أندريه مايكل يعود إلى المأمون ومحاورات بغداد

لكي يساعد المثقفين العرب على مواجهة أصوليتهم الظلامية

أندريه مايكل   -  غلاف الكتاب
أندريه مايكل - غلاف الكتاب
TT

أندريه مايكل يعود إلى المأمون ومحاورات بغداد

أندريه مايكل   -  غلاف الكتاب
أندريه مايكل - غلاف الكتاب

إنه لشيء مهم أن يكون المستشرق الكبير أندريه مايكل قد نزل إلى الساحة، وأدلى بدلوه بين الدلاء. إنه لشيء ممتع أنه شمر عن ساعديه ونزل إلى المعمعة لكي يساعد المثقفين العرب على مواجهة أصوليتهم الظلامية التي أصبحت بحجم العالم. وقد فعل ذلك بكل هدوء ورصانة، ودون أي صراخ أو عويل وتهويل، كما يفعل بعض المثقفين الفرنسيين الجهلة بالموضوع. وهذه ليست حالة أندريه مايكل الذي أمضى عمره في دراسة تاريخ الإسلام وثقافته وحضارته، ونتجت عن ذلك مراجع كبرى ينبغي أن تترجم كلها يوماً ما إلى اللغة العربية. فقد قدم هذا المستشرق الفذ لثقافتنا وتراثنا خدمات جلية لا تقدر بثمن.
وقياساً إلى هذه الخدمات يخيل إليّ أحياناً أنه لم يحظ بكل التقدير الذي يستحقه، فهذا الرجل ما انفك منذ أكثر من نصف قرن يهتم بتراثنا، ترجمة وكتابة وبحثاً أكاديمياً. من الذي ترجم «كليلة ودمنة» إلى لغة موليير وفولتير؟ إنه أندريه مايكل؛ ومعلوم أنها إحدى روائع التراث العربي الكبرى. بل لقد ألف عنها كتاباً يثبت فيه أن حكايات لافونتين الشهيرة مستوحاة في قسم كبير منها؛ فهل كان من السهل على مثقف فرنسي أن يعترف بمديونية الثقافة الفرنسية في أعلى ذراها تجلياً للثقافة العربية؟ نقول ذلك خصوصاً لأن حكايات لافونتين تمثل إحدى مفاخر التراث الفرنسي؛ فبها يضرب المثل، والجميع يحفظونها عن ظهر قلب. ولكن أندريه مايكل، ككل باحث أكاديمي كبير، يعترف بالحقيقة الموضوعية، وينحني أمامها.
ومعلوم أن كلتيهما، أي «كليلة ودمنة» و«حكايات لافونتين»، تتحدثان عن الحكمة والموعظة من خلال حكايات خرافية جميلة، تتم على ألسنة الحيوانات. وقد ضرب المثل بالحكم والمواعظ والعبر الناتجة عنهما. وهذا يعني أنه لم يكتف بالترجمة، وإنما أرفقها بالبحث المعمق في تاريخ الآداب المقارنة، وهذه صفة كل باحث أكاديمي ضليع. ونحن بأمس الحاجة إلى تطوير تاريخ الآداب المقارنة، بل وتاريخ الأديان المقارنة، في مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا العليا، فمن لا يعرف تراث الآخرين لا يعرف تراثه الخاص بالذات على حقيقته. «من لا يقارن لا يعرف»، كما يقول المثل الصيني، وإنما يظل مسجوناً داخل شرنقته الخاصة. وهنا، تكمن إحدى النواقص الكبرى للثقافة العربية الحالية. لو أن تاريخ الأديان المقارنة مدرس في بلادنا وجامعاتنا، لما نمت وازدهرت كل هذه الأصوليات الجاهلية المتعصبة، فنحن مسجونون داخل سياجاتنا الدوغمائية المغلقة، وأقفاصنا العقائدية الضيقة. وما دمنا لم نخرج منها ونشم الهواء الطلق في الخارج، وننفتح على العالم، فسوف نظل في مؤخرة الأمم والشعوب، ولن نخرج من المغطس الذي غرقنا فيه حتى بعد مليون سنة.
هذا وقد ترجم أندريه مايكل رائعتنا الكبرى الثانية، وحللها على ضوء أحدث مناهج النقد الأدبي؛ عنيت بها «ألف ليلة وليلة»، التي شاركه فيها الباحث الجزائري جمال الدين بن شيخ، ونشرت في سلسلة «لابلياد» الشهيرة عن «غاليمار»؛ وهي سلسلة مخصصة فقط للروائع الأدبية الكبرى لعباقرة فرنسا. والشيء المدهش الذي لا يكاد يصدق هو أن أندريه مايكل اهتم اهتماماً بالغاً بقيس بن الملوح، الملقب بـ«مجنون ليلى»؛ وهذا دليل على مدى حساسيته المرهفة، بل وشاعريته ونزعته الإنسانية الفياضة. ولو لم يفعل غير هذا لكفاه ذلك فخراً. فالمجنون شخص شبه مقدس بالنسبة لآدابنا العربية؛ لقد احترق في الحب احتراقاً، ومن لا يحب المجنون والشعر العذري برمته لا أعترف به أنا شخصياً، ولا أعطيه أي وزن أو قيمة. هؤلاء هم ملائكة الشعر العربي: المجنون وجميل بثينة وكثير عزة، ناهيك بذي الرمة ومعبودته مي؛ إنهم من أرقى وأصفى ما أعطاه العرب للعالم.
والواقع أن أندريه مايكل ليس فقط باحثاً أكاديمياً من أعلى طراز، وأستاذاً للآداب العربية في السوربون، ثم الكوليدج دو فرانس (أعلى من السوربون)، وإنما هو أديب شاعر أيضاً؛ اقرأوا كتابه الفاجع «الابن المنقطع». وفيه يتحدث عن طفله «بيير»، الذي رحل عن هذا العالم وهو في عمر الزهور (14 سنة). رحل وهو يتساءل أمام والديه: لماذا أنا؟ لماذا لم تكتب لي الحياة؟ لماذا أغادركم وأنا صغير؟ إني أحبكم. كتاب تتقطع له نياط القلوب. وأتذكر أني قرأته دفعة واحدة بعد وصولي إلى فرنسا بفترة قصيرة نسبياً، ولم أخرج منه سليماً معافى؛لم أستطع تركه حتى فرغت منه بعد أن دمرني وطهرني في الوقت ذاته. متى سأكتب كتاباً ضخماً بعنوان «لوعة الفراق»؟ ولكن لا فراق؛ أحباؤنا يبقون معنا حتى لو لم نرهم لحظة واحدة؛ هناك غياب أقوى من كل حضور. أين انتصارك يا موت؟! راح يصرخ القديس بولس. وأعتقد أن هذا الفاجعة الرهيبة عمقت إيمان أندريه مايكل في نهاية المطاف، بدلاً من أن تقضي عليه. وبالتالي، فأندريه مايكل شخص تراجيدي، بالمعنى النبيل والعالي للكلمة، أو قل إنه يعرف معنى التراجيديا. لقد دفع ثمنها عداً ونقداً. وربما لهذا السبب بذل جهداً كبيراً، وأمضى وقتاً طويلاً، في ترجمة ديوان مجنوننا الرائع قيس بن الملوح، ذلك الإنسان التراجيدي المفجوع. نقول ذلك ونحن نعلم أن ترجمة الشعر من أصعب الصعب، والبعض يعتبرها مستحيلة، لأن الشعر هو جوهر اللغة: أصالتها، وخصوصيتها، وعصارتها.
وبالطبع، لم أذكر رائعته الأكاديمية الكبرى عن «الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي»؛ إنها موسوعة فكرية في ثلاثة مجلدات، وعليها نال شهادة دكتوراه الدولة. وهي تلقي أضواء ساطعة على تراثنا كله، وليس فقط الجغرافي منه. وفيها، يثبت أندريه مايكل أن أجدادنا القدماء كانوا أكثر انفتاحاً منا على ثقافات العالم، من هندية وفارسية، وبالأخص يونانية. كانوا يأخذون العلم من حيث أتى، أو حيث وجدوه، دون أي تردد. وبناء على ذلك، تشكلت ذخائر العرب وكنوزهم التي لا نزال نفتخر بها حتى اللحظة.
لكن ما عن كل هذا سأتحدث لكم الآن، وإنما عن كتاب واحد أصدره البروفسور مايكل، بعنوان «محاورات بغداد: إسلام الأنوار»، وهو مكرس كله للإعجاب بخليفة العرب والمسلمين المأمون بن هارون الرشيد، وهو أعظم خليفة مثقف شهده تاريخنا. وإعجاب أندريه مايكل به لا حدود له، ولذلك كرس له هذا الكتاب الذي يروي مقامات أو محاورات متخيلة جرت في حضرته؛ قلت متخيلة لأن الباحث الفرنسي تخيلها وركبها وصاغها، ولكنه في الواقع اعتمد على مراجع تاريخية تعود إلى تلك الحقبة. وبالتالي، فهي حقيقية، والكلام الوارد على لسان المأمون وحاضري جلساته من فقهاء وعلماء وفلاسفة شيء مستمد من كتب التراث، ولم يختلقه أندريه مايكل، وإنما فقط أعطاه صياغات أدبية على هيئة حوارات ممتعة. لقد تخيل أندريه مايكل في هذا الكتاب الفريد من نوعه حصول عشر مقامات أو جلسات وحوارات بين المأمون وكبار علماء الدين في عصره. ولم يكونوا كلهم من المسلمين، فقد شارك في هذه الحوارات علماء اللاهوت المسيحي، بل وحاخامات اليهود! من يصدق ذلك؟ نعم، كان يحق لهم أن يفتحوا فمهم، ويدلوا بدلوهم بين الدلاء، تماماً كعلماء المسلمين. بل وشاركت فيها زوجة الخليفة نفسه؛ تلك الرائعة بوران. وحول أي شيء كانوا يتناظرون أو يتسامرون في سهراتهم الطويلة تلك؟ حول موضوعات خطيرة جليلة، كعلاقة الإيمان بالعقل مثلاً، أو حول مكانة المرأة في المجتمع، أو حول الحرب والتجارة بين البلدان والشعوب المختلفة، أو حول الفقه والقانون، أو حول الفنون والعلوم، أو حول الشعوب الأجنبية على العرب والمسلمين، أو حول العلاقة بين الأديان المختلفة؛ كل هذا كان عرضة للنقاش في حضرة الخليفة المأمون، وكان هو يتدخل طبعاً بشكل شخصي في النقاش، ويعطي رأيه، وربما الكلمة الفصل في نهاية المطاف.
المحاورة الأولى مخصصة لدراسة العلاقة بين الإيمان والعقل، ليس فقط من وجهة نظر الإسلام، وإنما أيضاً من وجهة نظر المسيحيين واليهود. ولذلك، حضرها حاخام يهودي يدعى موسى، ولاهوتي مسيحي يدعى يحيى. وقد أفسح لهم حق الكلام مثل علماء المسلمين، أو قل بعدهم مباشرة. وهذا تقدم هائل بالنسبة لذلك العصر: أي قبل أكثر من ألف سنة. بل إنه تقدم هائل بالنسبة لعصرنا ذاته. فهل نستطيع في الوقت الراهن أن نجمع ممثلي الأديان التوحيدية الإبراهيمية لكي يتناظروا بكل حرية عن الشؤون الدينية في جامعاتنا أو كليات الشريعة على وجه الخصوص؟ مستحيل. وهذا يعني أن المأمون كخليفة عقلاني كان سابقاً لعصره بكثير. والأسئلة التي طرحت في حضرته ممنوع طرحها حالياً في معظم بلدان الإسلام؛ وهذا أكبر دليل على مدى التخلف الذي نعيشه فيما يخص الدراسات العقائدية والدينية. إنه تخلف مخيف هائل مرعب.
ولكن أندريه مايكل، على الرغم من كل ذلك، يظل متفائلاً. فهو يقول ما معناه: إذا كان الإسلام المنفتح المتنور قد وجد عند العرب قبل ألف سنة، فلماذا لا يوجد بعد ألف سنة: أي الآن؟ إذا كان العرب المسلمون هم أساس التنوير والعلم والفلسفة التي صدروها إلى أوروبا، فلماذا لا ينتصرون على ظلامياتهم الداعشية الحالية ويستعيدوا أمجادهم؟ بمعنى آخر، وبكلمة واحدة: لماذا لا يعود العصر الذهبي مرة أخرى ويشرق على العالم؟ أقصد بالعصر الذهبي هنا عصر المأمون والمعتزلة والفلاسفة والجاحظ والتوحيدي والفارابي والمتنبي والمعري وابن سينا وبقية العباقرة. هذا هو فحوى كلام أندريه مايكل؛ إنه يريد بشكل غير مباشر استنهاض العرب والمسلمين، وتذكيرهم بأمجادهم الغابرة التي نسوها كلياً. فالواقع أن إسلام عصر الانحطاط طغى على إسلام العصر الذهبي، وغطى عليه وطمسه طمساً. لقد أصبح كالحجاب الحاجز الذي يفصل بيننا وبينه. وقد حصل ذلك إلى درجة أن كثيراً من العرب المعاصرين يعتقدون أن الإسلام الوحيد الممكن هو إسلام الإخوان المسلمين! بل وكثير من المثقفين أيضاً!! وهنا تكمن الطامة الكبرى؛ إنهم لا يمكن أن يتخيلوا وجود إسلام آخر غيره. ولكن كتاب أندريه مايكل يثبت لهم العكس تماماً، فإسلام المأمون، أي إسلام الأنوار، وجد قبل إسلام الإخوان بزمن طويل، وله طول العمر والمستقبل، بشرط أن نستعيده ونضيف إليه أنوار الحداثة الأوروبية. فهو وحده لا يكفي، باعتراف مايكل ذاته. إنه عظيم بالنسبة لعصره، قبل ألف سنة، ولكنه لم يعد كافياً بالنسبة لعصرنا الذي شهد الاستقلالية الكاملة للعقل قياساً إلى النقل. وقد حصل ذلك لأول مرة على يد فولتير وديدرو والموسوعيين وكانط، إلخ. وهذا الشيء ما كان ممكناً في عصر المأمون، فقد كان يشكل اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة لذلك الزمان القديم. وهذا لا يقلل أبداً من جرأة المأمون وعظمته، ولكنه يموضعه ضمن تاريخيته وظروف عصره وإمكانياته.



نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
TT

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

وقد أظهرت العديد من الدراسات النفسية فوائد اقتناء حيوان أليف للصحة البدنية والنفسية. ومع ذلك، قد يواجه مُلَّاك الحيوانات الأليفة مواقف صعبة للغاية تُؤثر سلباً على صحتهم النفسية.

على سبيل المثال، قد يكون الأمر مُحبِطاً للغاية إذا كان الكلب سيئ التدريب وعدوانياً ويعض صاحبه أو غيره. كذلك، إذا مرض الحيوان الأليف، فقد تتدهور الحالة النفسية لصاحبه بسبب القلق الشديد، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

أيضاً، قد تُؤدي تكاليف العلاج البيطري الباهظة إلى مشكلات نفسية لبعض مُلَّاك الحيوانات الأليفة. لذا، فإن العلاقة بين اقتناء حيوان أليف والصحة النفسية ليست بالبساطة التي تبدو عليها للوهلة الأولى. لذلك، هناك حاجة إلى دراسات نفسية أعمق لاستكشاف هذه العلاقة بشكل أكثر تفصيلاً.

دراسة جديدة

وبحثت دراسة جديدة نُشرت خلال العام الحالي تأثير اقتناء حيوان أليف على الصحة والرفاهية من منظور جديد. وفي الدراسة التي حملت عنوان «الأثر السببي لاقتناء الحيوانات الأليفة على الصحة والرفاهية»، قام فريق بحثي بقيادة العالم ماكسيم أنانييف من جامعة ملبورن في أستراليا بتحليل بيانات بحثت في الآثار النفسية لاقتناء الحيوانات الأليفة.

وجُمعت بيانات الدراسة على مدى سنوات عديدة. وقام العلماء بتحليل بيانات 495 من مُلَّاك الحيوانات الأليفة، والذين يمتلكون أي نوع من الحيوانات الأليفة، مثل القطط والكلاب والخيول والطيور والأسماك. وقد قام جميع مُلَّاك الحيوانات الأليفة بملء استبيانات حول الرضا عن الحياة، والشعور بالوحدة، والصحة النفسية، والصحة العامة.

نتائج مفاجئة

وفي نتائج مثيرة للدهشة، اتضح أن امتلاك حيوان أليف لم يُظهر أي آثار إيجابية أو سلبية على الرضا عن الحياة، أو الشعور بالوحدة، أو الصحة النفسية، أو الصحة العامة.

وهذا لا يعني أن بعض الأشخاص سيشهدون تحسناً كبيراً في رفاهيتهم بفضل امتلاك حيوان أليف. إنما يُظهر أنه على مستوى مئات الأشخاص، تتوازن الآثار الإيجابية والسلبية لامتلاك حيوان أليف.

فبينما يستفيد البعض بشكل كبير من حيواناتهم الأليفة، يعاني آخرون من تدهور في صحتهم النفسية بسبب مشكلات تتعلق بها.

ووفق «سيكولوجي توداي»، فبالرغم من أن نتائج هذه الدراسة تتعارض مع دراسات سابقة، فإن حجم العينة الكبير وتصميمها عالي الجودة يضمنان متانة النتائج.


بعد 44 عاماً... سيجارة تقود إلى كشف قاتل مراهقة في كاليفورنيا

سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)
سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)
TT

بعد 44 عاماً... سيجارة تقود إلى كشف قاتل مراهقة في كاليفورنيا

سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)
سارة غير (صورة نشرها مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما)

بعد مرور أكثر من 4 عقود على مقتل مراهقة في كاليفورنيا، ساعد تحليل الحمض النووي الموجود على سيجارة السلطات في القبض على مرتكب الجريمة.

وبحسب شبكة «سي إن إن» الأميركية، فقد شوهدت سارة غير، التي كانت تبلغ من العمر 13 عاماً، آخر مرة وهي تغادر منزل صديقتها في مدينة كلوفرديل بولاية كاليفورنيا مساء يوم 23 مايو (أيار) 1982.

وفي صباح اليوم التالي، عثر أحد رجال الإطفاء العائد من عمله على جثتها، وفقاً لبيان صحافي صادر عن مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما.

وبحسب السلطات، فقد سُحبت إلى زقاق إلى منطقة منعزلة قرب مبنى سكني، ثم خلف سياج، حيث تعرضت للاغتصاب والخنق.

وصُنِّف موتها جريمة قتل، ولكن نظراً لـ«محدودية علم الأدلة الجنائية في ذلك الوقت»، لم يتم تحديد أي مشتبه به، وظلت القضية دون حل لعقود، وفقاً لما ذكره المدعون.

وبعد مرور ما يقارب 44 عاماً على مقتل سارة، أدانت هيئة محلفين جيمس يونيك، البالغ من العمر 64 عاماً، بتهمة قتلها في 13 فبراير (شباط) الحالي. وكان من المفترض أن يكون ذلك اليوم عيد ميلاد الضحية السابع والخمسين، وفقاً لما صرح به مكتب المدعي العام لمقاطعة سونوما لشبكة «سي إن إن».

وساعد علم الأنساب الجيني، الذي يجمع بين أدلة الحمض النووي وعلم الأنساب التقليدي، في مطابقة الحمض النووي ليونيك، الموجود على عقب سيجارة، مع الحمض النووي الموجود على ملابس سارة، وفقاً لما ذكره المدعون.

وقالت المدعية العامة كارلا رودريغيز في بيان: «إن هذا الحكم بالإدانة دليل على تفاني كل من لم يتوقف عن البحث عن قاتل سارة. هذه أقدم قضية عُرضت على هيئة محلفين في مقاطعة سونوما. ورغم أن 44 عاماً مدة طويلة جداً، فقد تحققت العدالة أخيراً، لأحباء سارة ولمجتمعها على حد سواء».

بناء ملف الحمض النووي

ذكر المدعون أن انفراجه في القضية حدثت عام 2003، عندما تمكن المحققون من تطوير ملف الحمض النووي بناءً على عينة سائل منوي جُمعت من ملابس سارة الداخلية.

ومع ذلك، لم يتطابق الملف مع أي شخص كانت بيانات حمضه النووي متاحة للمقارنة في قواعد بيانات إنفاذ القانون آنذاك، وفقاً للبيان، مما أدى إلى توقف التحقيق مجدداً. وتتضمن هذه القواعد معلومات عن مجرمين معروفين.

وفي عام 2021، أعادت شرطة كلوفرديل فتح التحقيق في وفاة سارة. وأفادت الشرطة أنها كانت على تواصل مع شركة تحقيق خاصة في أواخر عام 2019، وتعاونت معها على أمل أن تتمكن الشركة من إعادة النظر في أدلة القضية باستخدام أحدث التقنيات في هذا المجال.

كما استعان التحقيق بمكتب «التحقيقات الفيدرالي» للمساعدة في تحديد تطابق محتمل مع ملف الحمض النووي لعام 2003.

وذكر المدعون أن «مكتب التحقيقات الفيدرالي، بفضل إمكانية وصوله إلى قواعد بيانات الأنساب العائلية، خلص إلى أن الحمض النووي الذي جُمع من ملابس سارة يعود إلى أحد أربعة أشقاء، من بينهم جيمس يونيك».

علم الأنساب الجيني يحل القضية

بعد أن حصر المحققون قائمة المشتبه بهم في الأخوة الأربعة، قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بمراقبة المتهم وجمع سيجارة كان يدخنها، وفقاً لما ذكره المدعون.

وأكَّد تحليل الحمض النووي للسيجارة تطابق الحمض النووي لجيمس يونيك مع البصمة الوراثية لعام 2003، بالإضافة إلى عينات أخرى من الحمض النووي جُمعت من ملابس سارة يوم مقتلها.

وتمكن المحققون من حل القضية بفضل مجال علم الأنساب الجيني الناشئ، الذي يجمع بين تحليل الحمض النووي ودراسة شجرة العائلة.

ببساطة، يتم مقارنة عينة الحمض النووي المأخوذة من مسرح الجريمة بقواعد بيانات عامة تحتوي على ملفات جينية لملايين الأشخاص الذين شاركوا بياناتهم. وحتى لو لم يظهر تطابق مباشر مع الجاني، قد يظهر تطابق مع أحد أقاربه. بعد ذلك، يقوم المحققون بتتبع شجرة عائلة هذا القريب خطوة بخطوة حتى يصلوا في النهاية إلى الشخص المشتبه به.

وأُلقي القبض على يونيك في يوليو (تموز) 2024 داخل منزله في مدينة ويلووز بولاية كاليفورنيا. وخلال المحاكمة التي استمرت شهراً، أنكر في البداية معرفته بالضحية، قبل أن يغير روايته مدعياً أن العلاقة الجنسية التي حدثت بينهما كانت «برضا الطرفين»، وأن شخصاً آخر هو من قتلها لاحقاً.

إلا أن هيئة المحلفين رفضت أقواله، وأدانته بجريمة القتل.

ومن المقرر أن يُحكم على يونيك بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط، على أن تصدر العقوبة رسمياً في 23 أبريل (نيسان) المقبل.


إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.