إنفاق الاقتصاد التشاركي الخليجي بلغ 10.7 مليار دولار

المنصات ربحت 1.7 مليار دولار العام الماضي

إنفاق الاقتصاد التشاركي الخليجي بلغ 10.7 مليار دولار
TT

إنفاق الاقتصاد التشاركي الخليجي بلغ 10.7 مليار دولار

إنفاق الاقتصاد التشاركي الخليجي بلغ 10.7 مليار دولار

تستطيع دول مجلس التعاون الخليجي الاستفادة من منصات الاقتصاد التشاركي من خلال الاستثمار في الأصول والموارد البشرية غير المستغلة، وفقاً لدراسة أجرتها شركة الاستشارات الإدارية «ستراتيجي&» (بوز آند كومباني سابقاً) التابعة لشبكة «بي دبليو سي». وحسب دراسة استقصائية على دول الخليج، أنفق المستهلكون في عام 2016 ما يعادل 10.7 مليار دولار على منصات الاقتصاد التشاركي، وأنتج ذلك أرباحاً تقدر بنحو 1.7 مليار دولار لهذه المنصات.
ويعرّف الاقتصاد التشاركي بأنه نظام تبادل للسلع والخدمات بشكل مباشر بين الأشخاص من خلال منصات رقمية. وقد حددت «ستراتيجي&» 5 قطاعات واعدة من المتوقع أن يكون لها تأثير كبير على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وهي السكن والإقامة، والنقل، والخدمات المالية، وخدمات الأعمال، والخدمات المنزلية.
وتوزع الإنفاق الخليجي في عام 2016 في تلك القطاعات الخمسة كالتالي: حاز قطاع السكن والإقامة 1.29 مليار دولار، والنقل 2.97 مليار دولار، والخدمات المالية 2.28 مليار دولار، وخدمات الأعمال 2.16 مليار دولار، والخدمات المنزلية 2 مليار دولار.
وتعد الشركات الناشئة في دول الخليج، مثل «كريم» للتوصيل، وهي أول شركة ناشئة تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار، و«بيهايف» للتمويل، أمثلة على نموذج الاقتصاد التشاركي، وتزداد شعبية تلك الشركات في جميع أنحاء المنطقة.
وقال سيفاج بيبازيان، مسؤول في «ستراتيجي&» الشرق الأوسط: «بإمكاننا أن نشعر بتأثير الاقتصاد التشاركي على اقتصادات دول الخليج على عدة أصعدة. أولاً، أسهمت منصات هذا الاقتصاد باستخدام الأصول غير المستغلة من خلال تطبيقات منخفضة التكلفة على أجهزة الهاتف الذكية. ثانياً، مرونة إدارة الأعمال التي يقدمها الاقتصاد التشاركي، مواتية لخلق فرص عمل جديدة، لا سيما لجيل الشباب، والفئات الأخرى غير الناشطة بشكل كبير في سوق العمل، مثل النساء وسكان المناطق الريفية».
وتؤكد المصادر المتخصصة أن عدة عوامل تسهم في نمو الاقتصاد التشاركي. فدول الخليج تمتلك شريحة كبيرة من اليد العاملة، خصوصاً من فئة الشباب. تعتمد هذه الشريحة على التكنولوجيا والتمدن بشكل كبير، مما يسهم في توليد كميات ضخمة من البيانات تعزز بدورها الاقتصاد التشاركي. ومن المتوقع أن يزداد حجم البيانات، كون هذه الدول تسير حسب الخطط التي رسمتها لإحداث التحول الرقمي المطلوب، وبسبب النمو الذي يشهده قطاع ريادة الأعمال.
لكن منصات الاقتصاد التشاركي تواجه بعض التحديات رغم التوقعات بنموها، وذكر المتخصصون أبرزها كما يلي:
1 - عدم ملاءمة أو وضوح الهياكل التنظيمية: أي عدم امتلاك نموذج الاقتصاد التشاركي غالباً سلطة تنظيمية ونظاماً قانونياً واضحين، مما يعني أن عمل هذه المنصات يأتي ضمن منطقة غير واضحة قانونياً.
2 - عدم ثقة المستهلكين في المنطقة بتلك المنصات، وحذَرهم البالغ تجاه قضايا حماية البيانات والجودة.
3 - معارضة المنافسين لاقتحام الاقتصاد التشاركي، خصوصاً أنهم يستثمرون بكثافة للحصول على تراخيص عمل.
4 - صرامة سياسات العمل، باعتبارها لا تغطي أحياناً سياسة الدوام الجزئي، أو لا تجيز للوافدين العمل لصالح طرف آخر، مما يحد من إمكانيات الاقتصاد التشاركي.
5 - محدودية حاجة مواطني دول الخليج إلى الخدمات التي يوفرها الاقتصاد التشاركي، بسبب سهولة الوصول إلى العمالة منخفضة التكاليف، وعند الحاجة غالباً ما تتم الاستعانة بأشخاص من ضمن دائرة العائلة نفسها.
وقال سامر بحصلي، شريك في «ستراتيجي&» ورئيس قطاع الأعمال الرقمية والتقنية بمنطقة الشرق الأوسط، إن «استغلال الإمكانيات الكاملة للاقتصاد التشاركي، وتجنُّب آثاره السلبية المحتملة، يتطلب من الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي تبني نهج مبتكر يلبي احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية وأهدافها الإنمائية. وسيعتمد ذلك على إمكانية خلق فرص عمل أو مواجهة خطر فقدان الوظائف، والحاجة إلى نمو الاقتصاد الرقمي، وتقبل مفهوم الاقتصاد التشاركي، ومعايير الجودة وغيرها».
لذا قد يتوجب، حسب المتخصصين، على حكومات دول الخليج فور تحديدها أولوياتها، أن تضع 5 ركائز أساسية:
1 - نموذج حوكمة واضح: حيث ينبغي على كل وزارة مراقبة فعاليات الاقتصاد التشاركي التي تخص مجالها ومعالجة تأثيرات منصاته عليها. وسيساعد أيضاً إقامة لجنة مشتركة بين القطاعات تتولى مهمة التنسيق بين مختلف الوزارات والبلديات والسلطات عبر كل القطاعات، وهيئات تنظيم الإنترنت بشأن الآثار الأوسع للاقتصاد التشاركي.
2 - مواءمة الأنظمة واللوائح: حيث إن وضع أنظمة ولوائح واضحة أمر ضروري لحماية المستهلكين ومقدمي الخدمات، ولضمان المنافسة العادلة في السوق. وينبغي أن تشمل 3 محاور أساسية (متطلبات دخول السوق، والمسؤولية القانونية، وحماية كلٍّ من المستهلك ومقدم الخدمة).
3 - إعادة هيكلة سياسات العمل: ينبغي تحديد وتعزيز هياكل العمل الجديدة (إجراءات عمل تخص العمل بدوام جزئي وتغطي المتعاونين). كما قد تحتاج بعض حكومات دول الخليج إلى إعادة هيكلة نظام الكفالة للعمال الأجانب لتمكين الوافدين من المشاركة في الاقتصاد التشاركي.
4 - الضرائب: يجب على حكومات دول الخليج دمج جميع الجهات الفاعلة في الاقتصاد التشاركي -بما في ذلك الشركات الخارجية العاملة في الأسواق المحلية- ومقدمي الخدمات، في الأنظمة الضريبية الجديدة التي يعتزمون تطبيقها.
5 - التوطين: جعل منصات الاقتصاد التشاركي أكثر محلية. فإيجاد حلول محلية لمشكلات المنطقة من خلال اتباع نهج يعطي أولوية للقاعدة الشعبية، يعد أمراً أساسياً لنمو هذه الظاهرة في المنطقة. على سبيل المثال، يمكن تصميم منصات السكن والإقامة في المملكة العربية السعودية بما يتناسب مع متطلبات الحجاج والمعتمرين.
من جانبها قالت ميليسا رزق، العضو في مركز الفكر، وهو المركز البحثي في «ستراتيجي&» الشرق الأوسط: «توقع قسم كبير من المشاركين في استطلاع الرأي زيادة الإنفاق على الخدمات التي يتيحها الاقتصاد التشاركي مستقبلاً، لا سيما في مجالي السكن والإقامة والنقل. وسيكون من المثير بالفعل أن نرى مدى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تحدث».



البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».


طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.