الأكراد «يعلّقون» انتخاباتهم... وينسحبون إلى حدود «ما قبل داعش»

«استفزازات الحشد الشعبي» تثير غضباً في كركوك... وقيادي في «الاتحاد الوطني» يتحدث عن «أنفال» جديد

طابور من النازحين خلال عودتهم إلى الحويجة قرب كركوك أمس (رويترز) وفي الإطار، أطفال بين النازحين العائدين (رويترز)
طابور من النازحين خلال عودتهم إلى الحويجة قرب كركوك أمس (رويترز) وفي الإطار، أطفال بين النازحين العائدين (رويترز)
TT

الأكراد «يعلّقون» انتخاباتهم... وينسحبون إلى حدود «ما قبل داعش»

طابور من النازحين خلال عودتهم إلى الحويجة قرب كركوك أمس (رويترز) وفي الإطار، أطفال بين النازحين العائدين (رويترز)
طابور من النازحين خلال عودتهم إلى الحويجة قرب كركوك أمس (رويترز) وفي الإطار، أطفال بين النازحين العائدين (رويترز)

قال قائد عسكري عراقي كبير، أمس (الأربعاء)، إن قوات «البيشمركة» الكردية عادت إلى المواقع التي كانت تسيطر عليها في شمال العراق في يونيو (حزيران) 2014، بعدما تقدم الجيش العراقي في المنطقة رداً على استفتاء الأكراد على الاستقلال، الذي رفضته بغداد. وجاء الانسحاب الكردي إلى مواقع ما قبل التمدد الكبير لتنظيم داعش قبل ثلاث سنوات، في ظل أنباء عن ممارسات استفزازية يقوم بها عناصر يُزعم أنهم من «الحشد الشعبي» ضد الأكراد في مناطق انسحبت «البيشمركة» منها، وأيضاً في ظل اتساع هوة الخلافات بين المكوّنات الكردية نفسها في ضوء ما بات يُعرف بـ«نكسة كركوك» حين انسحب فصيل كردي بلا مقاومة من المدينة في إطار اتفاق يُزعم أنه تم برعاية الحرس الثوري الإيراني.
وأعلنت مفوضية الانتخابات في كردستان العراق، أمس، تعليق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية للإقليم بسبب عدم وجود مرشحين، وتداعيات الوضع بعد استعادة الحكومة المركزية مناطق متنازع عليها مع الأكراد، وبينها حقول نفط، بحسب ما أفادت به وكالة الصحافة الفرنسية. وجاء في البيان: «قررت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تعليق الاستعدادات لإجراء الانتخابات التي كانت مقررة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، بصورة مؤقتة (...) وبسبب تداعيات الوضع الحالي»، في إشارة إلى الخلاف مع بغداد.
ونقلت «رويترز»، من جهتها، عن قائد عسكري عراقي كبير إن قوات «البيشمركة» عادت إلى المواقع التي كانت تسيطر عليها في شمال العراق في يونيو 2014. وذكر بيان للجيش العراقي أن القوات الحكومية تسلمت السيطرة على المناطق التي كانت خاضعة للأكراد في محافظة نينوى، التي تضم مدينة الموصل، بعد انسحاب «البيشمركة». وأوضح البيان أن سد الموصل الواقع إلى الشمال الغربي من المدينة بين المواقع التي تمت استعادتها. كما أشارت «رويترز» إلى أن سكاناً في بعشيقة (بمحافظة نينوى) احتفلوا الثلاثاء بانسحاب «البيشمركة» لتحل محلها القوات العراقية وجالوا بالسيارات فرحاً وهتفوا في الشوارع.
وسيطرت قوات «البيشمركة» على مناطق كثيرة في شمال العراق خلال السنوات الثلاث الماضية في إطار الحرب على داعش لتملأ فراغاً خلَّفَه انهيار الجيش العراقي في مواجهة هجوم التنظيم الذي اجتاح فيه مناطق واسعة من شمال العراق.
وبدعم من الولايات المتحدة، دفعت قوات «البيشمركة» مقاتلي «داعش» للتراجع وسيطرت على مزيد من الأراضي خارج المنطقة الكردية الرسمية شبه المستقلة، معظمها في مناطق ذات غالبية كردية، بما في ذلك كركوك التي يطالب الأكراد بالسيادة عليها.
واستعادت قوات حكومية عراقية، كركوك بناء على أوامر من بغداد، للرد على استفتاء الأكراد الذي أجري في 25 سبتمبر (أيلول)، بعد انسحاب فصيل من «البيشمركة» يتبع حزب «الاتحاد الوطني». وأعقب ذلك استعادة القوات العراقية محافظة نينوى بالكامل. وقال قائد عسكري عراقي، رفض كشف هويته، لـ«رويترز»: «بدءاً من اليوم (أمس) أعدنا عقارب الساعة إلى 2014». ويعني انسحاب قوات «البيشمركة» أنها ستنتشر من جديد على حدود المنطقة الخاضعة لحكومة إقليم كردستان تقريباً.
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصادر أمنية عراقية إن اشتباكات اندلعت أمس بين الجيش العراقي وعناصر «البيشمركة» شمال غربي الموصل (400 كلم شمال بغداد). وقالت إن الاشتباكات وقعت في قرية المحمودية التابعة لناحية ربيعة شمال غربي الموصل وأسفرت عن إصابة ضابط برتبة نقيب في الجيش العراقي. وأوضحت المصادر للوكالة أن قوة من الجيش العراقي وصلت إلى القرية «دون تنسيق مسبق» مع «البيشمركة»، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات، لكن قائد عمليات غرب نينوى اللواء كريم شويلي حضر إلى القرية و«احتوى الموقف».
وجاء ذلك في وقت أوردت شبكة «رووداو» الكردية أن شباناً من منطقة رحيماوة بمدينة كركوك هاجموا قوات الشرطة والقوات الأمنية الأخرى الموجودة داخل كركوك. وبثت الشبكة فيديو يُظهر شباناً يمنعون آليات الشرطة من التقدم، وينزلون العلم العراقي من إحداها. وأشارت إلى أن الشبان رفعوا أيضاً أعلاماً كردية في المنطقة. وبثت الشبكة أيضاً مقطع فيديو لأحد عناصر «الحشد الشعبي» وهو يقف وراء صورة المرشد الإيراني علي خامنئي داخل مبنى إدارة مجلس محافظة كركوك، مشيرة إلى أن ذلك أثار «غضب الشارع الكركوكي». وبحسب الفيديو، وصف عنصر «الحشد الشعبي» قوات «البيشمركة» بـ«المتخاذلة» قائلاً: «لن تستطيعوا الوقوف بوجه الحشد الشعبي. أين رجالكم؟ لقد استولينا على مقراتكم الحزبية، وفي مبنى محافظة كركوك، وسيطرنا على جميع البنايات الحكومية». واتهم الأكراد بأنهم «فروا من أرض المعركة».
وكانت قوات «الحشد الشعبي» وقوات حكومية عراقية أخرى سيطرت على كركوك ومناطق أخرى بعد انسحاب وحدات من «البيشمركة» تابعة لحزب «الاتحاد الوطني». وقال اللواء الركن علي فاضل عمراء، قائد عمليات دجلة العراقية، لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن العمل الأمني في داخل كركوك «مناط حصراً بقوات الشرطة المحلية التي ستلاحق المجرمين والمسلحين وتحيلهم على القضاء العراقي»، مشيراً إلى «تأمين مبنى المحافظة وتوزيع 600 مقاتل من القوات العراقية في كل مداخل المدينة ومخارجها». ونقلت الوكالة عن مصدر أمني أن مديرية الأمن الوطني في كركوك «ألقت القبض على أشخاص يقومون بتفتيش المنازل في كركوك بدعوى انتسابهم إلى قوات الحشد الشعبي فيما قامت قيادة العمليات المشتركة وشرطة المحافظة وجهاز الأمن الوطني بجولة ميدانية في المناطق الكردية لطمأنة الأهالي بعدم وجود أي تفتيش أو إلقاء قبض أو كسر للمنازل فيها».
واكتظت أمس الطريق الرابط بين مدينة كركوك وأربيل بسيارات النازحين الأكراد الذين هربوا من المدينة تحسباً لتعرضهم لعمليات اعتقال أو قتل، خصوصاً بعدما شهدت المدينة خلال اليومين الماضيين هجمات انتقامية مزعومة ضد بعض الأكراد من فصائل منضوية في «الحشد الشعبي».
بدوره، شدد النائب الكردي في مجلس النواب العراقي، ريناس جانو لـ«الشرق الأوسط» على أن «ما حدث في كركوك كان الهدف منه ضرب المكانة القوية لإقليم كردستان في المعادلات المستقبلية لكردستان أو للمنطقة بأسرها، والمتضرر الرئيسي منها هي الجبهة المناهضة لإيران والمستفيد الرئيسي إيران». وأضاف أن «إيران دخلت كركوك بأسلحة التحالف الدولي وأرادت أن تدمر قدرات البيشمركة خلال هذه الحرب بحيث لا تتمكن فعل شيء في المرحلة المقبلة المتمثلة بمرحلة ما بعد القضاء على (داعش)»، مبيناً أن «التغييرات الحقيقية في الشرق الأوسط ستبدأ بعد الانتهاء من (داعش)». وتابع جانو: «بعد قرار مجموعة (5+1) ومحاولات واشنطن الجدية لإلغاء الاتفاقية النووية مع إيران، تعمل طهران بكل الأشكال للسيطرة بشكل كامل على العراق من أجل عاملين؛ الأول يتمثل في سعي طهران لتعويض ما تمر به من إنهاك ونقص الأموال بسبب حرب سوريا واليمن من نفط العراق، والعامل الثاني يتمثل في تعويض خسائر الحرس الثوري البشرية في حرب سوريا بقوات أخرى في العراق تدعى الحشد الشعبي، لذا إذا استمر هذا الوضع فإن قوة كركوك الاقتصادية والعسكرية ستكون لإيران بالكامل».
وأشار جانو إلى أن القوات التي توجَد داخل كركوك حالياً هي «قوات مذهبية شيعية تعمل بكل قوتها للانتقام من سكان كركوك والبيشمركة»، معتبراً أن «ما يحدث حالياً في كركوك ينبئ بأن المدينة مقبلة على إبادة جماعية جديدة ضد سكانها المدنيين». في غضون ذلك، قال مسؤول «الاتحاد الوطني الكردستاني» في كركوك، آسو مامند، إنه أُبلغ من قبل القوات العراقية بأن مجلس المحافظة سيجتمع، اليوم (الخميس)، لاختيار محافظ جديد يكون من حصة «الاتحاد الوطني»، مؤكداً أن من وصفهم بـ«السرّاق داخل الحشد الشعبي ينهبون ممتلكات المواطنين» في كركوك، بحسب ما أوردت شبكة «رووداو».
ونقلت «رووداو» عن نائب رئيس إقليم كردستان النائب الأول للأمين العام لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني»، كوسرت رسول علي، قوله في بيان إن ما يحصل حالياً هو «أنفال آخر ضد الأكراد»، في تشبيه لحملة بغداد ضدهم بالحملات التي تعرضوا لها خلال حكم الرئيس الراحل صدام حسين.
وأضاف أن «عدداً من الأشخاص الذين انحرفوا عن نهج الاتحاد الوطني الكردستاني وقليلي الفهم دخلوا للتاريخ من بوابة العار»، في انتقاد للأكراد الذين سهّلوا دخول «الحشد الشعبي» إلى كركوك. وقال رسول في بيانه إن «مسؤولية كارثة كركوك وطوزخورماتو وجميع الخسائر البشرية والمادية والمعنوية الأخرى لشعبنا يتحملها هؤلاء من غير الناضجين في الاتحاد الوطني»، معتبراً أنهم «انحرفوا عن نهج الاتحاد دون العودة لقيادة حزبنا... أقحموا أنفسهم في الصفحات السوداء لتاريخ شعبنا خلال هذه الأحداث حيث تعاونوا مع المحتلين بهدف الحصول على بعض المكاسب الشخصية والمؤقتة».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.