100 عام على وعد بلفور والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني على حاله

صورة أرشيفية تظهر آرثر بلفور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وحاييم وايزمان في تل أبيب سنة 1925 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية تظهر آرثر بلفور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وحاييم وايزمان في تل أبيب سنة 1925 (أ.ف.ب)
TT

100 عام على وعد بلفور والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني على حاله

صورة أرشيفية تظهر آرثر بلفور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وحاييم وايزمان في تل أبيب سنة 1925 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية تظهر آرثر بلفور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وحاييم وايزمان في تل أبيب سنة 1925 (أ.ف.ب)

بعد مائة عام على وعد بلفور الذي جرى في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، ما زال الجرح الفلسطيني ينزف ولم يلتئم بعد، فيما الاحتلال الإسرائيلي يرتكب جرائم القتل والاعتقال والتدمير بحق الشعب الفلسطيني.
هذا الوعد التاريخي الذي منح أرض فلسطين لليهود، ومن ثم مهد الطريق أمامهم لاحتلالها، هو من مآسي التاريخ الكبرى، حيث مكن الاحتلال البريطاني إسرائيل من الاستيلاء على فلسطين، وإقامة المستوطنات عليها، وإقامة الجمعيات اليهودية، كما جعل الاحتلال البريطاني الأبواب مفتوحة أمام الهجرات اليهودية إلى أرض فلسطين. في المقابل، شدد الاحتلال البريطاني من قبضته على الفلسطينيين، وقتل الآلاف من الفلسطينيين.
بدأ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في نهاية القرن التاسع عشر مع بدء هجرة اليهود إلى فلسطين، هرباً من معاداة السامية في روسيا ووسط أوروبا، حسب الادعاء والرؤية الخاصتين بهم.
وفي الثاني من نوفمبر 1917، قال وزير الخارجية البريطاني في حينه آرثر بلفور، إن حكومته «تؤيد إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين». وفي عام 1918، احتل الجيش الإنجليزي البلاد، ووضعها تحت الإدارة العسكرية.
وفي فبراير (شباط) 1919، رفض أول مؤتمر فلسطيني في القدس إقامة «وطن قومي لليهود»، ثم أصبحت فلسطين رسمياً في عام 1922 تحت الانتداب البريطاني الذي واجه ثورة فلسطين الكبرى في السنوات ما بين 1936 و1939.
وأقرت الأمم المتحدة، في 29 نوفمبر 1947، خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية وعربية، ووضع القدس تحت السيطرة الدولية؛ تلك الخطة التي وافق زعماء الحركة الصهيونية عليها، بينما رفضها القادة العرب، ما أدى إلى نشوب الحرب بين العرب واليهود.
وأعلن ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لاسرائيل)، في 14 مايو (أيار) 1948، قيام دولة إسرائيل مباشرة بعد نهاية الانتداب البريطاني في فلسطين.
وحتى وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في السابع من يناير (كانون الثاني) 1949، تهجر نحو 760 ألف فلسطيني، مع مطاردة القوات اليهودية لهم أو طردهم من قراهم، وتم تدمير 400 قرية.
وكانت الضفة الغربية، بما يشمل القدس الشرقية، تخضع لسيطرة الأردن، بينما كان قطاع غزة يخضع لسيطرة مصر.
وفي الخامس من يونيو (حزيران) 1967، بدأت إسرائيل حرباً ضد مصر وسوريا والأردن استغرقت 6 أيام، وتمكنت خلالها من احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء التي أعادتها إلى مصر عام 1982.
وبدأ الاستيطان بعد وقت قليل من نهاية الحرب في الأراضي المحتلة، ولم يتوقف حتى الآن.
وبدأت مصر وسوريا في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، في الساعة الثانية ظهراً في يوم الغفران اليهودي، هجوماً على الجيش الإسرائيلي المنتشر على طول قناة السويس وعلى خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان. وبعد مفاجأة أولية وخسائر كبيرة، تمكن الجيش الإسرائيلي من تفادي الهزيمة.
ووقعت مصر وإسرائيل اتفاقية سلام في عام 1979، وهي أول معاهدة سلام بين (الدولة العبرية) ودولة عربية.
وقامت إسرائيل بإطلاق «عملية الليطاني»، بجنوب لبنان، في 14 مارس (آذار) عام 1978، من أجل حماية شمال الأراضي التي احتلتها من منظمة التحرير الفلسطينية، بحسب ما أعلنت. ونفذت إسرائيل انسحاباً جزئياً في يونيو من العام نفسه، وتركت مكانها ميليشيات مسيحية.
وفي السادس من يونيو 1982، قامت القوات الإسرائيلية بغزو لبنان ومحاصرة بيروت، وتوجب على منظمة التحرير الفلسطينية مغادرة بيروت. وارتكبت مجازر في مخيمات صبرا وشاتيلا الفلسطينية ببيروت على أيدي ميليشيات (جيش لبنان الجنوبي التي كانت تتعامل مع اسرائيل آنذاك)، وأقرت لجنة تحقيق إسرائيلية بعدها بـ«المسؤولية غير المباشرة» للجيش الإسرائيلي عن المجازر.
ووقعت اتفاقات أوسلو بواشنطن، في سبتمبر عام 1993، حول الحكم الذاتي الفلسطيني، بعد مفاوضات سرية استمرت 6 أشهر، واعترفت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ببعضهما، ونص الاتفاق على حكم ذاتي فلسطيني انتقالي لمدة 5 سنوات.
وبدأ هذا الاتفاق في الرابع من مايو 1994، باتفاق القاهرة الذي قضى بإخلاء 70 في المائة من قطاع غزة وأريحا (في الضفة الغربية). وبعدها، عاد زعيم منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات إلى الأراضي المحتلة في يوليو (تموز) 1994.
وفي 28 سبتمبر عام 2000، قام زعيم اليمين أرييل شارون بزيارة مثيرة للجدل إلى الحرم القدسي في القدس الشرقية، ما أدى إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة، أطلق عليها اسم «انتفاضة الأقصى».
وكانت انتفاضة أولى أطلق عليها اسم «انتفاضة الحجارة» قد قامت في الضفة الغربية وقطاع غزة، واستمرت حتى 1993.
وفي الانتفاضة الثانية، استبدلت الحجارة بالأسلحة النارية، ثم الأحزمة الناسفة، وبعدها الصواريخ.
وأعاد الجيش الإسرائيلي احتلال المدن الفلسطينية الرئيسية ذات الحكم الذاتي في الضفة الغربية، ثم أطلق في مارس 2002 أكبر هجوم إسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة منذ حرب عام 1967.
وفي يناير 2005، تم انتخاب محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية بعد وفاة ياسر عرفات، وأنهى الجيش الإسرائيلي انسحاباً أحادي الجانب من قطاع غزة، وخرج آخر جندي من هناك.
وسيطرت حركة حماس في يونيو 2007، التي حققت فوزاً في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، على قطاع غزة، بعد قتال عنيف مع قوات السلطة الفلسطينية، بقيادة حركة فتح التي يتزعمها محمود عباس.
ولا تسيطر السلطة الفلسطينية حالياً سوى على جزء من أراضي الضفة الغربية.
وأطلقت إسرائيل في 8 يوليو 2014 عملية عسكرية ضد قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ وتدمير أنفاق تمتد إلى داخل أراضيها.
واستمرت حرب صيف 2014 لمدة 50 يوماً، وكانت الأطول والأكثر دموية ودماراً بين الحروب الثلاث على القطاع منذ سيطرة حركة حماس عليه عام 2007.
وأسفرت الحرب عن سقوط 2251 قتيلاً من الفلسطينيين، بينهم 551 طفلاً، بحسب الأمم المتحدة. وفي الجانب الإسرائيلي، قتل 74 شخصاً، بينهم 68 جندياً.
ووقعت حركة فتح وحماس اتفاق مصالحة، برعاية مصرية في القاهرة في 12 أكتوبر الحالي، نص على عودة السلطة إلى القطاع المحاصر من إسرائيل منذ 10 سنوات.
وبعد مائة عام على وعد بلفور، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إنه «تأثر بشدة بمعاناة المتضررين والمطرودين» من إقامة إسرائيل، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أنه «صديق» لها، مشيراً إلى أن وعد بلفور «لم يتحقق بالكامل».
وأقر جونسون، في مقال نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، بأن الإعلان البريطاني الذي وضع قبل 100 عام أساساً لإقامة إسرائيل (وعد بلفور)، لم يتم الوفاء به بشكل كامل ليعبر عن نبرة تعاطف إزاء الفلسطينيين. وقال إن «التحذير المهم في وعد بلفور، الذي كان يهدف إلى حماية الطوائف الأخرى، لم يتحقق بالكامل»؛ في إشارة للوثيقة التي دعت إلى ضرورة عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف الأخرى غير اليهودية.
وأشار جونسون أيضاً إلى قضية المستوطنات الإسرائيلية، قائلاً إن حل الدولتين يجب أن يشمل دولة فلسطينية متصلة الأراضي قابلة للحياة إلى جانب «إسرائيل آمنة»، واقترح السعي لاتفاق سلام استناداً إلى حدود 1967، مع تبادل الأراضي.
من جانبه، دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس بريطانيا، العام الماضي، للاعتذار عن وعد بلفور، قائلاً إن الفلسطينيين عانوا كثيراً نتيجة هذا الوعد، إلا أن لندن ردت بأنها «لن تعتذر».
ولا تعترف بريطانيا بفلسطين كدولة، لكنها تقول إنها قد تفعل ذلك في أي وقت، إذا اعتقدت أن ذلك سيساعد في جهود السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهذه الجهود متوقفة منذ سنوات.
ويأتي مقال جونسون قبل أيام من زيارة سيقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى بريطانيا، الخميس المقبل، للقاء نظيرته تيريزا ماي وجونسون، في ذكرى إصدار وعد بلفور، الذي قال إن بريطانيا تؤيد «إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.