نظم الذكاء الصناعي.. تصاميم مطورة تتفاعل مع الإنسان

سيارات تقود نفسها ونظم للاستشارات الطبية وعمال آليون في المصانع

 الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية
الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية
TT

نظم الذكاء الصناعي.. تصاميم مطورة تتفاعل مع الإنسان

 الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية
الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية

منذ فترة قريبة اجتمعت مجموعة من المهندسين والعلماء البارعين في مدينة بورتلاند بالولايات المتحدة لعرض تقنية لم تكن قبل سنوات، سوى على أنها ضرب من ضروب السحر، ففي مؤتمرهم هذا الذي يدعى «كومبيوتر فيجن آند باترن ريكوغنيشن (سي في بي آر)» أرادوا أن يؤسسوا لعالم تقوم السيارات فيه بقيادة نفسها، والآلات والماكينات بالتعرف على الأشخاص، والروبوتات التي تقلد الإنسان، بالسفر لوحدها من دون أن يرافقها أحد، لتنجز مهام عادية دنيوية، وصولا إلى أعمال المصانع، وعمليات الإغاثة في حالات الطوارئ.
وهذا المؤتمر ملتقى سنوي لعلماء الكومبيوتر، والطلاب، وقراصنة البرمجيات، من ذوي الرؤية المستقبلية، وأكثر من ذلك، فقد بات في السنوات الأخيرة محط اهتمام رجال الأعمال، الذين يتوقعون وثبة تقنية كبيرة يستفيدون من خلالها ماليا وتجاريا. على أي حال، يشكل المؤتمر خطوة مهمة نحو الجيل المقبل من عالم الكومبيوتر، والروبوتات، والذكاء الصناعي.

نظم ذكية

إن القدرات الكومبيوترية المتنامية تسمح بأن تقوم السيارات بقيادة نفسها، والروبوتات العاملة في الحقول والمزارع، بإظهار ما تستطيع القيام به، بينما تتطور ما تعرف بتقنية التعرف على النطق والكلام، والملاحة الدقيقة جدا، فضلا عن التغيرات الكبيرة التي حصلت في مضمار العمليات الكومبيوترية الشخصية والإنترنت؛ التقنيات التي حددت ملامح العقود الثلاثة الأخيرة.
«خلال العقد المقبل سيحل (الذكاء) في كل الأمور»، كما يقول إيد لازوواسكا عالم الكومبيوتر في جامعة واشنطن، الخبير في «بيغ ديتا»، أي عالم البيانات والمعلومات الواسعة، الذي تابع قائلا: «ستكون هناك منازل ذكية، وسيارات ذكية، وصحة بدنية ذكية، وروبوتات ذكية، وجموع من الناس ذكية، وتفاعل ذكي بين الكومبيوتر والإنسان».
وأضاف أن هذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات التي تولدها المستشعرات رخيصة الثمن، بات عاملا مهما في تغيير مركز الجاذبية في عالم الكومبيوتر، التي من شأنها أن تنقل الذكاء الصناعي، مثل الآلات التي تتعلم من ذاتها، إلى أبعد مما تقدمه أجهزة الكومبيوتر الحالية، سواء المكتبية أو المحمولة.
وكانت «أبل» الأكثر نجاحا والأولى في ابتكار وترويج ما يدعى «الكومبيوتر كلي الوجود»، أي الحاضر والموجود في كل مكان. وكانت الفكرة هذه قد اقترحها مارك ويزر عالم الكومبيوتر في «زيروكس»، التي تنطوي على وضع معالجات وشرائح إلكترونية قوية في كل المنتجات التي تسيّر الأمور اليومية.
وكان ستيف جوبز في ولايته الثانية على «أبل»، الأسرع في استيعاب تداعيات هبوط أسعار وكلفة ذكاء الكومبيوتر. وقد استغل ذلك أولا بإنتاج مشغل الموسيقى الرقمية «آي بود»، وبالتالي تطوير الاتصالات الجوالة عن طريق هاتف «آي فون». وبات مثل هذا الابتكار يغزو كل مناحي المنتجات الاستهلاكية.
ويقول بول ستافو المدير الإداري لمؤسسة «ديسكرين أنالاتيكس» للأبحاث في سان فرانسيسكو، إن «أهم مؤسسة منتجة جديدة في وادي السليكون ليست شركة صانعة للكومبيوترات أبدا، بل إنها (تيسلا) Tesla السيارة الكهربائية التي أصبحت مفصلا مهما في الشبكة، وجهاز كومبيوتر بحد ذاتها، إنها في الواقع روبوت بدائي يلتف حولك».

ذكاء صناعي

وفيما يلي مجالات عدة التي ستستطيع من خلالها النظم الكومبيوترية من الجيل المقبل، وخوارزميات البرمجيات القوية، تطوير العالم في النصف المقبل من العقد الحالي.
* الذكاء الصناعي: لقد مضت سنتان منذ أن قام برنامج الذكاء الصناعي «واطسون» الذي ابتكرته «آي بي إم» بالتغلب على اثنين من أفضل لاعبي لعبة «جيوباردي». و«واطسون» هذا يستطيع الوصول إلى نحو 200 مليون صفحة من المعلومات، وبالتالي فهم واستيعاب الاستفهامات باللغة الطبيعية والإجابة عنها.
وكانت «آي بي إم» في الأصل قد خططت لاختبار النظام هذا بوصفه مستشارا ذا خبرة عالية للأطباء، ليصبح بمثابة دائرة معارف يرجع إليها هؤلاء في تشخيص الأمراض. وفي مايو (أيار) الماضي ذهبت الشركة هذه خطوة أبعد بالإعلان عن نسخة متعددة الأغراض من برنامجها هذا الذي دعته «آي بي إم واطسون إنغيجمانت أدفايزر» «I.B.M. Watson Engagement Advisor». وكانت الفكرة من وراء ذلك، هي جعل نظام السؤال والجواب هذا متوفرا لأغراض أوسع، وبوصفه دعما فنيا، وتطبيقا لعمليات البيع والدعم عن طريق الهاتف، خاصة أن الشركة كانت قد أفادت سابقا أن نحو 61 في المائة من جميع عمليات الدعم الفني عن طريق الهاتف فشلت، لكون موظفي مركز الدعم الفني غير قادرين على توفير المعلومات الصحيحة، أو الكاملة.
وتقول «آي بي إم» إن «واطسون» سيستخدم لمساعدة مشغلي هذا المركز من البشر، أو يمكن استخدامه على أنه خدمة ذاتية بحيث يتفاعل الزبائن معه مباشرة عن طريق طباعة الأسئلة على متصفح للشبكة، أو الكلام مع برنامج للتعرف على النطق.

روبوتات متقدمة

* الروبوتات: هنالك سباق يجري لتصنيع روبوتات يمكنها السير، وفتح الأبواب، وتسلق السلالم، والحلول محل البشر في المهمات الخطرة.
وفي ديسمبر (كانون الأول) المقبل، ستقوم «داربا» التابعة للبنتاغون في أميركا، بتنظيم حدثين لإجراء مسابقة جائزتها مليونا دولار، لتصنيع روبوت يمكنه الحلول محل عمال الإنقاذ والإغاثة في البيئات الصعبة، مثلما حدث في محطة فوكوشيما اليابانية قبل سنوات.
ومن المقرر أن تجرى هذه المباريات في ميامي، التي تشمل قيام الروبوتات بقيادة السيارات، واجتياز الأنقاض والمناطق المنكوبة، واستخدام العدد والأدوات الآلية، وإغلاق الصمامات.
وإضافة إلى روبوتات «داربا»، ثمة آلات ذكية في طريقها إلينا من «ريثينك روبوتس»، التي مقرها مدينة بوسطن، ومن «يونيفيرسال روبوتس» في كوبنهاغن، التي شرعت في تسويق روبوتات متهاودة السعر، مزودة بذراعين للمساعدة في المصانع. وجميع روبوتات هاتين الشركتين تفتقر إلى القوائم السفلية، أو حتى العجلات، لكنها الأولى التي تتوفر تجاريا، والتي لا تحتاج إلى أقفاص لكونها قادرة على مراقبة زملائها من العمال البشر، والتعاطف معهم من دون إيذائهم.
وبالنسبة للمنازل، تقوم الشركات حاليا بتصميم روبوتات أكثر تعقيدا من المكانس الكهربائية التي تعمل بالشفط. وكانت شركة «هولوها روبوتكس» التي أسسها مدير «مايكروسوفت» السابق تاندي تاور، قد ذكرت أخيرا أنها تنوي تصنيع روبوتات للعناية بالمسنين، وجعلهم يعتمدون على ذاتهم في حياتهم اليومية.
وستكون سبعة من الروبوتات التي ستشترك في مسابقة «داربا» على شاكلة ربوت «أطلس» الذي هو على شكل إنسان من إنتاج شركة «بوسطن ديناميكس»، التي مقرها والتهام، في ولاية ماساتشوستس في أميركا.
* النقل الذكي: في عام 2004 قامت «داربا» بإجراء أول مسابقة «غراند تشالنجيس» التي من شأنها أن توقظ الاهتمام في تطوير سيارات تقود نفسها بنفسها. وقد أدت المسابقة هذه إلى تقنيات مهمة جدا، مثل إمكانية تقديم المساعدة على الطرق المزدحمة، والقيادة على الطرق السريعة الأوتوماتيكية، كالتي عرضتها شركة «جنرال موتورز»، وإمكانية قيام السيارات بركن ذاتها أوتوماتيكيا، وهي خاصية موجودة سلفا في عدد من الشركات المنتجة للسيارات. ومن المنتظر أن تقوم هذه الشركة وشركة «نيسان» بطرح سيارات ذاتية القيادة بنهاية العقد الحالي. وتقوم «غوغل» وصانعو السيارات، باستخدام تشكيلة منوعة من أجهزة الاستشعار، والرادارات، والكاميرات، وإشعاعات الليزر، بغية صهر جميع بياناتها التي تجمعها، لتأمين خريطة مفصلة للعالم السريع المتغير حول السيارة المتحركة.

كومبيوتر متعاطف

* الكومبيوتر المتعاطف: في روضة للأطفال قرب جامعة كاليفورنيا في سان دييغو يقوم روبوت بحجم الأطفال يدعى «روبي» Rubi باللعب معهم، والإصغاء إليهم، والتحدث معهم، وفهم واستيعاب تعبيرات وجوههم.
و«روبي» هذا هو مشروع تجريبي للبروفسور خافيير موفيلان المتخصص في الروبوتات وتعليم الآلات. وهو واحد من عدد من الباحثين يعملون حاليا على صنف من الكومبيوترات يمكنه التواصل مع البشر، بما في ذلك إجراء محادثات معهم.
والكومبيوترات التي يمكنها فهم مشاعرنا العميقة معقودة الآمال عليها في صنع عالم مليء بالآلات الذكية.. لكنها أيضا تثير المخاوف من الاطلاع على الخصوصيات بحجم غير مسبوق. فعن طريق التقدم خطوة تتجاوز التعرف على الوجوه، إلى القدرة على مراقبة مجموعة من عضلات الوجه، وفك شفرة آلاف الحركات الممكنة، ويمكن فهم ما الذي يدور في خلد الناس، وما يختلج في صدورهم. وبذلك ستكون هناك آلات تدرك ما إذا كان الأشخاص يضحكون، أو يبكون، أو أنهم يشعرون بالخوف أو الريبة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
TT

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل. لكن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالاً أكثر طموحاً: هل يمكن اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، والتدخل في وقت يسمح بتغيير مسار المرض؟ وفي طب القلب، قد تأتي الإجابة من فحص قديم ومألوف: تخطيط كهربائية القلب (ECG)، فالخوارزميات تستطيع البحث داخل إشاراته عن أنماط دقيقة قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها باضطرابات قلبية ومخاطر مستقبلية؛ ليصبح التخطيط ليس مجرد قراءة لما يحدث الآن، بل نافذة محتملة على ما قد يحدث لاحقاً.

وفي 2 سبتمبر (أيلول) 2026، تناول الدكتور ريتشارد داسيلار (Richard Dasselaar)، خبير التحول الرقمي المقيم في سويسرا ورئيس مجموعة عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي في أمراض القلب، هذه النقلة في مقال تصدّر غلاف العدد الرابع من المجلد 26 لمجلة «HealthManagement.org» بعنوان «من التنبؤ إلى الوقاية: تحويل طب القلب الدقيق إلى واقع». وينطلق داسيلار من سؤال يتجاوز قدرة الخوارزمية على توقع المرض: هل يمكن اكتشاف الخطر في مرحلة مبكرة بما يكفي لمنح الطبيب فرصة للتدخل قبل أن يتحول الاحتمال إلى مرض واضح؟ فالقيمة الحقيقية للتنبؤ، في هذه الرؤية، ليست في معرفة ما قد يحدث للمريض فحسب، وإنما في استخدام تلك المعرفة في الوقت الذي لا يزال فيه ممكناً تغيير مسار المرض.

حين يرى الذكاء الاصطناعي خطر القلب قبل الاعراض

تخطيط القلب... شفاء المستقبل

تخطيط قلب قد يرى المستقبل. المفارقة أن إحدى الأدوات التي قد تساعد الطب على استشراف أمراض القلب ليست تقنية جديدة، بل تخطيط كهربائية القلب (ECG)، أي الفحص البسيط والرخيص والمتاح على نطاق واسع منذ أكثر من قرن. والجديد ليس التخطيط نفسه، وإنما الطريقة التي أصبح الذكاء الاصطناعي يقرأ بها إشاراته. فالطبيب يفسر التخطيط عادةً بالبحث عن أنماط معروفة في النشاط الكهربائي للقلب، مثل اضطراب النظم أو التغيرات التي قد تشير إلى مشكلة قلبية. أما نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم AI-ECG، فتستطيع تحليل تفاصيل وعلاقات دقيقة داخل الإشارة الكهربائية قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية في القلب، وكذلك ببعض المخاطر المستقبلية. وتشير الدراسات التي يستعرضها داسيلار إلى أن تخطيط القلب يمكن، بهذه الطريقة، أن يتحول من تسجيل كهربائي للحظة الراهنة إلى ما يشبه «المؤشر الحيوي الرقمي» (Digital Biomarker) الذي يكشف معلومات إضافية كامنة داخل الفحص نفسه.

وتكمن جاذبية الفكرة في بساطتها: لا يحتاج الأمر بالضرورة إلى فحص جديد أو جهاز جديد؛ فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراج معلومات لم تكن متاحة سابقاً من تخطيط يُجرى بالفعل يومياً في المستشفيات والعيادات. لكن اكتشاف إشارة خفية لا يعني تلقائياً أننا منعنا المرض؛ وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا نفعل عندما تخبرنا الخوارزمية بأن المريض معرض للخطر؟

• عندما يتحول التنبؤ إلى تدخل. لكن معرفة أن شخصاً معرض لخطر المرض ليست في حد ذاتها علاجاً. وهذا أحد أهم التحولات في النقاش حول الذكاء الاصطناعي الطبي. ففي السنوات الأولى كان السؤال المتكرر: ما مدى دقة الخوارزمية؟ وما حساسيتها ونوعيتها؟ هذه الأسئلة مهمة، لكنها لم تعد كافية.

فقد يحقق نموذج أداءً ممتازاً داخل قاعدة بيانات بحثية، ثم تتراجع فائدته عند انتقاله إلى مستشفى آخر أو مجتمع مختلف، نتيجة اختلاف المرضى وانتشار الأمراض وجودة البيانات والأجهزة ومسارات العمل السريري. والأهم أن التنبؤ لا يملك قيمة حقيقية إذا لم يؤدِّ إلى قرار سريري مناسب في الوقت المناسب.

وقد بدأت الأدلة تنتقل بالفعل من اختبار قدرة الخوارزمية على التنبؤ إلى اختبار أثر استخدامها فعلياً على المرضى. ففي مايو (أيار) 2024، نشرت مجلة «Nature Medicine» تجربة سريرية عشوائية عملية بقيادة تشين-شان لين (Chin-Sheng Lin) وزملائه، شملت 15 ألفاً و965 مريضاً منوّمين في المستشفى. واختبرت الدراسة نظام تنبيه يعتمد على تخطيط القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ووجدت أن استخدامه ارتبط بانخفاض الوفيات لجميع الأسباب خلال 90 يوماً، مع تركز الفائدة لدى المرضى الذين صنّفهم النظام ضمن الفئة مرتفعة الخطورة.

ولا تعني هذه النتيجة أن تجربة واحدة حسمت مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب القلب، لكنها تشير إلى تحول جوهري في طريقة تقييمه: لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع الخوارزمية اكتشاف الخطر؟ بل: هل يؤدي استخدام ذلك الاكتشاف إلى تغيير ما يحدث للمريض؟

هل تفهم خوارزميات القلب المريض العربي؟

الخوارزمية والعلاج

الخوارزمية ليست العلاج. لنتخيل أن مريضاً أُجري له تخطيط للقلب، فاكتشف الذكاء الاصطناعي نمطاً يرتبط بارتفاع احتمال وجود خلل قلبي لم تظهر أعراضه بعد. ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يتلقى التنبيه؟ ومن يقرر إن كان يستدعي فحصاً إضافياً؟ وماذا يحدث إذا اختلف تقدير الطبيب عن الخوارزمية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن القرار؟ وكيف نشرح للمريض أن ارتفاع «احتمال الخطر» لا يعني أنه مصاب بالمرض؟

هنا يضع داسيلار قاعدة شديدة الأهمية: «المؤسسات الصحية لا تطبق خوارزميات، بل تطبق مسارات سريرية». فتنبيه الذكاء الاصطناعي ليس علاجاً بحد ذاته؛ وإنما تبدأ قيمته عندما يدخل في مسار واضح: يراجعه الطبيب، ويضعه في سياق حالة المريض، ويطلب الفحوص التأكيدية عند الحاجة، ثم يتخذ قراراً علاجياً أو وقائياً مناسباً. وبذلك لا يكون نجاح الذكاء الاصطناعي في أنه أطلق تنبيهاً صحيحاً، بل في أن هذا التنبيه وصل إلى الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وأدى إلى إجراء يمكن أن يحسن ما يحدث للمريض.

• هل تصلح الخوارزمية نفسها للمريض العربي؟ هنا يبرز سؤال يهم منطقتنا مباشرة: إذا طُوّرت خوارزمية لتخطيط القلب واختُبرت على مرضى في الولايات المتحدة أو أوروبا، فهل يمكن افتراض أنها ستحقق الدقة نفسها عند استخدامها مع المرضى في الرياض أو جدة أو دبي أو القاهرة؟

ليس بالضرورة. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي دُرّب عليها، وقد يتأثر أداؤه بخصائص السكان، وانتشار الأمراض، والأعمار والحالات المصاحبة، وكذلك بنوع الأجهزة المستخدمة، وطريقة تسجيل البيانات، والممارسات السريرية في كل مؤسسة. لذلك فإن نجاح الخوارزمية في المجتمع الذي طُوّرت واختُبرت فيه لا يكفي وحده لضمان الأداء نفسه في مجتمع آخر.

ويشدد داسيلار على أن التحقق الخارجي ليس مجرد تفصيل تقني، خصوصاً عندما تُستخدم الخوارزمية للكشف المبكر عن المرض. فالنموذج ينبغي أن يثبت أن أداءه يظل موثوقاً عند تغير الجغرافيا والتركيبة السكانية والبيئة السريرية وطريقة الحصول على البيانات. وعندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل، تصبح الحاجة أكبر إلى دراسات تمتد زمنياً، للتأكد من أن الإشارة التي تلتقطها الخوارزمية اليوم ترتبط بالفعل بما يحدث للمريض لاحقاً، وفي وقت مبكر بما يكفي لإتاحة فرصة حقيقية للتدخل.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يفتح ذلك قضية أكبر من مجرد استيراد أحدث خوارزمية: هل جرى التحقق منها على السكان الذين ستُستخدم معهم فعلياً؟

د. ريتشارد داسيلار لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي قد ينقل طب القلب من التنبؤ إلى الوقاية

لقاء صحافي

عينات سعودية للتحقق من التقنية. وفي لقاء مباشر مع «الشرق الأوسط»، سُئل الدكتور داسيلار عما إذا كان التحقق من هذه التقنية في الولايات المتحدة وسويسرا ودول أوروبية يعني أنها أصبحت جاهزة للتطبيق مباشرة في الشرق الأوسط. فأجاب بأن التحقق في دولة لا يمنح الخوارزمية تلقائياً صلاحية عالمية؛ فلكل بلد تركيبته السكانية ونظامه الصحي وأجهزته وبياناته السريرية، ومن الضروري أن يمتلك سياسة واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وآلية للتحقق المحلي قبل الانتقال إلى الاستخدام السريري.

وأوضح أن التحقق لا ينبغي أن يكون اختباراً يُجرى مرة واحدة وينتهي، بل عملية مستمرة تشمل قياس دقة الخوارزمية على السكان المحليين، والتأكد من أدائها مع الأجهزة والمنصات المستخدمة فعلياً في المؤسسات الصحية، ثم مراقبتها بعد التطبيق لرصد أي تغير في الأداء بمرور الوقت. ولعل التطور الأهم للمنطقة أن فريق المشروع، حسب داسيلار، قرر إدراج عينات من المملكة العربية السعودية ضمن مراحل التحقق من التقنية، بهدف تقييم أدائها لدى السكان في المملكة وتوسيع تنوع قاعدة التحقق. وهي خطوة قد تمهّد، إذا أثبتت النتائج كفاءتها، لاستخدام مستقبلي أكثر أماناً في المنطقة يستند إلى أدلة محلية، بدلاً من افتراض أن النجاح في أوروبا أو الولايات المتحدة سيُترجم تلقائياً إلى النتائج نفسها لدى المريض العربي.

وهنا تتبلور قاعدة أساسية في عصر الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: الخوارزمية قد تكون عالمية، لكن الثقة السريرية بها يجب أن تُبنى محلياً.

• من التنبؤ بالخطر إلى رسم «مسار» المريض. الخطر القلبي ليس رقماً ثابتاً. فهو يتغير مع العمر وضغط الدم والأدوية والنشاط البدني والحالة الصحية ووظيفة القلب. ولذلك فإن تقدير احتمال إصابة المريض في لحظة واحدة لا يروي القصة كاملة.

من هنا ينتقل السؤال من: «ما احتمال إصابة هذا المريض؟» إلى سؤال أكثر طموحاً: «إلى أين يتجه مساره الصحي، وما الذي يمكن أن نفعله لتغيير هذا المسار؟» ويشير داسيلار إلى مفهوم ناشئ يعرف بـ«التوأم الرقمي القلبي» (Cardiovascular Digital Twin)، يقوم على إنشاء تمثيل رقمي لحالة الفرد المتغيرة مع الزمن، وقد يتيح مستقبلاً استكشاف مسارات صحية محتملة ومحاكاة أثر تدخلات مختلفة عليها. لكنه يحذر ضمناً من اختزال الفكرة في نموذج ذكاء اصطناعي أكبر أو لوحة بيانات أكثر تعقيداً؛ فالطموح الحقيقي هو تمثيل الحالة السريرية المتغيرة للفرد وفهم الاحتمالات المستقبلية التي قد تنتج عنها. والمجال لا يزال ناشئاً، مع أسئلة علمية وسريرية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

وهكذا قد ينتقل طب القلب الدقيق مستقبلاً من خوارزمية تقول: «هذا المريض معرض للخطر» إلى نظام يساعد الطبيب على طرح سؤال أكثر فائدة: «أي تدخل اليوم يمكن أن يغيّر ما سيحدث لهذا المريض غداً؟»

• الذكاء الاصطناعي سيمنحنا الوقت. لكن كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، ازدادت المسؤولية. فالتنبؤ ليس تشخيصاً، وارتفاع الاحتمال ليس يقيناً؛ لذلك ينبغي ألا تتحول إشارة الخوارزمية إلى حكم على مستقبل المريض، بل إلى معلومة يفسرها الطبيب في سياق حالته ويقرر ما إذا كانت تستدعي تدخلاً أو فحوصاً إضافية. وهذا يصبح أكثر أهمية عندما تستخدم هذه الأدوات مع أشخاص أصحاء أو قليلي الأعراض.

ولهذا ربما لا يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في طب القلب أن يخبرنا بدقة أكبر مَن سيمرض، بل أن يمنح الطب شيئاً أكثر قيمة: الوقت... وقتاً لاكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى مرض واضح، ووقتاً للتدخل عندما لا يزال بالإمكان تغيير المسار، وربما ـ في أفضل الحالات ـ وقتاً يجعل المرض الذي تنبأت به الخوارزمية حدثاً لم يقع أصلاً.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل: قد يكون أفضل تنبؤ يقدمه الذكاء الاصطناعي للطب هو ذلك التنبؤ الذي يساعدنا على منع نفسه من أن يصبح حقيقة.

يحلل تفاصيل إشارات القلب التي قد يصعب تمييزها ويربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية فيه


هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة
TT

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

لطالما تخيّل الناس جنود المستقبل في الحرب وقد تحوّلوا وبفضل الآلات القابلة للارتداء من مقاتلين يحملون الأسلحة، إلى جنود مُغلّفًين بدروع الروبوتية القوية والقدرة النارية.وتعود أحلام ارتداء الهياكل المحمية القوية في الحروب إلى رواية «جنود الفضاء Starship Troopers» (الصادرة عام 1959) لروبرت هاينلاين، حيث تمنح بدلة بطلها جوني ريكو القتالية الآلية، السرعة والقوة وإمكانات الهجوم المدمر في ساحة المعركة، مع الحفاظ على سهولة استخدامها كملابس عادية. وأصبحت هذه الصورة التي عززها لاحقاً الرجل الحديدي، نموذجاً قوياً للمخططين العسكريين: هيكل خارجي متكامل قادر على تحويل جندي المشاة العادي إلى آلة أقوى وأسرع وأكثر فتكاً.

في غضون عامين من صدور رواية هاينلاين، كان البنتاغون يبحث بالفعل عن «جنديه الآلي»، وهو بدلة تُمكّن الجنود من الركض أسرع والتوقف بشكل أسرع ورفع أحمال أثقل. وكانت المؤسسة الدفاعية الأميركية تسعى جاهدةً لتحويل الدروع الآلية إلى واقع ملموس.

منجزات عبر العقود

بعد عقود من البحث، يبدو أن الحلم يتحقق أخيراً، ولكن بصورة أبسط بكثير مما توقعه «البنتاغون». تعود الفكرة إلى ما قبل هاينلاين وشخصية الرجل الحديدي، فقد ظهرت براءات اختراع لأجهزة مساعدة تعمل بالزنبرك والبخار في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبحلول خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان باحثو الجيش الأميركي يدرسون تقنيات التعزيز البيولوجي - الميكانيكي. وحددت الدراسات المبكرة المشكلات التي ستعيق المشروعات اللاحقة: الطاقة المحمولة، وأنظمة التحكم، وصعوبة جعل الآلة تتحرك بشكل طبيعي مع جسم الإنسان.

> أولى التصاميم. شكّلت هذه الفجوة بين الخيال والهندسة أساس البرامج الأميركية اللاحقة. فقد صُممت بدلة هارديمان Hardiman suit من جنرال إلكتريك في ستينيات القرن الماضي لمساعدة الجندي على حمل 1000رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً)، لكنها كانت بطيئة وغير مستقرة وعرضة لحركات عنيفة لا يمكن السيطرة عليها، بينما ظلّت بدلة بيتمان Pitman suit التي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي مجرد فكرة. وظلّ الجيش يعود مراراً وتكراراً إلى رؤى الدروع الروبوتية، لكن قوانين الفيزياء وتعقيداتها حالت دون تحقيقها.

* أفكار القرن الحادي والعشرين. أعادت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) إحياء هذا المسعى في عام 2001 بمنحٍ كبيرة لتعزيز الأداء البشري. أفضت تقنية الهيكل الخارجي للجزء السفلي من الجسم التي طورتها جامعة بيركلي في النهاية إلى نظام HULC من شركة «لوكهيد مارتن»، في حين طورت شركة «ساركوس» (التي استحوذت عليها لاحقاً شركة «رايثيون») نظام Guardian XO للاستخدام الصناعي. ورغم أن هذه النماذج الأولية قدمت أفكاراً مبهرة فيما يتعلق بقدرة تحمل الأوزان، غير أنها لم تنجح في التحول إلى معدات عملية صالحة للاستخدام في ساحات المعارك.

وتُعد مبادرة «تالوس» TALOS التي أطلقتها قيادة العمليات الخاصة الأميركية عام 2013 وسُوِّقت باعتبارها «بدلة الرجل الحديدي» Iron Man suit للقوات الخاصة- أشهر المحاولات الحديثة في هذا المجال. وبعد مرور خمس سنوات، ومشاركة أكثر من 100 شركة وجامعة، وتبني رؤية طموحة لدرع قادر على مقاومة نيران الأسلحة، انتهى البرنامج دون التوصل إلى بدلة قتالية جاهزة للاستخدام الميداني. ولم تكن المشكلة تكمن في الطموح، بل في التكامل؛ إذ تطلب الأمر عمل عدد كبير من الأنظمة المترابطة معاً بسلاسة تامة، وهو ما لم يتحقق.

وعليه، يظل مفهوم «الجندي المعزز آلياً بالكامل» (servo-soldier) بعيد المنال. ومع ذلك لا تزال الهياكل الخارجية تظهر في السياقات العسكرية، ولكن كأدوات متخصصة ومحدودة النطاق للتعامل مع أعباء بدنية محددة، بدلاً من كونها آلات قتالية متعددة الأغراض.

هياكل جديدة للحدّ من الإصابات

وعلى مدار العقد الماضي أعاد الجيش الأميركي توجيه أبحاث الهياكل الخارجية لتركز على تقليل الأحمال التي يحملها الجنود والحد من الإصابات. وقد أشارت استراتيجية الروبوتات لعام 2017 وأولويات التحديث اللاحقة إلى أنظمة حمل الأوزان باعتبارها جزءاً من القدرات القتالية الفتاكة المستقبلية، مما دفع نحو إجراء تحليلات هندسية للتصاميم الحالية والناشئة بهدف تطبيقها عملياً في المجال العسكري

* بدلات للمسعفين في المعارك. وتعكس التجارب الأخيرة هذا التحول؛ فقد اختبر الجيش بدلة SABER الخارجية للحد من إصابات الظهر، ودرس كيف يمكن للهياكل الخارجية مساعدة المسعفين القتاليين، كما قيّم أنظمة تجارية مخصصة لمناولة ذخيرة المدفعية. وفي الوقت نفسه، اختبرت القوات الجوية هياكل خارجية لعمليات تحميل الشحنات، بينما طور الباحثون الطبيون في الجيش دعامة خفيفة الوزن للساق السفلى لمساعدة الجنود المصابين على الوقوف والمشي وإخلاء أنفسهم ذاتياً. وتتضمن الميزانيات المستقبلية تمويلاً بحثياً متواضعاً لأنظمة قد تساهم في تقليل الإصابات بين أفراد فرق نقل الجرحى (حاملي النقالات). وقد اشترى سلاح الجو الملكي الأسترالي 470 بدلة خارجية من طراز HeroWear Apex 2، المشتقة من نظام SABER، لعمال النقل الجوي الذين ينقلون البضائع ويبنون المنصات.

* تطويرات أوكرانيا والصين. وهناك جيوش أخرى تجري تجارب مماثلة أيضاً، فقد استخدمت القوات الأوكرانية هياكل خارجية سلبية تجارية ومحلية لمساعدة أطقم المدفعية على نقل القذائف وحمل الأحمال الثقيلة مع تقليل الضغط على العمود الفقري. وعرضت الصين جنود جيش التحرير الشعبي الصيني وهم يستخدمون هياكل غير مزودة بمحركات في المناطق الجبلية، لا سيما في مهام الدوريات والإمداد الشاقة في مناطق مثل التبت وشينجيانغ. وتستكشف فرنسا ودول أخرى استخدامات مماثلة تركز على الخدمات اللوجستية.

> تطبيقات ناجحة. وتشترك التطبيقات الناجحة في نمط معين: فهي تركز على منطقة واحدة من الجسم، مثل الظهر أو الركبتين؛ وهي سلبية أو مزودة بمحركات خفيفة؛ وتحل مشكلات لوجستية روتينية. وهي خفيفة بما يكفي ليرتديها الجنود بالفعل. وبدلاً من تحويل جندي واحد إلى عشرة، تعالج هذه التقنية مشكلة عسكرية أكثر إلحاحاً، ألا وهي الوقاية من إصابات الجهاز العضلي الهيكلي، التي تشكل الغالبية العظمى من إصابات الجيش الأميركي، وغالباً ما تنتج عن الإفراط في الاستخدام.

* حماية جسدية. الدرس الأوسع نطاقاً يتعلق بالضجة الإعلامية حول تكنولوجيا الدفاع. فقد فشل مشروع «تالوس» لأنه اعتمد على نظام موحد معقد، حيث كان على كل نظام فرعي فيه أن يعمل بكفاءة في آن واحد. أما الهياكل الخارجية التي تشهد تقدماً اليوم فهي أقل بريقاً بكثير: فهي تساعد جندي المدفعية، أو عامل مناولة البضائع، أو المسعف على حماية ظهره وركبتيه أثناء العمل المتكرر.

لا تزال الدروع الآلية مجرد خيال جذاب، بدءاً من مشاة هاينلاين الآلية وصولاً إلى الرجل الحديدي. لكن الهيكل الخارجي الذي قد يكون الأكثر أهمية في ساحة المعركة هو الهيكل الصغير والبسيط والذي لا يحتاج إلى بطاريات وقابل للنقل. ورغم أن ذلك لن يُحدث ثورة في الحرب، فإنه قد يساعد الجنود العاديين على مواصلة العمل خلال فترات الانتشار الطويلة، وأعمال الإمداد الثقيلة، وإجلاء المصابين.

* مجلة «فاست كومباني»


شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا
TT

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

كشف علماء بريطانيون عن أدلة جديدة تشير إلى أن الجينوم البشري يبدأ بتنظيم نفسه استعداداً للقرارات التطورية المستقبلية قبل وقت طويل من تنشيط الجينات الرئيسية. وتوضح النتائج أن البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) تلعب دوراً محورياً في تحديد كيفية اكتساب الخلايا لهويتها خلال المراحل الأولى من تطور الجنين البشري.

وقاد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Cell Reports» في 23 يونيو (حزيران) 2026 باحثون من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (MRC) وكلية «إمبريال لندن»، بالتعاون مع «معهد بابراهام» المنظمة الشريكة لجامعة كمبردج في المملكة المتحدة. وتسلط النتائج الضوء على الكيفية التي تساعد بها البنية المكانية للجينوم في توجيه التطور الجنيني كما قد توفر أدلة مهمة لفهم أسباب بعض الاضطرابات النمائية.

الجينوم أكثر من مجرد مخطط وراثي

على الرغم من أن جميع خلايا الجسم البشري تحتوي على الحمض النووي (دي إن إيه) (DNA) نفسه، فإن اختلاف أنواع الخلايا يعود إلى تشغيل مجموعات معينة من الجينات في أوقات محددة. وتتحكم في هذه العملية مناطق من الحمض النووي تُعرف باسم المعززات الجينية (Enhancers) التي تعمل مفاتيح جزيئية لتنظيم نشاط الجينات.

وغالباً ما تكون هذه المعززات بعيدة عن الجينات التي تتحكم بها على امتداد شريط الحمض النووي. وللتأثير في تلك الجينات ينطوي الحمض النووي داخل نواة الخلية بطريقة تسمح بحدوث تلامس مباشر بين المعززات والجينات المستهدفة عبر حلقات ثلاثية الأبعاد. ويُعد فهم كيفية تشكل هذه الاتصالات وتوقيتها من الأسئلة الأساسية في علم الأحياء التطوري.

تتبع المراحل الأولى من التطور البشري

لتتبع المراحل الأولى من تطور الجنين البشري، استخدم الباحثون تقنية متطورة مكّنتهم من مراقبة كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الحمض النووي داخل الخلايا الجذعية البشرية. وركزت الدراسة على فترة انتقال هذه الخلايا من مرحلة مبكرة جداً إلى مرحلة أكثر استعداداً للتخصص وتكوين أنسجة وأعضاء الجسم.

وخلال هذه المرحلة لاحظ العلماء أن عدداً من العناصر الجينية المسؤولة عن التحكم في نشاط الجينات المرتبطة بالنمو الجنيني لم يكن نشطاً بشكل كامل لكنه لم يكن خاملاً أيضاً، بل كان في حالة استعداد للعمل. والأكثر إثارة أن هذه العناصر بدأت مبكراً في إنشاء روابط مع الجينات التي ستحتاج إليها الخلية في مراحل لاحقة من التطور.

وتشير هذه النتائج إلى أن الخلايا لا تنتظر لحظة الحاجة إلى الجينات المهمة، بل تبدأ في تجهيزها مسبقاً وكأنها تضع خطة عمل مبكرة تضمن سير عملية النمو والتطور بشكل منظم ودقيق.

نظام «التوصيل المسبق» للجينات

كما كشفت الدراسة أن العديد من الاتصالات بين المناطق المنظمة للجينات، والجينات نفسها تتكوّن في وقت مبكر جداً قبل أن يتم تفعيل هذه الجينات بوقت طويل. والأهم أن هذه الروابط المبكرة غالباً ما تبقى ثابتة حتى لحظة تشغيل الجينات لاحقاً.

وقد وصف الباحثون هذه الظاهرة بأنها نوع من «التوصيل المسبق»، حيث يقوم الجينوم بإنشاء مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة.

وللتأكد من أهمية هذه الروابط استخدم الفريق تقنية «كريسبر» (CRISPR) لتنشيط إحدى هذه المناطق الجينية بشكل تجريبي. وأظهرت النتائج أن هذه المنطقة قامت بتفعيل الجين الذي ترتبط به ثلاثياً داخل الخلية وليس الجين الأقرب لها على شريط الحمض النووي الذي لا يملك هذا الاتصال.

وتشير هذه النتائج إلى أن شكل الجينوم داخل الخلية يلعب دوراً أساسياً في تحديد أي الجينات يتم تشغيلها وليس فقط موقعها أو قربها على تسلسل الحمض النووي.

انعكاسات على النمو والأمراض

ويرى الدكتور ميخائيل سبيفاكوف من معهد العلوم السريرية، كلية الطب إمبريال كوليدج لندن، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن النتائج تكشف الدور الأساسي الذي يؤديه الجينوم ثلاثي الأبعاد في توجيه القرارات التطورية للخلايا.

وأوضح أن الجينوم يكون منظماً مسبقاً بطريقة تسمح للمعززات المناسبة بتنشيط الجينات الصحيحة حتى قبل بدء التعبير الجيني الفعلي وهي عملية أساسية في تحديد هوية الخلايا والحفاظ عليها طوال الحياة.

ويعتقد الباحثون أن أي خلل في هذه البنية المبكرة قد يساهم في ظهور اضطرابات النمو والتشوهات الخلقية. لذلك فإن فهم كيفية تشكل هذه الهياكل قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسباب الجزيئية للعديد من الأمراض.

نافذة جديدة لفهم تطور الأجنة البشرية

تؤكد الدراسة أيضاً أهمية نماذج الخلايا الجذعية في دراسة المراحل المبكرة من تطور الإنسان. فقبل أن تتخصص الخلايا لتكوين الأنسجة والأعضاء المختلفة تمر بسلسلة من المراحل التحضيرية المهمة، من بينها إعادة تنظيم الجينوم في هياكل ثلاثية الأبعاد معقدة.

ومن خلال توضيح كيفية توجيه هذه البنية لنشاط الجينات المستقبلي توفر النتائج فهماً أعمق للرحلة البيولوجية التي تبدأ من بويضة مخصبة واحدة وتنتهي بتكوين كائن حي متكامل. ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال يأمل العلماء أن يسهم فهم مبادئ تنظيم الجينوم ثلاثي الأبعاد في تعزيز المعرفة بالتطور البشري وفتح آفاق جديدة في الطب التجديدي ونمذجة الأمراض وتطوير علاجات مستقبلية مبتكرة.