قانون «حرية تداول المعلومات» في مصر... مسودة غير شاملة وانتقادات

شكوى من اقتصار مناقشته على بعض الدور الصحافية الحكومية فقط

جانب من اجتماع المجلس الأعلى للإعلام
جانب من اجتماع المجلس الأعلى للإعلام
TT

قانون «حرية تداول المعلومات» في مصر... مسودة غير شاملة وانتقادات

جانب من اجتماع المجلس الأعلى للإعلام
جانب من اجتماع المجلس الأعلى للإعلام

بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، طالبت كثير من الجهات الحقوقية والإعلامية في مصر، بسرعة إصدار قانون خاص بحرية تداول المعلومات أسوة بعشرات الدول التي سبقت مصر بإصدار مثل هذا القانون. وبات ينتظر المصريون صدور القانون بعد سنوات عجاف، عانى فيها صحافيون وإعلاميون وفئات كثيرة من المجتمع المصري، من حجب المعلومات، وحدوث تضارب في البيانات والأرقام الرسمية، التي تخص حياة المواطنين والمؤسسات الحكومية.
التحركات أتت متأخرة بالمقارنة مع دول الجوار إذ سبقت 11 دولة أفريقية مصر في إقرار قوانين حرية تداول المعلومات، بينما كان الأردن أول دولة عربية يقر هذا القانون عام 2007.
وللتعويض عن التعذر، تسابق برلمانيون وحقوقيون مستقلون، إلى جانب جهات حكومية في إعداد مشروعات قوانين لتداول الحريات في مصر، قبل تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (الهيئة المسؤولة عن تنظيم الإعلام المرئي، والمسموع، والمطبوع) في شهر أبريل (نيسان) الماضي، وإسناد إعداد المشروع إلى لجنة تابعة له مشكلة من 12 عضوا.
وأخيرا انتهى «الأعلى للإعلام» من إعداد مشروع قانون حرية تداول المعلومات، ووافق أعضاء المجلس عليه بالإجماع، لكن المجلس اكتفى بإرسال مشروع القانون لثلاث دور صحافية فقط، هي الأهرام، والأخبار، ووكالة أنباء الشرق الأوسط، بالإضافة إلى نقابة الصحافيين، لمناقشته وإبداء الرأي فيه، الأمر الذي انتقده بعض الحقوقيين والإعلاميين، الذين طالبوا بتوسيع دائرة مناقشته، وإتاحته أمام جميع المؤسسات الحقوقية والإعلامية.
في غضون ذلك، أكد مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، أن «مشروع قانون حرية تداول المعلومات، ليس نهائيا، بل سيخضع لمناقشة مجتمعية من قبل صحافيي 3 دور صحافية، لتسجيل جميع الملاحظات، تمهيدا لإرساله إلى مجلسي الوزراء والنواب». ولفت إلى «أن إعداد القانون استغرق 6 أشهر، وشارك فيه خبراء من خارج المجلس، من بينهم وزير الثقافة الأسبق عماد أبوغازي، ورئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء».
وأثار مشروع القانون جدلا في مصر، لعدم أخذ آراء الجهات المعنية به، ومنها منظمات المجتمع المدني ذات الصلة، قبل وبعد الانتهاء منه. ورأى خبراء إعلام أن قانون تداول المعلومات استحقاق دستوري تأخر كثيرا، وأن مصر تدفع ثمن تأخره، لكن أعضاء اللجنة ردوا على تلك المخاوف وحاولوا طمأنة المواطنين والمتابعين.
علاء عابد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، ورئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، قال لـ«الشرق الأوسط»: «كان من المفترض إقرار قانون تداول المعلومات في دورة الانعقاد الماضية، لكن البرلمان فضل إقرار بعض القوانين الأخرى، بعدما رأى أنها أهم منه». وشدد على «ضرورة إقرار هذا القانون في دورة الانعقاد الحالية، لأهميته في تداول المعلومات في عصر السماوات المفتوحة منعا لتداول الشائعات».
وطالب الكاتب الصحافي صلاح عيسى، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للصحافة، بضرورة اطلاع المشتغلين بالصحافة على مشروع القانون قبل الانتهاء منه والموافقة عليه بشكل نهائي قائلا: «التجربة أثبتت أن القوانين التي يشارك في إعدادها المشتغلون بمهنة الصحافة، تكون أفضل من التي يعدها الأعضاء الحكوميون، لأنهم أدرى بمشكلات المهنة والصعوبات التي تواجههم». مشيرا إلى أنه «كان من المفترض الاستماع إلى الصحافيين من المؤسسات الصحافية ذات التوجهات المختلفة أثناء إعداد مشروع قانون حرية تداول المعلومات، ووضع رأيهم في الاعتبار، والأخذ به، مع عدم الاكتفاء بمناقشته في 3 مؤسسات صحافية فقط؛ لأن من مصلحة الجميع وضع قانون يرضى جميع الأطراف».
من جهته، قال جمال شوقي، عضو المجلس الأعلى للإعلام، لـ«الشرق الأوسط»: «مشروع قانون حرية تداول المعلومات، عبارة عن خلاصة قوانين دول أوروبية وأميركية كثيرة». ولفت إلى «أن القانون يحرص على عدم الإضرار بالأمن القومي للبلاد، وهذه ليست بدعة، بل هو أمر معمول به في أكبر الدول ديمقراطية في العالم، ويخص المعلومات العسكرية، وشؤون التفاوض مع الدول، وكل هذه الأشياء محمية بحسب ميثاق الأمم المتحدة، لحرية تداول المعلومات».
وعلق ضياء الدين داود، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب المصري، على الجدل المثار حول مشروع القانون قائلا: «مصر كلها في أشد الاحتياج إلى قانون معلومات جيد، وليس الصحافيون أو الإعلاميون وحدهم، وكان من الأفضل قيام المجلس الأعلى للإعلام، بعرض المسودة الأولى من المشروع على معظم النقابات المهنية والصحف ومؤسسات حقوق الإنسان للتوافق حوله».
وأوضح أن «نواب البرلمان أيضا في حاجه ماسة إلى قانون حرية تداول المعلومات، لأنهم يتعرضون لصعوبات بالغة، عند محاولة الوصول للبيانات والمعلومات الرسمية للاستفادة منها في العمل التشريعي والرقابي».
وأضاف داود لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «وزراء الحكومة الحالية أنفسهم، لا يقولون أرقاما دقيقة تحت قبة البرلمان، بسبب عدم وجود ثقافة تداول المعلومات داخل الهيئات الحكومية». ولفت إلى أنه «تم رفض مشروع الجمعيات الأهلية الذي قدمته الحكومة العام الماضي، والموافقة على مشروع آخر، قدمه أحد النواب، لأنه كان يلبي طموحات المواطنين والمراقبين».
من جانبها، كشفت الدكتورة هدى زكريا، رئيس لجنة إعداد مشروع قانون حرية تداول المعلومات بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في تصريحات صحافية عن بعض ملامح المشروع، وقالت إنه «يتكون من 6 أبواب، ويختص الباب الأول بتوضيح مفهوم الإفصاح وإتاحة المعلومات والبيانات، بجانب تحديد مسؤول المعلومات في كل جهة سواء حكومية أو خاصة، فيما يتضمن الباب الثاني الحق في الحصول على المعلومات لكل مواطن، وباحث، وصحافي، وإعلامي». مشيرة إلى أن «الباب الثالث خاص بالوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق الإفصاح وتداول البيانات والمعلومات التي تضمنها مشروع القانون في بابه الأول».
وأوضحت «زكريا» قائلة إن «غرامات حجب المعلومات تبدأ من 5 آلاف جنيه مصري (الدولار الأميركي يعادل 17.6 جنيه مصري)، إلى 20 ألف جنيه، كما يتيح مشروع القانون درجتين للتظلم، الأولى المجلس الأعلى للمعلومات، والثانية أمام القضاء»، مؤكدة أن تكلفة الحصول على المعلومات ستكون مجانية، في حال ما إذا كانت إحصاءات أو بيانات.
وقال الحقوقي نجاد البرعي لـ«الشرق الأوسط»: «كان يفترض إرسال نسخة من مشروع القانون إلى جميع النقابات المهنية والمنظمات الأهلية، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، للاطلاع عليه من باب الحوار المجتمعي والجدية، وإتاحته للمناقشة العامة قبل إقراره بشكل نهائي لحدوث توافق مجتمعي عليه». واعتبر «البرعي» اقتصار مناقشة القانون على بعض المؤسسات الصحافية القومية فقط «مجاملة»، كما طالب بـ«نشر مسودة القانون في الصحف المصرية، حتى يتمكن كثير من المواطنين من الاطلاع على القانون وإبداء رأيهم فيه، لأنه يخص كل أفراد المجتمع وليس الصحافيين وحدهم».
إلى ذلك، قال الدكتور محمد شومان عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية لـ«الشرق الأوسط»: «مشروع قانون حرية تداول المعلومات لا يتعلق بالصحافيين أو بالإعلاميين وحدهم، بل يخص كل مواطن، وكان يجب نشره وإرساله إلى قطاع كبير من منظمات المجتمع المدني، وعدم الاكتفاء بإرساله إلى بعض المؤسسات القومية ونقابة الصحافيين».
وأضاف شومان قائلا: «سجلت أكثر من ملاحظة على مشروع القانون، منها إنشاء مجلس أعلى للمعلومات، والذي أرى أنه سيكون مكبلا لحرية تداول المعلومات، وليس مسهلا للحصول عليها، بجانب حصوله على نفقات إضافية من الدولة، وتطبيق القانون لا يحتاج لمجلس للإشراف عليه ومتابعته، شأنه في ذلك شأن كل القوانين التي تفصل فيها الهيئات القضائية».
وتابع: «إن الغرامة الموقعة على المخالفين زهيدة جدا، وتحتاج إلى مضاعفتها لحث الموظفين والمسؤولين على الإفصاح عن المعلومات»، كما تطرق «شومان» إلى إشكالية تعريف الأمن القومي بمشروع القانون وقال: «أنا قلق أيضا بشأن تعريفها في مشروع القانون الحالي، وأتفهم تخوف الحقوقيين والإعلاميين منها، رغم أنها قضية مثار جدل في كثير من دول العالم، بما فيها أميركا التي تعرفه بالمصلحة الوطنية».
وطالب عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية في مصر بـ«تخفيض القيمة المالية للحصول على المعلومات، حتى لا تكون حائلا أمام المواطنين البسطاء، بجانب تطبيق القانون بشكل جيد، لأن تجربة تطبيق القوانين ومبادئ الدستور في مصر ليست جيدة، إذ تكون عادة القوانين المفسرة للدستور مختلفة نوعا ما، مع المبادئ العامة والرائعة لمواد الدستور، وأخيرا تكون اللوائح التنفيذية للقوانين مختلفة تماما مع القانون والدستور».
وردا على الشكوك والانتقادات التي يرددها بعض الصحافيين والمراقبين، بسبب عدم عرض المسودة النهائية على الرأي العام، للاطلاع والمناقشة العامة، بجانب تخوفهم من استغلال مفهوم اعتبارات الأمن القومي لحجب المعلومات، قال جمال شوقي، عضو اللجنة المكلفة بإعداد مشروع القانون، إن «اللجنة اختارت التفسير الضيق لمفهوم الأمن القومي، ليتاح أكبر قدر ممكن من المعلومات دون استغلال مصطلح الأمن القومي، أو استهلاكه»، مشددا على أن «القانون سيكون هو الأفضل والأحدث على مستوى العالم، وأنه أقل في المحظورات من القانون الأميركي».
يذكر أن السويد كانت أول دولة في العالم، تصدر قانونا يضمن حق الوصول إلى المعلومات عام 1766 باسم قانون حرية الصحافة. ويزيد عدد الدول التي يوجد بها قوانين لحرية تداول المعلومات على 90 دولة حول العالم، بنسب تنفيذ متفاوتة، وفقا لتقرير صادر من مركز المشروعات الدولية الخاصة التابع لغرفة التجارة الأميركية بواشنطن.


مقالات ذات صلة

لقاء سعودي يبحث تطوير الخطاب القانوني الإعلامي

يوميات الشرق النائب العام الدكتور خالد اليوسف مستقبلاً وزير الإعلام سلمان الدوسري (النيابة العامة)

لقاء سعودي يبحث تطوير الخطاب القانوني الإعلامي

بحث النائب العام السعودي الدكتور خالد اليوسف مع وزير الإعلام سلمان الدوسري، تطوير الخطاب القانوني الإعلامي، وتعزيز التنسيق في التعامل مع القضايا الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «سكاي» مضاءً على واجهة مبنى مقر الشركة في غرب لندن (رويترز)

صفقة تاريخية بـ2.1 مليار دولار... «سكاي» تستحوذ على قطاع البث بـ«آي تي في»

أبرمت شركة «سكاي»، المملوكة لمجموعة «كومكاست»، اتفاقاً تاريخياً للاستحواذ على القنوات التلفزيونية ومنصة البث الرقمي التابعة لشبكة «آي تي في» (ITV) البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي

تتجه مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي، استناداً لتوجيهات رئاسية بفتح نقاش مستمر بشأن هذا الملف.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (مجلس الوزراء المصري)

بعد 4 أشهر من تعيين رشوان... هيكلة مرتقبة لوزارة الإعلام المصرية

تستعد وزارة الدولة للإعلام في مصر لإجراء هيكلة تنظيمية مرتقبة، بتشكيل فريق عمل جديد يضم نحو 22 مساعداً ومستشاراً ومعاوناً ومنسقاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد مبنى شركة «كومكاست إن بي سي يونيفرسال» في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

«كومكاست» الأميركية تفصل «إن بي سي يونيفرسال» و«سكاي» في شركة مستقلة

أعلنت مجموعة الاتصالات والكابلات الأميركية العملاقة «كومكاست»، يوم الاثنين، عن خطة استراتيجية لـ«فصل» قطاعَي الإعلام والترفيه التابعَين لها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)
TT

«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)

حين كان يذكر الفرنسيون شبكاتهم الاجتماعية، نادراً ما كان اسم «ريديت» يقفز إلى الألسنة. إذ ظلّت المنصة الأميركية، لسنواتٍ طويلة، حبيسة صورة نمطية أسهمت في تهميشها، كملجأ لعشّاق البرمجة والألعاب من الشباب المهووسين بالتقنية فقط.

أما اليوم، فقد انقلبت الصورة رأساً على عقب، وصارت المنصة التي وُلدت على الهامش من أكثر المنصّات الرقمية حيوية. وتحوّلت من فضاء يمثل «ثقافةً فرعية هامشية» يُنظر إليها بعين الريبة، إلى فضاءٍ إعلاميّ محترَم تقصده العلامات التجارية وتراقبه غرف التحرير. وبالفعل، تختصر هذا الانقلاب أرقامٌ متصاعدة، وموجة إقبالٍ فرنسية استثنائية تستحقّ التوقّف عندها.

من الظلّ إلى الواجهة

بدأت القصّة عام 2005، حين أطلق شابّان أميركيان من خرّيجي جامعة فيرجينيا، هما ستيف هفمان وأليكسيس أوهانيان - الذي هو بالمناسبة زوج نجمة كرة المضرب العالمية فانيسا وليامز -، موقعاً متواضعاً لتبادل الروابط والنقاشات التقنية برعاية حاضنة «واي كومبيناتور».

من تلك البذرة نشأت شبكةٌ واسعة من المجتمعات المصغّرة المعروفة بـ«الساب- ريديت»، لكلٍّ منها موضوعه وقواعده الخاصة، ويتولّى إدارتها متطوّعون. أما ترتيب ظهور المشاركات، فهو يجري وفق نظام تصويتٍ يرفع الجيّد ويطمر الرديء. وحتى اليوم ظل نشاط المنصة يعتمد على عمل آلاف المشرفين المتطوّعين؛ وهؤلاء يراجعون التعليقات ويحرصون على مناخ الثقة داخل مجتمعاتهم، في نموذجٍ يستند إلى المشاركة لا إلى رقابةٍ مركزية تُملَى من فوق.

هذه البنية التي لطالما عُدَّت عبئاً يبطئ انتشار الموقع بين عامّة الناس، باتت اليوم سرّ قوّته. وبعد سنواتٍ أرهقت فيها المنصّات الكبرى مستخدميها بخوارزمياتها ومحتواها المصقول حتى فقدَ عفويته، عاد الناس يبحثون عمّا افتقدوه: أي مكان للحوار المتأنّي، ولطلب النصيحة، ومقارنة تجارب حقيقية نابعة من أفراد صادقين بعيداً عن المنصّات الأخرى ومنطقها الربحي. وفي هذا المفترق وجد موقع «ريديت» موضعه الطبيعي، بعدما كانت عزلته النسبية تُحسب عليه لا له.

الأرقام المذهلة لتطور «ريديت»

لأخذ فكرة عن هذا النجاح، نشير إلى أنه مع مطلع 2025 تخطّت منصّة موقع «ريديت» عتبة المليار ومائة مليون مستخدمٍ شهرياً، ونحو مائةٍ وثمانية ملايين مستخدمٍ يومياً، حتى باتت - حسب منصّة «سيمراش» لتحليل المواقع سادس أكثر مواقع العالم زيارة، سابقة موقع «ويكيبيديا» نفسه.

وتؤكّد أرقام الشركة هذا النضج بوضوح. فقد دخلت بورصة «وول ستريت» قبل سنتين وحقّقت أرباحها الأولى. ثم جاءت نتائج الربع الأول من 2026 لتؤكّد قوّتها؛ إذ بلغت إيراداتها 663 مليون دولار، بزيادة 69 في المائة عن السنة السابقة، منها 625 مليوناً من الإعلانات وحدها.

كذلك حقّق الموقع ربحاً صافياً بلغ 204 ملايين دولار بعد سنوات من الخسائر. ولم يكن هذا نجاحاً عابراً، بل كان امتداداً لسبعة فصولٍ متتالية تجاوز فيها نموّه 60 في المائة. وهنا، يلخّص ستيف هفمان، المؤسّس والرئيس التنفيذي للموقع، هذه المفارقة بقوله: «لا وجود لذكاءٍ اصطناعي من دون ذكاءٍ حقيقي؛ فالمعرفة لا بدّ أن تأتي من مكانٍ ما، و(ريديت) أحد أهمّ مصادرها». ومن ثم، وصف هفمان منصّة موقعه بأنّها «المكان الأكثر إنسانيةً على الإنترنت»، مشدداً على أنّ ما يمنحها قيمتها في زمن المحتوى المصطنع هو بالضبط كونها فضاءً «يتحدّث فيه الناس إلى الناس عمّا يعنيهم حقّاً».

ستيف هفمان (غيتي)

رسالة يقرأها المعلنون

خلف هذه الأرقام، بلا شك، تكمن رسالةٌ يقرأها المعلنون جيداً. فبيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام. ذلك أن الشركات ما عادت تبحث عن الانتشار الواسع وحده، بل أيضاً عن أماكن يندمج فيها الإعلان مع الحوار، فلا يبدو غريباً أو مُقحماً. بل وذهبت «ريديت» أبعد من ذلك، فصارت تبيع أرشيفها النصّي الهائل عبر عقود ترخيصٍ تُغذّي بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي طليعة زبائنها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

صعود لافت في فرنسا

إلا أن المشهد الفرنسي يبقى أشدّ الفصول إثارة. فبيانات مؤسّسة «ميدياميتري» تضع «ريديت»، لأول مرّة، ضمن أكبر عشر منصّاتٍ اجتماعية في البلاد خلال 2025، بـ12.8 مليون زائرٍ شهرياً، ونموٍّ نسبته اثنين وسبعين في المائة في اثني عشر شهراً، وجمهورٍ تضاعف خمس مرّات خلال خمس سنوات. وبالفعل، صارت «ريديت» فرنسا ساحةً عامة تُطرح فيها شؤون السياسة والمجتمع والعمل والسكن والمال، تغذّيها مجتمعاتٌ قائمة على تبادل النقاش وعرض التجارب اليومية بصراحةٍ قلّ نظيرها في المواقع الأخرى.

وراء هذا الصعود المتميز ثلاثة أسباب: السبب الأول خطوةٌ تقنية ذكية، وهي إطلاق ترجمةٍ آلية فورية تنقل محتوى الموقع كاملاً إلى الفرنسية باستخدام أدوات الترجمة الحديثة، فباتت نقاشاته تظهر في نتائج «غوغل» بالفرنسية. وهكذا صار كثيرون من المستخدمين يصلون إلى الموقع من دون أن ينتبهوا إلى أنّهم يتصفّحون «ريديت».

وثاني سبب هو الحملةٌ الدعائية الواسعة والجريئة التي قامت بها المنصة في شوارع أكبر المدن الفرنسية كباريس، وليون، ومرسيليا وليل، وكان شعارها «بين الغرباء، نستطيع أن نتبادل أطراف الحديث». ولقد لفتت هذه الحملة الواسعة انتباه الفرنسيين إلى هذه المنصّة التي لطالما تجاهلوها.

أمّا السبب الثالث، ولعلّه الأعمق أثراً، فيعود إلى تراجع منافسٍ عريق هو منصّة «إكس»، التي فقدت نحو ستة عشر في المائة من زوّارها في فرنسا خلال سنة واحدة، وهذا بعد استحواذ إيلون ماسك عليها. إذ بلغت أدنى مستوياتها منذ بدء القياس عام 2017. وفي الفراغ الذي خلّفه هذا الانحسار تسلّلت «ريديت» ملتقطة حصّةً من جمهور النقاش العام وتبادل الأخبار.

ولكن، بجانب ما سبق ذكره، يعزو فنسان دوبوا، المسؤول عن «ريديت» في فرنسا، هذا النجاح إلى طبيعة الفرنسيين أنفسهم، قائلاً: «يعشق الفرنسيون النقاش بشغف؛ وهو ما ينعكس في الشعبية المتنامية للموقع. وهدفنا أن نرعى مجتمعاتٍ يتحاور فيها الناس حول ما يهمّهم، ويطلبون النصيحة من غيرهم، ويتعلّمون مهارةً جديدة، أو يجدون فسحةً للترفيه فحسب».

مصدر غني بالمعلومات

والواقع أن ما يزيد من قيمة «ريديت» أنّه غدا، في نظر الإعلاميين، أكثر من مجرّد ظاهرةٍ عابرة في نموّ؛ بل صار أداة عملٍ حقيقية. فهو من جهةٍ مصدر غني بالمعلومات بفضل النقاشات والشهادات التي أصبحت مادّةً خاماً قوية للمقالات والتحقيقات والتحليلات. ومن جهةٍ أخرى، مقياسٌ لنبض الواقع؛ إذ يكشف عما تتداوله مجتمعاته وما تتعرّض له من هواجس وانشغالات قد تتأخّر وسائل الإعلام التقليدية في التقاطها. ولكن، لعل أهم عناصر قوة «ريديت» اليوم «الصدقية» التي يتمتع بها، ذلك أن الظهور في الموقع لا تحكمه الخوارزمية وحدها، بل عبر تقييم وتصويت المستخدمين، حيث تكتسب المشاركة قيمتها بجدارةٍ لا بواسطة الدفع أو الدعاية.

زمن الثقة... لا الصخب

ختاماً، لم يبلغ موقع «ريديت» هذه المكانة بتقليده الإعلام التقليدي، بل لأنّه لبّى حاجةً دفينة لدى جمهورٍ سئم الشبكات الصاخبة، التي تروّج للاصطناع والتكلّف. فهو يمنح المعلنين وعداً عزيز المنال... هو مخاطبة جماعاتٍ متفاعلة من غير أن تبتلعها ضوضاء العالم الافتراضي. وأيضاً، يعيد إلى المستخدمين شيئاً من متعة الحوار المتمهّل المتخصّص، الذي يكون أصدق أحياناً من ثرثرة المنصّات المهيمنة، حيث تُوزن الكلمة بجودتها لا بسرعة رواجها.

بيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام


هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟

شعار «أبل» (رويترز)
شعار «أبل» (رويترز)
TT

هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟

شعار «أبل» (رويترز)
شعار «أبل» (رويترز)

يبدو أن الناشرين سيتمكنون قريباً من تحقيق عوائد مالية مباشرة عبر تطبيقاتهم، وكذلك الاحتفاظ ببيانات المشتركين، وذلك بموجب قواعد جديدة وضعتها «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA)» بدءاً من مطلع يوليو (تموز) الجاري. وتتضمن القواعد إعادة هيكلة متاجر التطبيقات بهدف «السماح للمؤسسات بتحصيل عوائد الاشتراكات دون وسيط».

قبل القرارات الجديدة، وعلى الرغم من قدرة الناشرين على بيع الاشتراكات عبر منصتي «آي أو إس iOS» أو «أندرويد»؛ فإن سياسات «أبل» و«غوغل» كانت تفرض عرض المنتجات الرقمية عبر أنظمة الدفع الخاصة بالتطبيقات، وهو ما قد يتضمن عمولات تصل إلى 30 في المائة لصالح الشركة المالكة للمنصّة.

وأيضاً، قيّدت «أبل» الطريقة التي يتاح للناشرين من خلالها توجيه المستخدمين للاشتراك خارج التطبيق، وهذه قيود قد تجعل تحويل مستخدمي التطبيقات إلى مشتركين أكثر صعوبة، وتزيد من الاعتماد القسري على أنظمة الدفع التابعة للمنصات.

تأتي قرارات «هيئة المنافسة والأسواق» عقب تصنيف متاجر التطبيقات التابعة لشركتي «أبل» و«غوغل» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن الشركات «ذات الوضع الاستراتيجي في السوق»، وفقاً لقانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين، وهو ما يعني «إمكانية إجبار الشركتين من قِبل الجهات التنظيمية على التوقف عن إساءة استخدام هيمنتهما السوقية».

التدابير التي طرحتها «هيئة المنافسة» تهدف، في الواقع، إلى إزالة القيود المفروضة على التوجيه، مما سيسمح للناشرين بتوجيه العملاء نحو خيارات دفع خارج منصات «أبل» و«غوغل»، وتجاوز الرسوم الإلزامية التي تحددها هذه المنصات.

ولقد وصفت «هيئة» الشركتين بأنهما «تديران احتكاراً ثنائياً فعلياً، إذ تعمل 90 في المائة على الأقل من أجهزة المحمول في بريطانيا على منصاتهما».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المصري المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن النقطة الأهم في هذه القرارات هي «تبني المؤسسات علاقة مباشرة مع جمهورها، وهي العلاقة التي تفتقر إليها اليوم بسبب الاعتماد على التطبيقات». وأردف أن المستخدم حالياً يتجه إلى التطبيق لتحميله والاشتراك من خلاله، بينما تُدار عملية الدفع بالكامل داخل التطبيق المقيد من الشركتين، بل يمكنه إلغاء الاشتراك في أي وقت، من دون أن تعلم المؤسسة بذلك إلا في وقت لاحق. ثم أضاف: «لذلك ينبغي على المؤسسات أن تستثمر في بناء قنوات تواصل مباشرة مع جمهورها، مثل النشرات البريدية، وأنظمة إدارة علاقات العملاء، كي تتمكن من التعرف على المشتركين الأكثر ولاءً، وتقديم عروض ومزايا مخصصة لهم».

عمروش أوضح أيضاً أنه من خلال هذه القرارات «تنتقل العلاقة مع العميل إلى خارج متجر التطبيقات، وتصبح المؤسسة قادرة على إدارة التجربة المشتركة معه بصورة أفضل، وزيادة معدلات الاحتفاظ به، ورفع الإيرادات من خلال العروض الشخصية. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل بيانات العملاء باستمرار، ويقترح أفضل العروض لكل مستخدم، وهو ما كان يصعب تحقيقه عندما كانت العلاقة مع المشترك محصورة داخل التطبيقات فقط».

وتابع عمروش: «أعتقد أن إعادة هيكلة متاجر التطبيقات يُمكن أن تحقق مكاسب حقيقية للناشرين؛ لكن بشرط مهم، هو ألا تبقى الإجراءات شكلية عند مستوى تحسين الشفافية، بل تصل إلى كسر سيطرة المتجر على الدفع (الاشتراك)، وأن تكون العلاقة مباشرة مع القارئ».

يُذكر أن «أبل» كانت قد حدّثت إرشادات «متجر التطبيقات» (App Store) الخاص بها في الولايات المتحدة خلال مايو (أيار) 2025 بهدف السماح للمطوّرين بتوجيه المستخدمين خارج المنصة، استجابةً لأمر قضائي، وهذا بعدما رفعت شركة «إيبك غيمز» دعوى قضائية ضد «أبل» عام 2020 إثر إزالة لعبة «فورتنايت» من المتجر، وتقديم خيار دفع مباشر يتجاوز عمولة الشراء داخل التطبيق.

من جهة ثانية، شرح الحسيني موسى، الخبير المصري في تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ولو كانت الفرصة متاحة الآن، فإن هذه القرارات لن تحقق نتائج ملموسة من دون أن يسعى الناشرون إلى تبني أنظمة اشتراكات خاصة بهم».

واستطرد موضحاً: «يتحقق ذلك من خلال الاستثمار في إدارة بيانات المستخدمين وتحليلها، لتقديم عروض مخصّصة لاهتماماتهم، ومن ثم الاحتفاظ بالمشتركين على نحو متصاعد. ومع أن البنية التحتية للمؤسسات قد لا تكون جاهزة الآن، غير أن هناك حلولاً وخدمات سحابية يمكن أن تسهم في استثمار البيانات بتكلفة أقل».

أما عن المخاوف المتعلقة برد فعل عكسي متوقع من شركات التكنولوجيا، قد يتضمن عرقلة ظهور الناشرين على متاجر التطبيقات، رأى موسى أن «الضمانة الأساسية هي أن القواعد الجديدة أعطت هيئة المنافسة صلاحيات رقابية أكبر، الأمر الذي يمكّنها من التدخل في حال مارست هذه الشركات أي شكل من التمييز ضد تطبيقات معينة، سواءً عبر تقليل ظهورها أو فرض قيود غير مبررة من خلال توقيع عقوبات».

ولكن، على الرغم من ذلك يشير الخبير المصري إلى أنه «ستظل هناك تحديات أمام إثبات أن الشركات تستهدف بممارستها المنافسة المجحفة، لا سيما إذا برّرته المنصات باعتبارات أمنية أو حماية المستخدم، وبالتالي، سيعتمد نجاح القواعد على قوة الرقابة وسرعة تنفيذها».


مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
TT

مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي

تُعدّ مقدمة النشرة الإخبارية في المحطات التلفزيونية اللبنانية مرآةً لهويتها السياسية؛ إذ تعكس توجهها التحريري وخطابها الإعلامي، وتشكل البصمة الأولى التي تميزها عن سواها. كما تكشف المقدمة موقف المحطة من أبرز أحداث اليوم قبل الانتقال إلى تفاصيلها.

وعادة ما يتولى رؤساء تحرير نشرات الأخبار كتابة هذه المقدمة، فتأتي في قالب مقال تلفزيوني مباشر يتضمن رأياً واضحاً أو موقفاً صريحاً من الأحداث. وفي أحيان أخرى تُحاك المقدمة بعناية من خلال انتقاء أحداث وربطها في سياق يخدم رؤية المحطة والرسالة التي ترغب في إيصالها إلى المشاهد. أما الأسلوب الثالث، وهو الأكثر صعوبة، فيرتكز على مقاربة موضوعية في اختيار الأحداث، بحيث تكون الأولوية لقيمتها الخبرية، بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع توجه المحطة أو تخدم مصلحتها.

ويعود تقليد مقدمات نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية إلى سنوات الحرب الأهلية، حين لم تعد النشرة مجرد عرضٍ للأحداث، بل تحولت إلى منبر يعكس التوجه السياسي للمحطة وموقفها من التطورات الميدانية. وكان تلفزيون لبنان الرسمي من أوائل من اعتمد هذا الأسلوب؛ إذ كانت مقدمة النشرة تعبّر بوضوح عن موقف السلطة اللبنانية من الأحداث الجارية. ومع اشتداد الانقسامات السياسية، انعكس هذا الواقع على الشاشة نفسها، فبرز التباين بين نشرات مركزي المحطة في منطقتي تلة الخياط (بيروت الغربية) والحازمية (بيروت الشرقية). ولم يقتصر الاختلاف على طريقة عرض الأخبار، بل امتد إلى مقدمات النشرات، التي كانت تتحول أحياناً إلى سجال سياسي مباشر، يرد فيه رئيس تحرير أحد المركزين على الآخر بلغة نقدية لاذعة، في مشهد جسّد الانقسام الذي كان يعيشه لبنان آنذاك. وسرعان ما انتقل هذا التقليد إلى محطات تلفزيونية أخرى، فأصبح جزءاً أساسياً من هوية نشراتها الإخبارية. واعتمدته محطات عدة، منها «إل بي سي آي» و«الجديد» و«إم تي في» و«أو تي في» وغيرها، حتى غدت مقدمة النشرة ركناً ثابتاً في برمجة الأخبار، واستُخدمت في مراحل كثيرة منصةً لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات.

وليد عبود: مقدمة النشرة

الإعلامي وليد عبّود يعد مقدمة الأخبار تعكس هوية المحطة

تعكس الهوية السياسية للمحطة

يتولى الإعلامي وليد عبود كتابة مقدمة نشرات الأخبار في تلفزيون «إم تي في»، من موقعه كرئيس تحرير، ومستنداً إلى أبرز أحداث اليوم ينسج منها نصاً يربط بين الوقائع المحلية والتطورات الإقليمية والدولية. وفي كثير من الأحيان، تفرض الأحداث الطارئة نفسها، فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة صياغة المقدمة بالكامل، أو حتى قلبها رأساً على عقب، لتواكب المستجدات.

يقول وليد عبود في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل مقدمة النشرة الهوية السياسية للمحطة. سواء حملت رسائل مباشرة أم جاءت بصيغة غير مباشرة، فإن اختيار حدث معين وتسليط الضوء عليه، لا بد أن يعكس توجه المحطة وسياستها».

ويؤكد أنه اضطر مراراً إلى إعادة كتابة المقدمة بسبب تطورات متأخرة، كخطاب للرئيس الأميركي أو حدثٍ أمني أو سياسي مفاجئ يطول لبنان. ويضيف: «يجب أن تواكب المقدمة أي مستجدٍّ بارزٍ على الأرض، وأحياناً تتغير المقدمة بالكامل قبل خمس دقائق فقط من موعد بث النشرة».

وعن تأثيرها في المشاهد والأسلوب المعتمد لجذب انتباهه يقول: «من المهم جداً أن يدرك المشاهد التوجه السياسي للمحطة. وعادة ما يتحول إلى المحطة التي تشبهه فتكون بمثابة مرآة لمواقفه. ومن الضروري محاكاته ببساطة كي تصله رسائل المقدمة بسرعة؛ لذلك نحرص على أن تكون مكثفة، وواضحة، وسريعة الإيقاع، من دون الوقوع في الإثارة المجانية، وأن تعكس في الوقت نفسه رؤية المحطة للأحداث».

مقدمات النشرات... خصوصية لبنانية تكاد تغيب عن الغرب

يُعدّ أسلوب افتتاح نشرات الأخبار بمقدمة مكتوبة بعناية، تربط بين أحداث اليوم وتقدّم قراءة سياسية لها، من الخصوصيات التي تميّز عدداً كبيراً من المحطات اللبنانية والعربية. أما في معظم المحطات الغربية، فتبدأ النشرات مباشرة بعرض أبرز الأخبار. في المقابل، تعكس هذه المحطات توجهها التحريري من خلال طريقة اختيار الأخبار، وترتيبها، وصياغة التقارير المصورة، فضلاً عن النصوص المقتضبة التي تسبقها أو ترافقها.

أما في لبنان، فلا تخفي غالبية المحطات هويتها السياسية، بل تعلنها بوضوح من خلال مقدمة النشرة التي تشكل مساحة للتعليق والتحليل ورسم الإطار الذي ستُقرأ من خلاله أحداث اليوم. وعادة لا تتجاوز مدة المقدمة دقيقتين؛ لأن الإطالة تدفع المشاهد إلى تغيير القناة والانتقال إلى أخرى. لذلك، يحرص المعدّون على التكثيف والإيقاع السريعين، مع المحافظة على شدّ انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى.

بعض مقدمات الإعلامي جان فغالي لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية

علي نور الدين: مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة

يرى مدير الأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون «إن بي إن»، علي نور الدين، أن مقدمة النشرة تكاد تكون ظاهرة لبنانية بامتياز. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور اللبناني المسيّس، الذي يميل إلى متابعة التحليلات وإبداء رأيه في التطورات. ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن المقدمة تعكس الخط التحريري للمحطة، كما تمنح المشاهد خلاصة سريعة عن مضمون النشرة واتجاهها العام.

ويضيف: «لا تعتمد جميع القنوات الأسلوب نفسه في كتابة المقدمات، فبعضها يركز على إيصال الرسائل التي تعكس رؤية المحطة وتوجهاتها. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن تكون المقدمة مختصرة، ومكثفة، وقادرة على تلخيص أبرز محاور النشرة وخطها التحريري». ويؤكد أن الاختصار دليل على الحرفية الصحافية، موضحاً: «كلما كانت المقدمة أكثر إيجازاً ازدادت قوتها، إلا إذا فرض حدث استثنائي مساحة أوسع للشرح».

ويعيد نور الدين نشأة هذا التقليد الإعلامي إلى أواخر الحرب الأهلية، وما تلاها من مرحلة اتفاق الطائف وولادة محطات تلفزيونية جديدة؛ حيث سعت كل محطة إلى إبراز هويتها السياسية واستقطاب جمهور يتماهى مع توجهاتها. ويقول: «مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة، فهي تختصر الموقف وتحدد زاوية تناول الأحداث».

وبحكم عمله في الصحافة المكتوبة أيضاً، يرى نور الدين أن «المقالة البصرية» باتت أكثر تأثيراً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يفضل الجمهور تلقي المعلومات بسرعة واختصار. لذلك، تمتلك مقدمة النشرة قدرة كبيرة على التأثير وبث التفاعل؛ لأنها تقدم قراءة سريعة للأحداث بلغة مكثفة وسهلة التداول.

ويتابع: «في النهاية، لا يمكن لأي محطة أن تكتفي بمخاطبة جمهور يشبهها سياسياً. فإذا أرادت الاستمرار، فعليها أن تتوجه إلى شريحة أوسع من المشاهدين، من خلال أسلوب مهني يجذبهم، سواء اتفقوا مع توجهها أم اختلفوا». ويختم: «أعدّ قناة (إن بي إن) من المحطات التي لا تعتمد الإثارة أو الفضائح في نشراتها الإخبارية، وهذا ما يميزها».

جان فغالي: المهنية قبل السياسة

من جهته، يؤكد رئيس تحرير نشرات الأخبار في «إل بي سي آي»، جان فغالي، الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في هذا المجال، أن المحطة تعتمد في مقدماتها خطاً مهنياً أكثر منه سياسياً، قائلاً: «نحرص في (إل بي سي آي) على الموضوعية والدقة في عرض الأخبار. لا ننحاز إلى أي طرف، إلا عندما يتعلق الأمر بانتقاد قضية تمس المصلحة العامة». ويشير إلى أن بعض المقدمات التي كتبها لا تزال راسخة في ذاكرة الجمهور، حسب رأيه، ومن بينها المقدمة التي استُهلت بعبارة «شعب بلا مخ» خلال جائحة كورونا. ويوضح: «هذا النوع من المقدمات ينطلق من موقف واضح تجاه سلوك أو حدث معين، أكثر مما يقدم مجرد تلخيص للأخبار».

ويكشف فغالي أن أي مقدمة لا تُبث قبل إطلاع إدارة المحطة عليها، موضحاً: «صاحب المحطة يتابع النشرة، ولديه أيضاً رؤيته السياسية؛ لذلك لا تمر أي مقدمة قبل موافقته».

أما عن مواصفات المقدمة الناجحة، فيختصرها بالقول: «يجب أن تكون مختصرة، وسريعة، ومكتوبة بلغة بسيطة وجمل قصيرة؛ بحيث تصل إلى جميع المشاهدين بسهولة». ويختم مؤكداً أن غياب المقدمات عن نشرات الأخبار الغربية لا يعني غياب التوجهات السياسية، مضيفاً: «لا توجد مؤسسة إعلامية من دون خط تحريري أو رؤية، لكن طريقة التعبير تختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى».