«الخيال السياسي» في مواجهة الإرهاب

عمار علي حسن يرصد أهميته وتبعات قصوره في المخيلة السياسية العربية

«الخيال السياسي» في مواجهة الإرهاب
TT

«الخيال السياسي» في مواجهة الإرهاب

«الخيال السياسي» في مواجهة الإرهاب

يؤكد عمار علي حسن، أستاذ علم الاجتماع على دور الخيال السياسي، وإمكانية أن يلعب أدوارا مهمة وفارقة في وضع الحلول للمشكلات التي تواجه عالمنا، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب.
يوضح ذلك في كتابه «الخيال السياسي» الصادر حديثا في سلسلة عالم المعرفة بالكويت، لافتا في مقدمته للكتاب إلى أهمية «الخيال» الذي تعزى إليه كل القفزات العلمية الكبرى في تاريخ البشرية، محدداً مفهوم الخيال الذي يقصده بأنه لا يعني الشرود في الأوهام، أو الضلالات أو استلهام الخرافات والأساطير، وإنما هو التنبؤ العلمي بما سيأتي بعد فهم ما جرى، وتحليل ما يجري، وفق منهج منضبط دقيق مع إعطاء فرصة قوية للتأمل والبصيرة في استبطان الأمور.
ويشير حسن إلى أن آفة بلداننا العربية في غالبها الأعم أن نخبها الفكرية، وأهل الحكم يديرون شؤون الحكم يوماً بيوم دون تخطيط شامل واستراتيجية واضحة، ما يضيع على عالمنا العربي فرص التقدم والازدهار، موصفا الفكر العربي السائد بأنه «إذعاني» يرى أن التغير بدعة تؤدي إلى الضلال، كما أن الكثير من الأنظمة السياسية ليس لديها أدنى قدرة على التوقع واستشراف المستقبل؛ التي كانت من الممكن أن تجنبهم الكثير من الثورات والانتفاضات التي أطاحت بهم، لو امتلكوا القليل من الخيال السياسي.
ويضيف أن ثورات الربيع العربي كانت بالأساس نتاج قصور كبير في المخيلة السياسية العربية، وهو ما جعلها ضعيفة أمام تحديات الواقع، فلم تستطع توليد رؤى استشرافية، تواجه بها التحديات الداخلية والخارجية سواء بسواء، وهذا الجمود بالخيال السياسي جعل السياسات قاصرة لا ترى أبعد من موطئ قدميها.
ويرفض حسن الآراء القائلة بأن العرب ليس لديهم قدرة على الخيال، بينما الغرب هم من يمتلكونه، مشيراً إلى أن تلك الآراء تقع في التعميم الخاطئ، فليس كل الغربيين يفكرون في المستقبل بطرق علمية، كما أنه توجد حالات عربية باهرة لدول قامت بإعداد خطط طموحه، وتبنت مشروعات هائلة ولديها قدرة فائقة على استشراف المستقبل. ويوضح أنه يسعى من خلال دراسته تلك إلى توظيف الخيال السياسي في حياتنا العربية، لتحسين حياتنا السياسية سواء داخليا أو وخارجيا، بما يعود بالنفع على الجميع، ويكون أداة في خلق دور إقليمي ودولي قوي لدول العربية مستقبلاً.
في الفصل الأول من الكتاب بعنوان «معنى الخيال السياسي وأهميته»، يعرج حسن على تعريفات الخيال في العلوم المختلفة، وتاريخه في الفكر العربي والغربي، مشيرا إلى أن البلاغيين العرب القدماء لم يستخدموا لفظ «الخيال» وإنما «التخيل» بدلا منه. ويستمر في التفريق بين الكثير من المصطلحات التي قد تلتبس مع ما يقصده من الخيال السياسي، بتفريقه على سبيل المثال بين التنبؤ العلمي والتنبؤ الغيبي.
ويستعرض تعريفات السابقين للفظ الخيال السياسي على المستويين العربي والأجنبي ثم يضع في النهاية تعريفين لمصطلح الخيال السياسي الذي يقصده. أولهما عام معني باستيعاب الواقع والقفز إلى ما وراءه، والآخر خاص ويتمثل في مدى قدرة القيادات السياسية وما يرتبط بها، على طرح بدائل بغية حل المشكلات التي تعترض النظام السياسي، والتخطيط للمستقبل، والقدرة على تلبية حاجات الشعب وطموحاته.
وعن أسباب أهمية وضرورة وجود الخيال السياسي في حياتنا، يذكر الدكتور حسن أن الخيال السياسي، يجعل التاريخ يتقدم بخط مستقيم إلى الأمام، حتى لو كان هذا التقدم بطيئا. كما أن السياسي يحتاج إليه لأنه الأكثر مسؤولية عن الواقع، كما أن تخليه عنه قد يكون سببا في سقوطه.
وفي الفصل الثاني «السياسة مجالا للخيال.. بين الإيهام والإبهام»، يفند عمار علي حسن أقوال من يرون أن دخول الخيال في السياسة مسألة ثانوية ومصطنعة بشكل منهجي، داعيا إياهم إلى النظر بإمعان بين الصلات القائمة بين الخيال والسياسة.
ويشير إلى أن حضور الخيال السياسي لا يقتصر في الواقع على الجانب الإيجابي فقط من تطوير علم السياسة نفسه، أو تبصير السياسي بالقرار الرشيد، وإنما يمتد إلى مسائل مثل التحايل والتلاعب والمخاتلة والخداع الذي يمارسه الحكام إزاء شعوبهم.
ويضيف أن الحاكم والمحكوم يستعينون بالخيال السياسي، فالشعب قد يوهم نفسه بالرضا لأنه غير قادر على تحمل ثمن التذمر، وفي المقابل يتخيل الحاكم المستبد أن الشعب قد صمت إلى الأبد، وأن الرأي العام قد مات، إلى أن ينفجر الناس في وجهه وحينها لا يكون غير قادر على تصور حل ناجح يخرجه من أزمته.
ويخلص عمار علي حسن في نهاية هذا الفصل بنتيجة مفادها أن الخطاب السياسي العربي في مجمله موجه إلى الجماهير التي تعيش في التاريخ المتخيل، مثل استخدام الخطاب الطائفي بين الخصوم السياسيين الذي يقوم على استدعاء المتخيل التاريخي لصراع الطوائف السياسي والديني وقذفه إلى قلب الحاضر، عبر استعماله في البرهنة على المواقف الآنية والكيد للخصوم، كما أنه يستخدم كوسيلة للتلاعب بالوعي الجمعي للشعوب، وسيلة لقمع الحكام للمحكومين.
وفي الفصل الثالث يحصر عمار علي حسن منابع الخيال السياسي في عدة مصادر، منها استقراء التاريخ، محذرا في ذلك الرافد من الإفراط في الحديث عن الماضي والبكاء على اللبن المسكوب، والعيش فيه، بدلا من استلهام حكمته والتبصر به.
ويلفت إلى أهمية الوعي بالمستقبل كمصدر للخيال السياسي، داعيا إلى ترك الأحاسيس القديمة البالية والبدائية التي ترى أن قوانين المستقبل تحكمها عوامل جبرية أو حتمية ولا مجال لحرية الاختيار فيها.
وفي الفصل الرابع الذي حمل اسم «سبل تنمية الخيال السياسي ومعوقاته» يشير إلى أن سبل تنمية الخيال السياسي تتمثل في رؤية ما لا يراه الآخرون والتفكير فيما لا يفكر فيه الآخرون، فعملية توظيف الخيال في السياسية تتطلب أن يبعد الباحث آراءه الخاصة عن المجتمع واستخدام النظريات وقراءة التاريخ بشكل جيد لتوفير الأدلة والبراهين.
ويضيف أنه يمكن تدريب الباحثين على تنمية خيالهم السياسي، عن طريق أسس منهجية تمكن الباحثين من امتلاك قدرة على جمع المعلومات وتصنيفها وتحليلها، واستخلاص النتائج منها، مشيرا إلى أنه يمكن استثارة قدرة الباحثين على الاستشراف من خلال عدم الاستسلام للقوالب المنهجية الجامدة والغوص في التفاصيل، والنظر إلى المكان الذي سيصل إليه الهدف لا مكانه، والعمل بروح الفريق.
ويحدد عمار علي حسن معوقات الخيال السياسي، ومنها أن الكثير من العادات والتقاليد والطقوس الدينية تحول أحيانا دون التغير إلى الأفضل لأسباب عدة منها أنها قد تكون منتمية إلى زمن مغاير لزمننا وغير قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة، بالإضافة إلى عدم التجديد الديني وفهمه من خلال ما وصلنا من الأقدمين.
ويضيف أن التفكير بالتمني في الشأن العام من معوقات الخيال السياسي لأنه يوقع صاحبه في انحراف معرفي، ويمثل طريقة سيئة لاتخاذ القرار، ويكرس لطغيان العاطفة على العقل، كما أن الآيديولوجيا يكون لها دور في كبح الخيال السياسي لما تمثله من أطر ثابتة تعيق خيال المؤمنين بها، وتجعلهم يطوعون نتائج أبحاثهم لخدمتها.
ويوضح المؤلف أن أهم المجالات التي يجب يوظف فيها الخيال السياسي هي صناعة دور دولي عربي، فبعد أن كان العرب في خمسينات القرن المنصرم القوة السادسة عسكريا في العالم باتت دولة مثل إسرائيل تتفوق عليهم أجمعين في السلاح، واقتصاديا تتفوق عليهم إسبانيا، وفي عالم النشر والترجمة تتفوق عليهم دولة أوروبية فقيرة، اليونان، مشيرا إلى أن ذلك الوضع يحتم علينا الاستعانة بالخيال السياسي في هذا المجال حتى يجعل العرب من أنفسهم رقما ذا بال في المعادلة الدولية.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً