مهرجان الموضة «المحتشمة»... «أهل مكة أدرى بشعابها»

ثلاث شابات مسلمات يحولن الصورة النمطية لـ«المحجبة» إلى أناقة وتميز

من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي
من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي
TT

مهرجان الموضة «المحتشمة»... «أهل مكة أدرى بشعابها»

من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي
من تصاميم الإندونيسي هانغي كاولارانغ (تصوير رووفول علي) - العارضة العالمية حليمة في زي من المصممة العمانية أمل الرايسي - من تصاميم فيفي زبيدي

لا يمكن ونحن نتصفح أي مجلة عالمية، أو نتابع أي عرض أزياء هذه الأيام، ألا نلمح تأثيراً من تأثيرات الشرق الأوسط فيها. فالفساتين اكتسبت طولاً، كذلك الأكمام، بينما ارتفعت الياقات لتعانق الرقبة. بل حتى الرأس أصبحت له إكسسواراته المبتكرة التي تتراوح ما بين الإيشاربات المتنوعة وطرق ربطها والعمامات.
القول إن الظاهرة جاءت كردة فعل لسياسات وآراء دونالد ترمب، أو تنامي النزعة الشعبوية في العالم، يمكن أن يكون فيه جانب من المبالغة والخطأ. فلو تتبعنا بذور هذه الموجة لوجدنا أنها بدأت منذ أكثر من عقد من الزمن تقريباً. كان المخضرم كارل لاغرفيلد، مصمم داري «شانيل» و«فندي» من بين أوائل من تنبهوا لها وغذوها، حينها فسر تشكيلة وصفها البعض بالمحافظة جداً نظراً لأكمامها الطويلة وياقاتها العالية وتنوراتها التي تغطي نصف الساق، بأنها مواكبة لتغيرات العصر. وأشار حينها إلى أن المصمم «ابن بيئته وعصره»، يجب أن يكون منصتاً جيداً لما يدور حوله من أمور سياسية واجتماعية وثقافية يترجمها بطريقته. مرت السنوات واتضحت الصورة أكثر بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وصور شابات من المنطقة العربية بملابسهن المحتشمة وإكسسواراتهن غالية الثمن. صورة اكتسبت قوةً ووهجاً في الآونة الأخيرة. فبعد أن كان الغرب يعتبرها مملة و«قديمة» أصبح لا يتقبلها فحسب بل ويستحْليها ويستنسخها. وهكذا بعد أن كان يُملي توجهاته واقتراحاته على هذه المرأة، ويتوقع أن تتقبلها كما هي، بات يتودد لها بلغتها، لكن بلكنته ومفرداته المكسرة. الدليل على هذا أن العديد من بيوت الأزياء العالمية ركبت الموجة، بدءاً من «فالنتينو» و«غوتشي» إلى «شانيل» و«بيربري» و«دولتشي أند غابانا» و«كارولينا هيريرا» وهلم جرا. وحتى من لم يركبها علانية اعتمد على أسلوب الطبقات المتعددة لكي يضرب عصفورين بحجر. بالأول يُبقي على ولاء زبونات غربيات يرين في كشف المستور أنوثة، وبالثاني يستقطب زبونات الشرق الأوسط ممن يُردن ستر المكشوف.
فمن كان يتصور منذ عقد من الزمن أن تتصدر صور محجبات أغلفة مجلات براقة وعالمية؟ ومن كان يتصور أن يحتضن أسبوع نيويورك بالذات عرض أزياء خاص بالأزياء الإسلامية لمرتين على التوالي؟ ومن كان يخطر بباله أن تصبح فتاة محجبة (حليمة عدن) واحدة من أهم العارضات في الساحة على الإطلاق؟ كل هذا أصبح واقعاً ملموساً. والمثلج للصدر أكثر أن العملية لم تبق رهينة مصممين غربيين، عشقوا سحر الشرق أو آخرين يرونه سوقاً خصبة لجني الأرباح. فقد تسلم مصممون عرب وشرق آسيويون مبادرة القيام بحملة موازية ولسان حالهم يقول: «نحن نفهم الحشمة أكثر منكم ولا نتعامل معها بلغة دخيلة علينا». فالحشمة بالنسبة لهؤلاء هوية وثقافة تتعدى طول الأكمام والتنورات. هذه المبادرة أخذت عدة أشكال. فهناك مثلاً موقع «ذي موديست دوت كوم» (The Modist.com) الذي انطلق في دبي منذ فترة قصيرة، وحقق نجاحاً لا يستهان به. يعتمد أساساً على إطلالات تناسب ذوق امرأة شرقية، وتُراعي بيئتها وثقافتها. فرغم أنه يعرض أعمال مصممين عالميين إلى جانب محليين، فإن قوته تكمن في تنسيقه هذه التصاميم بأسلوب «محتشم» وصورة أنيقة راوغت الغرب طويلاً، ليؤكد الموقع والمشرفون عليه بأن «أهل مكة أدرى بشعابها».
من الأساليب الأخرى، عروض أزياء تركز على الأزياء المحافظة من الرأس إلى أخمص القدمين. بالنسبة لمُنظميها، فإن الحلول الوسطى وأي محاولة للعب على مفهوم الحشمة غير مطروح لأنه مجرد مراوغة. فالموضة المحتشمة لا تتعارض لا مع الأناقة، ولا مع الذوق العام، عندما يتم التعامل معها بشكل صحي ومن منظور واقعي. وهذا تحديداً ما عاشته العاصمة البريطانية يوم السبت في فندق «غروفنر هاوس» وسط لندن، من خلال حفل كبير شارك فيه ما لا يقل عن سبعة مصممين. كان دافعهم هو إثبات وجودهم وقدراتهم، وبشكل مباشر التأكيد أن سوقهم مهم. هؤلاء المصممون هم بُثنية وأمل الرايسي من عمان ومريم بوسيكوك من المغرب ورايشما من بريطانيا، وأخيراً وليس آخراً الثلاثي ميرا إندريا وفيفي زوبيدي وهانغي كاويلارانغ من إندونيسيا.
الفعالية التي تعتبر الأولى من نوعها في العاصمة البريطانية، وتمت تحت اسم «The Modest Fashion Festival» من بنات أفكار الدكتورة فاهرين مير، ومحامية حقوق الإنسان سلطانة تافادار والمحامية مروة باختيري. ثلاث شابات مسلمات وناجحات في مجالاتهن قررن أن يضعن حداً لتلك النظرة الدونية والصورة النمطية السائدة في العالم عن المرأة المحجبة أو المحافظة. تُؤكدن أن مبادرتهن ليست تحدياً للغرب بقدر ما هي «تصحيح لصورة نمطية ترسخت في ذهنه طويلاً عن المرأة المحجبة». فحتى عهد قريب كان ينظر إليها، بعباءتها أو جلابيتها الطويلة، على أنها تابعة وغير مواكبة لعصرها، بينما هي في الواقع إما سيدة أعمال ناجحة أو طبيبة أو محامية أو معلمة أو ربة بيت. والأهم من هذا هي امرأة تعشق الموضة، وتريد أن تستمتع بها بأسلوب يتوافق مع هويتها من دون إملاءات الغير. وتأمل كل من فارهين وسلطانة ومروة أن تُرسخ الفعالية هذه الفكرة وتُسلط الأضواء على موضة توارثتها المرأة المسلمة، وتمثل لها ثقافة بأكملها. بيد أنهن يؤكدن أن هذه «الموضة بكل ما تحمله في تفصيلها وتفاصيلها لا تقتصر على دين أو هوية ثقافية معينة، بل يمكن لأي أحد أن يتبناها لأنها تتضمن جماليات كثيرة».
وهذا ما نجح في تأكيده مهرجان «الموضة المحتشمة» يوم السبت الماضي، إضافة إلى احتفاله بنساء قويات وناجحات في مجالات عديدة اخترن الحجاب أسلوباً خاصاً بهن، ولا يرينه يتعارض مع حياتهن. فأغلب الحاضرات كن في أجمل حلة بطرحاتهن وعماماتهن وفساتينهن الطويلة. أما بالنسبة للمصممين الذين قدموا من أماكن متعددة، فكان مناسبة لاستعراض قدراتهم على منبر عالمي.
تقول المصممة العمانية أمل الرايسي إن المهرجان «أتاح فرصة للمصممين العرب لوضع أقدامهم في الغرب، خصوصاً أن (الموضة المحتشمة) تشهد رواجاً عالمياً في الوقت الحالي ما يمنحنا، كمصممين عرب، فرصة أكبر للإبداع وإبراز قدراتنا».
ولم تخيب الرايسي، ولا أي من المصممين المشاركين، الآمال. بل العكس نجح كل منهم في رسم صورة مفعمة بالأناقة لامرأة شرقية قوية لا تقبل أن تتنازل لا عن أناقتها ولا عن هويتها وأسلوبها الخاص. امرأة لم تهدأ إلا بعد أن نجحت في فرض أسلوبها على الساحة العالمية. المصممة المغربية مريم بوسيكوك التي شاركت في الفعالية بمجموعة من القفاطين الفخمة، بيع واحد منها في مزاد ذهب ريعه لصالح أطفال سوريا، علقت أن المناسبة مهمة جداً لأنها منبر عالمي يُعرف العالم أيضاً بـ«المهارات اليدوية والحرفية التي تتمتع بها منطقتنا. وهي مهارات يتوارثها الصناع أباً عن جدٍ». الحرفية التي تقصدها مريم تجسدت في مجموعة قفاطين تستحضر ليالي ألف ليلة وليلة بتطريزاتها الغنية وألوانها الصارخة. وتشرح بوسيكوك أن تصاميمها لا تُجسد الحشمة والفخامة فحسب، بل تحافظ أيضاً على الخطوط التقليدية لهذه القطعة العريقة. تشرح: «أنا لست مع تطوير القفطان بشكل مبالغ فيه لكي أساير العصر، أو أكسب ود زبونات صغيرات السن، بل أريد أن أحافظ على أصالته، من حيث طوله وكل تفاصيلها. والطريف أنني من خلال احتكاكي بزبوناتي اكتشفت أن حتى صغيرات السن منهن يُفضلن حالياً قفاطين تقليدية. فرغم أنه بإمكانهن ارتداء فساتين سهرة من أي مصمم عالمي، فإنهن يخترن القفطان لأنه أكثر تميزاً وأناقة».
اللافت أن الفعالية خلفت ردود فعل إيجابية على كل المستويات، لا سيما أن جزءاً مهماً منها كان عبارة عن مزاد لصالح أطفال سوريا. نجاحها مؤشر بأنها مجرد البداية، وبأن لندن ستحتضن هذه الفعالية لسنوات.

> بحسب تقرير الاقتصاد الإسلامي العالمي، الذي أعدته وكالة «رويترز»، بالتعاون مع «دينار ستاندرد»، فإن المسلمين قوة شرائية مهمة، حيث أنفقوا ما يقدر بنحو 243 مليار دولار على الأزياء في عام 2015، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 368 مليار دولار في عام 2021. أي بزيادة قدرها 51 في المائة عن عام 2015.

> لا يختلف اثنان أن الغرب أكثر من استفاد من ثقافة الشرق. فقد غرف من فنونها وألوانها الشيء الكثير. بعضهم شغفاً بها، وأغلبهم من مستشرقي القرن الماضي مثل بول بواريه وإيف سان لوران، وبعضهم الآخر رغبة في كسب وده وتجارته. الفئة الأخيرة بدأت تُخاطب الزبون الشرقي بلغته، لكن مشكلتها أنها لم تنجح أن تضيف أي جديد على ما يقدمه المصممون المحليون منذ عقود. وليس أدل على هذا من مجموعة العباءات التي خص بها الثنائي الإيطالي «دولتشي أند غابانا» منطقة الشرق الأوسط، وأثارت جدلاً كبيراً بين موافق ومعجب، وبين رافض ومستنكر. فهي لم تحمل جديداً باستثناء توقيعهما عليها. وبينما فشلت المحاولة من الناحية الفنية، فإنها كانت «ضربة معلم» من الناحية التجارية، حيث حققت للدار الإيطالية الكثير من الأرباح. الجميل فيها أنها ولدت حركة إبداعية مضادة يقودها مصممون شباب أعطتهم هذه التصاميم الغربية الهجينة قوة وجرأة أكبر. والأهم من هذا رغبة قوية على تغيير ثقافة التسوق في المنطقة وتحويلها من ثقافة استهلاكية إلى إبداعية. وهذا ما تابعناه يوم السبت الماضي في فندق «غروفنر هاوس» تحت راية «موديست فاشن» (Modest Fashion Festival) وتعيشه منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات على يد مبدعين في مجالات متعددة. من هؤلاء نذكر مصممة الأزياء السعودية رزان عزوني ومصممة الإكسسوارات ناتالي تراد، التي باتت تتوفر حقائبها في كل أنحاء العالم، والعطار السعودي باسل بن جابر صاحب ماركة «ثمين» التي تحقق أعلى المبيعات في محلات «سيلفريدجز» وغيرهم. في ماليزيا أيضاً وصلت هذه الظاهرة إلى حد غزو المصممة أنيسة حاسوبيان لأسبوع نيويورك، لتكون أول مصممة تعرض فيه تشكيلة كاملة للمحجبات.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.