السعودية على طريق المستقبل

رؤساء شركات عالمية: المملكة شهدت قفزة كبرى خلال الأعوام الأخيرة

جانب من ورشة عمل اتجاهات استثمارات الأسهم (تصوير: مشعل القدير)
جانب من ورشة عمل اتجاهات استثمارات الأسهم (تصوير: مشعل القدير)
TT

السعودية على طريق المستقبل

جانب من ورشة عمل اتجاهات استثمارات الأسهم (تصوير: مشعل القدير)
جانب من ورشة عمل اتجاهات استثمارات الأسهم (تصوير: مشعل القدير)

شدد رؤساء شركات عالمية، على هامش مؤتمر مبادرة استثمار المستقبل الذي اختتم أعماله أمس بالعاصمة السعودية الرياض ضرورة الانتقال من المجال التقليدي إلى المجال الريادي، وتحويل الاستثمار إلى قطاعات حيوية غاية في الأهمية.
جاء ذلك في جلسة، تحت عنوان «بناء المستقبل: إيجاد الطموحات لخلق عالم حضاري جديد»، أمس، تحدث فيها كل من بروس فلات الرئيس التنفيذي لشركة «بروكفيلد أسيت مانجمينت» الأميركية، وبريندن بيشتل الرئيس التنفيذي لـ«بيشتل غروب» الأميركية، وراج راو الرئيس التنفيذي لشركة «فورد سمارت موبيليتي» الأميركية.
وأكد المشاركون على أن السعودية قطعت أشواطاً في هذا الاتجاه، منوهين بأنها أحدثت قفزة كبيرة من حيث التطور في كثير في مجال المشروعات المتعلقة بالبنى التحية، خلال الأعوام الأخيرة بخطى متسارعة، وتبع ذلك تطور في جوانب أخرى في مجال الصناعات والتجارة والاستثمار، مما عزَّز موقفها الاقتصادي على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ولفت المشاركون إلى أن الخطوة التي تتبعها السعودية في تعزيز المدن الذكية، ستُسهِم بشكل كبير في عملية الانتقال، وتحول الاستثمار إلى قطاعات حيوية مهمة جدّاً، تمكن المواطنين من الاستثمارات في مجالات مختلفة، والمدن الذكية والنقل، مشيرين إلى أن ذلك ينسجم مع مسارات النمو السكاني.
وأوضح المشاركون أن هناك جيلاً شابّاً سعودياً طموحاً، مؤكدين أن هذه تحسب كمزية إضافية، من شأنها خلق بيئة استثمارية جيدة، وجاذبة للاستثمار الأجنبي في مجالات ذات قيمة مضافة، مشددين على ضرورة تزويد الجيل الشاب بالتقنية العالية في مجالاتهم المختلفة، وفتح السوق الاستثمارية لرواد الأعمال بتسليحهم بالعلم، ومن ثم التدريب والتأهيل، فضلاً عن توفير التمويل اللازم لتحقيق أهدافهم.
وشددوا على ضرورة إشراك القطاع الخاص في العملية التنموية حيث يدفعها إلى آفاق أرحب، ويثمر عن ذلك الاستدامة والرفاهية للمجتمع، مع أهمية طرح أفكار جديدة باستمرار لتحفيز الأجيال المقبلة، مؤكدين على ضرورة هيكلة وحوكمة الاستثمارات في القطاعات المختلفة، مع تعزيز دور الحكومة في خلق المدن وجذب عدد كبير من المستثمرين. ولا يرى رؤساء الشركات أن الاعتماد على البنوك في تنفيذ مشروعات البنى التحتية المختلفة كافٍ، مشددين على ضرورة إيجاد عوامل ممولة جديدة ومبتكرة لخلق قيمة مضافة، مع أهمية تعزيز القدرة على تحويل الأموال إلى مشاريع خلاقة توفر وتدر في الوقت ذاته أموالاً طائلة لخدمة المجتمع.
ويعتقد الرؤساء التنفيذيون لهذه الشركات الأميركية الكبيرة أن قمة الاستثمار تتمثل في الاستثمار البشري بشكل عام، وفي الأجيال المقبلة بشكل أكبر، مع ضرورة العمل على التخطيط السليم لحماية الاستثمارات من الانهيار وتكبد الخسائر وفق استراتيجية تعزز أيضاً العوائد المالية في نهاية الأمر.

الأفكار الخلاقة للشباب
من جهة أخرى، تحدث خبراء في جلسة على هامش مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي اختتم أعماله، أمس، تحت عنوان «إعادة بناء الأعمال: محركات غير متوقعة للابتكارات الرائدة»، عن المزاوجة بين روح الابتكار والقدرات التكنولوجية كامتداد للأفكار الخلاقة.
وخلال الجلسة، أكد ديفيد روبسنتين الشريك المؤسس الرئيس التنفيذي لمجموعة «كارلايل» الأميركية الذي أدار هذه الجلسة، على ضرورة أن يتمتع المديرون التنفيذيون للشركات، بخصائص الابتكارية والقدرة على تطوير المواهب والعصف الذهني في ريادة الأعمال، وذلك من أجل مواجهة الصعوبات بعقل منفتح، مشيراً إلى أن «البعض يعتقد أن الإبداع والابتكار ينصب على الأشخاص في عمر العشرينات، ولكن هناك من تجاوز الأربعين، ولكنه ما زال يمتلك زمام المبادرة وخلق الأفكار الكبيرة».
من ناحيته، قال يوسف البنيان، الرئيس التنفيذي لشركة «سابك» السعودية، إنه يشعر بأنه على المديرين التنفيذيين مسؤولية كبيرة في أن يلعبوا دوراً كبيراً في التطوير كعنصر أساسي بالنسبة لجيل الشباب وتطوير الموهبة التي يتمتعون بها، وهو برأيه عنصر مهم جدّاً للمؤسسات والمنظمات.
وأضاف البنيان: «نأخذ في حساباتنا تعزيز الإبداع والابتكارات بشكل جاد، لأننا نظن أنه لا بد من أن نقوم بالدور التفاعلي والاستباقي كمتطلب أساسي للعمل الذي نؤديه، ومن ثم تحديد الخدمات ونوعية المنتجات المقدمة، لأن ذلك يلعب دوراً مهمّاً في الأداء».
وشدد أندو ليفريز، الرئيس التنفيذي لشركة «داو» الأميركية، على أهمية تعزيز عنصر الابتكار في الأعمال، منوهاً بأن الشباب هم الفئة الأكثر قدرة على التحفيز، مع ضرورة خلق بيئة مناسبة لذلك من قبل المديرين التنفيذيين، لتشجيع الجيل الجديد، بغية تقديم الابتكار والدعوة للحلول المبتكرة والاستفادة منها.
وشدد ليفريز على أن الابتكار يمثل منصة تساعد في شحذ الهمم وتحفيز الأفكار وتوظيفها في الاستفادة منها، بجانب المكتسبات التكنولوجية، باعتبارها الرائدة في جوانب أخرى، مشيراً إلى أنه للابتكار دور خلاق في تعزيز الأداء، ويزيد بسبب التقنية العالية.
ودعا كين موليس، الرئيس التنفيذي لشركة «موليس» الأميركية، المديرين التنفيذيين، إلى الاستفادة من الأفكار الخلاّقة من الشباب الذين يعملون معهم، على اعتبار أن الشركات تعتمد على الأفكار الابتكارية الخلاقة، مشيراً إلى أن هناك زيادةً في أداء الشركات تتراوح بين 6 إلى 7 في المائة حالياً، مقارنة بثمانينات وسبعينات القرن الماضي.
وقال موليس: «يمكننا رفع هذه النسبة من خلال أشياء نتعلمها وأفكار قد تغير جميع التوجهات للمجتمع، إذ اتضح أنه في آخر 5 سنوات هناك الكثير من الأفكار والابتكارات، وهي تضفي بيئة جديدة وتغير شكل المؤسسات والمنظمات، إذ إن التقنية موجودة في كل مكان بشكل كبير، وأنا أدخلتها في عدة قطاعات وفي الأعمال الإضافية، مع أهمية استخدام ذلك في رأس المال البشري».
وفي هذا السياق، شدد رالف سلوشتين، الرئيس التنفيذي لشركة «إيفركور» الأميركية، على أهمية منح قاعدة العاملين بالشركات دوراً بشكل أفضل، مؤكداً على ضرورة العمل على تغيير أصول التجارة وبيئة الأعمال، ولكنه قال إن «هذا لا يحدث دون أن تتغير الثقافة»، على حدّ تعبيره.
وفي هذا الإطار، اتفق سيباستين بازين، الرئيس التنفيذي لـ«أكور هوتيلز» بفرنسا مع المتحدثين الآخرين، حول أهمية الاستفادة من الأفكار الخلاقة للشباب، منوها بأن «معظم المديرين التنفيذيين يعتقدون في الابتكار ووضع الجهود بطريقة خلاقة، ولكن يجب ألا تكون هذه الطريقة مخفية.. سواء أكانت الفكرة ناجحة أو فاشلة».
وقال بازين: «لا بد من التركيز على متطلبات العمل والمؤسسة على المدى الطويل، ولا بد أن يشجع المديرون التنفيذيون على الإبداع والابتكار، وليس شرطاً الحصول على الأفكار المثلى، ولكن لا بد من الاجتهاد والتكرار»، مضيفاً أنه «يمكن إذا فشلت الفكرة محاولة ذلك مرة أخرى، وبشكل مطلق لا بد من إعطاء البيئة وخلق المجال لاستحداث أساليب جديدة، ولا بد من الاحتفاء بالفكرة الجيدة، وذلك مهم من أجل التطوير وإكساب القدرات لأصحاب الإبداعات والطاقات الكبيرة».

تغير محوري في سوق الأسهم الخاصة
وفي ورشة عمل على هامش المؤتمر، أمس، ناقشت جلسة «اتجاهات استثمارات الأسهم الخاصة»، أطر تعزيز الخبرة بهدف الترقية والنمو مع تطوير صناديق الاستثمار الخاصة بالأسهم، وأشار الحضور إلى أنه كانت هناك بعض البدايات الخاطئة أو غير الموفقة في آسيا، وهناك بعض الصناديق المتخصصة التي لم تكن تؤدي بشكل جيد... مؤكدين على أن هناك تغيراً محورياً في سوق الأسهم الخاصة يتبلور في ظل التقدم التقني.
وقال جاسم الصديق، الرئيس التنفيذي لمجموعة «أبوظبي المالية»: «عندما يكون هناك سوق جيدة ستكون المنافسة صعبة جداً، فهناك كثير من الضغوط وكثير من المناطق غير الناجحة للعمل التي لا توجد بها الخبرات الكافية، ولذلك هناك بعض التجارب الفاشلة».
وأوضح جيمس كولتر، الشريك المؤسس لشركة «تي بي جي» الأميركية، أنه «في بعض الشركات التي تبحث عن المزيد من الخبرات والاستثمارات وإضافة القيمة، فإنه من خلال هذا المنظور، هناك بعض التجارب التي نجحت قبل ذلك»، مشدداً على ضرورة إطلاق استثمارات مشتركة كبيرة.
وأضاف: «نركز على الأخبار، وهناك خصائص محددة في آسيا للأسهم الخاصة، والاستثمارات الصناعية في الأسهم الخاصة، حيث تكون الاتجاهات المقبلة في الصين في وضع يمكننا من مقاومة الإغراء بهذه الأسواق... وهناك كثير من التغيرات التي يتحتم التطلع إليها، ولكن لا يجب التقليل من التقدير الخاص بذلك».
وتساءل شارليس دالارا، نائب رئيس «بارتنرز غروب» الأميركية: «لماذا نضخ كثيراً من الأموال في الأسهم الخاصة؟»، مشدداً على ضرورة تقليل حجم السوق الخاص وضخ الأموال الكبيرة في هذه السوق، وقال: «لنقل إننا حصلنا على 5 في المائة من الأسهم الموجودة مثلاً في الأسهم الخاصة، فإنها ستغير مسار هذه الصناعة تماماً... فما الذي يجب القيام به بعد ذلك؟».
ولفت إلى أنه في عام 1997 حدث أول استثمار جدي في التقنية في الأسهم الخاصة، وفي حقوق الملكية التجارية.. والآن تغير النطاق، ويتبع ذلك تغير الهيكل والبنية، مشيراً إلى أن صناعة الأسهم الخاصة قوامها 3 تريليونات دولار، ولكن هناك الكثير من الأبحاث التي تعطي إشارات تبين أفضل العوائد في السوق.
ويرى دانيال ميتز، المدير المؤسس لشركة «أوليمباس كابتال آسيا» الأميركية، أن المشكلات تكمن في عدم قدرة الأفراد في سوق الأسهم الخاصة على التعامل بشكل جيد، مشيراً إلى مغزى استخدام مصطلح الشراء في سوق الأسهم الخاصة، مؤكداً أن التركيز تحول إلى النمو والتدرج، مشدداً على ضرورة التفكير في هذه الصناعة بمفاهيم مختلفة.



المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

في لحظة فارقة أعادت رسم حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية. لم يكن الحكم مجرد انتصار قانوني للشركات المستوردة، بل كان بمنزلة زلزال دستوري أكد فيه القضاة أن «سلطة الجباية» هي حق أصيل للكونغرس لا يمكن انتزاعه تحت عباءة قوانين الطوارئ. وبينما غادر القضاة منصاتهم، تركوا خلفهم تساؤلاً بمليارات الدولارات يتردد صداه في أروقة الكابيتول هيل: كيف ستعيد الحكومة 133 مليار دولار جُمعت بالفعل بشكل غير قانوني؟ وكيف سيتعامل البيت الأبيض مع هذا الانهيار المفاجئ لأدوات نفوذه في التجارة الدولية؟

مبنى المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

حيثيات الحكم وانقسام المحكمة

جاء قرار المحكمة بأغلبية 6 إلى 3، حيث انضم رئيس المحكمة جون روبرتس وقضاة آخرون، بمن فيهم اثنان من مرشحي ترمب السابقين، إلى الجناح الليبرالي لرفض استخدام قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) الصادر عام 1977 لفرض ضرائب استيراد.

وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن هذا القانون لا يمنح الرئيس سلطة «مطلقة» أو «غير محدودة» لفرض الرسوم، مشددةً على أن الدستور الأميركي كان واضحاً في منح الكونغرس وحده الحق في فرض الضرائب والرسوم.

المدافع الوحيد عن سلطة ترمب

في مقابل هذه الأغلبية، برز صوت القاضي بريت كافانو، وهو أحد القضاة الثلاثة الذين عيّنهم ترمب في المحكمة العليا عام 2018. كافانو، الذي يُعد من أبرز الوجوه المحافظة في القضاء الأميركي، كان الوحيد من بين «قضاة ترمب» الذي انبرى للدفاع عن شرعية الرسوم، حيث قاد جبهة المعارضة وكتب «رأياً مخالفاً» هاجم فيه زملاءه بحدة.

رأى كافانو أن الدستور والتاريخ والقوانين السابقة تمنح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام الرسوم الجمركية في حالات الطوارئ الوطنية، مثل مواجهة تهريب المخدرات أو الاختلالات التجارية. ولم يكتفِ كافانو بالدفاع القانوني، بل وجَّه توبيخاً إلى زملائه القضاة لأنهم «تجاهلوا» العواقب الكارثية لقرارهم، محذراً من أن الحكومة الآن عالقة في مأزق مالي لا مخرج منه.

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

ترمب يمتثل غاضباً

لم يتأخر رد فعل الرئيس ترمب، الذي وصف القضاة بـ«العار» واتهمهم بالرضوخ لمصالح أجنبية، معتبراً القرار خيانةً للدستور. ومع ذلك، امتثل للقرار عبر توقيع أمر تنفيذي بإلغاء الرسوم الباطلة، لكنه لم يستسلم لمبدأ التراجع التجاري. فرغم الضربة القضائية، سارع ترمب لتأكيد أن لديه «بدائل عديدة وعظيمة» لمواصلة سياسة الحماية التجارية.

وبدأ البيت الأبيض بتفعيل ترسانة قانونية بديلة للالتفاف على حكم المحكمة وتصعيد المواجهة:

- المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974: وقّع ترمب فوراً أمراً بفرض رسوم عالمية جديدة بنسبة 10 في المائة على الواردات كافة، مستخدماً هذه المادة التي تعالج عجز موازين المدفوعات. ورغم أنها تمنحه سلطة فورية، فإنها «سلاح مؤقت» ينتهي مفعوله بعد 150 يوماً ما لم يتدخل الكونغرس.

- المادة 301 و«التحقيقات السريعة»: أعلنت الإدارة بدء تحقيقات واسعة النطاق في الممارسات التجارية غير العادلة للدول الأخرى. هذه المادة تمنح واشنطن حق فرض رسوم انتقامية قوية، وهي «أكثر متانة قانونية» لأنها تستند إلى معالجة أضرار اقتصادية محددة بدلاً من إعلان طوارئ عام.

- المادة 338 من قانون 1930: يُلوِّح البيت الأبيض باستخدام هذا القانون «المهجور» منذ الكساد الكبير، والذي يسمح بفرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على الدول التي تميز ضد التجارة الأميركية.

- سلاح التراخيص والقيود الكمية: أشار ترمب إلى إمكانية استخدام نظام التراخيص لتقييد حجم الواردات بدلاً من فرض ضرائب عليها، وهي وسيلة أخرى للضغط على الشركاء التجاريين دون الاصطدام المباشر بسلطة الكونغرس الضريبية.

معضلة الـ133 مليار دولار

في حين يتحضر البيت الأبيض للتصعيد عبر البدائل المذكورة، تواجه وزارة الخزانة ضغوطاً هائلة لإعادة المبالغ المحصَّلة بشكل غير قانوني. فبينما تطالب كبرى الشركات مثل «كوسكو» و«ريفلون» باستعادة أموالها، حذَّر خبراء قانونيون من أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. ومن المتوقع أن تتولى وكالة الجمارك وحماية الحدود، بالتعاون مع محكمة التجارة الدولية في نيويورك، هندسة عملية الاسترداد التي قد تستغرق ما بين 12 و18 شهراً. وتكمن الصعوبة في أن المستهلكين العاديين، الذين تحملوا العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، قد لا يرون فلساً واحداً من هذه التعويضات، حيث ستذهب الأموال غالباً إلى الشركات المستوردة التي دفعت الرسوم مباشرةً للحكومة.

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محملة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

الصفقات الدولية والتحركات الديمقراطية

على الصعيد الدولي، حذَّر القاضي كافانو من أن الحكم يُزعزع استقرار اتفاقات تجارية بمليارات الدولارات مع الصين واليابان والمملكة المتحدة، التي أُبرمت تحت تهديد تلك الرسوم الملغاة.

أما داخلياً، فلم يفوّت الديمقراطيون الفرصة لتحويل الأزمة إلى ضغط سياسي؛ حيث قاد حاكم إيلينوي، جي بي بريتزكر، حملة تطالب بـ«إعادة الأموال المنهوبة» للعائلات، مرسلاً «فاتورة» لترمب تطالبه برد 8.7 مليار دولار لسكان ولايته. وانضم إليه حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وحكام ولايات أخرى، معتبرين أن الرسوم كانت «ضريبة خلفية» غير قانونية أثقلت كاهل المزارعين والطبقة الوسطى. هذا الحراك السياسي يزيد من تعقيد المشهد أمام وزارة الخزانة، التي تحاول موازنة استقرار الميزانية مع الضغوط القانونية المتزايدة للوفاء برد المبالغ.

سيارات سوبارو متوقفة في وكالة بيع سيارات بمنطقة بيدفورد أوتو مايل بأوهايو (أ.ب)

ختاماً، فإن «قص» أجنحة ترمب الاقتصادية لم يُنهِ المعركة، بل نقلها إلى ساحة أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول الأسواق العالمية استيعاب هذا التحول، يبقى الاقتصاد الأميركي رهين حالة من عدم اليقين بين مطالبات قانونية برد الـ133 مليار دولار ولجوء ترمب إلى بدائل قانونية مؤقتة. ورغم أن إلغاء الرسوم قد يخفف من الضغوط التضخمية، فإن النزاعات الطويلة المتوقعة في ساحات القضاء الأدنى ومكاتب الجمارك ستُبقي المستثمرين في حالة ترقب، بانتظار المواجهة الكبرى في أروقة الكونغرس الذي بات الآن «صاحب الكلمة الفصل» في تقرير مصير السياسة التجارية. ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الأميركي لسنوات مقبلة: هل سينجح ترمب في إعادة بناء جدار الحماية التجاري الخاص به قبل أن تنتهي صلاحية أدواته المؤقتة وتصطدم بحائط الصد التشريعي؟

Your Premium trial has ended


ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه وقع أمرا تنفيذيا لفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة «سارية بشكل فوري تقريبا» بعد هزيمته في المحكمة العليا.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «إنه لشرف عظيم بالنسبة لي أن وقعت، من المكتب البيضاوي، على رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة على كل الدول، والتي ستكون «سارية بشكل فوري تقريبا».

وكان ترمب قد حذر في وقت سابق من الخطوة، قائلا إن الرسوم الجمركية الجديدة بنسبة 10 في المائة سوف «تضاف إلى رسومنا الجمركية العادية التي يتم

بالفعل فرضها».

وقال ترمب إنه سيتم فرض الضريبة بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والذي يمنح الرئيس السلطة لفرض إجراءات تجارية مؤقتة لعلاج

مشكلات ميزان المدفوعات.

وجاء الإعلان بعدما وجهت المحكمة العليا الأميركية ضربة كبيرة لأجندة ترمب الخاصة بالرسوم الجمركية، حيث ألغت الرسوم التبادلية التي فرضها

على دول العالم في أبريل (نيسان) الماضي.


ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول)، مما يعكس استمرار ضغوط الأسعار في الاقتصاد الأميركي، ويزيد التوقعات بأن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يؤجل أي خفض لأسعار الفائدة حتى يونيو (حزيران).

وأفاد مكتب التحليل الاقتصادي في وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع 0.4 في المائة في ديسمبر بعد زيادة 0.2 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني)، متجاوزاً توقعات الخبراء التي كانت تشير إلى 0.3 في المائة. وعلى أساس سنوي، قفز التضخم الأساسي بنسبة 3 في المائة مقابل 2.8 في المائة في نوفمبر، وهو أحد المقاييس الرئيسية التي يتابعها البنك المركزي لتحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة، وفق «رويترز».

وأظهر التقرير أن الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُشكِّل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي، ارتفع بنسبة 0.4 في المائة في ديسمبر، بوتيرة نوفمبر نفسها، وعند تعديله وفقاً للتضخم، سجَّل زيادةً بنسبة 0.1 في المائة، ما يشير إلى نمو اقتصادي بطيء مع بداية الرُّبع الأول من 2026.

وأكد الخبراء أن بعض فئات الخدمات، مثل الخدمات القانونية، سجَّلت زيادات كبيرة في يناير، مما قد يضيف نقاطاً إضافية إلى التضخم الأساسي، رغم تقلب هذه الفئات وصعوبة التنبؤ باتجاهاتها المستقبلية.

وسيصدر تقرير التضخم لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يناير في 13 مارس (آذار)، بعد تأخير بسبب إغلاق الحكومة العام الماضي، في حين قد تؤثر بيانات مؤشر أسعار المنتجين لشهر يناير على تقديرات التضخم لاحقاً.