تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي

بن لادن تملكته الرؤى والمنامات وجعل من جلساته العائلية مكاناً لإدارة التنظيم

بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
TT

تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي

بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)

في حسم وشفافية - تُحسَب لها - أظهرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء الماضي، الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 2017، المجموعة الأكبر والأكثر أهمية من وثائق ومذكرات زعيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن التي تم الحصول عليها من مخبئه الذي قُتِل فيه بمدينة أبوت آباد الباكستانية، في مايو (أيار) سنة 2011، مما عُدّ انتصاراً أدبياً ورمزياً يكاد يضاهي رمزية القضاء عليه في عهد إدارة أوباما السابقة.
ونظرا لأهميتها، أقبلت وسائل الإعلام العالمية على تحليلها وما تحمله (مجموعة الوثائق الجديدة) من المعلومات والأدلة، التي تكشف كثيراً مما كان مخفياً عن زعيم «القاعدة» الراحل وحياته، وعن التنظيم الإرهابي الأخطر الذي خرجت منه «داعش» التي انطوت صفحتها سريعاً.
انطرح مع هذا الاهتمام العالمي التساؤل عن أسباب تأخر أو - تأخير إدارة أوباما - نشر كل هذه الوثائق المهمة والضرورية... وهل أخفتها إدارة أوباما تمريراً وتمهيداً للاتفاق النووي مع إيران الذي وَقَّعه في يوليو (تموز) 2015، خصوصاً مع عدم نشر أهمها وألصقها بالعلاقة بإيران، رغم قلة عددها، إلا بعد توقيع هذا الاتفاق، كما أخفت بعضَ ما تعلَّق كذلك بالعلاقة بـ«طالبان»، في ظل سياسة أوباما للتقارب معها تحقيقاً للسلام في أفغانستان وتخفيض عدد قواته هناك.
إن الوثائق الجديدة لزعيم «القاعدة» أسامة بن لادن تشير بأصابع الاتهام للرئيس الأميركي السابق وإدارته، نظراً لما حملته من كنز معلوماتي يخص أخطر رجل في العالم خلال ثلاثة عقود من الزمان حتى مقتلِه، والمطلوب الأول على القوائم الأميركية، كان من المهم في وقته.
إن مقارنة دقيقة بين الوثائق السابقة التي أفرجت عنها إدارة أوباما والكنز الأخير الذي أفرجت عنه إدارة ترمب، يكشف عن تعمد إدارة أوباما إخفاء الحقائق الدامغة وشهادة زعيم «القاعدة» الذي يتميز بلين استثنائي كلما ذُكِرت إيران، حتى أنه لم يرَ حرجاً من تدخلها في البحرين أثناء الانتفاضات العربية سنة 2011، كما يؤكد في أحاديثه لأسرته في مذكراته وأحاديثه الأسرية المنشورة في الوثائق الأخيرة (الأول من نوفمبر) في عهد ترمب.
أرادت إدارة أوباما ومجلس أمنه القومي تمرير توجهاتها وسياساتها المعلنة منذ حملة انتخابه، وقبل حقبته الأولى التي فاز فيها بـ«فوبيا الحرب» في العراق، ولكنه ما لبث أن عاد إليها في سبتمبر (أيلول) سنة 2014 حين أثبتت الوقائع فشل توقعاته وارتباكاته.
أصر أوباما أثناء حقبتَي رئاسته على التقارب مع إيران وتجاهل تدخلاتها ورفع العقوبات عنها، فأكسبها ما يزيد على مائتي مليار دولار تم استثمارها من قبل الميليشيات المتطرفة والطائفة التي تحارب باسمها في سوريا ولبنان والعراق وغيرها، مستجلبةً الأطفال الأفغان والهزارا من الطائفة الشيعية، حسب انتقادات المنظمات الدولية لها مراراً وتكراراً، لتلقي بهم قرابين لبقائها وسيطرتها وهيمنتها في سوريا وغيرها.
كما لم يكن ممكناً لأوباما الذي اختزل الحرب على الإرهاب في الحرب على «القاعدة» كما أعلن في مرحلة حكمه الأولى، وخفض قواته في أفغانستان، وسحبها من العراق، ممهداً لطور من الانعزالية والارتباك في أداء القوة العظمى أحضر الخطر والمخاطر في عمق ولاياتها وحلفائها شرقاً وغرباً، وتقارب مع النظام الإيراني الذي تصفه الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي في مايو من كل عام بـ«النظام الأكثر دعماً للإرهاب في العالم».
في مذكراته المنشورة أخيراً وصف بن لادن الثورات بقوله: «كانت هذه الثورات رزقاً وافراً للأمة عامة وللمجاهدين خاصة» ص 92، وكما تحمس بن لادن للثورات (وهو ما تؤكده أحاديثه والمذاكرات المنشورة في دفعة الوثائق الأخيرة)، تحمس لها كذلك أوباما، ولكن كليهما لم يكن بالحماس نفسه، حين تعلق الأمر بسوريا أو إيران سنة 2009.
ويؤكد الاتهام المشار إليه أن إدارة أوباما اكتفت بعد أقل من 24 ساعة من مقتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه، مايو سنة 2011، بتصريح مدير مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما جيمس كلابر بما يشبه إغلاق ملف وكتاب أسامة بن لادن للأبد، وأنه سيتم نشر كل الوثائق التي تم الحصول عليها فيه وتخص زعيم «القاعدة».
دفعت إدارة الاستخبارات والأمن القومي في عهد أوباما في البداية 17 وثيقة فقط للنشر على موقع مركز مكافحة الإرهاب الأميركي (CTC)، ثم دفعت بـ49 أخرى، وأعلنت أن مجموع الوثائق 571 وثيقة فقط!! سيتم دفعها للنشر العام.
لكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك، بل أكثر بكثير، فقد كان مجموع الوثائق 440 ألف وثيقة، مما يزيد من احتمالية التورط وسوء النية وتعمد الإخفاء قصداً منها، كما يذكر دانييل جرينفلد.
لكن في السياق الترمبي المتحفز والمتيقظ تجاه ممارسات نظام الولي الفقيه، كان الضد من ذلك، حيث أعلن مدير «سي آي إيه» في الأول من نوفمبر عن الإفراج عن 470 ألف وثيقة جديدة من وثائق أوبات، وهو ما اعتبر (حسب دانييل جرينفيلد في مجلة «فرنت بيج»)، يوم الجمعة الماضي، الثالث من نوفمبر، أنه «الإجراء الأكثر شفافية في تاريخ الإدارة الأميركية على مدار تاريخها».
ويبقى السؤال: لماذا منعت إدارة أوباما الكشف عن هذه الوثائق المهمة؟ وهو ما يرجِّح رغبتها في تمرير اتفاقها النووي مع نظام إيران الخمينية، وما تكشفه هذه الوثائق من حجج دامغة وأدلة يقينية على العلاقة التاريخية والتنسيقية والدعم اللوجيستي الذي قدمته حكومة الولي الفقيه لتنظيم القاعدة وعناصره في استهداف المصالح الأميركية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثناءها وبعدها، وكذلك لإخفاء علاقة وشراكة طالبان مع «القاعدة» في تنفيذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أراد أوباما التقارب معها كذلك، كما يرى بعض المراقبين أن أوباما لم يكن يريد اغتيال بن لادن، ولكن محاكمته وفق محاكمات الإرهابيين التي دعا إليها، وهو ما يراه دانييل جرينفيلد قد يرضي حلفاءهما معاً في إيران، في مقاله المشار إليه.
اكتفت إدارة أوباما فقط بتمرير 17 وثيقة في البداية ثم دواليك، وعلى مسافات زمنية متباعدة، نشرت حلقتين أخريين، وبلغ حجم ما صدر عنها 175 صفحة (بالعربية) و197 صفحة (في ترجمتها الإنجليزية)، بعضها لم يكن مكتملاً، كما أن كثيراً منها لا يحمل تاريخاً، ولكن بشكل واضح، كل الرسائل لا تحمل الأسماء الحقيقية لمرسليها أو المرسلة إليهم، أو كُناهم، أو عناوينهم، وبعضها تخص غير بن لادن أو الدائرة الأقرب من القيادة المركزية أو قادة الفروع، فيُذكَر أبو يحيي الليبي وعطية الليبي وآدم غادان، كما يُذكَر أبو مختار الزبير زعيم حركة الشباب الصومالية، وأبو بصير الوحيشي قائد تنظيم القاعدة الراحل في اليمن، وحكيم الله محسود قائد طالبان باكستان، والملا عمر أمير حركة طالبان وغيرهم.
يتضح البطء وعدم الحسم والشفافية في ملاحظة الفرق الزمني بين ما أصدرته إدارة أوباما على ثلاث دفعات وما أصدرته إدارة ترمب دفعة واحدة في الأول من نوفمبر، فقد رفعت إدارة أوباما السرية عن الدفعة الأولى من الوثائق في مايو سنة 2012 وكانت مجموعة قليلة (17 وثيقة فقط) ضمت مراسلات بين سبتمبر سنة 2006 وأبريل (نيسان) سنة 2011 وتمت دراستها من قبل مجموعة من الخبراء والباحثين، ولم تكن كافية لإخراج علاقة إيران بتنظيم القاعدة من السرية إلى العلنية، فانتهى باحثوها للقول إنها علاقة لا تصل لحد التحالف، ومشحونة بالشك والارتياب من طرفيها، ولكن لم ينكروا احتمالات توظيف إيران للتنظيم الإرهابي ضغطاً على الولايات المتحدة، قبل توقيع الاتفاق النووي، أو استنزافاً وإرهاقاً لدول المنطقة والأنظمة المعادية لها في الخليج والعالم.
حسب وثائق أبوت آباد الأولى، نجد أن أول علاقة تتضح بين «القاعدة» وإيران بدأت عام 2009 في رسالة بتاريخ 11 يونيو (حزيران) سنة 2009 مرسلة من «عطية» إلى «الشيخ الكريم» (ربما أسامة بن لادن أو آخر، فلم يُحدَّد الاسم كالعادة)، الذي يخبره بسعادة أن الإيرانيين أطلقوا سراح مجموعة من الإخوة، الشهر الماضي، وأنهم أخبروا الشخص الوسيط بين الطرفين أنهم سيسلمون له أسرة بن لادن ( الزوجات والأطفال، باستثناء الرجال) ربما خلال أسبوع من تاريخ الخطاب.
ثم تم رفع السرية عن الدفعة الثانية في 20 مايو سنة 2015، وضمت 103 وثائق، وتماسّت بعضها بشكل واضح مع هذه العلاقة وتصورات بن لادن للعلاقة بإيران وحربها وغير ذلك، وعن العلاقة مع إيران تطالعنا في هذه الدفعة رسالة لابن لادن من «أبو عبد الرحمن أنس السبيعي»، وهو نفسه أبو أنس الليبي (توفي سنة 2015 قبل محاكمته في الولايات المتحدة) مؤرخة في 5 من ذي القعدة سنة 1431 الموافق 12 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2010، حول مجموعات «القاعدة في إيران»، وحسب الرسالة فقد كان لجوء عناصر «القاعدة» إلى إيران على فوجين: أولهما (حسب الرسالة) كان بعد سقوط إمارة طالبان سنة 2001، والتوافد الثاني كان بأوامر من الملا عمر بعد عيد الأضحى سنة 1422 هجرية، ونهاية رمضان سنة 1423 الموافق 31 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2001.
أما الدفعة الثالثة من الوثائق فقد أفرجت عنها إدارة أوباما في الأول من مارس (آذار) سنة 2016، وضمت 113 وثيقة ورسالة حملت الحجج الدامغة على حصانة إيران في فكر قائد ومؤسس تنظيم القاعدة الراحل، وكيف كان يتجنب دائماً استهدافها من قبل التنظيم، بل لا يتحمس لحرب عليها من الولايات المتحدة كان يتردد الحديث عنها في العقد الماضي، ويرى أن ذلك مضرّ بالتنظيم، ويقر بأهمية العلاقات معها، كونها دولة محورية في المنطقة، وجزءاً من إرهاق وإعاقة المشروعين الأميركي والغربي.
لكن الأخطر في الوثائق الجديدة التي صدرت عن إدارة ترمب في الأول من نوفمبر الصراحة ووضوح الموقف عند أسامة بن لادن، من أن إيران ليست عدواً بل هي حليف يؤمن زعيم «القاعدة» بإمكانية، بل ضرورة، التحالف معه في مواجهة العدو المشترك (الولايات المتحدة والغرب والأنظمة الحاكمة في العالم العربي)، واحتوت الوثائق الجديدة على رسالته لخامنئي وعلى تاريخ قديم للعلاقة يمتد لسنة 1991 تؤكد ما ذُكِر في تحقيقات 11 سبتمبر، عرضت فيها إيران المساعدة والدعم لعناصر جماعته، كما تشير لترحيب إيران بالفارين من أفغانستان وباكستان بعد 11 سبتمبر على أراضيها، واعتبارهم أبطالاً سعَوْا للموت لأميركا، كما يتمنى نظام الثورة الإيرانية وغير ذلك كثير.
تكشف الوثائق الجديدة، خصوصاً مذكرات بن لادن الشخصية التي بلغت صفحاتها 228 صفحة بعضها بخط يده، أن زعيم «القاعدة»، كان «يُدِير» وهو محصور في عزلته، حتى عن عناصر جماعته، ففي سؤال لابنته سمية عن سوريا وما ينبغي أن تفعل «القاعدة» من دور فيها عند اندلاع ثورتها، التي لم توجد «القاعدة» فيها؛ على عكس ليبيا؟ أجابها بن لادن بقوله: «أهم العراقيل صعوبة الاتصال بيننا وبين الإخوة»... وكتبها بخط أحمر (ص68) ويبدو أن بن لادن كان يرى في أسرته، زوجته وابنتيه وابنيه خالد وحمزة، مجلسَ حوارِه الوحيد الذي يتحقق فيه حضور زعيم «القاعدة» وحياته، يسألونه طويلاً عن ذكرياته، ويحكي لهم رؤى منامه ورؤى بعض رفقائه له، مثل من سَمّاه عبد الوكيل النوبي الذي حكى له رؤيا في كابل بأفغانستان من أنه القحطاني المبشَّر به في أحد أحاديث آخر الزمان، كما يروي رواية شبيهة لرجل رآه في المطار، ويروي منامات رآها بنفسه... ويبدو أن قصة القحطاني، الذي يظهر في آخر الزمان، شغلت بن لادن وملكت عليه نفسه، رغم أنه لم يُحسَم بها.
لكن يبدو مجلس الأسرة مجلساً لإدارة العالم وشؤون الكون، يسأل ويجيب ويطلب الرأي أحياناً، يسألانه عن الثورات العربية التي رأى فيها أملاً كبيراً يبشر بانهيار كل الأنظمة ويتابعها يوماً بيوم، ويتكلم في الاقتصاد وارتفاع أسعار النفط، وتربيته وتكوينه، وكيف زار أوروبا أول مرة من أجل العلاج، وهو في الصف السادس الابتدائي، وكيف أنه لم يتأثر بالزنداني وتفسيره للإعجاز العلمي في القرآن، وإن تأثر به في أشياء أخرى، لكن يذكر أن علاقته به لم تكن يوماً علاقة التلميذ بالأستاذ.
ويتضح في مذكرات ويوميات بن لادن في مجلسه الأسري التخطيط لشؤون العالم مع زوجته وأبنائه كيف انبهر بالثورات العربية، ورأى فيها الفرصة الذهبية للمتشددين، وكيف كان منتشياً بانشغال العالم به وبخطره وهو المتوحِّد مع أسرته لا يخاطب على ما يبدو إلا هم، فيعجب بذكر القذافي له وأن سقوطه يعني تحالفه مع «القاعدة»، وينقل عن لويس عطية قوله إن الصين تذكر بن لادن والعالم كله يتحدث عنه!
هكذا يخاطب أبناءه وأسرته كأنه يقول لهم: «ثقوا فيَّ سأقود العالم»، ويستند في أمله كذلك على المنامات فكثيراً ما يحكي عن رؤيا رآها في منى، ويحكي عن انتصاره واحتمال أن يطلب منه الغرب الصلح بعد أن يتوحد المسلمون تحت قيادته في إجابة عن سؤال لإحدى ابنتيه، تحقيقاً لرؤيا رآها له «جهادي سابق».
رأى بن لادن في الثورات الأمل والتمهيد، توقع أن جميع الأنظمة العربية ستسقط تباعاً، وستتحقق أمنياته والرؤى التي شاهدها وشاهدها آخرون له، لا يذكر أسماء بعضهم، لكنه لم يغادره الإصرار على صحة كل مواقفه، خصوصاً تكفير حكام العالم العربي والإسلام، وسأل من يطالبونهم بالرحيل من الجماعات الأخرى: «لماذا تطالبونهم بالرحيل إن كانوا مؤمنين؟»، وكأنه يقول: «أليسوا كفاراً كما قلنا»؟!
إن أي تحليل مضمون إحصائي بسيط لخطابات بن لادن المنشورة أو للوثائق الجديدة ويومياته يلاحظ عدم حضور إيران في صورة أو تصورات العدو لديه مطلقاً، فالرجل مسكون ومحبوس في العداء للأنظمة في دول الخليج والحجاز ومصر وليبيا وغيرها، ولكن دون إيران التي تمثل عنده استثناء لا يجوز مسه ولا يرحب بالاصطدام به، واستأمنها على 24 فرداً من أسرته، بينهم شقيقه وزوجته وأبناؤه.
ومما تكشفه الوثائق الجديدة، خصوصاً مذكرات بن لادن الشخصية، أنه ضعيف الثقافة، سريع التحول؛ فقراءته لكتاب ماجد الكيلاني جعلته يفكر في إعادة هيكلة وتأطير شبكة «القاعدة» وفروعها وأفكارها!!
كما أنه يحاول أن يؤلف أراجيز شعبية وهتافات يغني بها شباب الانتفاضات العربية في اليمن وغيرها، ولكن الأخطر أنه مسكون بالمنامات والتفكير الغيبي ويرى فيه أصحابه ويكاد يرى في نفسه أنه تمهيد لحروب آخر الزمان، كما رأى أبناؤه في «داعش» المنهارة في أنفسهم ذلك.



تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».