غضب فلسطيني عارم ومظاهرات ضد الإعلان المشؤوم

ضرب مجسم لبلفور واشتباكات ومسيرات و«هاشتاغات» تهاجم رئيسة وزراء بريطانيا

متظاهرون في بيت لحم يحرقون لافتة عليها علما إسرائيل وبريطانيا وصورة لماي واللورد بلفور (إ.ب.أ)
متظاهرون في بيت لحم يحرقون لافتة عليها علما إسرائيل وبريطانيا وصورة لماي واللورد بلفور (إ.ب.أ)
TT

غضب فلسطيني عارم ومظاهرات ضد الإعلان المشؤوم

متظاهرون في بيت لحم يحرقون لافتة عليها علما إسرائيل وبريطانيا وصورة لماي واللورد بلفور (إ.ب.أ)
متظاهرون في بيت لحم يحرقون لافتة عليها علما إسرائيل وبريطانيا وصورة لماي واللورد بلفور (إ.ب.أ)

بدأ الفلسطينيون أمس، فعاليات التنديد بذكرى 100 عام على إعلان بلفور، بضرب مجسم له بالأحذية في مدينة بيت لحم، قبل أن تتحول الفعالية لمناسبة للاشتباك مع الجيش الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين بسبب هذا الوعد.
وضرب فلسطينيون بقوة مجسما لوزير الخارجية البريطاني الأسبق آرثر بلفور، الذي أعطى وعدا في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1917، لزعيم الجالية اليهودية آنذاك، ليونيل روتشيلد، يتعهد فيه بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وهتف فلسطينيون ضد بريطانيا وإسرائيل، وهاجموا بقوة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، بسبب إصرارها على الاحتفال بمئوية الوعد الذي سلبهم أرضهم.
وقال الناشط الشبابي منذر عميرة، إن على ماي الاعتذار بدل الاحتفال، ثم الاعتراف بالدولة الفلسطينية بالحد الأدنى كمحاولة للتعويض. وأضاف: «جئنا هنا لنقول إن حقنا لن يسقط بالتقادم ولا بعد 100 عام أو 1000 عام».
وشكلت مظاهرة بيت لحم بداية فعاليات ومسيرات طويلة أقرها الفلسطينيون، للاحتجاج على مرور قرن على الوعد المشؤوم، وبسبب إصرار بريطانيا على الاحتفال به.
ودعت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح وفصائل فلسطينية مختلفة، الفلسطينيين وكل أحرار العالم في كل مكان، وكافة المؤسسات في الداخل والخارج، إلى أوسع مشاركة في المسيرات والمظاهرات التي ستخرج تنديدا بالذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، ولإصرار حكومة بريطانيا على الاحتفاء بهذه الجريمة.
وقال عضو المجلس الثوري لحركة فتح والمتحدث باسمها، أسامة القواسمي: «إن الشعب الفلسطيني سيُسمع العالم أجمع صوت الحق المتمثل بالتمسك بالأرض والتاريخ والحق الذي لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن، وإن مقولة الكبار يموتون والصغار ينسون سقطت سقوطا مدويا، فإرث آبائنا من تاريخ وحضارة وألمٍ وأمل، نحمله ونُورثه لأبنائنا جيلا بعد جيل، ولن تسقط الراية حتى تُرفع خفاقة فوق القدس عاصمة دولة فلسطين».
وجدد القواسمي مطالبة الحكومة البريطانية بإلغاء احتفاليتها بالذكرى المئوية للوعد المشؤوم، والاعتراف بدولة فلسطين كخطوة للتكفير عن جريمتها.
ويفترض أن تنطلق اليوم في رام الله ومدن فلسطينية أخرى مسيرات واسعة للتنديد بوعد بلفور.
وتأتي هذه المسيرات فيما أطلقت دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، لمناسبة الذكرى المئوية المأساوية لإعلان وعد بلفور، بدأت أمس الساعة 6 مساء إلى الساعة 10 مساء بتوقيت فلسطين، ومن الساعة 4 مساء إلى 8 مساء بتوقيت بريطانيا، ومن الساعة 12 مساء إلى 4 مساء بتوقيت الولايات المتحدة، واستهدفت حسابات «تويتر» لكل من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، ووزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ومكتب الخارجية ورابطة الكومنولث البريطانية، مع استخدام هاشتاغ#MakeItRight.
ويستعد الفلسطينيون لمقاضاة بريطانيا، كما أعلن وزير الخارجية رياض المالكي ومسؤولون آخرون، بعدما فشلت جهود منع الاحتفال بالذكرى المئوية للوعد.
ويفترض أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حفل عشاء تقيمه ماي اليوم، الأمر الذي زاد من الغضب الفلسطيني.
ووصفت السلطة الفلسطينية أمس وعد بلفور، بأكبر جريمة في التاريخ البشري، وخطيئة سياسية وقانونية وأخلاقية ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها الباهظ من دمه ولحمه الحي.
وقالت وزارة الإعلام إن تفاخر رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بالوعد ينم عن وقاحة سياسية لم يشهدها التاريخ، وإمعان في انتهاك حقوق الشعب المشروعة، وإصرار على دعم الاحتلال والاستيطان والعدوان.
كما وصفت حركة حماس «وعد بلفور»، بوعد زائف وسرقة للتاريخ والثقافة والحضارة والحياة، منبهة إلى أنه قائم على الافتراء والتسلط وإحلال بقوة الاحتلال لا بقوة المنطق والحق.
ولفتت إلى أن المائة سنة لم تذهب تضحياتها هدراً، وقالت إن حلم الاحتلال باحتفاله بمائة عام على قيامه، ستقصر أجله سواعد المجاهدين وقبضة المقاومين.
وأكدت الحركة أن بريطانيا ارتكبت مجزرة تاريخية بحق شعب له وجود وثقافة وتاريخ، وهي ملزمة اليوم بالتكفير عن خطيئتها بإعادة الحقوق لأهلها، وطالبتها بالاعتذار العملي للشعب الفلسطيني بعودة اللاجئين الذين هُجروا عن أرض فلسطين التاريخية إلى موطنهم الأصلي، وتعويضهم عما لحق بهم، ودعم حقهم في الحرية والاستقلال.
وفي إسرائيل بادرت لجنة المتابعة العربية، التي تضم كل الأحزاب الوطنية لفلسطينيي 48، سلسلة نشاطات احتجاج ستبلغ ذروتها بمظاهرة أمام السفارة البريطانية في تل أبيب.
وقد أصدرت اللجنة بيانا دعت فيه الأحزاب واللجان الشعبية لتنظيم وقفات احتجاج وندوات فكرية ودروس في المدارس ضد هذا الوعد، في جميع القرى والمدن العربية.
وقال رئيس المتابعة، محمد بركة، إن «الوعد الاستعماري البريطاني للحركة الصهيونية، هو وعد من لا يملك، لمن لا يستحق. وقد كان دور الاستعمار البريطاني على مدى العقود الثلاثة في فلسطين، تطبيق الوعد المشؤوم على الأرض. وتمسك بريطانيا اليوم بهذا (الوعد) واحتفاؤها به، يزيد من مسؤوليتها المباشرة عن الجريمة العظمى التي ما تزال تلحق بفلسطين وشعبنا حتى يومنا هذا». وأضاف أن «نشاطنا لطرح موضوع وعد بلفور هو جزء من حراك فلسطيني ودولي للتصدي للإجحاف الصارخ، في هذا الوعد، هذا الحراك الذي تبنته م. ت. ف، ويلقى دعما من كل مكونات الشعب الفلسطيني». وختم بركة بالقول إن «مطالبنا في هذا الحراك تتلخص فيما يلي: على بريطانيا أن تعتذر وتتراجع عن وعد بلفور، أن تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية والعملية عن الكوارث التي خلّفها هذا الوعد على الشعب الفلسطيني وأن تعلن اعترافها بدولة فلسطين على جميع المستويات الدولية».
وفي القاهرة، قال الأمين العام لجامعة العربية أحمد أبو الغيط، إن «تورط بريطانيا في إعطاء (وعد بلفور) لا ينبغي أن يُمثل أبداً مناسبة للاحتفال أو أن يكون سبباً للشعور بالفخر أو التباهي، لأنه يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق شعبٍ بأكمله».
وأضاف أبو الغيط، خلال استقباله، أمس، لسفير فلسطين لدى مصر ومندوبها الدائم بالجامعة العربية جمال الشوبكي، والذي أنهى مهمة عمله، أن «خطاب بلفور» وما فيه من «تعهدات يُمثل ذروة الانحياز الدولي ضد الشعب الفلسطيني، ويُعد تجسيداً لعدم الاكتراث بحقوقه التاريخية في أرضه».
ودعا مندوب فلسطين لدى الجامعة، إلى «مزيد من العمل السياسي والدبلوماسي تجاه الاتحاد الأوروبي، واتجاه الدول الخمس الكبرى خاصة بريطانيا للاعتراف بدولة فلسطين، وضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني والتقليل من الآثار المدمرة التي وقعت عليه»، مشيراً إلى أن «هناك أكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني في المهجر ومعظمهم في مخيمات ويعيشون عيشة صعبة بسبب انتداب بريطانيا».
وفي لندن أصدر «فريق وحدة دعم المفاوضات» بيانا جاء فيه «إن الذكرى المئوية لوعد بلفور هي الوقت المناسب لمصالحة السلام بالعدالة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، وبما يتفق مع المبدأ الذي تدعي بريطانيا بأنها تناصره، ألا وهو حقوق متساوية للجميع بموجب القانون». ودعا «فريق وحدة دعم المفاوضات» بريطانيا إلى الاعتراف الفوري بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، على أساس حدود ما قبل حزيران عام 1967، مثلما فعل ثلثا أعضاء الأمم المتحدة.

متظاهرون في بيت لحم يحرقون لافتة عليها علما إسرائيل وبريطانيا وصورة لماي واللورد بلفور (إ.ب.أ)



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.