية.

تتخذ الرواية من الساعات الأخيرة في حياة الفنان لؤي كيالي نقطة انطلاق لسرد يتنقل بين محطات متعددة من حياته، مستحضراً طفولته في حلب، وتجربته الدراسية في روما، وعلاقته بالفن والمدينة والإنسان، وصولاً إلى أزماته النفسية والفكرية التي رافقت مسيرته الإبداعية. ومن خلال هذا البناء، تتحول الذاكرة إلى فضاء رحب تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات، ضمن نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع مع الرؤى والتداعيات الداخلية.

تأتي أهمية هذا العمل من اقترابه من شخصية فنية تركت أثراً استثنائياً في تاريخ التشكيل السوري والعربي. فما زالت أعمال لؤي كيالي تحظى بحضور واسع في الدراسات الفنية والمعارض والكتابات النقدية، لما انطوت عليه من حساسية إنسانية عالية وقدرة على التقاط وجوه المهمشين والبسطاء وتحويلها إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية.

ولا تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع المعروفة في حياة كيالي بقدر اهتمامها باستكشاف العالم الداخلي للفنان، والتكلفة الإنسانية التي ترافق الإبداع حين يصبح وسيلة لرؤية ما يغفل عنه الآخرون. ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من الأسئلة التي شغلت تجربة كيالي كلها: الفن، والعزلة، والهشاشة الإنسانية، والبحث الدائم عن المعنى في عالم مثقل بالتحولات والخيبات.

ويستفيد معلّا من خبرته الطويلة في الحقل التشكيلي ليمنح النص بعداً بصرياً واضحاً، حيث تتشكل المشاهد الروائية عبر الضوء والظلّ واللون، وتتجاور المدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة واسعة تستعيد ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السورية. كما تحضر شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفي مقدمتها الفنان فاتح المدرس، ضمن حوارات ومواقف تضيء جوانب من التحولات الفكرية والجمالية التي شهدتها الحركة التشكيلية السورية في القرن العشرين.

وتكشف الرواية عن اهتمام خاص بالعلاقة بين الفنان ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وبالأثر الذي تتركه الأحكام النقدية والتوقعات العامة على المبدع. لذلك تتجاوز شخصية لؤي كيالي حدود السيرة الفردية لتتحول إلى نافذة للتأمل في مصير الفنان العربي، وفي التوتر المستمر بين الصدق الفني ومتطلبات الواقع، وبين الحساسية الإبداعية والقدرة على الاحتمال.

وعلى الرغم من استناد الرواية إلى شخصية واقعية معروفة، فإنها تتحرك ضمن فضاء تخييلي يمنح الكاتب حرية إعادة تشكيل الأحداث والحوارات والذكريات وفق رؤية أدبية خاصة، الأمر الذي يجعل العمل أقرب إلى إعادة تخيل حياة لؤي كيالي من منظور روائي معاصر، يزاوج بين المعرفة الفنية والاشتغال السردي.

تضع «ذاكرة النار» تجربة لؤي كيالي أمام جيل جديد من القرّاء، وتعيد فتح النقاش حول واحد من أكثر الفنانين السوريين تأثيراً وإثارة للأسئلة، في رواية تمنح الفن موقعاً مركزياً في مساءلة الإنسان ومصيره وعلاقته بالعالم.

وفي جانب آخر، تستعيد الرواية جانباً من الذاكرة الثقافية السورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عبر إشاراتها إلى المدن والأمكنة والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني آنذاك. وبذلك يتجاوز العمل حدود السيرة الفردية ليقترب من سيرة جيل كامل عاش تحولات كبرى انعكست على الثقافة والفن والحياة العامة.

جاءت الرواية في 186 صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان الراحل لؤي كيالي.