رمال «العلمين» لا تزال ملغمة بعد 75 عاماً على الحرب العالمية الثانية

نحو 21.8 مليون لغم في مصر... ومطالب بتكوين جبهة دولية لمطالبة الدول المسؤولة بتعويضات

TT

رمال «العلمين» لا تزال ملغمة بعد 75 عاماً على الحرب العالمية الثانية

بعد 75 عاماً على معركة الحرب العالمية الثانية، لا تزال رمال الصحراء في العلمين ملغمة، ما يشكل خطراً على السكان وعقبة أمام التنمية في آن معاً.
وفي منطقة في صحراء العلمين تم اختيارها بعناية بمناسبة زيارة وفدي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، قام نازعو الألغام المصريون المزودون بأجهزة كشف، بعملية بحث واقعية أمام الزوار. وقامت كاسحة ألغام مصفحة بتمرير أسطوانتها المزودة بسلاسل في رمال الصحراء مثيرة سحابة كثيفة من الأتربة. وانفجر لغم أسفل العربة التي واصلت بعد ذلك طريقها.
بدأت معركة العلمين الثانية في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1942 بين قوات الحلفاء بقيادة الماريشال البريطاني برنارد مونتغومري، وبين قوات المحور بقيادة إيرفين روميل، وشكلت هزيمة الأخير أحد المنعطفات الحاسمة في الحرب العالمية الثانية، وحالت دون تحقيق طموحات هتلر وحليفه موسوليني باحتلال الإسكندرية وقناة السويس. وتتمركز وحدة متخصصة من سلاح المهندسين التابع للجيش المصري بالقرب من العلمين، حيث تقوم يومياً بعمليات مسح لكشف الألغام رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت من قبل، والمساعدات الدولية التي قُدمت لنزع الألغام في المنطقة. يقول إيفان سركوس رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة، الذي يزور العلمين هذا الأسبوع على هامش مراسم الذكرى الـ75 للمعركة، إنه في عام 1942 «خلّفت المعركة كمية كبيرة من الألغام التي لم تنفجر وهي ما زالت تشكل خطراً كبيراً على السكان». ويضيف سركوس لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «قرابة 2680 كيلومتراً مربعاً من أراضي الساحل الشمالي الغربي (لمصر) لا تزال بها ألغام».
في مدرسة زارتها بعثة الاتحاد الأوروبي، كان تلميذان يقرآن لوحة معلقة على الجدار مكتوبا عليها «القاتل الخفي». وجاء مسؤولو الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، الذي يسهم كذلك في جهود نزع الألغام، إلى المدرسة لمتابعة آثار التوعية ضد هذا الخطر. وداخل أحد فصول المدرسة، يسأل مسؤول في برنامج الأمم المتحدة للتنمية التلاميذ «هل سأحمله بيدي؟»، مشيراً إلى شيء يشبه اللغم فأجابوا جميعاً في صوت واحد «لا»، بينما قال أحد التلاميذ «سأتركه في مكانه».
وبدأ البرنامج الذي أطلقته وزارة التعاون الدولي المصرية في عام 2006 يؤتي ثماره. ففي عام 2017، وقع حادث وحيد بسبب الألغام في حين كانت الحوادث بالعشرات من قبل. وانضم الاتحاد الأوروبي في عام 2014 إلى الجهود المصرية بدعم مالي قدره 4. 7 مليون يورو. ويشمل برنامج الوزارة حملات توعية لـ75 ألف شخص بما في ذلك الحملات في المدارس. لكن المهمة لم تنتهِ بعد وتم تمديد البرنامج إلى أبريل (نيسان) 2018. ويشرح اللواء فتحي منصور، أحد مسؤولي سلاح المهندسين، أنه «إذا اكتشفت الكاسحة شيئاً في أثناء عملية المسلح التي تقوم بها فإنها تميز الموقع بعلم أحمر»، موضحاً أن اللغم يتم نزعه أو تدميره في موقعه فيما بعد.
وتقول وزارة التعاون الدولي إن المناطق التي لا تزال فيها ألغام «تتركز بدرجة كبيرة في مدينة العلمين وإلى الجنوب منها»، ما يجعل بعض المناطق غير صالحة لأي مشاريع تنموية. في إحدى المناطق التي تم نزع الألغام منها، تشيّد السلطات المصرية مدينة العلمين الجديدة، وهو مشروع بدأ للتوّ، يهدف إلى إنعاش السياحة والمشاريع في المنطقة. ويفترض أن توفر المدينة الجديدة «279 ألفاً و375 فرصة عمل، وأن تجتذب سكاناً من المناطق المكتظة بالسكان في الدلتا».
وبالتوازي مع هذا المشروع، افتتحت وزارة التعاون الدولي في عام 2016 مركزاً لمعالجة ضحايا الألغام في مدينة مرسى مطروح (غرب العلمين). فرحات عبد العاطي، الذي بُتر جزء من ساقه بسبب لغم أرضي، بات يعمل في هذا المركز الذي ساعد حتى الآن أكثر من 500 شخص، حسب الوزارة. ويروى عبد العاطي لوكالة الصحافة الفرنسية، أنه كان يملك «خروفاً يقوم باستمرار بالتنزه معه في الصحراء إلى أن انفجر ذات يوم لغم أرضي».
من جانبه قال الدكتور أيمن شبانة، أستاذ العلاقات الدولية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة لـ«الشرق الأوسط»: إن «تكلفة إزالة الألغام تبلغ أضعاف تكلفة زراعتها، ومع عدم وجود خرائط محددة تزداد صعوبة نزع الألغام، وتتخوف الدول المتنازعة في الحرب العالمية الثانية من الإعلان عن مسؤوليتها عن زرع الألغام خوفاً من مطالبتها بتعويضات». وأضاف شبانة قائلاً: «ضغط الدول الفردي للحصول على تعويضات لن يجدي نفعاً، لكن لو قامت هذه الدول المتضررة من الألغام بتكوين جبهة دولية للشكوى من زرع الألغام من الممكن أن يؤتي الضغط ثماره، وتشبه مصر دول كثيرة في هذا المجال مثل دولة موزمبيق، التي تعاني حالياً من انجراف الألغام إلى أماكن أخرى بسبب الفيضانات».
على صعيد متصل اقترح أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، في شهر مايو (أيار) الماضي، الضغط على الدول المسؤولة عن زرع الألغام في الصحراء الغربية للتعاون في إعداد فيلم تسجيلي يعرض المآسي والخسائر البشرية والمادية التي تسببت فيها هذه الألغام، مع ضرورة التواصل مع المؤسسات الدولية المعنية، والتعاون بين وزارة الخارجية ولجنة العلاقات الخارجية، ليقوم أعضاؤها بدور في هذه القضية عبر التواصل مع أعضاء البرلمانات الأخرى، خصوصاً برلمانات الدول المتسببة في وجود هذه الألغام.
ووفق بيان اللجنة فإن السفير سامح الخشن، الموظف بإدارة شؤون نزع السلاح بوزارة الخارجية، قد قال: «إن الدولة قامت منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي بالتواصل مع خارجية الدول المتسببة في وجود هذه الألغام، وعلى رأسها ألمانيا، ودول الحلفاء وفي مقدمتها بريطانيا، لكنهم يرفضون الاعتراف بمسؤوليتهم عن زرع هذه الألغام». وأضاف: «قامت الوزارة بعد ذلك باتباع نهج موازٍ وهو إثارة القضية عالمياً، من منظور تنموي وإنساني، الأمر الذي أسفر عن حصول مصر على قدر من المعونات لهذا الغرض».
وفي سياق ذلك اتهم عدد من النواب، الحكومة المصرية، بالتقاعس عن مواجهة هذه المشكلة التي تحرم مصر من الاستفادة من ثرواتها الموجودة بالصحراء الغربية. من جانبها قالت إيمان إمبابى، رئيس لجنة حقوق الإنسان في حزب «المصريين الأحرار»، في تصريحات صحافية، إن ضحايا الألغام في العالم منسيون منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويضاف إليهم كل يوم ضحايا جدد من العالم، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وأضافت أن الجهود التي بُذلت على مدار أكثر من 70 عاماً لتطهير الأراضي التي كانت مسرحاً لمعارك الحرب العالمية الثانية، لم تؤتِ ثمارها المرجوة». بينما قالت الهيئة العامة المصرية للاستعلامات «إن الحرب العالمية الثانية في منطقة العلمين جنوب الساحل الشمالي حتى حدود مصر الغربية، قد خلّفت ما يقرب من 17.5 مليون لغم، تحتل مساحة تزيد على ربع مليون فدان صالحة للزراعة، كما خلّفت الحروب المصرية الإسرائيلية ما يقرب من 5.5 مليون لغم في سيناء والصحراء الشرقية». وحسب الإحصاءات الرسمية يوجد في مصر حالياً نحو 21.8 مليون لغم، بعدما كان عددها 23 مليون لغم، وذلك بعد نجاح القوات المسلحة المصرية منذ عام 1995 في إزالة ما يقرب من 1.2 مليون لغم.
وعددت الهيئة في تقريرها المنشور على موقعها الإلكتروني الرسمي، الخسائر التي لحقت بمصر جراء عدم إزالة الألغام، وقالت: «تم تعطيل زراعة مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة في الصحراء الغربية، رغم توافر المياه اللازمة لها في مناطق مثل الحمام والعلمين، بجانب تعطيل إقامة مشروعات التنمية في الساحل الشمالي وبعض مناطق مرسى مطروح. بالإضافة إلى تعطيل مشروعات منخفض القطارة كأحد المشروعات العملاقة لتوليد الطاقة بسبب اعتراض الألغام طريق القناة، بجانب اعتراض عمليات التنقيب عن البترول».
وعن مشكلات وعوائق إزالة الألغام في مصر، قالت الهيئة العامة للاستعلامات «إن تعدد أنواع الألغام المضادة للأفراد والدبابات التي زرعتها قوات الحلفاء والمحور في صحراء مصر الغربية خلال الحرب العالمية الثانية، وتحركها من أماكنها بسبب الكثبان الرملية، والتغيرات المناخية على مدى نصف قرن، تعد من أخطر المشكلات الحالية. مع المخاطر الناتجة عن زيادة حساسية انفجار الألغام، بسبب تقادمها أو بسبب العوامل الجوية، مع عدم توافر معدات حديثة متقدمة تكنولوجياً لاستخدامها في عملية إزالة الألغام. بالإضافة إلى التكلفة المالية المرتفعة التي تحتاج إليها عمليات الإزالة. خصوصاً مع عدم إدراج مصر على خريطة العمل الدولية لمكافحة الألغام».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.