ليبيا: خطة لتوحيد الجيش... ودخول مصراتة «بلا قتال»

دمج الإدارات والاستخبارات والحسابات العسكرية في طرابلس وبنغازي... وإنشاء مجلس أعلى للقوات المسلحة

TT

ليبيا: خطة لتوحيد الجيش... ودخول مصراتة «بلا قتال»

بين كميات من الملفات وهواتف التي لا تتوقف عن الرنين، وعشرات الضباط الداخلين والخارجين في مكتبه الملحق بمقر إقامته في إحدى ضواحي بنغازي، يدير العميد أحمد المسماري الذي يحظى بثقة قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، مرحلة دقيقة تتضمن محاولة مهمة لتوحيد الجيش الذي تفرقت به السبل بعد إطاحة حكم معمر القذافي في 2011.
ولا تنقطع فناجين الشاي صغيرة الحجم التي تعلوها رغوة داكنة، عن الدوران حول ضيوف المكتب، من ضباط ورجال مخابرات وممثلي قبائل ومدن. ويُعرف المسماري في وسائل الإعلام بأنه المتحدث باسم الجيش، لكن مسؤولياته الأخرى وغير المعلنة كثيرة. وهذا يُمكن أن تلحظه بمجرد الاقتراب من أسوار مبنى المكتب من الخارج.
باختصار، يُعد المسماري من أحد أهم العُقول التي تتشاور يومياً تقريباً مع حفتر، واليد التي تنفذ تعليماته في نهاية المطاف. ويبدو جل وقته مشغولاً بخطة لتوحيد القوات المسلحة الليبية وتحديد مستقبل عمل الجيش في الشهور المقبلة.

كانت بين يديه تقارير استخباراتية تتحدث عن حجم الأسلحة التي حصلت عليها ميليشيات متطرفة من جهات خارجية عدة، لمقاومة تقدم الجيش في الجنوب والغرب. وبينما كان يراجع معلومات واردة من ضواحي بنغازي التي طُرد المتطرفون منها أخيراً، تلقى الرجل ذو البشرة السمراء والشارب الأسود المنسدل على جانبي فمه، اتصالات هاتفية جديدة من ضباط في القوات البحرية، كانوا يستعدون لتنفيذ أول مناورة بالذخيرة الحية على السواحل المحيطة بمدينة درنة، وهي مدينة ما زالت تتحكم فيها مجموعات متطرفة.
من الصعب معرفة الضابط من الجندي من المتطوع المدني. فالكل يعمل ويتحرك كأنه ضمن خلية نحل كبيرة لا تتوقف عن الشغل، رغم أن المعارك توقفت في بنغازي، باستثناء منطقة «سيدي خريبيش» المحاصرة التي تقع على مرمى حجر من الميناء البحري، في ثاني أكبر المدن الليبية. وتعرضت بنغازي لدمار واسع بسبب الأسلحة الفتاكة التي كان يملكها المتطرفون وهم يستميتون للاحتفاظ بالمدينة.
الآن، وبعد نحو ثلاث سنوات من الحرب المستعرة في الشرق والجنوب، تنفس الجيش الصعداء. ودخل مرحلة جديدة. عينه على أكبر مدينتين بعد بنغازي، وهما طرابلس ومصراتة غرباً. ويعوّل حفتر على ترتيب أوضاع العسكريين هناك للعمل تحت مظلة الجيش، وبالتالي تجنب الصدام والتدمير والاقتتال. وتوجد اتصالات بالفعل لتفادي هذا المصير.
حمل المسماري ملفات، وشد مقعده بعيداً عن مكتبه، وبدأ يشرح بطريقة تلقائية خطة توحيد الجيش. إنها تتضمن، بشكل لا لبس فيه، إحالة ضباط شاركوا في حروب ضد القوات المسلحة إلى محاكم عسكرية. واستبعاد أحد الضباط الليبيين في مصراتة، ممن سافروا أخيراً إلى قطر، من المشاركة في جهود توحيد الجيش الجارية عبر لقاءات تعقد في القاهرة.
وتركت الحملة التي شنها حلف شمال الأطلسي لمساندة المظاهرات ضد القذافي، الجيش مدمراً ومنقسماً على نفسه. وأعلن حفتر في 2014 «عملية الكرامة» بهدف جمع شتات الجيش ومحاربة الجماعات المتطرفة. ورغم الحظر الدولي على تسليح قواته، إلا أن حفتر تمكن من طرد المتطرفين من مناطق واسعة من البلاد، خصوصاً في الشرق، بينما ظلَّ أمر دخوله إلى العاصمة ومدينة مصراتة القوية، معلقاً، لكن يبدو أن هناك خطة معدة لهذا الغرض.
ويقول المسماري إن مفتاح دخول الجيش إلى طرابلس سيبدأ من مدينة الزاوية التي تقع غرب العاصمة، وإنه «لن يكون هناك قتال في مصراتة». ومعلوم أنه يتنازع على التحكم في طرابلس وما حولها، منذ شهور، قوات موالية لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وأخرى معادية له.
قطع سيل الحديث دخول شاب بملابس عسكرية، ليهمس في أذن المسماري بما بدا أنه بلاغ عاجل من جبهة ما. وحين استأنف المسماري كلامه، تذكر أن يشير إلى أن «لدينا ضباطاً من الأمازيغ والطوارق والتبو يعملون من أجل دولة موحدة، على عكس ما يُشاع بين حين وآخر، من أن هذه المكونات الثقافية تسعى إلى تقسيم ليبيا... إنهم ضباط وطنيون. وبعض منهم يشارك في لقاءات القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية». وأضاف: «توجد شعارات غير صحيحة عن أن الأمازيغ يريدون الانفصال، وأنهم لا يريدون العربية، لكن هذا كله لا أساس له، ومحاولة لتشويه أهلنا الأمازيغ، وهم براء من ذلك... وفدُنا الآن إلى القاهرة يتألف من ضباط من القيادة العامة، بينهم خمسة ضباط من منطقة الأمازيغ».
وتابع: «لقد اختلطت دماء العسكريين الليبيين والمتطوعين المدنيين الذين معهم، على طول محاور بنغازي الحصينة، والتي كانت تتمركز فيها، لأكثر من عامين، جماعات جرى تصنيفها عربياً ودولياً كمنظمات إرهابية، بعضها مرتبط بدولة قطر... المحاربون تحت راية الجيش كانوا من كل أنحاء ليبيا. عربي، أمازيغي، طوارقي، تباوي. لا فرق. نقاتل معاً بإمكانيات محلية شبه معدومة. فقدنا أكثر من 5600 في معارك بنغازي ودرنة والهلال النفطي وفي الجنوب والمنطقة الغربية، ولدينا آلاف المصابين بينهم ما يزيد على 1200 أصبحوا مبتوري الأطراف وفاقدي البصر والسمع».
وهزّ المسماري رأسه كأنه ينفض ذكريات مريرة من ذهنه عن أيام الحرب وفقد الرفاق على الجبهات. وبعد لحظة صمت استعاد فيها رباطة جأشه، انبرى يتحدث في ثقة عن المستقبل الجديد لبناء أركان جيش قادر على خوض «معارك السيطرة» على عموم البلاد. وقال: «نعمل الآن على إنشاء المجلس الأعلى للقيادة العامة للقوات المسلحة، ومجلس أعلى للأمن. ودمج الهيئات العسكرية في طرابلس وبنغازي في منظومة واحدة».
لكن ما العمل؟ ماذا سيفعل الجيش، إذا استمرت الانقسامات وجلسات الحوار التي لم تنته منذ خريف 2014؟ يجيب المسماري بحزم: «لقد أعطينا مهلة مدتها 6 أشهر، لكي يحل السياسيون خلافاتهم. هذه المهلة تنتهي في مارس المقبل. وبعد ذلك ستكون لنا كلمة لإنقاذ البلاد... المواطنون يرون أن أمن ليبيا يتحقق بالجيش». وعن الخطوة المقبلة إذا انتهت هذه المهلة من دون حل الخلافات، قال: «أكيد معلوم ماذا سيفعل الجيش... وهو حسم الأمور بالقوة... وإذا اضطر الجيش لتولي المسؤولية السياسية بنفسه، فستكون عبئاً لكن لا بد منه، وإذا كانت هناك مطالب عامة بتولي حفتر رئاسة الدولة، فلا مانع».
تنتشر صور حفتر في شوارع بنغازي مقترنة بكلمات الفخار. بدأت المدينة أخيراً تتذوق طعم الهدوء، وتتخلص من أصوات انفجار القذائف الصاروخية. وعلى جانبي الطرقات يكنس العمال بقايا الفوضى وركام الحرب، ويعيدون ربط كابلات الكهرباء وتوصيل مواسير المياه التي دمرتها القنابل.
على مدى تاريخ قبائل ليبيا، يعد الشعر الشعبي الوسيلة الأكثر شجناً للتعبير عن مآسي الحروب والحب وشظف العيش. وحتى المسماري نفسه كان يردد مقاطع من هذا النوع من القصائد أثناء فترات التقاط الأنفاس. ولديه كتب كذلك من تأليفه عن التراث الليبي، يحوي بعضها مقطوعات شعرية تفخر بأيام الجهاد ضد الاستعمار.
اليوم. في كل منعطف وغرفة ضيافة وخيمة عرس تقريباً، هناك قصص أسطورية عن مقاتلين ضحوا بأرواحهم وهم يتقدمون بين الحواري الضيقة وعلى شوارع مزروعة بالألغام الأرضية، من أجل طرد المتطرفين. وفي خيمة عُرس في بلدة برسس القريبة، حيث مئات الحضور، دخل الشاعران الشعبيان الكبيران نصيب السكوري ومحمد بوستة في مناجاة عن حرب الجيش ضد تنظيم «أنصار الشريعة» في محيط مطار بنغازي المعروف باسم «مطار بنينا».
وتدعو أبيات هذين الشاعرين كل من لم يحضر الحرب في بنينا إلى أن يذهب ويشاهد آثار الرصاص على الأسوار. أو كما يقول مقطع من القصيدة باللهجة المحلية: «اللي ما حضر حفر الرصاص بعينه... تعاته يبهت في أسوار بنينا».
ويجد المسماري في انتصارات الجيش في المناطق الشرقية والجنوبية، عزاء لمن انطلقوا لتحرير بنغازي من جبروت المتطرفين في ظروف صعبة. «المعركة استغرقت، حتى الآن، نحو أربع سنوات متواصلة. كانت في البداية معركة تعبوية داخل بنغازي. معركة كانت صعبة جداً. كان التفوق العددي وفي العدة والعتاد لصالح الجماعات الإرهابية التي كانت في بنغازي نتيجة لتحالف كبير جداً بين تنظيم القاعدة وتنظيم الإخوان المسلمين... أقصد فريق الإخوان الذي رفع السلاح ودخل في تحالف مع أنصار الشريعة ومع القاعدة ومع الجماعة الإسلامية المقاتلة. وبعد ذلك ظهر تنظيم داعش في 2014. وانضموا جميعاً في خندق واحد ضد القوات المسلحة».
خلال السهرة الطويلة في مكتبه، عرض المسماري مقاطع مصورة لمعارك أدارها رجال قضوا نحبهم وهم يقاتلون بأبسط الإمكانيات، أمام ترسانة حديثة يملكها المتطرفون، من قذائف صاروخية ومفخخات ومناظير رؤية ليلية إلى بنادق قنص، بينما الجيش يعاني من حصار دولي يمنعه من شراء الأسلحة ومستلزمات ميادين القتال. وقال وهو يعرض مقطعاً: «لقد كان محاربونا يفتقرون حتى للملابس العسكرية. انظر... هذه مجموعة تقوم بتفكيك ألغام بأيادٍ عارية. ومع ذلك انتصرنا».
وفي غرفة مجاورة، ارتفعت أصوات مناقشات بين مجموعة ضباط بشأن الإعداد لمناورات القوات البحرية على الساحل الشرقي. ثم دخل إلى المكتب وفد عسكري من الزوار لترتيب السفر إلى لقاءات القاهرة. ودارت صينية الشاي مرة أخرى.
وبعد أن رشف من فنجانه، ورحب بالضيوف، واصل المسماري قائلاً، وهو يقاوم إرهاق هذا اليوم الطويل: «أقول لك... لقد تحقق الهدف من عملية الكرامة. كانت حين انطلقت في 2014 مجرد عملية، وأصبحت اليوم قيادة، وأصبحت اليوم جيشاً، وأصبحت اليوم شعباً. وبالتالي نحن الآن دخلنا في مرحلة أخرى».
ومنذ بداية إعلان الحرب على المتطرفين من جانب المشير حفتر، قسمت القيادة العامة للجيش المعركة إلى ثلاثة أهداف رئيسية. ويقول المسماري إن «الهدف الأول كان تعبوياً ميدانياً، والحمد لله وفقنا في ذلك. والهدف الثاني هو السيطرة على هدف التحكم في اللعبة السياسية (أي التحكم في النفط)، خصوصاً مع الأطراف الخارجية. لقد سيطرنا على الهلال النفطي بالكامل، والآن بدأ الهدف الاستراتيجي. الآن نعمل على الهدف الاستراتيجي، ألا وهو الوصول إلى العاصمة ودخولها. والسيد المشير (حفتر) يؤكد أن الدخول إليها سيكون سلمياً من دون سلاح أو استخدام لأي قوة عسكرية».
وعن الطريقة التي يخطط بها الجيش لدخول العاصمة سلمياً، يوضح المسماري: «حققنا استفادة في الشهور الأخيرة... أي بعد معارك صبراتة وزوَّارة وغيرهما (في غرب طرابلس)، بأن تمكنّا من فصل معركة منطقة غرب طرابلس عن طرابلس نفسها. وبدأت المناطق الخلفية هناك تقف مع القوات المسلحة، وتشكل مناطق داعمة لها، ومنها مناطق الجبل (الأمازيغية)». وأضاف: «تاريخياً وعسكرياً من قدم الزمان، مفتاح طرابلس هو مدينة الزاوية (40 كيلومتراً غرب العاصمة). الزاوية الآن فيها حراك كبير جداً. وفيها كثير من الشباب الذين كان مغرراً بهم، والذين دخلوا في هذه الميليشيات بدأوا الآن يتخلون عن سلاحهم. وبالتالي عندما تتم معركة الزاوية، ستتم معركة طرابلس».
أما عن دخول الجيش إلى مدينة مصراتة، فيقول: «بإذن الله لن يكون فيها قتال أيضاً... إنها مدينة ليبية وطنية كانت مُختطفة. الآن بدأ التحرك الوطني فيها بشكل كبير جداً. وأحيي الوطنيين في مصراتة. لقد بدأت فيها عمليات ضد الإرهاب والإرهابيين. نحن نثمن ذلك. ونؤيد وندعم ونساعد أي قوى تحارب القوى الظالمة أو القوى الإرهابية. وأوجه التحية إلى القيادات العسكرية والمدنية الوطنية في مصراتة. أقول لهم: نحن لا نقاتل وطنياً على الإطلاق. هذا من المحرمات. نحن جميعاً في خندق واحد لمحاربة من يتسترون باسم الدين لحكم ليبيا بالحديد والنار والسلاح. كل إرهابي وكل داعشي نعده عدواً للقوات المسلحة».
وعُرف اسم مصراتة في وسائل إعلام عالمية أثناء الانتفاضة المسلحة ضد حكم القذافي. حاصرتها دبابات النظام السابق. وحين ردت، نكلت بجثث القذافي ونجله المعتصم ووزير دفاعه أبو بكر يونس، وجلبتهم إلى المدينة بعد مقتلهم في سرت. ودفنتهم في أماكن غير معلومة حتى اليوم. لكن بعد أكثر من ست سنوات على إطاحة نظام القذافي، ضربت الخلافات قوات المدينة التي كانت قد استحوذت على كميات كبيرة من عتاد الجيش. وأصبحت فيها اليوم ميليشيات معادية لحفتر وأخرى تعتنق الفكر المتطرف. ويقاتل بعضها بعضاً.
وتحركت قوات في مصراتة خلال الأسابيع الماضية، وشنت حملة واسعة ضد مراكز لجماعات متشددة، وتم ضبط مخازن أسلحة ومتفجرات. ويقول المسماري إن «مصراتة ساهمت بهذه العلميات القوية جداً ضد المجاميع المتطرفة، في تراجع العمليات الإرهابية في بنغازي، باعتبار أن من قُبض عليهم في مصراتة، رؤوس تعلم بمخازن الأسلحة والذخائر والمتفجرات ومخابئها... هذا توصلنا إليه الآن عن طريق مصراتة».
ويوضح المسماري صورة مصراتة اليوم بشكل أكثر تفصيلاً: «ضباط مصراتة كانوا محكومين، حسب ما تحدثوا، بأربعة أنواع من الميليشيات... كانت لديهم ميليشيات مؤدلجة، والآن تم القبض على بعض منها وتتم محاربتها، وما زالت الحرب طويلة في هذا المجال. وهناك ميليشيات جهوية، وهناك ميليشيات للإيجار... وهناك ميليشيات وطنية يمكن التعويل عليها كقوة مساندة (للجيش). وبالتالي بدأت مصراتة الآن تتحرر».
بعد مداولات مع أطراف عسكرية ليبية من مشارب مختلفة، لا توجد مشاكل قانونية تمنع توحيد هذه المؤسسة. والجروح العميقة التي أصابت قادة عسكريين عقب مقتل القذافي تسببت في أغلبها جماعة «الإخوان» حين هيمنت على حكم البلاد في ذلك الوقت، بحسب المسماري الذي يقول: «في الجيش نحن تراتبية واحدة، وأقدمية عسكرية واحدة، ومدارس واحدة، وكليات واحدة... ليست لدينا فوارق».
وبحسب المسماري، فقد نجحتْ جماعة «الإخوان» بعد 2011 في إدخال ضباط للجيش كانوا خارج الخدمة. وهؤلاء الضباط «أغلبهم مؤدلجون ولهم أهداف، وفيهم من كان قد ترك الخدمة في عهد القذافي على أساس أن الجيش كافر. وهناك من خرج في قضايا أخلاقية. كل هؤلاء رجعوا إلى الجيش على يد الإخوان. واستطاع الإخوان بإرجاع الآلاف وإخراج الآلاف من العسكريين النظاميين بالتقاعد وبالاستقالات وبقانون العزل السياسي، إخلاء الساحة لهذه الفئة التي عبثت بالوطن».
وبسؤاله عما ترمي إليه الاجتماعات التي تعقد في القاهرة، يقول: «هذه الاجتماعات تُركز على أشياء تنظيمية فقط... مثلاً هناك هيئة تنظيم وإدارة تابعة للجيش في طرابلس، وأخرى هنا في بنغازي. يجب أن تُدمج هذه الهيئات في منظومة واحدة. أيضاً العمل على دمج هيئة الحسابات العسكرية، ودمج هيئة الاستخبارات. وإن شاء الله سنعمل على إنشاء المجلس الأعلى للقيادة العامة للقوات المسلحة، وسيادة المشير أصدر توجيهاته وتعليماته لنا كلجنة للبدء في التشاور والتحاور من أجل إنشاء مجلس أعلى للأمن في الدولة الليبية».
وعلى عكس ما يتداول لدى بعض الأوساط بأن أطراف الجيش الليبي «تتحاور» في القاهرة، يوضح المسماري أن ما يجري «ليس مرحلة حوار، لكن اجتماعات للجان الفنية... لقد بدأنا العمل». وأضاف بعدما انتهى من استقبال مكالمة هاتفية بدت، من تعبيرات وجهه، مهمة للغاية، أن «كل لجنة ستنبثق من هذه اللجان الفنية ستقوم بجمع الأفراد... مثلاً لدينا أفراد في مصراتة وفي طرابلس في الاستخبارات العسكرية. كيف نجعل كل هؤلاء في منظومة واحدة. هم أصلاً الآن أقدميتهم واحدة وتراتبيتهم واحدة. لكن من ناحية العمل فقط. كيف نجمع ملفات هؤلاء على بعضها بعضاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هيئة التنظيم والإدارة والحسابات العسكرية. وبعد ذلك سنأتي لكل الإدارات. إدارة التوجيه المعنوي في طرابلس، وإدارة التوجيه المعنوي في بنغازي، يجب أن تكون إدارة التوجيه المعنوي واحدة».
وبمزيد من التوضيح لطبيعة تفاصيل توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، يؤكد: «ببساطة... الأمر يحتاج إلى أن تقول لي ماذا لديك أنت، وأن أقول لك ماذا لدي أنا. لا بد من أن تكون هناك تصفية للموضوع. هُناك ضباط خدموا في ميليشيات. هؤلاء لا بد من أن يكونوا خارجاً. مثل هؤلاء لا يشملهم هذا الاتفاق. الضباط الذين شاركوا في حرب ضد الجيش، وفي حرب فجر ليبيا، وفي حرب البنيان المرصوص، وشاركوا مع الدواعش، وعملوا تحت قيادات مدنية، مثل هؤلاء لا يمكن ضمهم إلى القيادة العامة، إلا بعد عرضهم على المحاكم العسكرية». وأشار إلى أن أحد القادة العسكريين في مصراتة قام مؤخرا بزيارة لقطر، وتم إبعاده من إجراءات توحيد الجيش.
أحياناً يقول خصوم الجيش إن حفتر يسعى لأن يكون رئيساً وحاكماً لليبيا. وحين ظهرت بعض الأصوات، خصوصاً في شرق البلاد، تطالب بترشيحه للرئاسة أخيراً، تم تسليط الضوء على هذا الموضوع مرة أخرى. وعن الكيفية التي يفسر بها المسماري هذا الأمر، يقول إن «هذا الموضوع يتكون من شقين... الشق الأول هو أنه في البداية حين انطلقنا، لم يكن لدينا طموح للرئاسة ولا الوصول لمنصب. كان الطموح الأوحد هو القضاء على الإرهاب... ولم ندخل في أي حوار على الإطلاق من حوارات جنيف والصخيرات وغيرهما، على رغم أن الغرب حاول إدخال القوات المسلحة في هذا الأتون».
ويشير إلى أنه «بعد أن دخلت مصر والإمارات على الخط، وهما دولتان نحترمهما ونقدرهما، تواصل السيد المشير مع السيد السراج، ولكن لم يصلا إلى نتيجة. لقد وافق السراج على كل شروط المشير في الإمارات، وبعد ذلك تملص منها، وفي باريس وافق أمام المجتمع الدولي، وبعد ذلك تملص، وبالتالي نحن لدينا قناعة أن السراج لا يستطيع السيطرة على شيء، ولا يتحكم في أي شيء على الإطلاق، ولكن هناك قوى أخرى تعمل خلف السراج».
ويُكمل قائلاً: «حتى هذه اللحظة، يجري الحوار في تونس بمشاركة البرلمان الليبي، لكن نحن كعسكريين مهمتنا حماية الوطن والمواطن. المواطن بدأ وضعه الآن يتردى جداً. وبالتالي أعطيناهم 6 أشهر، ستنتهي في مارس المقبل، وبعد ذلك ستكون لنا كلمة لإنقاذ الوطن وكف العبث بأمن المواطن. والشعب الآن، في كل أنحاء البلاد، لا يرى مستقبلاً لليبيا إلا بين يدي الجيش». وأضاف: «أقول لمن يحملوننا المسؤولية، ورغم أن المسؤولية السياسية مسؤولية جسيمة، وليست مثل المسؤولية العسكرية، أقول: نحن مستعدون لتنفيذ أمر الشعب في أي لحظة. على المستوى العسكري والسياسي».
وعن موقف حفتر من تولي الرئاسة، قال المسماري: «لا مانع في ذلك... وبالتأكيد هذا المطلب جاء من رحم المعاناة، ونحن مهمتنا إنهاء هذه المعاناة، لكي تعود الأمور إلى جادة الصواب، وبعد ذلك من يسعى للحكم، فليأت إلى حكم ليبيا عن طريق صناديق الاقتراع».



«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.


الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
TT

الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)

تضع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، اقتصاد اليمن الهش أمام اختبار جديد، حيث تجد البلاد نفسها عُرضة لارتدادات مباشرة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.

وتتزايد الضغوط على العملة والأسواق المحلية في اليمن في ظل الاعتماد الكبير على الواردات الخارجية لتأمين معظم الاحتياجات من الغذاء الطاقة، بينما تؤكد الحكومة امتلاك مخزون سلعي يكفي أشهراً عدة، في وقت تشير مؤشرات السوق إلى ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

وتحاول الحكومة اليمنية احتواء التداعيات المحتملة للحرب الإقليمية؛ إذ حددت لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، خلال اجتماع طارئ برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أولوية حماية المعيشة واستقرار العملة الوطنية، والعمل على تحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة.

وناقش الاجتماع الحكومي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والخدمية والإنسانية في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة وتأثيرها المحتمل على سلاسل إمداد الغذاء والدواء والوقود، ودعا العليمي الجهات المعنية إلى الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما يضمن استمرار تدفق الواردات الأساسية ودفع رواتب الموظفين.

مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحث في اجتماع له تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، عرض رئيس الحكومة شائع الزنداني ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المؤشرات المالية والنقدية وخطط الاستجابة الحكومية للحد من تأثيرات الحرب، وقدَّما تطمينات بمستويات الأداء المالية العامة والاحتياطات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد اليمن ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود محلياً، بعد الارتفاع الذي تشهده عالمياً بسبب المواجهة المشتعلة في المنطقة؛ وهو ما سينعكس سريعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، عبر زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط المعيشية على السكان.

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني يوسف سعيد أحمد أنه من المبكر رصد كل آثار الحرب على الاقتصاد، غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى تداعيات محتملة واسعة، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بعد تصاعد الحرب في الخليج.

القدرة الشرائية لليمنيين مهدَّدة بمزيد من التدهور بعد اندلاع الحرب ضد إيران (أ.ف.ب)

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تجاوز سعر النفط حاجز 90 دولاراً للبرميل يضع اليمن في موقع المتضرر الأكبر؛ إذ تحولت البلاد منذ أواخر 2021 إلى مستورد صافٍ للنفط ومشتقاته بعد توقف صادراتها النفطية نتيجة هجمات الحوثيين على مواني التصدير.

هشاشة وانعدام يقين

وينوّه أحمد، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى احتمال أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، التي قد تصل إلى ثلاثة آلاف دولار إضافية لكل حاوية متجهة إلى المواني اليمنية، إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحنات؛ ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات.

كما يرجح تأثر سوق الصرف وتحويلات المغتربين والدعم الخارجي إذا طال أمد الحرب؛ ما يعزز حالة عدم اليقين في الاقتصاد.

وسط الركود الذي تعيشه الأسواق اليمنية تشتدّ المخاوف من ارتفاع وشيك للأسعار (أ.ف.ب)

وتفيد التقديرات الحكومية بأن المخزون السلعي من المواد الأساسية لا يزال عند مستويات آمنة، تكفي لفترة تقارب ستة أشهر، بدعم من تدخلات وتمويلات قدمتها السعودية، إلا أن خبراء الاقتصاد يرجّحون أن ما يتوافر في الأسواق لا يرقى إلى مستوى المخزون الاستراتيجي الحقيقي.

ولكون الاقتصاد اليمني اقتصاد حرب، ويعاني الهشاشة، فمن المتوقع أن يدفع ثمناً كبيراً في هذه الأزمة، حسب الخبير الاقتصادي مصطفي نصر الذي يؤكد أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحريين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع مباشرة في الأسواق اليمنية، خصوصاً وأن البلد تستورد معظم احتياجاتها من السلع الأساسية.

ويبين نصر لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية، قد يؤثر على المنح والمساعدات التي يتلقاها اليمن، خصوصاً أنه من الدول الهشة التي لا تملك استراتيجيات لتقييم المخاطر، أو مناعة لمواجهة مثل هذه الصدمات والتخفيف من المخاطر.

التصعيد الإقليمي يهدّد بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن والمزيد من خفض التمويل (أ.ف.ب)

وينفي نصر، وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إمكانية حصول اليمن على بعض الفوائد من هذه الحرب، مثل توجه خطوط الملاحة إلى ميناء عدن؛ بسبب عدم قدرته وكفاءته على استيعاب حركة السفن المتوقعة، إلا أنه يتوقع انخفاض الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية من إيران بفعل ما تتعرض له من استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ضرورة الإجراءات الاستباقية

تعهدت الحكومة اليمنية التي أُعيد تشكيلها أخيراً، بإعلان أول موازنة للدولة منذ 7 أعوام، واحتواء التضخم وتحسين معيشة السكان وانتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة.

ويذهب الأكاديمي الاقتصادي محمد قحطان إلى أن الحرب الدائرة تتصل بصراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل النفوذ الأميركي، وهي بعض المعطيات التي تحتم على الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي استشعار الخطر أمامها.

على الرغم من الاستقرار النسبي للعملة اليمنية تواجه الآن تهديد تأثيرات الحرب في المنطقة (أ.ف.ب)

ويشدد، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة استئناف تصدير النفط والغاز اليمني إلى الصين، والتي تُعدّ، بأمس الحاجة إلى بدائل الطاقة مع توقف الإمدادات من إيران ودول الخليج، إلى جانب الإسراع بإصلاح مصافي النفط في عدن لتغطية احتياجات السوق اليمنية من خلال عقود مع شركات صينية.

ويحذّر قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن؛ نظراً لاعتماد الحكومة الكبير على المساعدات الخارجية والواردات الغذائية، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من التدهور في الأمن الغذائي وأمن الطاقة ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمنع ذلك.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها مطلع هذا العام من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في اليمن الذي يواجه نحو 18 مليون شخص من سكانه خطر الجوع الحاد، بسبب مخاطر متداخلة من التطرفات المناخية والحرب وأزمات التمويل.