كتاب وشعراء وفنانون ليبيون على رصيف الحياة

أحمد الفيتوري يجمعهم في «جغرافيا الصورة»

علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
TT

كتاب وشعراء وفنانون ليبيون على رصيف الحياة

علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين
علي مصطفى المصراتي شيخ الأدباء الليبيين

قدم الكاتب الليبي أحمد الفيتوري في هذا الكتاب، قيد الطبع، صورة شديدة الخصوصية لليبيا، الوطن والأم والحلم والثورة، تتوثق هذه الصورة من تلقاء نفسها عبر عين حكاءة، تعرف كيف تسبر ملامحها وأبعادها، ناحتة لها معولا معرفيا شيقا، ما يمكن أن أسميه «جغرافيا الصورة». نحن أمام باقة من البورتريهات السردية الشيقة لشخوص ليبية، بعضهم مهمش ومنسي، ومسكوت عنه، رغم الأدوار الكثيرة التي لعبها، وبعضهم رحل تاركا وصاياه ودماءه وتضحياته قبسا للأجيال القادمة، وبعضهم لا يزال فاعلا بقوة في عمق المشهد بكل ما يعتريه من فواصل وعقد سميكة على شتى المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية.
كتاب وشعراء وفنانون، علماء ومناضلون سياسيون، مثقفون ومواطنون عاديون، أحبوا أن تكون الحياة حرة في وطن عادل وحر، ينحاز لهم الكاتب، ويقدر لحظات ضعفهم وهشاشتهم، وأنها ليست وليدة العجز أو المصادفة العابرة، وإنما نتاج نضال عميق في نسيج وجدان لم يهلل للطغاة، أو يمنح بشاعتهم صك العبور خلسة من وراء ظهورهم.
فمن تحت شجرة الصفصاف يلتقط وهبي البوري حَكّاءُ ليبيا، كما يسميه المؤلف، ومن خلال مصفاة سرد شيقة يرافقه في حله وترحاله، من الإسكندرية إلى إيطاليا، وطنجة وبرلين ونيويورك، وغيرها من مدن العالم، وفي زمن الحرب العالمية المدمر.
نكتشف من شريط رحلة البوري أنه في ترحاله قابل نخبة مهمة من زعماء العالم مثل: موسوليني ونهرو ونكروما وعبد الناصر وجون كنيدي، وبات مندوب البلاد في الأمم المتحدة بعد أن توزّر فيها في أكثر من وزارة. ورغم مشاق هذه الرحلة ترجم القصص عن الإيطالية، كما عمل مُحرراً بمجلة «ليبيا المصورة» في ثلاثينات القرن العشرين التي رأس تحريرها «فخري المحيشي» ونشر تحقيقات صحافية كان أولها «رمضان في بنغازي»، وكان أول عربي يكتب وينشر «الكلمات المتقاطعة»، أما القصة القصيرة فكتبها وكان من أوائل روادها في اللغة العربية، ثم عقب هجره القصة تفرغ لترجمة كتب التاريخ.
يوم الاثنين 7 يونيو (حزيران) 2010 لم يرحل إلا وقبلها بساعات معدودات في غرفة العناية المركزة طلب من الأستاذ علي الفلاح، مسؤول بـ(المجلس العام للثقافة) الذي جاء يطمئنُ عليه أن يأتيهُ بعقد كتابه الأخير ليوقعه، وكان «الفلاح» قد جاء إلى بيت البوري لهذا الغرض ولم يكن علم بمرضه، وآخر ما فعل في الرمق الأخير «وهبي البوري» أن وقع كتابَهُ الأخير.
هذه الخيوط الشيقة التي رسمها الفيتوري للوحة البوري، عاشقا ومناضلا وإنسانا، يؤمن أن انحيازه لحلمه البسيط هو انحياز للوطن، بمعناه الأوسع والأعمق على مستويي الحلم والواقع معا؛ تتناسل في ضفيرتها وبزوايا متنوعة شخوص الكتاب، صانعة هذه الجغرافيا الخاصة، التي هي في حقيقتها شهادة على أحلام اختفت تحت وطأة القهر السياسي والاجتماعي لنظام حكم فاسد، وأخرى تنهض من تحت ركام الغبار، محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث وطن يملك كثيرا من المقومات الذاتية على صناعة البهجة والحياة.
هكذا يدلف إلى المشهد علي مصطفى المصراتي، شيخ الأدباء الليبيين، رفيق الحكمة والتسامح، وذلك عبر رسالة حميمة، تناقش أفكاره عن العلاقة بالآخر، وفكرة «القبول بالغير»، من منطلق أن الاعتراف بالحق في الاختلاف من سنن الحياة والتطور، كما أن التسامح لا يعني عدم الاكتراث واللامبالاة، إنما يعني البحث عن الأفضل.
وفي جدل المنسي والمهمّش، ما بين قبضتي الحضور والغياب، تطالعنا صورة المنتصر، الشاعر المقهور (محمود عبد المجيد المنتصر)، وتبدو المفارقة جلية إلى حد السخرية المرة، من تقاطع اسمه مع الواقع. فهو المنتصر بشعره لاسمه، لكن هذا الاسم ظل تحت وطأة واقع متعسف، منسيا في الماضي، مضطهدا في الحاضر، لتبقى حيرة وجوده هي البحث عن معنى للسعادة، التي كثيرا ما تغنى بها في شعره، وظل مفتقدها على أرض الواقع.
أما جاحظ العصر، عبد المُولى لَنقِي، الذي ينعته الفيتوري بـ«كِتَاب ليبيا»، فله حياة أخرى في البحث عن السعادة أيضا. فعلى كاهله حمل ما يُحب، وبلغ هذا الحب ذروته في أن يجعل الكتابَ حبه الأول والأخير، لكن لهذا الكتاب ضرة تزوجها عن حبٍ جارف هي «ليبيا»، أسطورته الأولى والأخيرة، أيضا.
تتكثف اللقطة وملامح الصورة، حين تصوِّب العدسة أشعتها الخاطفة على مشهد بيت لنقِي من الداخل، وينساب شريط السرد على عفويته: «قلت دخلت بيته فوجدت مقامه ومضيفته تعج بـ(خرائط ليبيا)، كثير منها جمعها في ترحاله، بعض الخرائط أصلية كان يُطاردها في مزادات الكتب والخرائط، وفي الأسواق القديمة وعند الباعة المتجولين حيثُ سافر في أماكن كثيرة».
ثمة أشياء هي ابنة الفطرة، وأشياء يفقدها الواقع فطريتها، تنتسب الأولى للجمال الصافي البكر، بينما تنسب الثانية لصورة مشوهة ومستنسخة عن واقع في قبضة نظام غبي لا يملك سوى شعارات مزيفة يروجها عن نمذجة هشة وهجين، تقبع دائما على السطح، بعيدا عما يجري في الأعماق.
في هذه الأعماق بكل صخبها وهدوئها المشمس الرائع، تتبدى صور شخوص، يعرفون كيف يحرثون الأرض ويغرسون البذرة في أوانها المثمر الخلاق... في صدارتهم بالكتاب: أمين مازن الكاتب المعلّق دائما بمسارب الغد، أحد الذين أسسوا «جيل57» الأدبي الطليعي، وصاحب المقولة الأثيرة «علينا أن نخترع أنفسنا»... ثم محمد المفتي الطبيب الجراح الذي انشغل بفكرة «توطين العلم»، بدافع من حبه للأدب والرسم والفن والكتابة، وباسم هذا الحب انخرط في الحياة السياسية، لكن المكافأة كانت في النهاية اعتقاله لمدة عشر سنوات في السجن.
على مقربة من هذه الصورة تنتصب صورة حسين مخلوف، الذي يتأبط نفسه، معلما ومترجما وناقدا ومعدا للبرامج الإذاعية، وكيف قضى في السجن ردحا من الزمن، متهما بعدم التبرئة من يقينه، بأن التحزب ليس خيانة.
يخرج من إطار الصورة نفسها، رضوان بوشيشة، معشوق الآيرلنديات، طريد طرابلس وحكايته المؤلمة ومحاكمته الهزلية، لأنه طارد لصوص الفساد وكشفهم على قارعة الطريق.
وبنبرة شجن، تحت هذا الرذاذ الآسن يرسم الفيتوري صورة يتلاقح فيها الوضوح والغموض، كأنهما عاشقان التقيا على مقعد مهجور بحديقة الحياة... كتب عن سالم العوكلي، سيد من سادة الحياة، شاعر الظمأ والهوس والجنون، تربى على ثقافة المشافهة، في درنة، مسقط رأسه، مستعرضا نماذج حية لسعيه الدائم لأن تكون درنة قبلة لمبدعي البلاد وكتابها... تلتقط الصورة خيوط الزهد والترفع والرفعة الكامنة في داخل العوكلي على هذا النحو من ألفة الغرابة: «لم يكتب الشعر وحسب بل نثر الشعر في حقل الحياة، وإن لم يحصد ما زرع فلأنه اكتفى بأن يكون الشاعر، ولم يرتض للشاعر وظيفة حتى منصب شاعر، لهذا لم يُداعك من أجل حيزٍ في مكان وما بحث عن صيتٍ في الزمان».
تبلغ جغرافيا هذه الصورة ذروتها المعرفية، في صور ومشاهد مماثلة، تتقاطع معها باسم الوجع والحلم الإنساني معا، ففي سقف جغرافيا الصورة الليبية، يستدعي الفيتوري، صورة الشاعرة الروسية المناضلة المغبونة آنا أخماتوفا، التي ذاقت الأمرين من الحبس والاضطهاد، واغتيال الروح والجسد في عهد الديكتاتورية الستالينية في روسيا، ويكتب عن ناجي العلي، ولوركا الليبي، بمناسبة ترجمة الناقد الليبي خليفة التليسي للديوان الكامل للشاعر الإسباني الأشهر لوركا، مع دراسة ضافية عن شعره وأثره في الشعرية العربية... وفي الصورة يلمح الفيتوري بذكاء أدبي شفيف، لا يخلو من رمزية سياسية لافتة، ما بين مسرحية عرس الدم الشهيرة للوركا، وزواج ابن طرابلس الشاعر محمد الفقيه صالح الذي رحل عن عالمنا في هذا العام 2017، وكان آخر منصب تولاه في عمله الدبلوماسي منصب سفير ليبيا بإسبانيا.
وبمحبة طفل يدخل الفيتوري محراب الشاعر المصري الرائد محمد عفيفي مطر، ويسميه المنسي في الطمي، وعبر مونولوج خاص وحميم، يتقاطع فيه الداخل والخارج، تستجلي الصورة ملامح خفية من حياة مطر، القروي على فطرته، والشاعر الإنسان، العاشق للأسئلة الكاشفة الطافرة بالدهشة والمعرفة الحرة البناءة. تومض هذه الصورة وتتنوع في زوايا حية، ما بين القاهرة وليبيا وبغداد.
يحتفي الكتاب أيضا بصورة المدن، بأساطيرها وناسها، وكتابها وأحلامها المتسربلة في خطاهم... فتطل أساطير طرابلس ودرنة وبنغازي وغيرها من المدن، ما يجعلنا أمام كتاب يقدم زادا معرفيا أصيلا، كما يبني من جغرافيا الصورة حياة شخوص، تركوا رسائل حية، ممتدة في جسد الزمان والمكان.



مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
TT

مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)

استمعت محكمة مولد الجنائية في شمال ويلز إلى تفاصيل قضية صادمة، بعد أن أقدم شاب يبلغ من العمر 18 عاماً على قتل والدته باستخدام مطرقة ثقيلة، عقب تواصله مع روبوت ذكاء اصطناعي واستفساره عن طرق تنفيذ الجريمة، وفقاً لصحيفة «التلغراف».

قتل الشاب تريستان روبرتس (18 عاماً) والدته أنجيلا شيليس (45 عاماً) في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2025؛ إذ قضى أسابيع في التخطيط للجريمة والبحث في تفاصيلها بدقة، وسجّل الهجوم صوتياً لمدة تجاوزت أربع ساعات ونصف الساعة.

وكشفت التحقيقات عن أن روبرتس نشر عدة تعليقات عبر الإنترنت عبّر فيها عن كراهيته للنساء، وحمّل والدته مسؤولية مشكلاته الشخصية، قبل أن يلجأ إلى محرك بحث قائم على الذكاء الاصطناعي يُدعى «ديب سيك»، طالباً منه نصائح حول القتل، مثل: «فقط أخبرني بالطريقة البسيطة لإزالة آثار الدم من الجدران والأرضية والسرير».

وعلى الرغم من أن النظام رفض الإجابة مباشرة عن سؤاله بشأن السلاح الأفضل للقتل، فإن روبرتس أعاد طرح السؤال مدعياً أنه يكتب كتاباً عن القتلة المتسلسلين، فتلقى إجابات تضمنت مقارنة بين المطرقة والسكين؛ إذ أشار النظام إلى مزايا كل أداة وكيفية استخدامها، مع نصائح نظرية.

وأوضحت المحكمة أن الاعتداء بدأ نحو الساعة الحادية عشرة مساءً واستمر حتى الثالثة والنصف فجراً. وفي صباح اليوم التالي، عثر بعض المارة على جثة الضحية، وهي مساعدة تدريس، مصابة بجروح بالغة في الرأس قرب محمية طبيعية.

وأشار المدعي العام إلى أن المتهم سجّل جميع تفاصيل الجريمة منذ بدايتها وحتى الضربات القاتلة، وكان يُسمع في أثناء التسجيل يقول: «هذه هي اللحظة... سنضربها بالمطرقة».

وأفاد التحقيق بأن روبرتس أمضى أيامه الأخيرة على الإنترنت يبحث في قضايا القتل ووسائله، وشراء عدة أدوات عبر الإنترنت، منها مطارق وأغطية بلاستيكية وقفازات، قبل أن يستدرج والدته إلى الخارج بحجة مساعدتها طبياً، ثم قادها إلى مقعد في محمية طبيعية حيث وجه إليها عدة ضربات قاتلة على الرأس.

وأوضحت المحكمة أن الضحية كانت تحاول طلب المساعدة لابنها، الذي شُخّص سابقاً بـ«اضطراب طيف التوحد» وفرط الحركة وتشتت الانتباه. وفي رسالة أرسلتها قبل يوم من الجريمة، أعربت عن قلقها بعد أن اشترى روبرتس سكيناً ومطرقة، متسائلة: «لماذا؟ لماذا يحتاج إلى هذه الأشياء؟ هل يخطط لإيذائي أم إيذاء نفسه؟».

وفي نهاية الجلسة، أصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبد على المتهم، مع حد أدنى للعقوبة يبلغ 22 عاماً ونصف العام، مؤكدة أن الجريمة كانت «طريقة مروّعة للغاية للموت»، وما زاد فظاعتها هو أن الجاني كان ابن الضحية الذي أحبته وقلقت عليه حتى أيامه الأخيرة.


«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
TT

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

يحمل العرض الأدائي والموسيقي «الغارابيا» (Algarabía) مشروعاً فنّياً عابراً للثقافات، ينطلق من بامبلونا الإسبانية قبل أن يصل إلى أبوظبي، ضمن «مهرجان أبوظبي»، جامعاً بين الإرث العربي وفنّ الفلامنكو في رؤية معاصرة تستعيد الذاكرة الأندلسية، وترأب ما صدَّعته الجغرافيا عبر لغة الفنّ.

العمل إنتاج مشترك بين متحف جامعة نافارا و«مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» ومؤسّسة «خولة للفنّ والثقافة»، ويُقدَّم بمناسبة مرور 150 عاماً على ميلاد الموسيقار الإسباني مانويل دي فالا، ويُعرض للمرة الأولى يومَي 27 و28 مارس (آذار) في بامبلونا، على أن ينتقل إلى العاصمة الإماراتية في 26 أبريل (نيسان) المقبل. وهو من إعداد وإخراج جهاد ميخائيل وإغناسيو غارسيا، ويقدّم تجربة متعدّدة المستويات تمزج بين الموسيقى والرقص والشِّعر، في محاولة لخلق حوار مُتجدِّد بين الثقافتين العربية والإسبانية.

كلّ خطوة على الخشبة تُعاند ما يتكسَّر في الداخل (البوستر الرسمي)

في المشروع، تحضر الفنانة اللبنانية سينتيا كرم بدور رئيسي، تؤدّي فيه شخصية عالِمة نبات عربية شابة تنطلق في رحلة إلى الأندلس بحثاً عن أسرار الأرض والنبات والزهور. شخصية تتجاوز بُعدها العلمي لتلامس أسئلة الانتماء والذاكرة، وتستدعي علاقة الإنسان بأرضه، وما يرافقها من ألم ومسؤولية.

سينتيا كرم التي تجمع بين الغناء والتمثيل والرقص، تضع هذه التجربة في إطارها الشخصي والمهني، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر المشاركة، وإنما اخترتُ قبولها لما تُمثّله لي من فخر كبير. خيسوس كارمونا أحد أبرز راقصي الفلامنكو في العالم، وأنا الحاضرة العربية الوحيدة في هذا العمل، أُمثّل من خلاله العالم العربي».

وتضيف أنّ اختيارها جاء نتيجة قدرتها على الجَمْع بين أكثر من أداء في آن، «لأنني أتنقّل بين الغناء والتمثيل والرقص. بدا هذا التعاون بالنسبة لي مساحة استثنائية تتقاطع فيها أدواتي الفنّية، وتجربة ألامس فيها نفسي كاملة».

ترى في الشخصية امتداداً لعلاقة حميمة وراسخة مع الأرض: «تأتي إلى المدينة الحمراء في الأندلس للتعمُّق في دراسة الأرض والورد والنبات». وتمنح الدور بُعداً رمزياً أوسع، مضيفةً: «هي صورة الإنسان المُتمسّك بأرضه، المُثقل بالألم حدّ أنه حين يلامس أرضاً أخرى، يرعاها برفق، ويدعو أصحابها إلى حمايتها والحفاظ عليها».

التداخُل بين العلمي والوجداني ينسحب أيضاً على طبيعة العمل الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف الروابط بين العالمَيْن العربي والإسباني. على مستوى الكوريغرافيا، أشار بيان صحافي إلى أنّ الفنان الإسباني خيسوس كارمونا صمَّم لغة حركية تمزج بين الفلامنكو والتعبير الجسدي العربي، بمشاركة راقصين عرب وفنانين دوليين، في حين يجمع التكوين الموسيقي بين مؤلّفات دي فالا وأعمال المؤلّف الإماراتي إيهاب درويش، ضمن توزيع حديث ينسج حواراً متناغماً بين الإيقاعات الشرقية والغربية.

ترقص على المسرح وصدى القصف يتردَّد في داخلها (سينتيا كرم)

وتؤكّد الفنانة أنّ العمل أتاح لها لَمْس تقاطعات إنسانية وثقافية عميقة بين الشعبين: «ثمة كثير ممّا يجمع بين الثقافتين. نتشابه في الفخر والعزم، في الفرح والحبّ والكرم». وتشير إلى أنّ هذه المشتركات تجلّت بوضوح خلال تجربتها في إسبانيا؛ حيث بدا التلاقي أكثر رسوخاً من أيّ اختلاف.

ولا يقتصر «الغارابيا» على الموسيقى والرقص، فيتضمَّن نصوصاً شعرية مُختارة لشعراء من عصور مختلفة، من بينهم نزار قباني وميغيل إيرنانديث، إضافة إلى شعراء من التراث الأندلسي، ممّا يمنح العمل بُعداً ثقافياً وإنسانياً يُعمِّق فكرة الحوار بين الأزمنة واللغات.

ذلك يجعلها على يقين بأنّ الفنّ اليوم ينهض بمسؤولية مضاعفة في لحظة حرجة تتَّسع فيها الشروخ، وتقول: «الفنّ ضرورة لنُعيد جمع بعضنا. في هذه المرحلة التي تُفرّقنا، نحاول عبره أن نُقرّب المسافات ونُخفّف حدّة الفوارق». وتتابع: «الحوار مدخل لفهم الآخر والاقتراب منه، مع وعي لخطوطنا الحمراء واحترامها».

وتلفت إلى أنّ العمل، بما ينسجه من شِعر وموسيقى، «يحمل رسالة مُلحّة في هذه الظروف، كأننا ندعو إلى فتح القلوب والجلوس حول مساحة مشتركة تحتوي خلافاتنا».

يتميَّز المشروع أيضاً بطابعه التشاركي، فيجمع بين فنانين محترفين وطلاب بمشاركة عشرات الموسيقيين من أوركسترا جامعة نافارا، إلى جانب مغنِّي الجوقة وفرقة فلامنكو وعازفين من العالم العربي، في تجربة تعاونية تعكس روح التبادل الفنّي والتعليمي.

وإنما سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها. تقول: «تُنضجني هذه المشاركة وتمنحني قوّة أكبر؛ امرأةً وممثلةً». وتستعيد مشهد سفرها وسط التصعيد: «أتيتُ في وقت كان عبور المطار فيه محفوفاً بالخطر. فعلنا ذلك من دون يقين بالنجاة. عندما وصلتُ كان القصف يدور في بيروت. أقلعت الطائرة والغارات في الأرجاء، وحلّقتُ فوق الدخان».

وتتابع بنبرة تُظهر شقوقاً داخلية: «لا أدري إن كنتُ سأعود أم لا، لكنّ الشغف يقود الإنسان إلى حيث ينبغي أن يكون، حتى لو كانت الطريق مُثقلة بالتهديدات». وتضيف: «أُختيرتُ لهذا الدور، غير أنني في العمق أؤدّي دور المرأة العربية. قطعة من قلبي بقيت في بيروت. في لبنان الذي أراه يتشظّى أمام عينَيّ. وكأنني أنا أيضاً أتناثر وأحاول لملمة نفسي».

ورغم هذا الحِمِل، تُصرّ على الاستمرار: «أضحك، أرقص، أصنعُ فنّاً وفرحاً، في حين القلب يُداس كلّ لحظة. كلّ يوم يمرّ يضيف إلى أعمارنا ما يُشبه مائة عام. وجع، ولا استقرار، واستحالة يقين. ومع ذلك، يبقى الفنّ خشبة العبور الوحيدة».


أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

تعود هضبة الجيزة، بأهراماتها الشامخة وتمثالها الأسطوري، إلى صدارة النقاش العلمي، بعد طرح فرضية جديدة تتحدث عن احتمال وجود «أبو الهول الثاني» مدفوناً تحت الرمال، في ظل مؤشرات على ما وُصف ببنية عملاقة تحت الأرض.

وأعلن الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي نتائج دراسته خلال ظهوره في برنامج «Matt Beall Limitless»، مشيراً إلى أن نقوشاً أثرية قديمة قد تحمل دلائل تركها المصريون القدماء قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، ربما تقود إلى هذا الاكتشاف المثير، وفقاً «جي بي نيوز».

وتستند الفرضية إلى ما يُعرف بـ«لوحة الحلم»، وهي نصب حجري قائم بين قدمي تمثال أبي الهول، حيث تظهر وفق قراءة الفريق صورتان لتمثالين بدل تمثال واحد. ويرى الباحثون أن هذا المشهد قد لا يكون رمزاً فنياً فحسب، بل إشارة محتملة إلى وجود تمثال ثانٍ مطمور.

واعتمد الفريق البحثي على تقنيات الرصد عبر الأقمار الصناعية، لتحليل اهتزازات دقيقة في باطن الأرض، ما أفضى إلى تحديد ما يُعتقد أنه هيكل ضخم مخفي تحت طبقات متماسكة من الرمال.

ويقول بيوندي إن النتائج أظهرت تطابقاً هندسياً كاملاً، معبّراً عن ثقته بها بنسبة تقارب 80 في المائة، وهي نسبة، وإن بدت مرتفعة، فإنها لا تزال تفتح الباب أمام التحقق العلمي.

ومن خلال رسم محور يصل بين مركز هرم خفرع وتمثال أبي الهول، توصّل الفريق إلى نقطة مرجعية، قبل أن يعكس هذا المحور انطلاقاً من مركز الهرم الأكبر، لتظهر نقطة مقابلة تشير بيانات المسح إلى احتمال وجود الهيكل الثاني فيها.

ويشير بيوندي إلى أن الموقع المفترض يتمثل في تل صغير يبلغ ارتفاعه نحو 108 أقدام، في حين يقع تمثال أبي الهول الحالي في منخفض أقل ارتفاعاً من سطح الهضبة، وهو ما يعزز بحسب رأيه فرضية التماثل بين الموقعين.

كما أظهرت المسوحات الأولية وجود أعمدة رأسية وممرات تحت الأرض، تتشابه بشكل لافت مع التكوينات المكتشفة أسفل تمثال أبي الهول المعروف. ويؤكد الباحث أن هذه الخطوط الرأسية تمثل على الأرجح جدراناً صلبة، لا فراغات، إضافةً إلى رصد أنفاق أفقية تمتد إلى أعماق أكبر، ما يعزز الحديث عن بنية تحتية معقدة.

وكان فريق بيوندي قد أشار في وقت سابق إلى رصد شيء هائل تحت هضبة الجيزة، واصفاً إياه بأنه بنية عملاقة تحت الأرض، في توصيف يعكس حجم الطموح العلمي، وربما حجم الجدل أيضاً.

منطقة الأهرامات تشهد زخماً سياحياً (وزارة السياحة والآثار)

ويعود تاريخ «لوحة الحلم» إلى عهد الفرعون تحتمس الرابع، نحو عام 1401 قبل الميلاد، حين أقيمت خلال الأسرة الثامنة عشرة، لتبقى حتى اليوم مصدراً للتأويلات التاريخية والعلمية على حد سواء.

في المقابل، ليست هذه الفرضية الأولى من نوعها، إذ سبق لعالم المصريات بسام الشمّاع أن طرح تصوراً مشابهاً قبل سنوات، مستنداً إلى روايات قديمة، فيما رفض عالم الآثار المصري ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس هذه الادعاءات عام 2017، مؤكداً أن المنطقة خضعت لحفريات مكثفة دون العثور على أدلة داعمة.

ورغم ما تحمله هذه الطروحات من إثارة، يشدد بيوندي على أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن التحقق الميداني، بمشاركة خبراء الجيولوجيا، يظل خطوةً حاسمةً قبل الجزم بأي نتائج. كما كشف عن إعداد مقترح مشروع رسمي لتقديمه إلى السلطات المصرية، أملاً في الحصول على موافقة لإجراء دراسات ميدانية أوسع.

وبين الحماسة العلمية والحذر الأثري، تبقى هضبة الجيزة، كما كانت دوماً، مساحةً مفتوحةً للأسئلة، ومرآةً لعلاقة الإنسان بالمجهول، حيث تتقاطع الحقائق بالفرضيات، ويظل الرمل شاهداً صامتاً على ما لم يُكشف بعد.

Your Premium trial has ended