نحو إعادة فهم لعلاقة الدين بالدولة

عالم الأنثروبولوجيا الأميركي طلال أسد يعيد طرح الأسئلة الصعبة

جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى
جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى
TT

نحو إعادة فهم لعلاقة الدين بالدولة

جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى
جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام - المؤلف: طلال أسد - ترجمة: محمد عصفور - دار المدار الإسلامي، 2017 --- لوحة تعبر عن دور الكنيسة في القرون الوسطى

هل يمكن فهم تاريخ العلاقة بين الدين والسياسة والقوة في العالم الإسلامي على ضوء الخبرة التاريخية الأوروبية؟ وهل إشكالية علاقة الدين بالدولة قابلة للتعميم على الشعوب غير الغربية؟ أي دور تؤديه الطقوس والرموز والشعائر الدينية في الضبط الاجتماعي؟ وما علاقة ذلك بتاريخ التحول الفكري الديني نحو العلمانية؟ ولماذا تجد الشعوب من غير البلاد الغربية نفسها مضطرة لقراءة تاريخ الغرب في ذلك في حين لا يشعر الغربيين بالحاجة إلى قراءة تاريخ الآخرين؟ هل يمكن أن نقرأ تاريخ الفكر الديني غير الغربي بمعزل عن التاريخ الغربي وخبرته؟ ولماذا ينظر إلى التاريخ الغربي على أنه تاريخ عالمي في حين ينظر إلى تاريخ الشعوب الأخرى على أنه تاريخ محلي؟ هل ذلك مرتبط بعلاقات القوة؟
تشكل هذه الأسئلة الكبرى أساساً لموضوعات هذا الكتاب البحثية لعالم الأنثروبولوجيا الأميركي الشهير في جامعة نيويورك طلال أسد، الخبير بالفكرين الإسلامي والمسيحي، فخلفية تكوينه ورحلاته العلمية تسمح له بقراءة فريدة لهذين الموضوعين من منظور أنثربولوجي؛ إذ تتناول فصول الكتاب موضوعات تاريخية تتباين في الزمان والمكان، وتشمل أموراً تتعلق بالمسيحيين الأوروبيين في القرون الوسطى وبعض العرب المسلمين، وما يجمعها هو الاعتقاد بأن التاريخ الغربي أدى دوراً بالغ الأهمية في تشكيل العالم الحديث، وأن الجيولوجيا الفكرية للتاريخ المسيحي والإسلامي لها دلالات عميقة على الطرق التي تمكّنَ أنماط من التراث غير الغربي بواسطتها من النمو والتغير.
ينظر أسد بشكل تقليدي إلى القوة الرأسمالية الطاغية على أنها هي التي تضع الحبكة الأساسية للقصة، وما تفعله الشعوب المحلية (شعوب الأطراف) هو أنها تأتي بتفسيراتها هي في الصيغ المحلية منها، وهو ما يعني أن الشعوب المحلية هي في أفضل الأحوال عوامل ثانوية ومتلقٍ سلبي، والتخلص من هذه النظرة التقليدية السائدة إلى حد بعيد، ورؤية التاريخ الخاص للشعوب ودينامياته الخاصة في النمو والتغير يكمن في دراسة تاريخ الشعوب المحلية بمشاركة علوم إنسانية متعددة.
يذهب طلال أسد إلى ضرورة فهم كل ذلك في إطار علاقات القوة؛ إذ يمكن أن يكون تغيير الناس أسهل عندما يتم إزاحة ذواتهم عن المركز (الحضاري والثقافي الخاص بهم) عندما يكونون مقتلعين جسمانياً وأخلاقياً، وعندما يكون تحريكهم (تغييرهم) سهلاً؛ فإن ذلك يسهل جعلهم زائدين عن اللزوم جسمانياً وأخلاقياً أيضاً، وبالتالي يكون ممكناً إحلال غيرهم محلها، وجعل الدوافع التي تدفعهم موافقة لأصحاب هذه القوة. إن المسألة لا يمكن اختزالها في «استعارة ثقافية» وحسب، بل يجب فهمها على أنها جزء من إطار أكبر له علاقة بالقوة، فحتى هذه الاستعارة تأخذ معناها ليس من مدلولها الذاتي فقط، إنما من علاقات القوة والإخضاع الواسعة القائمة خلفها.
عدم الرضا عن السرد التاريخي للبلاد غير الغربية التي يحتل فيها الأوروبيون مكاناً بارزاً أكثر من اللازم (بصفتهم فاعلين أو ممثلين لما هو معياري) تخفي فهماً لصنع التاريخ يتطفل على التواريخ الأخرى ويحجبها، فكل ظاهرة تاريخية يتحدد مسارها بالطريقة التي تشكلت فيها، وبعض عناصرها جوهرية لهويتها التاريخية وبعضها ليس بالضرورة كذلك. التحديث (التحول إلى النمط الغربي) مشروع يتضمن صنع التاريخ من دون شك، لكنه مشروع لا يتمتع فيه الفاعلون فيه بالاستقلال الذاتي الكامل، ولا بالوعي الكامل لأبعاده؛ فهو يسمح بفهم جديد للتاريخ وأزمنته ويعيد صياغتها على أساس أن ثمة هوية غربية جماعية تنظر إلى نفسها بالرجوع إلى تاريخية فريدة بالمقارنة مع الهويات الأخرى، وهي تاريخية تتحول من مكان إلى آخر – اليونان، روما، المسيحية اللاتينية، الأميركيتين - إلى أن تنتشر في أنحاء العالم.
إن الأفكار الكبرى التي يستخدمها الأنثربولوجيون ولدت من التقاء أوروبا بالشعوب غير الأوروبية (مثل وصف تلك المجتمعات بأنها «غير حديثة»: «محلية»: «تقليدية»)، فهي تعتمد إلى اليوم على موازنة هذه الصفات مع الحداثة الغربية التي تكتسب صفة معيارية، في حين أن الأساس السليم للمقارنة هو الإصرار على وحدة التجربة الإنسانية وعلى تنوعها في آن معاً.
يخلص المؤلف إلى أن علم الأنثروبولوجيا مشغول بالتعريفات المتعلقة بالغرب، بينما تعمل المشروعات الغربية على تغيير الشعوب، وإذا ما أراد علم الأنثروبولوجيا أن يفهم المجتمعات المحلية و«شعوب الأطراف» الذين «يدخلون» عصر الحداثة أو حتى «يقاومونه» فمن الأفضل أن يعمِّق فهمه للغرب أولاً على أنه ليس مجرد آيديولوجيا قديمة، وسيتضمن ذلك فهم تاريخيه الخاصة والقوى المتحركة التي شيدت بنيانه ومشروعاته ورغباته، حيث الدين هو جزء أساسي من عملية التشييد تلك، والمضي قدماً نحو علم أنثروبولوجيا تاريخي يجعل من الهيمنة الغربية الثقافية موضوعا له، أي الطرق التي تحدد فيها المفاهيم والممارسات الغربية في المجال الديني أشكال صنع التاريخ.
لكن كيف نفهم الدين أولاً لنقوم بذلك؟ ينطلق أسد من أن التوصل إلى تعريف شمولي للدين غير ممكن، ليس لأن مكوناته وعلاقاته متعينة تاريخياً فقط، بل لأن التعريف ذاته ناتج تاريخي لطرق معينة في الخطاب. إن فهم ما يعينه الدافع الديني والشعور الديني الوجداني، وكيف تتشكل عبر الرموز الدينية يقود إلى مفهوم «القوة» الدينية ومفهوم «الحقيقة» الدينية، والعلاقة بينهما وما يعرف بمفهوم «الضبط» بمعناه الذاتي والاجتماعي.
إن الرموز الدينية ليست هي وحدها ما يزرع المشاعر الدينية المسيحية الصادقة مثلاً، بل القوة التي تشملها القوانين (الحكومية أو الكنسية) والعقاب والثواب (نار جهنم، الموت، الخلاص، السمعة الطيبة، السلام...الخ)، وعوامل الضبط التي تفرضها المؤسسات الاجتماعية (العائلة، المدرسة، المدينة، الكنيسة)، وتلك التي تفرض على الأجسام البشرية (الصيام، الصلاة، الطاعة، التوبة)، أي القوة المتأتية من شبكة كاملة من الممارسات القائمة على دوافع خاصة بها، تتخذ شكلاً دينياً. وما حصل الآن ليس سوى أن أنماط القوة وتشكيلاتها تتغير من حقبة إلى أخرى، فما كان في العصور المسيحية الوسطى تغير جذرياً الآن، لكن المبدأ بقي هو ذاته.
إن شعوراً معيناً يمكننا أن نصفه بأنه شعور ديني إنما يكمن في كونه يحتل مكاناً خاصاً في تصور لنا عن الإطار الكوني، والسؤال هو كيف تحتل تلك الرموز والمعاني هذا الموقع الديني وتكتسب الصفة المرجعية للدين؟ من الذي يحدد تلك الصفة؟ إن هذا السؤال سيقود لا محالة إلى إعادة تعريف الفضاءات الدينية وتحديدها في تاريخ المجتمع الغربي، وما يعنيه ذلك من العودة إلى العلاقة السلطات المتعددة والمتحكمة بالفضاء العام وتغيرها. لقد أعيد رسم الخط الفاصل بين الديني والدنيوي مرات عدة قبل «حركة الإصلاح الديني»، لكن السلطة الكنسية الرسمية ظلت هي المرجعية السائدة، وفي القرون التي أعقبت ذلك ومع نشوء العلم الحديث ووسائل الإنتاج الحديثة وولادة الدولة الحديثة اتضح للكنيسة أن هناك حاجة إلى فصل الديني عن الدنيوي، بحيث اتجه وزن الدين باتجاه الحالات الوجدانية الفردية للفرد المؤمن ودوافعه الشخصية، وأدى ذلك إلى أن يهجر الانضباط (الفكري والاجتماعي) الحيز الديني تدريجياً لتحل محله أمور أخرى مثل «الاعتقاد» و«الضمير» و«رهافة الحس».
النظرية الدينية لا تنفصل عن الممارسة، هي في جوهرها مسألة تدخل، مسألة تشكيل الدين في العالم (وليس في الذهن) من خلال الخطابات التعريفية وتفسير المعاني «الصحيحة» واستبعاد بعض الأقوال والممارسات وضمّ سواها. هنا ينشأ السؤال: كيف تشكل القوة الدين؟
هنا تأتي وظيفة الطقوس والشعائر الدينية بما هي أفعال رمزية هي توليد القناعة الدينية، وفقا لبعض الأنثربولوجيين، لكن أسد يذهب إلى أنها هي محل عرض الإيمان لا إنتاجه، وهو أمر يعيد جذرياً التفكير في دور الطقوس والشعائر تلك، فهذا يعين على فهم تلك الظواهر وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية الأخرى، بل وتأثير القوى التاريخية في تشكيلها، وبذلك يمكن فهم الطقوس على أساس أنها جزء من نظام «الضبط» الديني، حيث يمكن فهم إمكانية الانفصال بين «الشعائر الدينية» عن «المشاعر الدينية»، هنا أمكن للكنيسة المسيحية مثلا في العصور الوسطى أن تستعمل الشعائر وسيلة لضبط المجتمعات عبر القوة ومفهوم «الدين الصحيح». وأيضاً هذا ما يمكننا من فهم كيف صارت الطقوس الدينية مناسبات رمزية أمراً مقبولاً في المجتمع الحديث، حيث يتخذ المسيحيون مواقف أخلاقية متباينة ويعيشون أنماطاً لا تختلف اختلافاً بينا عن أنماط الحياة لدى غيرهم، ينطبق ذلك على الطقوس والشعائر في الإسلام أيضاً، فهي تفهم على أنها إحياء لحقيقة عميقة في نظر من يؤديها، وهي تتضمن إدراكاً بكون الدين نموذجاً للعالم ونموذجاً من أجل العالم في الوقت نفسه، أي أن وظيفة الضبط تقريباً هي ذاتها في المسيحية.
يقوم الضبط على نوعين من الإجراءات «طرق تشكيل الذات» (الفرد) و«طرق التحكم بالآخرين» (المجتمع)، وهما شكلان من أشكال القوة، أحدهما يتصل بتنمية الفضائل والآخر بتطبيق الشريعة، عبر مبدأين: العقاب، والتعذيب أو العذاب. حيث يحتل مفهوم الألم مكاناً أساسياً في مفاهيم الدين وتقنيات الضبط فيه وتحقيق «الطاعة» لما يعتقد أنها الحقيقة، الضبط الذاتي المسمى «تهذيب النفس» في الفكر الإسلامي أو «إذلال النفس» في الرهبنة المسيحية يقومان على المبدأ ذاته.
لقد استطاع أسد بجدارة إثارة إشكالية وضع تعريف أنثروبولوجي للدين بإلإحالة التاريخية للمعرفة والقوة اللتين شكلتا العالم الحديث. وبالمضي في هذا المنهج لا يمكن عزو المصاعب الكبرى التي يواجهها العالم العربي مثلاً إلى ديمومة التدين في أو إلى صحوة دينية جديدة. كذلك، فإن الفكرة القائلة إن الدولة الحديثة تتطلب فصلاً جديداً بين «الدين» والسياسة» تغدو فكرة غير صحيحة من الناحية المفاهيمية وفقاً لطلال أسد، الذي يرى أن فهم ذلك يتطلب التفكير في السياسة بمنأى عن الثنائيات البسيطة التي لجأنا إليها زمنا أطول من اللازم، ففكرة «الدولة الإسلامية» هي وليدة التفكير القائم على الثنائيات، وهو تفكير يعتقد بأن «الدين» يجب أن يسود الدولة الحديثة ويوجهها، كذلك فإن دعاة الدولة العلمانية يقدمون أفكارهم على أساس هذه الثنائيات، ويصرون على أن الدولة يجب أن تكبح جماح «الدين».
بعض الكتب تشعر المرء بفداحة ما تعانيه الدراسات العربية من فقر وتواضع، وكتاب طلال أسد هذا، الذي يثير الإعجاب في نقده العميق وقدرته الفذة على طرح الأسئلة الصعبة، لا شك أنه واحد منها.

- كاتب سوري


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً