بغداد في عصريها الذهبيين

كازويل يرصد في مجموعة كتب بالإنجليزية فترات حرجة من تاريخ المنطقة

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
TT

بغداد في عصريها الذهبيين

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»

لا نستعرض هنا كتابا واحدا إنما مجموعة من الكتب تشكل إضافة معرفية حقيقية في مجالي الأدب والأكاديميا. هذه الكتب صادرة باللغة الإنجليزية في الفترة من 2003 إلى 2016. ما يربط هذه المجموعة من الكتب هو بغداد بعصريها الذهبيين. نعم كان لبغداد عصران ذهبيان. الأول خلال فترة الدولة العباسية، وهو ما يتفق عليه الجميع بلا جدال، والثاني خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي قضاها مؤلف هذه المجموعة من الكتب، الدكتور فؤاد كازويل في بغداد قبل أن يغادرها إلى الأبد عام 1957 للدراسة ثم ليستقر بشكل نهائي في بريطانيا قاطعا كل صلة له ببغداد. لقد بدأ بدراسة الأدب العربي ثم الأدب الفرنسي، بعد ذلك بدأ الدكتوراه في جامعة أكسفورد لكنه لم يكملها، ليتحول إلى دراسة القانون. وعمل بالمحاماة والقضاء لأكثر من خمسين سنة. وبعد أن تقاعد عن العمل، عاد لإكمال الدكتوراه في الجامعة نفسها حول التاريخ الاجتماعي والثقافي للجواري والقيان (المحظيات) في العصر العباسي، ومنها عاد إلى بغداد على الورق، بعدة مؤلفات، كان أولها هو «جواري بغداد» والكتاب يستند أساسا على رسالته للدكتوراه. في هذا الكتاب الذي يشبه به الجواري والمحظيات بفتيات «الجيشا» في الثقافة اليابانية، يخص بالدراسة أربع جوار شاعرات هن عنان، عُريب، سكن، وفضل. ويتطرق إلى تفاصيل حياة الخلفاء في تلك الفترة وأهمية امتلاك القيان في تلك الفترة الذهبية، وحيّز الحرية المعطى لهن في التعليم والعزف والغناء والرقص. ويركز الكتاب بشكل كبير على إشعارهن بترجمة دقيقة وشروح وافية وبتصنيفه كشعر نسائي مقابل الشعر الذكوري السائد في عصور الخلافة الإسلامية.
الكتاب الثاني هو ترجمة خمريات أبو نواس إلى اللغة الإنجليزية. يبدأ الكتاب، بعد المقدمة، بقصيدة أبي نواس الشهيرة «دع عنك لومي»:
دع عنك لومي فإن اللـوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لـو مسّـها حجـر مسّته سـرّاء
ويشير المترجم إلى قصة إبراهيم النظّام الذي بعد تحوله إلى مذهب المعتزلة صار يلوم على أبي نواس شربه للخمر ومغازلة الصبيان، فكانت هذه القصيدة هي رد أبي نواس على النظّام.
يخصص الدكتور كازويل مقدمة الخمريات للحديث عن الفترة العباسية في العراق، لكون العراق يختلف عن بقية البلاد العربية الأخرى لتنوع الإثنيات والطبقات الاجتماعية به واختلاف الأديان والمذاهب. الأمر الذي جعل العراق يختلف تماما عن بقية المناطق بعد الإسلام. ويسهب بعض الشيء بتحليل الخلفية الاجتماعية والسياسية التي هيأت الأجواء لأبي نواس وهذا النوع من الشعر وكذلك البصمات التي خلّفها أبو نواس على الثقافة السائدة آنذاك، خصوصا فترة الخليفة الأمين.
وضمن تلك الفترة الزمنية، يخصص كازويل كتاب «العازفون المحترفون الثلاثة» لأشهر موسيقيي العصر العباسي وهم إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق الموصلي، بينما الثالث هو إبراهيم بن المهدي، الذي كان ابن الخليفة المهدي وعمّاً لعدد من الخلفاء وكان هو أيضا خليفة لبغداد ولكن لفترة زمنية بسيطة، إذ كان يُعرف بالخليفة الأسود بسبب لونه. في هذا الكتاب أيضا يشرح المؤلف الظروف الثقافية والاجتماعية التي أبرزت هؤلاء العازفين ويسرد الكثير من القصص عن حياتهم وعلاقاتهم بالخلفاء والمحظيات والجواري. من تلك القصص مثلا قصة إسحاق الموصلي وحبه الشديد للمال، وولعه بإحدى جواري الخليفة وغيرها. ويتطرق الكتاب أيضا بتفاصيل وافية للآلات الموسيقية المستخدمة آنذاك وتنوع الألحان وجذورها والقصائد المغناة.
كتاب «أصوات الشوارع العربية» كما يشير العنوان يرصد تعدد اللهجات العربية - الشفهية غير المكتوبة، وتمايزها عن اللغة الفصحى المكتوبة الموحّدة في الدول العربية كافة. لكن الكتاب يركّز بشكل واضح على اللهجة العراقية «البغدادية تحديدا»، لكونها المدينة التي نشأ ودرس بها الكاتب، وذلك من خلال مفردات وأمثال شعبية مع قصة كل مثل وكيفية نطق الكلمات للقارئ غير العربي. ويعود الكاتب إلى التاريخ القصير الذي ظهرت به قصائد الملا عبود الكرخي العامية مطبوعة في جريدة «الديوان»، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، والتي من خلالها كان ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق.
يُقسم الكتاب إلى أجزاء، كل جزء يُعنى بالأمثال الخاصة بموضوع معين، كالحسد، النفاق، العمل، القلق، الإهانة، إلخ. فمن الأمثال الطريفة على النفاق مثلا: «امدح البدوي وخذ عباته»، أو مثل «بغل القاضي» وهو البغل الذي كان يرافق القاضي أينما ذهب، فكان الناس يتقربون للقاضي من خلال مدح بغله، ولما مات البغل ذهب الناس لعزاء القاضي به وصحبوه إلى المقبرة، لكن عندما مات القاضي لم يحضر جنازته أحد. مثل طريف آخر هو «دير بالك من أبو شفقة» أي «احذر من لابس القبعة» والشفقة هي القبعة باللهجة العراقية، وكما يقول المؤلف فهي مشتقة من كلمة chapeaa الفرنسية وينطقها يهود بغداد shapqa.
يذكر أيضا كلمة عراقية شهيرة هي «أبو ناجي» ويقصد به الإنجليز، وشاعت هذه التسمية بعد الحرب العالمية الأولى. فيقولون مثلا «أبو ناجي عم الوزير». كما يرصد الكتاب الكلمات العربية المشتقة من أصل إنجليزي مثل: كوب - كأس، بطل - قنينة، ورور - مسدس، رَبل - العربة المسحوبة بحصان.
يحوي الكتاب كلمات وأمثالا كثيرة وطريفة مع شرح لمعانيها وأصولها، لا أظن أن الكثير من العراقيين يعرفونها، وأخرى متشابهة في كل الدول العربية مثل: «الحر تكفيه الإشارة»: «الكلام لك واسمع يا جار»: «خوجه علي ملّا علي» وغيرها.
الكتاب الخامس «ابن مناشي» وهو مجموعة قصص قصيرة متنوعة يمكن تقسيمها زمنيا إلى ثلاث فترات، الأولى تتصل بالأيام الأخيرة لوجود العثمانيين في بغداد إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ترصد صعود المد القومي في العراق الجديد، وتبرز هنا بعض جوانب التطرف ضد «الآخر» ومنهم - تحديدا - اليهود العراقيون. وقد يكون عنوان قصة «الفرهود» هو الأقرب لذاكرة العراقيين في هذه المرحلة، لكن الحقيقة أن قصة «ابن مناشي» هي الأكثر واقعية وتعبيرا عن ارتباك المد القومي حينها وتدنيه إلى درجة خلقت الفوضى ليس على الصعيد السياسي فقط إنما في الجوانب الاجتماعية والثقافية أيضا. وابن مناشي هذا هو طفل لعائلة بغدادية يهودية، لا يذكر المؤلف اسمه، دائما يصحبه والده معه إلى مقهى الحي حيث يلتقي بأصدقائه ويبدأ الحديث المعتاد عن السياسة ومتابعة أخبار الحرب العالمية الثانية حيث يشكل راديو المقهى خلفية لأحداث القصة. وفي أحد الأيام أثناء جلوسهم المعتاد في المقهى تُسمع هتافات من بعيد «يحيا نبوخذ نصر... يحيا هتلر». أهمية القصة وتميزها هنا ليس فقط بإلقاء الضوء على بدء «التطرف القومي والديني»، إنما من الناحية الأدبية حيث يُعطى الدور الأكبر أو دور البطولة - إذا جاز لنا التعبير - للطفل ابن مناشي ليحسم الموقف. والحقيقة، لم أقرأ من قبل سوى قصة قصيرة واحدة لآرثر ميلر «بعنوان لن أحتاجك بعد اليوم» فيها أيضا يكون الطفل هو صانع الحدث والمؤثر به إلى النهاية.
أما المجموعة الثانية من القصص فتقع خلال فترة الحرب الباردة والتحولات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، يرصدها المؤلف بعين الغريب لكن المرتبط تماما بنوع الحدث. من هذه القصص قصة بعنوان «الرحلة»، تعكس تماما أجواء التجسس والترقب والحذر وكأن شيئا ما - لا نعرف ما هو - سيحدث في أي لحظة. تبدأ القصة بالراوي كأنه يعطي اتجاهات السير على الطريق السريعة لبطل القصة، الذي أيضا لا نعرف من هو - لكن أفكاره تتقطع بين ما يبدو ذكريات عائلية حميمة مع حفيدته وبين ما يدور على الطريق وحادث اصطدام السيارتين أمامه وتجمع الناس لمشاهدة بقايا الحادث والجثث التي تبدأ بالتفحم. ثم عودة أخرى إلى التداعيات الذهنية لتبين لنا أن أحد الشخصين من «صفد» والآخر «بقفطان وعمامة»، ويسترسل المونولوغ الداخلي إلى أن يصل إلى حوار بين اثنين بسطرين فقط والمتحدث شخص واحد ليقول له - أو لنا - إن «المدعو آدم هو بالحقيقة هادم وأبراهام هو إبرآم». بسلاسة وسرعة تترك هذه القصة والقصص الأخرى مشاعر مرتبكة لكن بكمية كبيرة من المعلومات عن أوروبا - أو بريطانيا تحديدا - خلال الحرب الباردة.
القسم الثالث يحوي مجموعة قصص بلا زمن. عن الجريمة والعقاب والعدالة. حتما ترتبط بطبيعة عمل المؤلف في مجال المحاماة والقضاء لأكثر من نصف قرن.
الكتاب الأخير «ستيفان ومسرحيات أخرى» هو مجموعة مسرحيات بموضوعات مختلفة تتخذ من بريطانيا مسرحا واقعيا مثيرا لكثير من الجدل على المستويين السياسي والاجتماعي. مسرحية «ستيفان» التي أعطيت عنوانا للكتاب، هي واقع قضية هزّت القضاء البريطاني والرأي العام في السبعينات من القرن الماضي حين اتهم مراهق مهاجر مختل عقليا باغتصاب وقتل فتاة إنجليزية صغيرة ويحكم عليه بالسجن. وبعد ستة عشر عاما، بتطور أساليب التحقيق واستخدام الحمض النووي، تظهر براءة ستيفان، لكن حينها يكون ستيفان قد مات في السجن. وهذا النص يعبر فيه كازويل عن ندمه وعن القصور في أدوات وأساليب التحقيق، إذ كان هو محامي الادعاء في القضية حينها.
لا أشك أن القارئ العربي أو الإنجليزي سيجد في أعمال الدكتور فؤاد كازويل إضافة ثرية في مجالات التاريخ الإسلامي، اللغة، القصة والمسرح، لكونها ترصد بدقة وحساسية عالية فترات حرجة جدا من تاريخ المنطقة. وجدير بالذكر أيضا أن للدكتور كازويل مساهمات في الموسوعة العالمية للإسلام الصادرة من هولندا.



حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.