الانتشار التركي في إدلب... اختبار صمود «آستانة»

روسيا تضبط طموحات النظام... وعفرين أولوية أنقرة

الانتشار التركي في إدلب... اختبار صمود «آستانة»
TT

الانتشار التركي في إدلب... اختبار صمود «آستانة»

الانتشار التركي في إدلب... اختبار صمود «آستانة»

كرّس التفاهم التركي الروسي حول شمال غربي سوريا واقعين: أولهما تقويض طموح الأكراد بالتوسع وربط «الفيدرالية الثالثة» في «جيب» عفرين، بـ«فيدراليتي» كوباني عين العرب (كوباني) والجزيرة. وثانيهما تحديد مناطق السيطرة الحالية في خارطة الانتشار بأرياف محافظات إدلب وحماه وحلب، رغم مساعي النظام للتوسع في ريفي محافظتي حماه الشرقي وحلب الجنوبي الغربي، بهدف استعادة السيطرتين على قاعدتين عسكريتين يبدو أنهما ستكونان في عهدة أنقرة.
ومن جهة ثانية، من غير أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن عمليات الاغتيال المستمرة في شمال سوريا منذ شهرين، تستهدف هذه العمليات قادة أمنيين و«شرعيين» متشددين، ومعظمهم القياديين الأجانب في تنظيم جبهة النصرة، ومن الفرع المعولم من تنظيم القاعدة، ما رسم شكوكاً حول عمليات تصفية داخلية، أو عمليات أخرى يقودها زعيم التنظيم «أبو محمد الجولاني»، بهدف إحباط حالات التمرّد ضد القبول بالأمر الواقع المستجد، المتمثل بالوجود التركي في المنطقة.
تسير خطة الانتشار التركية المحتملة في شمال غربي سوريا، لتشكيل مناطق فصل بين قوات نظام دمشق والمعارضة السورية وفق آلية سلسة، كونها تتجنّب الاصطدام بالقوى المسلحة النافذة في محافظة إدلب، وأهمها «هيئة تحرير الشام» (من أبرز مكوناتها «جبهة النصرة») بعد تفاهم بين أنقرة وتلك القوى.
إلا أن تثبيت الانتشار لن يكون بالسلاسة نفسها، بالنظر إلى حالة اعتراض تتفاقم في صفوف المجموعات المتطرفة، وانقسامها بين مؤيد للتدخل التركي الذي سيحدّ من نفوذها، وبين معارض له، وهو ما شرّع حملة التصفيات التي يتوقع أن تضبط حالات التمرّد، وتدفع الوضع الداخلي في إدلب إلى «قبول بالأمر الواقع».
سلسلة عمليات الاغتيال (المُشار إليها آنفاً) طالَتْ عدة قياديين وعناصر وأشخاصاً عاديين في محافظة إدلب، خلال الأسابيع الماضية. ونفذت عبر اختطاف وقتل أو بإطلاق نار أو تفجير عبوات ناسفة، استهدف معظمها قيادات وعناصر في «هيئة تحرير الشام». وخلال ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي، قتل خمسة قياديين على الأقل في تلك العمليات، في استمرار لعمليات الاستهداف التي ينفذّها مجهولون.

أوجه عدة للاغتيالات
عبد الرحمن الحاج، الباحث السوري الخبير في حركة الجماعات المتطرفة، يشير إلى أن للاغتيالات أكثر من وجه، وإلى أن وقوف «أبو محمد الجولاني»، زعيم «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة)، وراءها هو أحد الاحتمالات، «بالنظر إلى أنه مثل أي حاكم آخر، حريص على أن يكون صاحب القرار».
ويلفت الحاج في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى أن القرارات التي يتّخذها، مثل القبول بالأمر الواقع المستجد، يعلم أنها ستتسبّب بتصدّع «جبهة النصرة»، وهو فعلياً يتخذها تحت ضغوط خارجة عن إرادته «لكونه ميّالاً للتعاطي البراغماتي». غير أنه في الوقت نفسه «يبدو مضطراً للتخلص من المهاجرين والأمنيين والشرعيين كي يستطيع اتخاذ قرارات حاسمة»، ما يعني أن ضلوع «الجولاني» في العمليات «أمر منطقي».
ويتابع الحاج قوله إن حركة تصفية داخلية «تطال شخصيات يشكّلون عقبة أمام توافق وتغييرات مسألة تناسب الوضع الحالي بدخول تركيا». وهو إذ يشير إلى أن قيادات «جبهة النصرة» السورية تنظر إلى أن هناك «مصلحةً تتجاوز هؤلاء، ويمكن أن تكون الدوافع السياسية بالوضع الحالي للتخلّص من هؤلاء تهدف لعقد صفقات»، فإنه يطرح فرضية ثانية تتمثل بإمكانية «وجود فرق اغتيال بالداخل أُنشئت لأصحاب توجّهات بهدف إضعاف التشدد في (النصرة) لوضعها بما يناسب الاستحقاقات الجديدة».
وهنا يلحظ الباحث أن المستهدفين «هم من الأجانب (أي غير السوريين)، وهو ما يؤكد أن تكون العملية داخلية». ومن ثم، يوضح أن المستهدفين بالأغلب «هم قيادات متشددة عربية تتحدّر من دول الخليج ومصر، وهؤلاء هم المسؤولون بشكل أساسي عن الأمن والفتاوى الشرعية. وهذا مؤشر على أن العمليات قد تكون مرتبطة بسياسات إقليمية ترى أن التخلص منهم فرصة». ومن ثم، يؤكد أن وتيرة الاغتيالات خلال شهرين «بدت منظمة وممنهجة، ليست عملاً فردياً»، من غير أن يستبعد أيضاً «مساهمة فصائل الجيش السوري الحر في إنهاء هذه الحالة الشاذة».
من جانب آخر، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» في 27 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بأن قيادياً في «هيئة تحرير الشام» من الجنسية الأردنية اغتيل في الريف الشرقي لإدلب، كما وثّق «المرصد» قبل يومين عمليات أخرى منها اغتيال نجل «أبو مالك التلي» قائد «جبهة النصرة» في القلمون وعرسال (على الحدود السورية - اللبنانية) في ريف محافظة إدلب. ولقد قضى القتيل بإطلاق نار عليه من مسلحين مجهولين. وكان بين العمليات الأخرى قتل قائد لواء إسلامي تابع لـ«حركة أحرار الشام» الإسلامية جراء استهدافه من قبل مسلحين مجهولين في بلدة فيلون الواقعة في القطاع الجنوبي من ريف محافظة إدلب، ومحاولة اغتيال بالريف الشرقي لمعرة النعمان في جنوب محافظة إدلب، واغتيال قيادي عسكري في «هيئة تحرير الشام»، بتفجير عبوة ناسفة بسيارة كان يستقلها في بلدة الدانا بالقطاع الشمالي من المحافظة نفسها في أقصى شمال غربي سوريا. وهذا، فضلاً عن العثور على جثة قيادي محلي في «هيئة تحرير الشام» إثر تصفيته على الطريق الواصلة بين بلدتي الهلبة والرفة بريف معرة النعمان الشرقي. كذلك أفيد بمقتل قيادي إثرَ انفجار عبوة ناسفة في محيط قرية مريجب (مريقب) الجملان بريف محافظة حماة الشمالي الشرقي..
جاءت كل هذه الاستهدافات عقب اغتيال قيادي من الجنسية الليبية أواخر شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، قرب بلدة الدانا في ريف إدلب الشمالي على مسافة غير بعيدة عن الحدود التركية عند لواء إسكندرونة، بعد أيام من اغتيال «شرعيين اثنين» من «هيئة تحرير الشام» على الطريق الواصلة بين مدينة حارم وبلدة سلقين بأقصى ريف إدلب الشمالي عند الحدود مع لواء إسكندرونة، وأخريين من جنسيات مغاربية إحداهما تونسية والأخرى مغربية، وآخر من جنسية فرنسية، في بلدة معرة مصرين الواقعة بين مدينتي حلب وإدلب، و6 آخرين خلال سبتمبر الماضي.

حدود التدخل التركي
يُنظَر إلى عمليات التصفية بين الجماعات المتطرفة على أنها «إبعاد» للعوائق التي قد تعترض سبيل الانتشار التركي، وهو الانتشار المعد بأن يكون على خطوط التماس بين النظام والمعارضة بحسب تفاهمات «مباحثات آستانة»، وتمتد من الحدود السورية التركية في ريف حلب الشمالي الغربي، باتجاه ريف حماة الشمالي، وريف إدلب الغربي على خطوط التماس مع قوات النظام بريف محافظة اللاذقية الشرقي، بحسب ما تقول مصادر معارضة لـ«الشرق الأوسط». وتشير إلى أن القوات التركية ستنتشر إلى جانب القوات الروسية وسيعمل الجانبان الروسي والتركي على فصل قوات المعارضة عن قوات النظام، وسيكونان بمثابة ضمانة للجهات المتحاربة في الشمال السوري هدفها منع الاصطدام.
وإذ يفيد عبد الرحمن الحاج بأن «خطة الانتشار التركي ممنهجة لمراحل متعدّدة»، فإنه يضيف أن هناك شقاً استراتيجياً يتمثل في أن تكون «قوة الفصل» مقبولة من المجتمع المحلي، و«هو ما دفع القوات التركية لعقد تفاهمات غير مباشرة مع هيئة تحرير الشام جنّبتها الاصطدام بها».
ويؤكد الحاج أن الانتشار «يسير حالياً وفق خطة ممنهجة، والإنجاز فيها أنها لم تؤدِّ لسفك الدماء وخففت من تغول (النصرة)»، مشدداً على أن التفاهمات غير المباشرة «كانت حلاً مناسباً بالنسبة للقلقين من الانتشار والخائفين من إراقة الدماء بين السوريين».
ومن ثم يوضح أن توسّع الانتشار التركي إلى حدود عميقة نحو إدلب «يمثل جبهات واسعة يصعب تغطيتها، وهو ما سيرفع احتمالات التنسيق مع الجيش الحر، وتثبيت نقاط مراقبة».
وحقاً، تتحدث المعلومات عن أن القوات التركية أكملت المرحلة الأولى من انتشارها بالوصول إلى ريف حلب الغربي وانتشارها على خطوط التماس مع مناطق نفوذ ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، بينما «تتمثل المرحلة الثانية بالوصول جنوباً إلى منطقة ريف حماة الشمالي».
وتتصدر أولويات تركيا في هذا الوقت، الانتشار في «الجيب» الذي يضم مدينة عفرين، لمنع تمدّد «الفيدراليات» الكردية على حدودها. وحول هذه النقطة يشرح الحاج أن «رأس أولويات أنقرة الآن هي عفرين، وليس (جبهة النصرة). فالأخيرة لا تشكل خطراً مباشراً على الأمن القومي تركيا في المدى المنظور، في حين أن الفيدرالية الكردية تمثّل بالنسبة لها تهديداً مباشراً وعاجلاً للأمن القومي التركي. وهو الأمر الذي يجعل الانتشار حول عفرين، وتقليص مساحتها الجغرافية عبر التمدّد في داخل المنطقة، خصوصاً في القرى التركمانية والعربية، ممكناً جداً».

سباق بين النظام وتركيا
وفي السياق نفسه، على أعتاب المرحلتين الثانيتين من الانتشار التركي، يسابق النظام السوري أنقرة إلى هذه المناطق وقضم مساحات واسعة منها قبل تحوّل الانتشار التركي إلى أمر واقع يمنع النظام من التمدد في شمال غربي سوريا، وهو ما يفسر العمليات التي يخوضها النظام في ريفي حماة الشمالي الشرقي وحلب الجنوبي الغربي.
ويشهد الريف الحلبي الجنوبي، قتالاً مستمراً بعنف منذ الخميس الماضي نتيجة هجوم عنيف من قبل قوات النظام مدعومة بالمسلحين الموالين لها من جنسيات سورية وعربية وآسيوية، على مناطق سيطرة «هيئة تحرير الشام» والفصائل المعارضة والإسلامية في جنوب غربي بلدة خناصر بريف حلب الجنوبي. ولقد مهَّدت لها قوات النظام بجولات من القصف المتقطع والغارات الجوية، وتمكَّنَت في أولى جولات هجومها، من التقدم ومعاودة تثبيت السيطرة على 3 قرى في ريف حلب الجنوبي وهي جب عوض وحجارة كبيرة وحجارة صغيرة.
وفي ريف حماه الشمالي الشرقي، تتواصل الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام و«هيئة تحرير الشام» في محور أبو لفة، وسط قصف طال ناحية الرهجان.
غير أن الغاية من هذا التمدد، هو الوصول إلى مطارين عسكريين في ريف إدلب، هما مطار تفتناز ومطار أبو الظهور قبل إكمال انتشار القوات التركية المخطط له بلوغ ريف حماه الشمالي عبر إدلب. وهذه الخطوة ستمكن الأتراك من ضم المطارين إلى نقاط نفوذهم. وراهناً تروّج وسائل إعلام النظام بأن قواته ستصل إلى مطار أبو الظهور - الواقع في الريف الشرقي لإدلب - بينما تنفي المعلومات مصادر المعارضة.

مطار أبو الظهور العسكري
هذا، وكانت صحيفة «يني شفق» التركية، قد أشارت قبل أسبوعين إلى أن انتشار الجيش التركي سيصل مطاري أبو الظهور وتفتناز، ثم يتوجّه إلى بلدة عندان (قرب حلب، على بعد 20 كيلومتراً) وعلى طول الحدود الجنوبية لمنطقة عفرين. وللعلم، يقع مطار أبو الظهور العسكري الذي تقدّر مساحته بـ23 كيلومتراً مربعاً على بعد 27 كيلومتراً شرقي مدينة سراقب، في المنطقة الصحراوية المتصلة بريف حماة الشرقي، وهو يحاذي بلدة أبو الظهور شرقاً.
وتقع بوابة المطار الرئيسية على مدخل البلدة، إلى جانب ما يُعرف بمساكن الضباط، وهي أبنية تقطنها عائلات الضباط، وجرى إفراغها بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011.
وكانت «جبهة النصرة»، يدعمها حلفاؤها في «الحزب الإسلامي التركستاني»، قد أحكمت سيطرتها على المطار في سبتمبر (أيلول) 2015، وكان بالتالي آخر معاقل النظام في المحافظة. ومن الناحية الاستراتيجية، يعد مطار أبو الظهور أحد أهم المطارات العسكرية في الشمال السوري، وهو يتبع إدارياً لقيادة «اللواء 14» في القوى الجوية، الذي يقع مقر قيادته في مطار حماة العسكري. ويحتوي المطار على سربين للطائرات القتالية، هما سرب طائرات «ميغ 21» وسرب طائرات «ميغ 23». ويضم السرب حسب تصنيفات قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي السوري من ثلاثة إلى أربعة «رفوف» بمعدل أربع طائرات في الرفّ الواحد.
هذا، ويسعى النظام السوري لكسب الوقت، منعاً لمزاحمة تركيا له على السيطرة على مطار أبو الظهور، وهو الذي يخوض مع حلفائه وداعميه معارك عسكرية وسياسية، لاستعادة السيطرة على مجمل المطارات العسكرية التي تحولت إلى ثكنات عسكرية لقواته ونقطة انطلاق الهجمات ضد خصومه، بمساعدة روسيا، التي تسلمت مطار «منّغ» الأسبوع الماضي من ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية».

مطار تفتناز العسكري
من ناحية أخرى، في ظل تضارب المعلومات حول تسليم «هيئة تحرير الشام» للجيش التركي مطار تفتناز العسكري، ثاني أكبر قواعد الهليكوبترات العسكرية في سوريا لم تتأكد تلك المعلومات، في وقت يحرص النظام للسيطرة على هذا المرفق الواقع في ريف إدلب الشمالي الشرقي.
وتُقاس السيطرة على مطار تفتناز العسكري بأهمية استراتيجية «كونه موجوداً في بحر من المناطق المناوئة له»، وفق قول الخبير العسكري السوري عبد الناصر العايد لـ«الشرق الأوسط». ويضيف العايد موضحاً أن «مطار تفتناز يقع في قلب المنطقة السكانية المناوئة للنظام. وستمكنه استعادة السيطرة عليه من التأثير على البيئة المناوئة».
ويلفت العايد إلى أن هذا المطار شيد في بدايات عقد الثمانينات بعد أحداث 1982 بين النظام وتنظيم الإخوان، ما جعل النظام يثبت نفسه في هذا البحر من المناوئين بغرض السيطرة على السكان المحليين. كذلك يعتبر هذا المطار أول قاعدة جوية استخدمها ضد قوات المعارضة في يونيو (حزيران) 2011، إثر خروج قسماً كبيراً من الريف الإدلبي عن سيطرة النظام.

حرب استعادة
وهكذا في ظلّ توزع مناطق السيطرة وتشتت قوات النظام على مساحات جغرافية متباعدة في سوريا، وتحوّل الطرقات البرية إلى طرقات مهدّدة وغير آمنة، باتت المطارات طريق التواصل الرئيسي بين ألوية قوات النظام بغرض السيطرة على البلاد. ومن ثم، فإن استعادة المطارات هدف مشترك للنظام وروسيا وإيران الذين يمثلون حلفاً واحداً تجمعهم مصالح مشتركة.
في هذه الأثناء، وبينما لا تبدو هناك أي إمكانية في الوقت المنظور لاستعادة النظام السيطرة على مطار الطبقة العسكري التي سيطرت عليه «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم أميركي في شهر مارس (آذار) الفائت، يمكن القول إن النظام (بدعم روسي) تمكن من استخدام معظم المطارات العسكرية بعد تأمينها أو استعادة السيطرة عليها، باستثناء مطار منّغ الذي بات بعهدة الروس. إذ واستعاد النظام السيطرة على مطار مرج السلطان بمحافظة ريف دمشق، ومطار الضبعة (قرب بلدة القصير) في ريف محافظة حمص، ومطار جب الجراح (كشيش) بريف حمص الشرقي، كما فك الطوق عن مطار دير الزور ومطار «تي فور» بريف حمص الشرقي، ومطار كويرس بريف حلب الشرقي، وأبعد المعارضة عن مطار حماة.
وتتحدث مصادر المعارضة السورية عن أن مسارات الهجمات التي شنتها قوات النظام منذ التدخل الروسي أوحَتْ بأن استعادة المطارات العسكرية، أولوية بالنسبة لقوات النظام، كونها تشكل قواعد عسكرية قريبة تمكنها من أن تتحوّل إلى مرابض مدفعية ومنصات إطلاق صواريخ ضد المدن القريبة، فضلاً عن أنها تستخدم كمهبط للهليكوبترات، تقلل إجهاد تلك الطائرات التي باتت متهالكة.
وتتفاوت التقديرات حول أهمية استخدام تلك المطارات في حال استعادة السيطرة عليها، بين كونها تتمتع بأهمية للطائرات الروسية أو لطائرات سلاح جو النظام، وبين أن تتحول إلى قواعد انطلاق ميدانية، غير أن استعادة المطارات، لا يعني أن هذه القواعد ستساعد قوات النظام كثيراً في معاركه الجوية.
ويشكك خبراء بأن تستطيع روسيا استخدام تلك المطارات بحالتها الحالية. ذلك أن شروط المطار أن يتمتع بمدرج طويل يسمح بانطلاق القاذفات الاستراتيجية وهبوطه. ويجب أن تكون أرض المطار مجهزة لتحمل أثقال تلك الطائرات، فضلاً عن أن تُنشأ فيه أبراج مراقبة، كون المطار العسكري يحتاج إلى أجهزة تقنية ولا يمكن أن تعمل بلا أجهزة مراقبة وإنذار.
وهو ما يؤكد اعتماد الروس على مطار حميميم بعد إعادة تأهيله، ليغدو صالحاً لطائرات «سوخوي» و«توبوليف» التي تحتاج إلى مدى في المدارج ومنصة تحملها.
وتعتبر دمشق السيطرة على المطارات أولوية، لكون الطائرات تساند القوات الجوية، وكلما كانت قريبة من الميدان، ستكون تكلفة إشغالها أقل وستكون فعاليتها أكبر.



مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.


الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)

أقر مجلس الوزراء اليمني، مشروع برنامج عمل الحكومة لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها تمثل إطاراً تنفيذياً لمرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، وتعزيز الاستقرار السياسي والخدمي في البلاد، وذلك خلال اجتماع للحكومة في العاصمة المؤقتة عدن.

ويرتكز مشروع البرنامج على الالتزام بالهدف العام للدولة المتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتخفيف معاناة المواطنين، مع التركيز على انتظام دفع الرواتب، وترشيد الإنفاق العام، وحماية العملة الوطنية، وتهيئة الحد الأدنى من اليقين الاقتصادي لضمان استدامة الاستقرار وانعكاسه على حياة المواطنين.

وتترجم خطوة الحكومة اليمنية ما أفصح عنه رئيسها في حوار موسع مع «الشرق الأوسط بودكاست» غداة أداء حكومته اليمين الدستورية في فبراير (شباط) الماضي إنه يرنو لبناء حقيقي.

كما ينطلق البرنامج من رؤية سياسية وإدارية واضحة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر حزمة إصلاحات هيكلية ومؤسسية شاملة تركز على تحسين الإدارة العامة وتعزيز الشفافية وربط الأداء الحكومي بمؤشرات قياس واضحة.

وحدد برنامج عمل الحكومة اليمنية لعام 2026 ست أولويات استراتيجية متكاملة تشكل الإطار العام للسياسات الحكومية خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

الحكومة اليمنية تواجه تحديات متشابكة على أصعدة الأمن والاقتصاد والخدمات (سبأ)

كما تشمل الأولويات تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، واستعادة النمو الاقتصادي المستدام والمنصف، إلى جانب الحفاظ على استدامة الخدمات الأساسية وتحسين جودتها وضمان عدالة الوصول إليها لجميع المواطنين.

وتضمنت الأولويات أيضاً تعزيز الحوكمة المؤسسية والتحول الرقمي وسيادة القانون، إضافة إلى دعم التماسك المجتمعي، وتمكين رأس المال البشري، فضلاً عن تعزيز الشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي، وتطوير علاقات التعاون التنموي والدبلوماسي بما يسهم في تحقيق التعافي والتنمية.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني - بحسب الإعلام الرسمي - بجهود اللجنة الوزارية التي تولت إعداد البرنامج برئاسة وزير الإدارة المحلية، مؤكداً أهمية استيعاب الملاحظات التي قدمها أعضاء المجلس بهدف تطوير البرنامج وضمان قابليته للتنفيذ خلال الفترة المقبلة.

التزام وطني

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني أن مشروع برنامج عمل حكومته لعام 2026 لا يمثل وثيقة نظرية أو إعلاناً سياسياً عاماً، بل يعد التزاماً وطنياً واضحاً أمام الشعب اليمني ومجلس القيادة الرئاسي والشركاء الإقليميين والدوليين.

وأوضح أن الحكومة تعمل وفق منهج واضح يقوم على تحديد الأولويات، وربط الأهداف بالإمكانات المتاحة، ضمن مقاربة واقعية تراعي الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد.

وأشار الزنداني إلى أن البرنامج يشكل الإطار التنفيذي الذي سيحول الموازنة العامة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال ترجمة التوجهات العامة للحكومة إلى برامج عمل محددة زمنياً ومرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ولفت إلى أن إقرار البرنامج يأتي بعد أيام قليلة من إقرار مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، التي وصفها بأنها أول موازنة منتظمة منذ سنوات طويلة بعد أن فرضت الحرب وتعقيدات المرحلة واقعاً استثنائياً أربك أدوات التخطيط المالي، وأثر في انتظام المالية العامة.

وأكد أن إقرار الموازنة يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي في إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات الإنفاق وفق رؤية مسؤولة ومنهج مؤسسي منضبط.

إصلاحات اقتصادية

أوضح رئيس الحكومة اليمنية أن البرنامج يستند إلى الإطار العام لخطة التعافي الاقتصادي لعامي 2025 – 2026، وإلى قرار مجلس القيادة الرئاسي بشأن أولويات الإصلاحات الاقتصادية، مع الاستفادة من التجارب السابقة، ومراجعة التحديات التي واجهت التنفيذ خلال المرحلة الماضية.

وأشار الزنداني إلى عزم حكومته مواصلة العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي من خلال ضبط الإنفاق العام وترشيده، وتعزيز الإيرادات العامة، إضافة إلى دعم دور البنك المركزي في حماية العملة الوطنية، وتحقيق الاستقرار النقدي.

الزنداني يترأس اجتماع مجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وتسعى الحكومة اليمنية بحسب رئيسها إلى استعادة التوازنات المالية، وكبح التضخم، وحماية القوة الشرائية للمواطنين، مع ضمان انتظام صرف الرواتب، وخلق قدر أكبر من اليقين الاقتصادي في الأسواق.

وأكد الزنداني اعتزام تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ودعم القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يسهم في خلق فرص عمل، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة.

وفي هذا السياق، أشاد رئيس الحكومة بالدعم الذي تقدمه السعودية ضمن «تحالف دعم الشرعية»، مؤكداً أن المساندة المالية السعودية، خصوصاً دعم عجز الموازنة والمساهمة في تمويل الرواتب، شكلت ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة خلال مرحلة معقدة.

وأوضح الزنداني أن حكومته ملتزمة تحسين واستدامة الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب رفع الكفاءة التشغيلية لمؤسسات الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية في مختلف المحافظات.

وأشار إلى وجود أولوية خاصة للمناطق الأكثر تضرراً والفئات الأكثر احتياجاً، مشيراً إلى أن العاصمة المؤقتة عدن يجب أن تتحول إلى نموذج حقيقي للدولة من حيث مستوى الإدارة والخدمات والانضباط المؤسسي.

وفي إطار الإصلاح الإداري، شدد رئيس الوزراء اليمني على أن نجاح أي برنامج إصلاحي يتطلب إصلاحاً إدارياً حقيقياً يعزز الحوكمة المؤسسية وسيادة القانون، مشيراً إلى أن الحكومة ستعمل على تطوير الهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة وإصلاح نظام الموارد البشرية على أساس الكفاءة والجدارة.

وأوضح الزنداني أن الحكومة ستسعى إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التحول الرقمي في العمل الحكومي، إضافة إلى إنشاء لجنة عليا للإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة بما يسهم في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وربط الأداء بالنتائج.

تعزيز الشراكة الدولية

في سياق آخر، عقد رئيس الوزراء اليمني اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وعدد من سفراء الدول الأوروبية، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون لدعم جهود الحكومة في تنفيذ برنامجها لعام 2026.

الزنداني اجتمع عبر الاتصال المرئي مع سفراء الاتحاد الأوروبي لمناقشة دعم حكومته (سبأ)

وأكد الاجتماع أهمية تكثيف الجهود الدولية لدعم مسار السلام والاستقرار في اليمن، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين لدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وأعرب الزنداني عن تقديره للشراكة الاستراتيجية القائمة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، داعياً إلى توسيع مجالات التعاون لدعم الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية الراهنة.

ونقل الإعلام الرسمي أن السفراء الأوروبيين أكدوا دعمهم الكامل للحكومة اليمنية وخططها للإصلاح، مشيدين بإقرار مشروع الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة لعام 2026 بوصفهما خطوتين مهمتين في مسار الإصلاح المؤسسي، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.