نظم الذكاء الصناعي.. تصاميم مطورة تتفاعل مع الإنسان

سيارات تقود نفسها ونظم للاستشارات الطبية وعمال آليون في المصانع

 الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية
الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية
TT

نظم الذكاء الصناعي.. تصاميم مطورة تتفاعل مع الإنسان

 الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية
الروبوت «باكستر» من شركة «طريثنك روبوتكس» يعمل مع الفرق البشرية

منذ فترة قريبة اجتمعت مجموعة من المهندسين والعلماء البارعين في مدينة بورتلاند بالولايات المتحدة لعرض تقنية لم تكن قبل سنوات، سوى على أنها ضرب من ضروب السحر، ففي مؤتمرهم هذا الذي يدعى «كومبيوتر فيجن آند باترن ريكوغنيشن (سي في بي آر)» أرادوا أن يؤسسوا لعالم تقوم السيارات فيه بقيادة نفسها، والآلات والماكينات بالتعرف على الأشخاص، والروبوتات التي تقلد الإنسان، بالسفر لوحدها من دون أن يرافقها أحد، لتنجز مهام عادية دنيوية، وصولا إلى أعمال المصانع، وعمليات الإغاثة في حالات الطوارئ.
وهذا المؤتمر ملتقى سنوي لعلماء الكومبيوتر، والطلاب، وقراصنة البرمجيات، من ذوي الرؤية المستقبلية، وأكثر من ذلك، فقد بات في السنوات الأخيرة محط اهتمام رجال الأعمال، الذين يتوقعون وثبة تقنية كبيرة يستفيدون من خلالها ماليا وتجاريا. على أي حال، يشكل المؤتمر خطوة مهمة نحو الجيل المقبل من عالم الكومبيوتر، والروبوتات، والذكاء الصناعي.

نظم ذكية

إن القدرات الكومبيوترية المتنامية تسمح بأن تقوم السيارات بقيادة نفسها، والروبوتات العاملة في الحقول والمزارع، بإظهار ما تستطيع القيام به، بينما تتطور ما تعرف بتقنية التعرف على النطق والكلام، والملاحة الدقيقة جدا، فضلا عن التغيرات الكبيرة التي حصلت في مضمار العمليات الكومبيوترية الشخصية والإنترنت؛ التقنيات التي حددت ملامح العقود الثلاثة الأخيرة.
«خلال العقد المقبل سيحل (الذكاء) في كل الأمور»، كما يقول إيد لازوواسكا عالم الكومبيوتر في جامعة واشنطن، الخبير في «بيغ ديتا»، أي عالم البيانات والمعلومات الواسعة، الذي تابع قائلا: «ستكون هناك منازل ذكية، وسيارات ذكية، وصحة بدنية ذكية، وروبوتات ذكية، وجموع من الناس ذكية، وتفاعل ذكي بين الكومبيوتر والإنسان».
وأضاف أن هذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات التي تولدها المستشعرات رخيصة الثمن، بات عاملا مهما في تغيير مركز الجاذبية في عالم الكومبيوتر، التي من شأنها أن تنقل الذكاء الصناعي، مثل الآلات التي تتعلم من ذاتها، إلى أبعد مما تقدمه أجهزة الكومبيوتر الحالية، سواء المكتبية أو المحمولة.
وكانت «أبل» الأكثر نجاحا والأولى في ابتكار وترويج ما يدعى «الكومبيوتر كلي الوجود»، أي الحاضر والموجود في كل مكان. وكانت الفكرة هذه قد اقترحها مارك ويزر عالم الكومبيوتر في «زيروكس»، التي تنطوي على وضع معالجات وشرائح إلكترونية قوية في كل المنتجات التي تسيّر الأمور اليومية.
وكان ستيف جوبز في ولايته الثانية على «أبل»، الأسرع في استيعاب تداعيات هبوط أسعار وكلفة ذكاء الكومبيوتر. وقد استغل ذلك أولا بإنتاج مشغل الموسيقى الرقمية «آي بود»، وبالتالي تطوير الاتصالات الجوالة عن طريق هاتف «آي فون». وبات مثل هذا الابتكار يغزو كل مناحي المنتجات الاستهلاكية.
ويقول بول ستافو المدير الإداري لمؤسسة «ديسكرين أنالاتيكس» للأبحاث في سان فرانسيسكو، إن «أهم مؤسسة منتجة جديدة في وادي السليكون ليست شركة صانعة للكومبيوترات أبدا، بل إنها (تيسلا) Tesla السيارة الكهربائية التي أصبحت مفصلا مهما في الشبكة، وجهاز كومبيوتر بحد ذاتها، إنها في الواقع روبوت بدائي يلتف حولك».

ذكاء صناعي

وفيما يلي مجالات عدة التي ستستطيع من خلالها النظم الكومبيوترية من الجيل المقبل، وخوارزميات البرمجيات القوية، تطوير العالم في النصف المقبل من العقد الحالي.
* الذكاء الصناعي: لقد مضت سنتان منذ أن قام برنامج الذكاء الصناعي «واطسون» الذي ابتكرته «آي بي إم» بالتغلب على اثنين من أفضل لاعبي لعبة «جيوباردي». و«واطسون» هذا يستطيع الوصول إلى نحو 200 مليون صفحة من المعلومات، وبالتالي فهم واستيعاب الاستفهامات باللغة الطبيعية والإجابة عنها.
وكانت «آي بي إم» في الأصل قد خططت لاختبار النظام هذا بوصفه مستشارا ذا خبرة عالية للأطباء، ليصبح بمثابة دائرة معارف يرجع إليها هؤلاء في تشخيص الأمراض. وفي مايو (أيار) الماضي ذهبت الشركة هذه خطوة أبعد بالإعلان عن نسخة متعددة الأغراض من برنامجها هذا الذي دعته «آي بي إم واطسون إنغيجمانت أدفايزر» «I.B.M. Watson Engagement Advisor». وكانت الفكرة من وراء ذلك، هي جعل نظام السؤال والجواب هذا متوفرا لأغراض أوسع، وبوصفه دعما فنيا، وتطبيقا لعمليات البيع والدعم عن طريق الهاتف، خاصة أن الشركة كانت قد أفادت سابقا أن نحو 61 في المائة من جميع عمليات الدعم الفني عن طريق الهاتف فشلت، لكون موظفي مركز الدعم الفني غير قادرين على توفير المعلومات الصحيحة، أو الكاملة.
وتقول «آي بي إم» إن «واطسون» سيستخدم لمساعدة مشغلي هذا المركز من البشر، أو يمكن استخدامه على أنه خدمة ذاتية بحيث يتفاعل الزبائن معه مباشرة عن طريق طباعة الأسئلة على متصفح للشبكة، أو الكلام مع برنامج للتعرف على النطق.

روبوتات متقدمة

* الروبوتات: هنالك سباق يجري لتصنيع روبوتات يمكنها السير، وفتح الأبواب، وتسلق السلالم، والحلول محل البشر في المهمات الخطرة.
وفي ديسمبر (كانون الأول) المقبل، ستقوم «داربا» التابعة للبنتاغون في أميركا، بتنظيم حدثين لإجراء مسابقة جائزتها مليونا دولار، لتصنيع روبوت يمكنه الحلول محل عمال الإنقاذ والإغاثة في البيئات الصعبة، مثلما حدث في محطة فوكوشيما اليابانية قبل سنوات.
ومن المقرر أن تجرى هذه المباريات في ميامي، التي تشمل قيام الروبوتات بقيادة السيارات، واجتياز الأنقاض والمناطق المنكوبة، واستخدام العدد والأدوات الآلية، وإغلاق الصمامات.
وإضافة إلى روبوتات «داربا»، ثمة آلات ذكية في طريقها إلينا من «ريثينك روبوتس»، التي مقرها مدينة بوسطن، ومن «يونيفيرسال روبوتس» في كوبنهاغن، التي شرعت في تسويق روبوتات متهاودة السعر، مزودة بذراعين للمساعدة في المصانع. وجميع روبوتات هاتين الشركتين تفتقر إلى القوائم السفلية، أو حتى العجلات، لكنها الأولى التي تتوفر تجاريا، والتي لا تحتاج إلى أقفاص لكونها قادرة على مراقبة زملائها من العمال البشر، والتعاطف معهم من دون إيذائهم.
وبالنسبة للمنازل، تقوم الشركات حاليا بتصميم روبوتات أكثر تعقيدا من المكانس الكهربائية التي تعمل بالشفط. وكانت شركة «هولوها روبوتكس» التي أسسها مدير «مايكروسوفت» السابق تاندي تاور، قد ذكرت أخيرا أنها تنوي تصنيع روبوتات للعناية بالمسنين، وجعلهم يعتمدون على ذاتهم في حياتهم اليومية.
وستكون سبعة من الروبوتات التي ستشترك في مسابقة «داربا» على شاكلة ربوت «أطلس» الذي هو على شكل إنسان من إنتاج شركة «بوسطن ديناميكس»، التي مقرها والتهام، في ولاية ماساتشوستس في أميركا.
* النقل الذكي: في عام 2004 قامت «داربا» بإجراء أول مسابقة «غراند تشالنجيس» التي من شأنها أن توقظ الاهتمام في تطوير سيارات تقود نفسها بنفسها. وقد أدت المسابقة هذه إلى تقنيات مهمة جدا، مثل إمكانية تقديم المساعدة على الطرق المزدحمة، والقيادة على الطرق السريعة الأوتوماتيكية، كالتي عرضتها شركة «جنرال موتورز»، وإمكانية قيام السيارات بركن ذاتها أوتوماتيكيا، وهي خاصية موجودة سلفا في عدد من الشركات المنتجة للسيارات. ومن المنتظر أن تقوم هذه الشركة وشركة «نيسان» بطرح سيارات ذاتية القيادة بنهاية العقد الحالي. وتقوم «غوغل» وصانعو السيارات، باستخدام تشكيلة منوعة من أجهزة الاستشعار، والرادارات، والكاميرات، وإشعاعات الليزر، بغية صهر جميع بياناتها التي تجمعها، لتأمين خريطة مفصلة للعالم السريع المتغير حول السيارة المتحركة.

كومبيوتر متعاطف

* الكومبيوتر المتعاطف: في روضة للأطفال قرب جامعة كاليفورنيا في سان دييغو يقوم روبوت بحجم الأطفال يدعى «روبي» Rubi باللعب معهم، والإصغاء إليهم، والتحدث معهم، وفهم واستيعاب تعبيرات وجوههم.
و«روبي» هذا هو مشروع تجريبي للبروفسور خافيير موفيلان المتخصص في الروبوتات وتعليم الآلات. وهو واحد من عدد من الباحثين يعملون حاليا على صنف من الكومبيوترات يمكنه التواصل مع البشر، بما في ذلك إجراء محادثات معهم.
والكومبيوترات التي يمكنها فهم مشاعرنا العميقة معقودة الآمال عليها في صنع عالم مليء بالآلات الذكية.. لكنها أيضا تثير المخاوف من الاطلاع على الخصوصيات بحجم غير مسبوق. فعن طريق التقدم خطوة تتجاوز التعرف على الوجوه، إلى القدرة على مراقبة مجموعة من عضلات الوجه، وفك شفرة آلاف الحركات الممكنة، ويمكن فهم ما الذي يدور في خلد الناس، وما يختلج في صدورهم. وبذلك ستكون هناك آلات تدرك ما إذا كان الأشخاص يضحكون، أو يبكون، أو أنهم يشعرون بالخوف أو الريبة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.


البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»
TT

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

استخدم ما يقرب من ثلثي البالغين الأميركيين أداة بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية. ولكن الإحصائية المثيرة لمطوري هذه الأدوات: 15 في المائة فقط يقولون إنهم يثقون بالنتائج «ثقة تامة». وتُمثل هذه الفجوة بين الاستخدام والثقة التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي. فالمستهلكون يُقبلون على هذه التقنية، لكنهم يُشككون في النتائج، كما كتب كريغ سالدانها (*).

وعلى مطوري هذه المنتجات، طرح سؤال مُحرج على أنفسهم: هل إنهم يصممون تجارب تكسب ثقة المستهلكين، وتستحقها؟

«حديقة مسوّرة»

تعاونت شركة Yelp مع Morning Consult لإجراء استطلاع رأي شمل أكثر من 2200 بالغ أميركي حول كيفية استخدامهم البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ونظرتهم إليه. وتشير النتائج إلى مشكلة واحدة مُتكررة: يشعر المستهلكون بأنهم مُحاصرون.

أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (51 في المائة) يقولون إن نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبدو وكأنها «حديقة مسوّرة» يصعب معها التحقق مما يقرأونه.

صعوبة التحقق من الإجابات

  • يقول 63 في المائة إنهم يتحققون من نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالرجوع إلى مصادر موثوقة أخرى، مثل مواقع الأخبار ومنصات التقييم.
  • ويشير 57 في المائة إلى أنهم أقل ميلاً لاستخدام البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحديداً لافتقاره إلى مصادر موثوقة.

في البدايات، أي في الأيام الأولى لعمليات البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، اتسمت النتائج بالغموض، حيث كانت النماذج تُلفّق الإجابات بثقة. وتمكنت معظم المنصات الرائدة من حل هذه المشكلة التقنية إلى حد كبير. لكن ما زال هناك شك أعمق: ليس فقط «هل هذه الإجابة صحيحة؟»، بل «كيف لي أن أعرف؟»؛ إذ وعندما تُزيل المنصات المصادر والاقتباسات والروابط إلى المحتوى الواقعي الذي استندت إليه إجاباتها، فإنها تبني جدراناً لا جسوراً. يُعبّر المستهلكون بوضوح عن رغبتهم في الحصول على الروابط والمصادر والقدرة على التحقق بأنفسهم.

«فتح الأبواب» للبيانات الموثقة

يرسم الاستطلاع صورة متسقة بشكل ملحوظ لما يلزم، لسد فجوة الثقة.

يقول ما يقرب من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع (72 في المائة) إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُظهر دائماً مصدر معلوماتها.

  • يرغب ثلثا المشاركين (66 في المائة) في مزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مثل روابط منصات التقييم ومواقع الأخبار، إلى جانب الإجابات التي يُقدمها الذكاء الاصطناعي.
  • بينما يقول أكثر من نصفهم (52 في المائة) إن الأدلة المرئية، مثل صور الطبق الغذائي، أو صور مصاحبة لطلباتهم، من شأنها أن تزيد من ثقتهم.

والمستهلكون ليسوا ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد الأنظمة المبهمة. إنهم يريدون أن يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل الشاق المتمثل في تحليل كميات هائلة من المعلومات ثم عرض النتائج.

لا يستخدم الشخص العادي الذكاء الاصطناعي لتحليل الشفرات أو غيرها من التطبيقات التقنية، بل يستخدمه في عمليات البحث المحلية اليومية.

استخدام محلّي يومي

  • يستخدم أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (57 في المائة) أدوات الذكاء الاصطناعي للعثور على الشركات المحلية شهرياً على الأقل. إنهم يريدون نصائح حول مكان اصطحاب عائلاتهم لتناول عشاء عيد ميلاد أو اختيار من يسمحون له بدخول منزلهم لإصلاح أنبوب مياه متفجر؛ ولذا لن يكون ملخص الذكاء الاصطناعي المستقل دون دليل موثوق كافياً.

مصادر المعلومات

وعندما يلجأ المستهلكون إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ هذه القرارات، تكون توقعاتهم واضحة لا لبس فيها:

  • 76 في المائة منهم يرون أن معرفة مصدر المعلومات أمرٌ بالغ الأهمية،
  • و73 في المائة يؤكدون على أهمية تقييمات وآراء الزبائن الحقيقيين

و76 في المائة يرون أهمية الاطلاع على مصادر موثوقة متعددة.

كما أن الشركات المحلية تتسم بطبيعتها بالديناميكية، حيث قد يرحل العاملون، وتتغير العروض (مثل انتقال الطهاة وتغيّر قوائم الطعام)، وتتغير ساعات العمل. لذا وبدون محتوى بشري أصيل ومُحدّث بانتظام من مصادر موثوقة، يُخاطر الذكاء الاصطناعي بتقديم معلومات قديمة أو غير موثوقة.

أجوبة جيل الإنترنت

وإذا كان أحدٌ يظن أن جيل الإنترنت، سيكون أكثر ثقة، فإن البيانات تُشير إلى عكس ذلك. يتمتع جيل الشباب بأعلى معدل استخدام:

  • استخدم 84 في المائة منهم منصة بحث تعتمد على الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية.
  • لكنهم أيضاً الأكثر تطلباً؛ إذ يقول 72 في المائة منهم إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُقدّم المزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مقارنةً بـ63 في المائة من جيل الألفية و59 في المائة من «جيل إكس» السابقين له.

إن هذا جيلٌ مُتشبّعٌ بمحتوى الذكاء الاصطناعي الرديء، وقد طوّر أفراده حساً أقوى في التمييز بين المعلومات الأصلية والمُصطنعة. لذا؛ تُخاطر المنصات التي تُبقي هذه الفئة من الجمهور داخل بيئة مغلقة، بفقدان الجيل الأكثر إلماماً بالذكاء الاصطناعي أولاً.

قصور الحُجّة المضادة

قد يجادل البعض بأن إضافة الاقتباسات والروابط ومؤشرات المصادر تخلق عوائق، وأن جوهر البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يكمن في تقديم إجابة سلسة ومتكاملة. فلماذا إذن ندفع المستخدمين بعيداً عن منصتنا؟ لكن هذا الطرح يخلط بين القيود وقيمة ما يقدم.

لا يرفض المستهلكون الملخصات التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي، بل يرفضون الإجابات التي لا يمكنهم التحقق منها.

  • غالبية المستهلكين (69 في المائة) يرغبون في خيار مغادرة منصات الذكاء الاصطناعي وزيارة مواقع موثوقة لإجراء بحوثهم الخاصة. وعندما اختبرنا ذلك عملياً، وعرضنا على المستهلكين نسختين من نتائج بحث الذكاء الاصطناعي، إحداهما بمصادر شفافة والأخرى من دونها، فضّل 80 في المائة النسخة التي تضمنت محتوى بشرياً أصيلاً ومصادر موثوقة وروابط قابلة للتنفيذ. إن إزالة القيود لا تُنفّر المستخدمين، بل تُعزز ثقتهم.

ربط الذكاء الاصطناعي بتجارب الواقع

يقف قطاع الذكاء الاصطناعي على مفترق طرق. ولن تكون المنصات الفائزة هي تلك التي تُنتج إجابات اصطناعية أكثر إقناعاً. بل ستكون هذه المنصات تلك التي تربط المستخدمين بسلاسة بتجارب حقيقية من العالم الواقعي، مستخدمةً الذكاء الاصطناعي جسراً إلى محتوى بشري موثوق.

مع نضوج منظومة الذكاء الاصطناعي، لن تقتصر المنصات التي تُحقق التوازن الأمثل بين الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي والمحتوى البشري الشفاف والأصيل على سدّ فجوة الثقة فحسب، بل ستضع معياراً لما يتوقعه المستهلكون.

الشفافية تسهل اتخاذ القرارات

والخبر السار هو أن زيادة الروابط الشفافة والسخية تُعدّ مدًّا متصاعداً يُفيد الجميع: إذ يحصل المستهلكون على القدرة على إجراء أبحاثهم الخاصة واتخاذ قراراتهم بثقة، ويحصل مُنشئو المحتوى والناشرون على الزيارات التي تُحافظ على منظومة محتوى صحية، وتستفيد منصات الذكاء الاصطناعي نفسها من علاقات أقوى مع المصادر الموثوقة التي تجعل إجاباتها جديرة بالثقة في المقام الأول.

الشفافية ليست خياراً ثانوياً، بل هي أساس النجاح.

* مجلة «فاست كومباني»


ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟
TT

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

عندما طرح «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، كان رد الفعل فورياً وقوياً: إنه يعمل! ولأول مرة، اختبر ملايين الأشخاص الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه وعداً بعيد المنال، بل بوصفه شيئاً مفيداً وبديهياً. وحتى مع عيوبه، فقد ظهر أنه يتمتع بقدرات مذهلة.

حدس صحيح واستنتاج خاطئ

كان هذا الحدس صحيحاً. أما الاستنتاج الذي تلاه فكان خاطئاً. لأن ما ينجح ببراعة مع فرد أمام لوحة المفاتيح، أثبت عدم فاعليته بشكل مفاجئ داخل المؤسسة.

الشركات لا تُدار باللغة

بعد عامين، وبعد مليارات الدولارات من الاستثمارات، وعدد لا يحصى من التجارب، وتدفق مستمر من «المساعدين» الأذكياء، يتبلور واقع مختلف: الذكاء الاصطناعي التوليدي استثنائي في إنتاج اللغة... لكن الشركات لا تُدار باللغة: بل تُدار بالذاكرة والسياق والتغذية الراجعة والقيود.

وهذه هي الفجوة. ولهذا السبب تفشل الكثير من مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات بهدوء. إذ حتى مع الانتشار الواسع، هناك تأثير محدود... وشعور متزايد بالتكرار.

فشل 95 % من المشاريع التجريبية

ليست هذه قصة عن تقنية فشلت في اكتساب زخم، بل على العكس تماماً.

وأظهر تحليل مدعوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي حظي باهتمام واسع، أن نحو 95 في المائة من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات تفشل في تحقيق نتائج ملموسة، حيث لا يصل سوى 5 في المائة منها إلى مرحلة الإنتاج المستدام. وتشير تغطيات أخرى للنتائج نفسها إلى النمط نفسه: تجارب مكثفة، وتحول محدود.

والتفسير واضح: المشكلة ليست في الحماس، ولا حتى في القدرة، بل في أن توظيف الأدوات لا يُترجم إلى تغيير عملي حقيقي... ليست هذه مشكلة للتبني، بل مشكلة هيكلية.

المفارقة المزعجة: ذكاء اصطناعي... لكن لا شيء يتغير

داخل معظم الشركات اليوم، يتعايش واقعان: من جهة، يستخدم الموظفون أدوات مثل «تشات جي بي تي» باستمرار. فهم يصيغون ويلخصون ويبتكرون ويسرّعون عملهم بطرق تبدو طبيعية وفعالة.

من جهة أخرى، تكافح مبادرات الذكاء الاصطناعي الرسمية في المؤسسات للتوسع خارج نطاق المشاريع التجريبية الخاضعة لرقابة دقيقة. يصف التحليل نفسه المتعلق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فجوةً متزايدةً في «التعلم»: يجد الأفراد فائدة وقيمةً بسرعة، لكن المؤسسات تفشل في دمج هذه القيمة في سير العمل ذي الأهمية. والنتيجة هي ما يشبه «الذكاء الاصطناعي الخفي»: يستخدم الأفراد ما يُجدي نفعاً، بينما تستثمر الشركات فيما لا يُجدي.

الخطأ الأساسي: التعامل مع نموذج اللغة كنظام تشغيل

تركز معظم تفسيرات هذا الفشل على التنفيذ: بيانات غير دقيقة، حالات استخدام غير واضحة، نقص في التدريب. كل هذا صحيح، لكنه ثانوي.

المشكلة الحقيقية أبسط وأكثر جوهرية: نماذج اللغة الكبيرة مصممة للتنبؤ بالنصوص. هذا كل شيء. كل شيء آخر، من الاستدلال إلى التلخيص والمحادثة، إلخ، هو خاصية ناشئة عن هذه القدرة.

الأدوات الذكية التوليدية لا تعمل ضمن الواقع

لكن الشركات لا تعمل كسلاسل من النصوص. إنها تعمل كأنظمة متطورة ذات حالة وذاكرة وتوابع وحوافز وقيود... هذا هو التناقض. كما ذكرتُ سابقاً، هذا هو العيب البنيوي الأساسي للذكاء الاصطناعي: نماذج اللغة لا «ترى» العالم. فهي لا تحتفظ بحالة مستمرة. ولا تتعلم من ردود الفعل الواقعية إلا إذا صُممت خصيصاً لذلك... إنها تُنتج لغة مقنعة عن الواقع، لكنها لا تعمل ضمنه.

إجابات متميزة منفصلة عن النظام الفعلي

لا يمكنك إدارة شركة بناءً على تنبؤات الكلمات.اطلب من نموذج اللغة ما يلي:

-«زيادة مبيعاتي»

-«تصميم استراتيجية دخول السوق»

- «تحسين أداء الفريق»

وستحصل على إجابة. غالباً ما تكون جيدة جداً. إجابة منظمة، بليغة، ومقنعة. ولكنها منفصلة تماماً تقريباً عن النظام الفعلي الذي من المفترض أن تؤثر فيه.

وذلك لأن نموذج اللغة لا يستطيع تتبع مسار المبيعات، أو إدارة الحوافز، أو دمج بيانات إدارة علاقات العملاء، أو التكيف بناءً على النتائج. إذ يمكنه وصف استراتيجية، لكنه لا يستطيع تنفيذها.

وتؤكد نتائج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هذه النقطة: أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي فعّالة في المهام الفردية المرنة، لكنها تعجز عن العمل في بيئات المؤسسات التي تتطلب التكيف والتعلم والتكامل. وبعبارة أخرى: يمكن للأداة الذكية كتابة المذكرة، لكنها لا تستطيع إدارة الشركة.

زيادة قدرات الحوسبة لن تحل المشكلة

كان ردّ فعل القطاع حتى الآن متوقعاً: بناء نماذج أكبر، ونشر بنية تحتية أوسع، وتوسيع نطاق كل شيء. لكن التوسع لا يُصلح خللاً في التصميم. إذا كان النظام يفتقر إلى أساس واقعي، فلن تُوفّر له المزيد من المعايير هذا الأساس. وإذا كان يفتقر إلى الذاكرة، فلن تُوفّر له المزيد من الرموز الذاكرة. وإذا كان يفتقر إلى حلقات التغذية الراجعة، فلن تُنشئها المزيد من مراكز البيانات.

يُضخّم التوسع ما هو موجود، لكنه لا يُنشئ ما هو مفقود. وما هو مفقود هنا ليس المزيد من اللغة، بل المزيد من العالم.

المرحلة المقبلة... نظم ذكية ضمن بيئات حقيقية

لن تُحدّد المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي بواجهات دردشة أفضل أو نماذج لغوية أكثر قوة، بل ستُحدّد بشيء آخر تماماً: أنظمة قادرة على الحفاظ على الحالة، والاندماج في سير العمل، والتعلم من النتائج، والعمل ضمن قيود.

أنظمة لا تُولّد نصوصاً فحسب، بل تعمل ضمن بيئات حقيقية. لهذا السبب؛ لن يُبنى مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشركات على نماذج اللغة وحدها، بل على بنى تُدمجها ضمن نماذج أكثر ثراءً للواقع.

أقول ما يعرفه الكثيرون بالفعل... ولكن نادراً ما يقولونه: هناك زخم كبير، واستثمارات ضخمة، وسرديات كثيرة مبنية على فكرة أن توسيع نطاق نماذج اللغة سيحل كل شيء في النهاية. هذا لن يحدث.

فرصة حقيقية

هذه ليست نهاية الذكاء الاصطناعي المؤسسي، بل هي نهاية مفهوم خاطئ. فنماذج اللغة ليست بنية مؤسسية، بل هي طبقة واجهة. طبقة قوية، لكنها غير كافية بمفردها. الشركات التي تُدرك هذا أولاً لن تُحسّن فقط من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل ستُنشئ شيئاً مختلفاً جذرياً.

مجلة «فاست كومباني»