الفرنسيون يبيعون ممتلكات متاحفهم

مقتنيات متحف واحد تكفي لتسديد ديون باريس

متحف اللوفر أكثر متاحف العالم زيارة بمساحة نحو 12 ألف متر مربع لتخزين مجموعاته بينما يعرض نحو 6 آلاف قطعة
متحف اللوفر أكثر متاحف العالم زيارة بمساحة نحو 12 ألف متر مربع لتخزين مجموعاته بينما يعرض نحو 6 آلاف قطعة
TT

الفرنسيون يبيعون ممتلكات متاحفهم

متحف اللوفر أكثر متاحف العالم زيارة بمساحة نحو 12 ألف متر مربع لتخزين مجموعاته بينما يعرض نحو 6 آلاف قطعة
متحف اللوفر أكثر متاحف العالم زيارة بمساحة نحو 12 ألف متر مربع لتخزين مجموعاته بينما يعرض نحو 6 آلاف قطعة

هل يحق للسلطات العمومية التصرف في كنوز المتاحف ومجموعاتها لأي سبب من الأسباب؟ هذا السؤال طرح نفسه بشدة في الولايات المتحدة الأميركية محدثا جدلا كبيرا في الأوساط الثقافية والسياسية.
المناسبة كارثة الإفلاس التي تعرضت لها مدينة «ديترويت» مركز صناعة السيارات المنتعش سابقا والمدينة الأميركية الأكثر إفلاسا اليوم (أكثر من 20 مليار دولار).
والمعضلة بدأت حين دعي مسؤولو هذه المدينة لتسديد ديونهم عن طريق التصرف في محتويات متحف «ديترويت إنستتيوت أوف آرت»، أو بالأحرى بيعها لتسديد ديون المدينة المتراكمة، علما بأن هذا المتحف يزخر بنحو 66 ألف قطعة فنية من بينها كنوز ثمينة لفنانين كبار أمثال بيكاسو، رامبراند، فان إيك، بروجييل، جياكوميتي، فان كوخ، رودان.
بعض اللوحات ذات القيمة الفنية العالية تحطم أرقاما قياسية في المزادات: مائة مليون يورو لـ«النافذة» للفنان ماتيس، ومثلها لـ«رقصة العروس» لبروجييل و150 مليونا لـ«أتوبورتريه» للفنان فان كوخ.
بيع محتويات هذا المتحف العريق قد يساهم في تسديد جزء هام من ديون مدينة «ديترويت» حسب موقع «ديتروي فري براس»، لكن القضية لا تزال رهن المحاكم بعد رفض إدارة المتحف بيع محتوياته على أساس أنها ملك للمواطنين وجرى الحصول عليها بفضل هبات خواص.
لكن ما حدث لمتحف «ديترويت إنستتيوت أوف آرت» أيقظ جدلا قديما في أوروبا، وتحديدا في فرنسا التي تشهد جدلا حول مسألة بيع المجموعات المكدسة في مخازن المتاحف لمساعدتها على تخطي أزماتها المادية واقتناء مجموعات جديدة.

وما خفي أعظم..

المعلومة التي يجهلها الكثير هي أن ما يعرض لزوار المتاحف الفرنسية من تحف ومجموعات قديمة لا يمثل سوى 20 في المائة فقط من ممتلكات هذه المؤسسات الثقافية، أما الباقي فهو مكدس في مخازن كبيرة مملوءة بالقطع التي لا تعرض على العامة.
كل المتاحف الوطنية تملك مخازن هي عبارة عن مساحات شاسعة من الأمتار المربعة تكدس فيها جميع القطع الفنية والأثرية التي لا تعرض على الجمهور، إما لضيق المكان أو حفاظا عليها من أخطار التنقل والتحريك.
متحف اللوفر أكثر متاحف العالم زيارة يملك نحو 12 ألف متر مربع لتخزين مجموعاته، بينما يعرض نحو 35 ألف قطعة. متحف فنون الديكور 6 آلاف متر مربع من المخازن، متحف غالييرا لتاريخ الأزياء 4 آلاف متر مربع، متحف الفنون المعاصرة 15 ألف متر مربع. مؤسسات أخرى تعتبر «مغارات علي بابا» حقيقية تزخر بكنوز مكدسة من التراث الفني والثقافي: المكتبة الوطنية الفرنسية تحفظ في سراديبها نحو 14 مليون كتاب ومخطوطة، 360 ألف دورية، 800 ألف خريطة، ونحو 8 ملايين صورة قديمة. أما المركز الوطني للفنون البلاستيكية فهو يحفظ ثلث ممتلكاته (30 ألفا) في الأقبية والطوابق السفلية.
وجود هذه القطع في المخازن لا يعود فقط لضيق المكان، فهي كثيرا ما تحفظ بعيدا عن أنظار الزوار لحمايتها من التلف، كالتماثيل واللوحات القديمة التي لا تحتمل كثرة التنقل والتحريك. مجموعة متحف اللوفر الخاصة بالفنون التصويرية المكونة من 140 ألف قطعة مثلا لا تخرج من مخازن المتحف أكثر من شهرين كل سنتين لحمايتها من الضوء الذي قد يحرقها، الشيء نفسه بالنسبة للمركز الوطني للفنون البلاستيكية الذي يملك مجموعة قيمة من 9000 صورة قديمة لا تخرج إلا مرة في السنة، علما بأن حجم بعض القطع الفنية لا يسمح بعرضها، كما هو الوضع مع مجموعة مركز «بومبيدو» للفن التشكيلي المعاصر المسماة «إكسترا لارج» التي يصل فيها طول القطعة لمترين وأكثر. تقول «فراسواز كاشان» المديرة السابقة لمتحف «أورسي»: «مهمة المتاحف ليست فقط عرض المجموعات الفنية، وإنما أيضا الحفاظ عليها وصيانتها وتمكين الباحثين من دراستها والبحث فيها». ولهذا نرى معظم هذه الأماكن وهي مهيأة لاستقبال المجموعات الأثرية في أحسن الظروف مراعية توفر درجات حرارة ورطوبة ونسب إضاءة وتغليف مناسبة لكل قطعة. وهي لا تفتح أبوابها للجمهور إلا في حالات استثنائية ولأعداد محدودة من الزوار: في أيام التراث الأوروبي مثلا (15 و16 سبتمبر - أيلول) أو لبعض الطلبة والباحثين فقط، ورغم أهمية هذه المخازن فإن كثيرا من الخبراء أصبحوا يرون أنها أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على المؤسسات المتحفية لأنها تكلفها أموالا كثيرة.

لماذا لا تباع محتويات المخازن؟

المعهد الفرنسي للبحث في الإدارات والسياسات العامة (إيفراب) نشر أخيرا تقريرا مهما خلص فيه إلى وجود فائض كبير من القطع واللوحات الفنية لدى المؤسسات المتحفية. معهد «إيفراب» خص بالدراسة متاحف الفن المعاصر وأحصى نحو 164 ألف قطعة لم تعرض ولا مرة على الجمهور، لكن الوضع نفسه تشهده معظم المتاحف الأخرى. المعهد أوصى ببيع فائض هذه المتاحف لتسوية مشاكلها المادية، لكن المسألة تبدو أكثر تعقيدا، هذا أن القانون الفرنسي يتعامل مع هذا الموضوع بكثير من الصرامة والحزم، فالمادة 451 - 5 من قانون التراث الخاص بالمتاحف تنص على أن «ممتلكات المتاحف الوطنية تابعة للمال العام ولا يمكن التصرف فيها بأي حال من الأحوال»، مستعملة عبارة «إناليانابل» inaliénable التي تعني حرفيا «ممنوعة من كل أشكال التصرف» (بيع، شراء، إهداء، تأجير) وهو مبدأ معمول به في فرنسا منذ عهد فرنسوا الأول، أي منذ القرن السادس عشر. الاستثناء الوحيد في القانون يخص القطع التي قبلت فرنسا إرجاعها لمواطنها الأصلية، وقد جرى تعديل القانون للسماح بخروجها من المتاحف منذ 2002، إلا أن ذلك يبقى خاضعا لما يسمى إجراءات «إلغاء التصنيف»، وهي إجراءات غالبا ما تكون طويلة ومعقدة، كعملية استرداد نيوزيلندا للرؤوس المحنطة لقبيلة «ماؤورييه» المعروضة في متحف مدينة روان والتي استلزمت جلستين برلمانيتين وتقريرا من 300 صفحة وعشرين عاما من الإجراءات القضائية في المحاكم الفرنسية.

متحف «أورسي» لتسديد ديون باريس..

مقارنة بباقي الدول الأوروبية فإن موضوع بيع محتويات المتاحف الوطنية يبدو أكثر بساطة: ألمانيا، الدنمارك، بريطانيا وهولندا كلها تسمح بالبيع بشرط أن تكون القطع غير معروضة، وأن تستعمل عائدات بيعها في اقتناء قطع جديدة ذات قيمة فنية وتاريخية. تجاوز هذه الخطوط قد يكلف المؤسسات المتحفية بعض العقوبات. كمتحف ضاحية «بوري» قرب مانشستر الذي خسر ترخيصه بعدما قام ببيع لوحة للفنان التشكيلي لورانس ستيفان لوري لتسديد ديونه. ومتحف مدينة «لاهاي» الذي تلقى توبيخا من مكتب الملك لـ«خرق المصلحة العامة» بعد شروعه في بيع لوحتين للفنان بيكاسو ومونيه.
في الولايات المتحدة «دياكسيسونينغ» deaccessioning (المضاد للتعبير الفرنسي إنالينابيلتيه) وهو الإجراء القانوني الذي يسمح للمؤسسات المتحفية ببيع محتوياتها لا يحدد نوعية القطع المؤهلة للبيع، لكنه يحبذ أن تستعمل عائدات البيع في شراء قطع أخرى. وإذا كانت السلطات السياسية لا تملك حق التدخل في إدارة المتاحف الأميركية فإن الوضع معكوس تماما في فرنسا، حتى إن باب السجال في هذا الموضوع يكاد يكون محظورا حسب تعبير «غيوم شيروتي» مدير الحالي لمزاد «سوتيبيز فرانس» الذي يصرح على صفحات مجلة «لو بوان»: «منذ مدة وأنا أناضل من أجل فتح النقاش في هذا الموضوع، القانون يجب أن يتغير لتمكين المتاحف الوطنية من بيع بعض مجموعاتها لا لتسديد فواتير ولكن لاقتناء مجموعات أخرى جديدة، كما تفعل المتاحف الأميركية كمتحف نيويورك للفن الحديث (موزيوم أوف مودرن آرت). المفروض أن نعطي للمتاحف الفرنسية الفرصة لتسيير شؤونها بحيوية أكبر دون أن نفرط في تراثها...».
المدير الحالي لمزاد «سوتيبيز فرانس» يعبر عن رأي زملائه من الخبراء الذين اقتنعوا بفكرة البيع من أجل شراء أحسن، وبأن ممتلكات المتاحف ليست بالعدد وإنما بالنوعية. لكن بعضهم ذهب لأبعد من ذلك، فخبير الفن التشكيلي «ميشال ماكي» مثلا صرح على صفحات مجلة «لكسبرس»: «إذا كانت ديون مدينة (ديتروي) الأميركية قد تسدد ببيع مقتنيات أهم متاحفها فإن متحفا واحدا فقط في باريس كمتحف (أورسي) يكفي لتسديد ديون العاصمة الفرنسية (4 مليارات يورو مع مطلع عام 2014) بما أن بيع محتوياته قد يجلب لبلدية باريس 10 مليارات يورو».
على أن المعارضين لهذه الفكرة أكثر، «ألان سيبان» مدير مركز جورج بومبيدو يرى أن محتويات المتاحف ليست للعرض فقط، كلها ذات قيمة لكن بعضها يهم سوق الفن وبعضها يهم الباحثين والمؤرخين وهواة العلم والمعرفة، ويضيف: «محتويات المتاحف ليست تحفا فنية فحسب، بل هي أيضا مرآة تعكس تاريخ الفن المعاصر والقديم ولا قيمة لها إلا وهي كاملة». أما النائب جاك ريغو فهو يقترح أن تعرض محتويات المتاحف بالتداول حتى يتمكن الجمهور من مشاهدتها كلها، وأن تلجأ المتاحف للمعارض الخارجية ولإعارة القطع لمؤسسات أخرى وتحديث مخازنها.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.