أندريه مايكل يعود إلى المأمون ومحاورات بغداد

لكي يساعد المثقفين العرب على مواجهة أصوليتهم الظلامية

أندريه مايكل   -  غلاف الكتاب
أندريه مايكل - غلاف الكتاب
TT

أندريه مايكل يعود إلى المأمون ومحاورات بغداد

أندريه مايكل   -  غلاف الكتاب
أندريه مايكل - غلاف الكتاب

إنه لشيء مهم أن يكون المستشرق الكبير أندريه مايكل قد نزل إلى الساحة، وأدلى بدلوه بين الدلاء. إنه لشيء ممتع أنه شمر عن ساعديه ونزل إلى المعمعة لكي يساعد المثقفين العرب على مواجهة أصوليتهم الظلامية التي أصبحت بحجم العالم. وقد فعل ذلك بكل هدوء ورصانة، ودون أي صراخ أو عويل وتهويل، كما يفعل بعض المثقفين الفرنسيين الجهلة بالموضوع. وهذه ليست حالة أندريه مايكل الذي أمضى عمره في دراسة تاريخ الإسلام وثقافته وحضارته، ونتجت عن ذلك مراجع كبرى ينبغي أن تترجم كلها يوماً ما إلى اللغة العربية. فقد قدم هذا المستشرق الفذ لثقافتنا وتراثنا خدمات جلية لا تقدر بثمن.
وقياساً إلى هذه الخدمات يخيل إليّ أحياناً أنه لم يحظ بكل التقدير الذي يستحقه، فهذا الرجل ما انفك منذ أكثر من نصف قرن يهتم بتراثنا، ترجمة وكتابة وبحثاً أكاديمياً. من الذي ترجم «كليلة ودمنة» إلى لغة موليير وفولتير؟ إنه أندريه مايكل؛ ومعلوم أنها إحدى روائع التراث العربي الكبرى. بل لقد ألف عنها كتاباً يثبت فيه أن حكايات لافونتين الشهيرة مستوحاة في قسم كبير منها؛ فهل كان من السهل على مثقف فرنسي أن يعترف بمديونية الثقافة الفرنسية في أعلى ذراها تجلياً للثقافة العربية؟ نقول ذلك خصوصاً لأن حكايات لافونتين تمثل إحدى مفاخر التراث الفرنسي؛ فبها يضرب المثل، والجميع يحفظونها عن ظهر قلب. ولكن أندريه مايكل، ككل باحث أكاديمي كبير، يعترف بالحقيقة الموضوعية، وينحني أمامها.
ومعلوم أن كلتيهما، أي «كليلة ودمنة» و«حكايات لافونتين»، تتحدثان عن الحكمة والموعظة من خلال حكايات خرافية جميلة، تتم على ألسنة الحيوانات. وقد ضرب المثل بالحكم والمواعظ والعبر الناتجة عنهما. وهذا يعني أنه لم يكتف بالترجمة، وإنما أرفقها بالبحث المعمق في تاريخ الآداب المقارنة، وهذه صفة كل باحث أكاديمي ضليع. ونحن بأمس الحاجة إلى تطوير تاريخ الآداب المقارنة، بل وتاريخ الأديان المقارنة، في مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا العليا، فمن لا يعرف تراث الآخرين لا يعرف تراثه الخاص بالذات على حقيقته. «من لا يقارن لا يعرف»، كما يقول المثل الصيني، وإنما يظل مسجوناً داخل شرنقته الخاصة. وهنا، تكمن إحدى النواقص الكبرى للثقافة العربية الحالية. لو أن تاريخ الأديان المقارنة مدرس في بلادنا وجامعاتنا، لما نمت وازدهرت كل هذه الأصوليات الجاهلية المتعصبة، فنحن مسجونون داخل سياجاتنا الدوغمائية المغلقة، وأقفاصنا العقائدية الضيقة. وما دمنا لم نخرج منها ونشم الهواء الطلق في الخارج، وننفتح على العالم، فسوف نظل في مؤخرة الأمم والشعوب، ولن نخرج من المغطس الذي غرقنا فيه حتى بعد مليون سنة.
هذا وقد ترجم أندريه مايكل رائعتنا الكبرى الثانية، وحللها على ضوء أحدث مناهج النقد الأدبي؛ عنيت بها «ألف ليلة وليلة»، التي شاركه فيها الباحث الجزائري جمال الدين بن شيخ، ونشرت في سلسلة «لابلياد» الشهيرة عن «غاليمار»؛ وهي سلسلة مخصصة فقط للروائع الأدبية الكبرى لعباقرة فرنسا. والشيء المدهش الذي لا يكاد يصدق هو أن أندريه مايكل اهتم اهتماماً بالغاً بقيس بن الملوح، الملقب بـ«مجنون ليلى»؛ وهذا دليل على مدى حساسيته المرهفة، بل وشاعريته ونزعته الإنسانية الفياضة. ولو لم يفعل غير هذا لكفاه ذلك فخراً. فالمجنون شخص شبه مقدس بالنسبة لآدابنا العربية؛ لقد احترق في الحب احتراقاً، ومن لا يحب المجنون والشعر العذري برمته لا أعترف به أنا شخصياً، ولا أعطيه أي وزن أو قيمة. هؤلاء هم ملائكة الشعر العربي: المجنون وجميل بثينة وكثير عزة، ناهيك بذي الرمة ومعبودته مي؛ إنهم من أرقى وأصفى ما أعطاه العرب للعالم.
والواقع أن أندريه مايكل ليس فقط باحثاً أكاديمياً من أعلى طراز، وأستاذاً للآداب العربية في السوربون، ثم الكوليدج دو فرانس (أعلى من السوربون)، وإنما هو أديب شاعر أيضاً؛ اقرأوا كتابه الفاجع «الابن المنقطع». وفيه يتحدث عن طفله «بيير»، الذي رحل عن هذا العالم وهو في عمر الزهور (14 سنة). رحل وهو يتساءل أمام والديه: لماذا أنا؟ لماذا لم تكتب لي الحياة؟ لماذا أغادركم وأنا صغير؟ إني أحبكم. كتاب تتقطع له نياط القلوب. وأتذكر أني قرأته دفعة واحدة بعد وصولي إلى فرنسا بفترة قصيرة نسبياً، ولم أخرج منه سليماً معافى؛لم أستطع تركه حتى فرغت منه بعد أن دمرني وطهرني في الوقت ذاته. متى سأكتب كتاباً ضخماً بعنوان «لوعة الفراق»؟ ولكن لا فراق؛ أحباؤنا يبقون معنا حتى لو لم نرهم لحظة واحدة؛ هناك غياب أقوى من كل حضور. أين انتصارك يا موت؟! راح يصرخ القديس بولس. وأعتقد أن هذا الفاجعة الرهيبة عمقت إيمان أندريه مايكل في نهاية المطاف، بدلاً من أن تقضي عليه. وبالتالي، فأندريه مايكل شخص تراجيدي، بالمعنى النبيل والعالي للكلمة، أو قل إنه يعرف معنى التراجيديا. لقد دفع ثمنها عداً ونقداً. وربما لهذا السبب بذل جهداً كبيراً، وأمضى وقتاً طويلاً، في ترجمة ديوان مجنوننا الرائع قيس بن الملوح، ذلك الإنسان التراجيدي المفجوع. نقول ذلك ونحن نعلم أن ترجمة الشعر من أصعب الصعب، والبعض يعتبرها مستحيلة، لأن الشعر هو جوهر اللغة: أصالتها، وخصوصيتها، وعصارتها.
وبالطبع، لم أذكر رائعته الأكاديمية الكبرى عن «الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي»؛ إنها موسوعة فكرية في ثلاثة مجلدات، وعليها نال شهادة دكتوراه الدولة. وهي تلقي أضواء ساطعة على تراثنا كله، وليس فقط الجغرافي منه. وفيها، يثبت أندريه مايكل أن أجدادنا القدماء كانوا أكثر انفتاحاً منا على ثقافات العالم، من هندية وفارسية، وبالأخص يونانية. كانوا يأخذون العلم من حيث أتى، أو حيث وجدوه، دون أي تردد. وبناء على ذلك، تشكلت ذخائر العرب وكنوزهم التي لا نزال نفتخر بها حتى اللحظة.
لكن ما عن كل هذا سأتحدث لكم الآن، وإنما عن كتاب واحد أصدره البروفسور مايكل، بعنوان «محاورات بغداد: إسلام الأنوار»، وهو مكرس كله للإعجاب بخليفة العرب والمسلمين المأمون بن هارون الرشيد، وهو أعظم خليفة مثقف شهده تاريخنا. وإعجاب أندريه مايكل به لا حدود له، ولذلك كرس له هذا الكتاب الذي يروي مقامات أو محاورات متخيلة جرت في حضرته؛ قلت متخيلة لأن الباحث الفرنسي تخيلها وركبها وصاغها، ولكنه في الواقع اعتمد على مراجع تاريخية تعود إلى تلك الحقبة. وبالتالي، فهي حقيقية، والكلام الوارد على لسان المأمون وحاضري جلساته من فقهاء وعلماء وفلاسفة شيء مستمد من كتب التراث، ولم يختلقه أندريه مايكل، وإنما فقط أعطاه صياغات أدبية على هيئة حوارات ممتعة. لقد تخيل أندريه مايكل في هذا الكتاب الفريد من نوعه حصول عشر مقامات أو جلسات وحوارات بين المأمون وكبار علماء الدين في عصره. ولم يكونوا كلهم من المسلمين، فقد شارك في هذه الحوارات علماء اللاهوت المسيحي، بل وحاخامات اليهود! من يصدق ذلك؟ نعم، كان يحق لهم أن يفتحوا فمهم، ويدلوا بدلوهم بين الدلاء، تماماً كعلماء المسلمين. بل وشاركت فيها زوجة الخليفة نفسه؛ تلك الرائعة بوران. وحول أي شيء كانوا يتناظرون أو يتسامرون في سهراتهم الطويلة تلك؟ حول موضوعات خطيرة جليلة، كعلاقة الإيمان بالعقل مثلاً، أو حول مكانة المرأة في المجتمع، أو حول الحرب والتجارة بين البلدان والشعوب المختلفة، أو حول الفقه والقانون، أو حول الفنون والعلوم، أو حول الشعوب الأجنبية على العرب والمسلمين، أو حول العلاقة بين الأديان المختلفة؛ كل هذا كان عرضة للنقاش في حضرة الخليفة المأمون، وكان هو يتدخل طبعاً بشكل شخصي في النقاش، ويعطي رأيه، وربما الكلمة الفصل في نهاية المطاف.
المحاورة الأولى مخصصة لدراسة العلاقة بين الإيمان والعقل، ليس فقط من وجهة نظر الإسلام، وإنما أيضاً من وجهة نظر المسيحيين واليهود. ولذلك، حضرها حاخام يهودي يدعى موسى، ولاهوتي مسيحي يدعى يحيى. وقد أفسح لهم حق الكلام مثل علماء المسلمين، أو قل بعدهم مباشرة. وهذا تقدم هائل بالنسبة لذلك العصر: أي قبل أكثر من ألف سنة. بل إنه تقدم هائل بالنسبة لعصرنا ذاته. فهل نستطيع في الوقت الراهن أن نجمع ممثلي الأديان التوحيدية الإبراهيمية لكي يتناظروا بكل حرية عن الشؤون الدينية في جامعاتنا أو كليات الشريعة على وجه الخصوص؟ مستحيل. وهذا يعني أن المأمون كخليفة عقلاني كان سابقاً لعصره بكثير. والأسئلة التي طرحت في حضرته ممنوع طرحها حالياً في معظم بلدان الإسلام؛ وهذا أكبر دليل على مدى التخلف الذي نعيشه فيما يخص الدراسات العقائدية والدينية. إنه تخلف مخيف هائل مرعب.
ولكن أندريه مايكل، على الرغم من كل ذلك، يظل متفائلاً. فهو يقول ما معناه: إذا كان الإسلام المنفتح المتنور قد وجد عند العرب قبل ألف سنة، فلماذا لا يوجد بعد ألف سنة: أي الآن؟ إذا كان العرب المسلمون هم أساس التنوير والعلم والفلسفة التي صدروها إلى أوروبا، فلماذا لا ينتصرون على ظلامياتهم الداعشية الحالية ويستعيدوا أمجادهم؟ بمعنى آخر، وبكلمة واحدة: لماذا لا يعود العصر الذهبي مرة أخرى ويشرق على العالم؟ أقصد بالعصر الذهبي هنا عصر المأمون والمعتزلة والفلاسفة والجاحظ والتوحيدي والفارابي والمتنبي والمعري وابن سينا وبقية العباقرة. هذا هو فحوى كلام أندريه مايكل؛ إنه يريد بشكل غير مباشر استنهاض العرب والمسلمين، وتذكيرهم بأمجادهم الغابرة التي نسوها كلياً. فالواقع أن إسلام عصر الانحطاط طغى على إسلام العصر الذهبي، وغطى عليه وطمسه طمساً. لقد أصبح كالحجاب الحاجز الذي يفصل بيننا وبينه. وقد حصل ذلك إلى درجة أن كثيراً من العرب المعاصرين يعتقدون أن الإسلام الوحيد الممكن هو إسلام الإخوان المسلمين! بل وكثير من المثقفين أيضاً!! وهنا تكمن الطامة الكبرى؛ إنهم لا يمكن أن يتخيلوا وجود إسلام آخر غيره. ولكن كتاب أندريه مايكل يثبت لهم العكس تماماً، فإسلام المأمون، أي إسلام الأنوار، وجد قبل إسلام الإخوان بزمن طويل، وله طول العمر والمستقبل، بشرط أن نستعيده ونضيف إليه أنوار الحداثة الأوروبية. فهو وحده لا يكفي، باعتراف مايكل ذاته. إنه عظيم بالنسبة لعصره، قبل ألف سنة، ولكنه لم يعد كافياً بالنسبة لعصرنا الذي شهد الاستقلالية الكاملة للعقل قياساً إلى النقل. وقد حصل ذلك لأول مرة على يد فولتير وديدرو والموسوعيين وكانط، إلخ. وهذا الشيء ما كان ممكناً في عصر المأمون، فقد كان يشكل اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة لذلك الزمان القديم. وهذا لا يقلل أبداً من جرأة المأمون وعظمته، ولكنه يموضعه ضمن تاريخيته وظروف عصره وإمكانياته.



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».