تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي

بن لادن تملكته الرؤى والمنامات وجعل من جلساته العائلية مكاناً لإدارة التنظيم

بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
TT

تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي

بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)

في حسم وشفافية - تُحسَب لها - أظهرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء الماضي، الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 2017، المجموعة الأكبر والأكثر أهمية من وثائق ومذكرات زعيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن التي تم الحصول عليها من مخبئه الذي قُتِل فيه بمدينة أبوت آباد الباكستانية، في مايو (أيار) سنة 2011، مما عُدّ انتصاراً أدبياً ورمزياً يكاد يضاهي رمزية القضاء عليه في عهد إدارة أوباما السابقة.
ونظرا لأهميتها، أقبلت وسائل الإعلام العالمية على تحليلها وما تحمله (مجموعة الوثائق الجديدة) من المعلومات والأدلة، التي تكشف كثيراً مما كان مخفياً عن زعيم «القاعدة» الراحل وحياته، وعن التنظيم الإرهابي الأخطر الذي خرجت منه «داعش» التي انطوت صفحتها سريعاً.
انطرح مع هذا الاهتمام العالمي التساؤل عن أسباب تأخر أو - تأخير إدارة أوباما - نشر كل هذه الوثائق المهمة والضرورية... وهل أخفتها إدارة أوباما تمريراً وتمهيداً للاتفاق النووي مع إيران الذي وَقَّعه في يوليو (تموز) 2015، خصوصاً مع عدم نشر أهمها وألصقها بالعلاقة بإيران، رغم قلة عددها، إلا بعد توقيع هذا الاتفاق، كما أخفت بعضَ ما تعلَّق كذلك بالعلاقة بـ«طالبان»، في ظل سياسة أوباما للتقارب معها تحقيقاً للسلام في أفغانستان وتخفيض عدد قواته هناك.
إن الوثائق الجديدة لزعيم «القاعدة» أسامة بن لادن تشير بأصابع الاتهام للرئيس الأميركي السابق وإدارته، نظراً لما حملته من كنز معلوماتي يخص أخطر رجل في العالم خلال ثلاثة عقود من الزمان حتى مقتلِه، والمطلوب الأول على القوائم الأميركية، كان من المهم في وقته.
إن مقارنة دقيقة بين الوثائق السابقة التي أفرجت عنها إدارة أوباما والكنز الأخير الذي أفرجت عنه إدارة ترمب، يكشف عن تعمد إدارة أوباما إخفاء الحقائق الدامغة وشهادة زعيم «القاعدة» الذي يتميز بلين استثنائي كلما ذُكِرت إيران، حتى أنه لم يرَ حرجاً من تدخلها في البحرين أثناء الانتفاضات العربية سنة 2011، كما يؤكد في أحاديثه لأسرته في مذكراته وأحاديثه الأسرية المنشورة في الوثائق الأخيرة (الأول من نوفمبر) في عهد ترمب.
أرادت إدارة أوباما ومجلس أمنه القومي تمرير توجهاتها وسياساتها المعلنة منذ حملة انتخابه، وقبل حقبته الأولى التي فاز فيها بـ«فوبيا الحرب» في العراق، ولكنه ما لبث أن عاد إليها في سبتمبر (أيلول) سنة 2014 حين أثبتت الوقائع فشل توقعاته وارتباكاته.
أصر أوباما أثناء حقبتَي رئاسته على التقارب مع إيران وتجاهل تدخلاتها ورفع العقوبات عنها، فأكسبها ما يزيد على مائتي مليار دولار تم استثمارها من قبل الميليشيات المتطرفة والطائفة التي تحارب باسمها في سوريا ولبنان والعراق وغيرها، مستجلبةً الأطفال الأفغان والهزارا من الطائفة الشيعية، حسب انتقادات المنظمات الدولية لها مراراً وتكراراً، لتلقي بهم قرابين لبقائها وسيطرتها وهيمنتها في سوريا وغيرها.
كما لم يكن ممكناً لأوباما الذي اختزل الحرب على الإرهاب في الحرب على «القاعدة» كما أعلن في مرحلة حكمه الأولى، وخفض قواته في أفغانستان، وسحبها من العراق، ممهداً لطور من الانعزالية والارتباك في أداء القوة العظمى أحضر الخطر والمخاطر في عمق ولاياتها وحلفائها شرقاً وغرباً، وتقارب مع النظام الإيراني الذي تصفه الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي في مايو من كل عام بـ«النظام الأكثر دعماً للإرهاب في العالم».
في مذكراته المنشورة أخيراً وصف بن لادن الثورات بقوله: «كانت هذه الثورات رزقاً وافراً للأمة عامة وللمجاهدين خاصة» ص 92، وكما تحمس بن لادن للثورات (وهو ما تؤكده أحاديثه والمذاكرات المنشورة في دفعة الوثائق الأخيرة)، تحمس لها كذلك أوباما، ولكن كليهما لم يكن بالحماس نفسه، حين تعلق الأمر بسوريا أو إيران سنة 2009.
ويؤكد الاتهام المشار إليه أن إدارة أوباما اكتفت بعد أقل من 24 ساعة من مقتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه، مايو سنة 2011، بتصريح مدير مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما جيمس كلابر بما يشبه إغلاق ملف وكتاب أسامة بن لادن للأبد، وأنه سيتم نشر كل الوثائق التي تم الحصول عليها فيه وتخص زعيم «القاعدة».
دفعت إدارة الاستخبارات والأمن القومي في عهد أوباما في البداية 17 وثيقة فقط للنشر على موقع مركز مكافحة الإرهاب الأميركي (CTC)، ثم دفعت بـ49 أخرى، وأعلنت أن مجموع الوثائق 571 وثيقة فقط!! سيتم دفعها للنشر العام.
لكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك، بل أكثر بكثير، فقد كان مجموع الوثائق 440 ألف وثيقة، مما يزيد من احتمالية التورط وسوء النية وتعمد الإخفاء قصداً منها، كما يذكر دانييل جرينفلد.
لكن في السياق الترمبي المتحفز والمتيقظ تجاه ممارسات نظام الولي الفقيه، كان الضد من ذلك، حيث أعلن مدير «سي آي إيه» في الأول من نوفمبر عن الإفراج عن 470 ألف وثيقة جديدة من وثائق أوبات، وهو ما اعتبر (حسب دانييل جرينفيلد في مجلة «فرنت بيج»)، يوم الجمعة الماضي، الثالث من نوفمبر، أنه «الإجراء الأكثر شفافية في تاريخ الإدارة الأميركية على مدار تاريخها».
ويبقى السؤال: لماذا منعت إدارة أوباما الكشف عن هذه الوثائق المهمة؟ وهو ما يرجِّح رغبتها في تمرير اتفاقها النووي مع نظام إيران الخمينية، وما تكشفه هذه الوثائق من حجج دامغة وأدلة يقينية على العلاقة التاريخية والتنسيقية والدعم اللوجيستي الذي قدمته حكومة الولي الفقيه لتنظيم القاعدة وعناصره في استهداف المصالح الأميركية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثناءها وبعدها، وكذلك لإخفاء علاقة وشراكة طالبان مع «القاعدة» في تنفيذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أراد أوباما التقارب معها كذلك، كما يرى بعض المراقبين أن أوباما لم يكن يريد اغتيال بن لادن، ولكن محاكمته وفق محاكمات الإرهابيين التي دعا إليها، وهو ما يراه دانييل جرينفيلد قد يرضي حلفاءهما معاً في إيران، في مقاله المشار إليه.
اكتفت إدارة أوباما فقط بتمرير 17 وثيقة في البداية ثم دواليك، وعلى مسافات زمنية متباعدة، نشرت حلقتين أخريين، وبلغ حجم ما صدر عنها 175 صفحة (بالعربية) و197 صفحة (في ترجمتها الإنجليزية)، بعضها لم يكن مكتملاً، كما أن كثيراً منها لا يحمل تاريخاً، ولكن بشكل واضح، كل الرسائل لا تحمل الأسماء الحقيقية لمرسليها أو المرسلة إليهم، أو كُناهم، أو عناوينهم، وبعضها تخص غير بن لادن أو الدائرة الأقرب من القيادة المركزية أو قادة الفروع، فيُذكَر أبو يحيي الليبي وعطية الليبي وآدم غادان، كما يُذكَر أبو مختار الزبير زعيم حركة الشباب الصومالية، وأبو بصير الوحيشي قائد تنظيم القاعدة الراحل في اليمن، وحكيم الله محسود قائد طالبان باكستان، والملا عمر أمير حركة طالبان وغيرهم.
يتضح البطء وعدم الحسم والشفافية في ملاحظة الفرق الزمني بين ما أصدرته إدارة أوباما على ثلاث دفعات وما أصدرته إدارة ترمب دفعة واحدة في الأول من نوفمبر، فقد رفعت إدارة أوباما السرية عن الدفعة الأولى من الوثائق في مايو سنة 2012 وكانت مجموعة قليلة (17 وثيقة فقط) ضمت مراسلات بين سبتمبر سنة 2006 وأبريل (نيسان) سنة 2011 وتمت دراستها من قبل مجموعة من الخبراء والباحثين، ولم تكن كافية لإخراج علاقة إيران بتنظيم القاعدة من السرية إلى العلنية، فانتهى باحثوها للقول إنها علاقة لا تصل لحد التحالف، ومشحونة بالشك والارتياب من طرفيها، ولكن لم ينكروا احتمالات توظيف إيران للتنظيم الإرهابي ضغطاً على الولايات المتحدة، قبل توقيع الاتفاق النووي، أو استنزافاً وإرهاقاً لدول المنطقة والأنظمة المعادية لها في الخليج والعالم.
حسب وثائق أبوت آباد الأولى، نجد أن أول علاقة تتضح بين «القاعدة» وإيران بدأت عام 2009 في رسالة بتاريخ 11 يونيو (حزيران) سنة 2009 مرسلة من «عطية» إلى «الشيخ الكريم» (ربما أسامة بن لادن أو آخر، فلم يُحدَّد الاسم كالعادة)، الذي يخبره بسعادة أن الإيرانيين أطلقوا سراح مجموعة من الإخوة، الشهر الماضي، وأنهم أخبروا الشخص الوسيط بين الطرفين أنهم سيسلمون له أسرة بن لادن ( الزوجات والأطفال، باستثناء الرجال) ربما خلال أسبوع من تاريخ الخطاب.
ثم تم رفع السرية عن الدفعة الثانية في 20 مايو سنة 2015، وضمت 103 وثائق، وتماسّت بعضها بشكل واضح مع هذه العلاقة وتصورات بن لادن للعلاقة بإيران وحربها وغير ذلك، وعن العلاقة مع إيران تطالعنا في هذه الدفعة رسالة لابن لادن من «أبو عبد الرحمن أنس السبيعي»، وهو نفسه أبو أنس الليبي (توفي سنة 2015 قبل محاكمته في الولايات المتحدة) مؤرخة في 5 من ذي القعدة سنة 1431 الموافق 12 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2010، حول مجموعات «القاعدة في إيران»، وحسب الرسالة فقد كان لجوء عناصر «القاعدة» إلى إيران على فوجين: أولهما (حسب الرسالة) كان بعد سقوط إمارة طالبان سنة 2001، والتوافد الثاني كان بأوامر من الملا عمر بعد عيد الأضحى سنة 1422 هجرية، ونهاية رمضان سنة 1423 الموافق 31 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2001.
أما الدفعة الثالثة من الوثائق فقد أفرجت عنها إدارة أوباما في الأول من مارس (آذار) سنة 2016، وضمت 113 وثيقة ورسالة حملت الحجج الدامغة على حصانة إيران في فكر قائد ومؤسس تنظيم القاعدة الراحل، وكيف كان يتجنب دائماً استهدافها من قبل التنظيم، بل لا يتحمس لحرب عليها من الولايات المتحدة كان يتردد الحديث عنها في العقد الماضي، ويرى أن ذلك مضرّ بالتنظيم، ويقر بأهمية العلاقات معها، كونها دولة محورية في المنطقة، وجزءاً من إرهاق وإعاقة المشروعين الأميركي والغربي.
لكن الأخطر في الوثائق الجديدة التي صدرت عن إدارة ترمب في الأول من نوفمبر الصراحة ووضوح الموقف عند أسامة بن لادن، من أن إيران ليست عدواً بل هي حليف يؤمن زعيم «القاعدة» بإمكانية، بل ضرورة، التحالف معه في مواجهة العدو المشترك (الولايات المتحدة والغرب والأنظمة الحاكمة في العالم العربي)، واحتوت الوثائق الجديدة على رسالته لخامنئي وعلى تاريخ قديم للعلاقة يمتد لسنة 1991 تؤكد ما ذُكِر في تحقيقات 11 سبتمبر، عرضت فيها إيران المساعدة والدعم لعناصر جماعته، كما تشير لترحيب إيران بالفارين من أفغانستان وباكستان بعد 11 سبتمبر على أراضيها، واعتبارهم أبطالاً سعَوْا للموت لأميركا، كما يتمنى نظام الثورة الإيرانية وغير ذلك كثير.
تكشف الوثائق الجديدة، خصوصاً مذكرات بن لادن الشخصية التي بلغت صفحاتها 228 صفحة بعضها بخط يده، أن زعيم «القاعدة»، كان «يُدِير» وهو محصور في عزلته، حتى عن عناصر جماعته، ففي سؤال لابنته سمية عن سوريا وما ينبغي أن تفعل «القاعدة» من دور فيها عند اندلاع ثورتها، التي لم توجد «القاعدة» فيها؛ على عكس ليبيا؟ أجابها بن لادن بقوله: «أهم العراقيل صعوبة الاتصال بيننا وبين الإخوة»... وكتبها بخط أحمر (ص68) ويبدو أن بن لادن كان يرى في أسرته، زوجته وابنتيه وابنيه خالد وحمزة، مجلسَ حوارِه الوحيد الذي يتحقق فيه حضور زعيم «القاعدة» وحياته، يسألونه طويلاً عن ذكرياته، ويحكي لهم رؤى منامه ورؤى بعض رفقائه له، مثل من سَمّاه عبد الوكيل النوبي الذي حكى له رؤيا في كابل بأفغانستان من أنه القحطاني المبشَّر به في أحد أحاديث آخر الزمان، كما يروي رواية شبيهة لرجل رآه في المطار، ويروي منامات رآها بنفسه... ويبدو أن قصة القحطاني، الذي يظهر في آخر الزمان، شغلت بن لادن وملكت عليه نفسه، رغم أنه لم يُحسَم بها.
لكن يبدو مجلس الأسرة مجلساً لإدارة العالم وشؤون الكون، يسأل ويجيب ويطلب الرأي أحياناً، يسألانه عن الثورات العربية التي رأى فيها أملاً كبيراً يبشر بانهيار كل الأنظمة ويتابعها يوماً بيوم، ويتكلم في الاقتصاد وارتفاع أسعار النفط، وتربيته وتكوينه، وكيف زار أوروبا أول مرة من أجل العلاج، وهو في الصف السادس الابتدائي، وكيف أنه لم يتأثر بالزنداني وتفسيره للإعجاز العلمي في القرآن، وإن تأثر به في أشياء أخرى، لكن يذكر أن علاقته به لم تكن يوماً علاقة التلميذ بالأستاذ.
ويتضح في مذكرات ويوميات بن لادن في مجلسه الأسري التخطيط لشؤون العالم مع زوجته وأبنائه كيف انبهر بالثورات العربية، ورأى فيها الفرصة الذهبية للمتشددين، وكيف كان منتشياً بانشغال العالم به وبخطره وهو المتوحِّد مع أسرته لا يخاطب على ما يبدو إلا هم، فيعجب بذكر القذافي له وأن سقوطه يعني تحالفه مع «القاعدة»، وينقل عن لويس عطية قوله إن الصين تذكر بن لادن والعالم كله يتحدث عنه!
هكذا يخاطب أبناءه وأسرته كأنه يقول لهم: «ثقوا فيَّ سأقود العالم»، ويستند في أمله كذلك على المنامات فكثيراً ما يحكي عن رؤيا رآها في منى، ويحكي عن انتصاره واحتمال أن يطلب منه الغرب الصلح بعد أن يتوحد المسلمون تحت قيادته في إجابة عن سؤال لإحدى ابنتيه، تحقيقاً لرؤيا رآها له «جهادي سابق».
رأى بن لادن في الثورات الأمل والتمهيد، توقع أن جميع الأنظمة العربية ستسقط تباعاً، وستتحقق أمنياته والرؤى التي شاهدها وشاهدها آخرون له، لا يذكر أسماء بعضهم، لكنه لم يغادره الإصرار على صحة كل مواقفه، خصوصاً تكفير حكام العالم العربي والإسلام، وسأل من يطالبونهم بالرحيل من الجماعات الأخرى: «لماذا تطالبونهم بالرحيل إن كانوا مؤمنين؟»، وكأنه يقول: «أليسوا كفاراً كما قلنا»؟!
إن أي تحليل مضمون إحصائي بسيط لخطابات بن لادن المنشورة أو للوثائق الجديدة ويومياته يلاحظ عدم حضور إيران في صورة أو تصورات العدو لديه مطلقاً، فالرجل مسكون ومحبوس في العداء للأنظمة في دول الخليج والحجاز ومصر وليبيا وغيرها، ولكن دون إيران التي تمثل عنده استثناء لا يجوز مسه ولا يرحب بالاصطدام به، واستأمنها على 24 فرداً من أسرته، بينهم شقيقه وزوجته وأبناؤه.
ومما تكشفه الوثائق الجديدة، خصوصاً مذكرات بن لادن الشخصية، أنه ضعيف الثقافة، سريع التحول؛ فقراءته لكتاب ماجد الكيلاني جعلته يفكر في إعادة هيكلة وتأطير شبكة «القاعدة» وفروعها وأفكارها!!
كما أنه يحاول أن يؤلف أراجيز شعبية وهتافات يغني بها شباب الانتفاضات العربية في اليمن وغيرها، ولكن الأخطر أنه مسكون بالمنامات والتفكير الغيبي ويرى فيه أصحابه ويكاد يرى في نفسه أنه تمهيد لحروب آخر الزمان، كما رأى أبناؤه في «داعش» المنهارة في أنفسهم ذلك.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.