افتتاح «مهرجان بيروت الدولي للسينما» بتعقيدات الفساد وينتهي مع فان غوغ

تحية للسينمائي الإيراني عباس كيارستمي لتخليد ذكراه

فيلم الختام التحركي عن فان غوغ
فيلم الختام التحركي عن فان غوغ
TT

افتتاح «مهرجان بيروت الدولي للسينما» بتعقيدات الفساد وينتهي مع فان غوغ

فيلم الختام التحركي عن فان غوغ
فيلم الختام التحركي عن فان غوغ

كعادته لا يمر «مهرجان بيروت الدولي للسينما» عابراً. فهو إما يثير اهتماماً لنوعية أفلامه وحسن خياراته، أو لروحه المتحدية التي تضطر الرقابة إلى منع فيلم من هنا، أو التأخر باتخاذ قرارها في السماح لفيلم هناك؛ مما يشكل فسحة نقاش مع كل دورة. ومساء الأربعاء، وبالافتتاح الكبير في «سينما متروبوليس أمبير صوفيل» الذي رعاه رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ممثلاً بالنائب باسم الشاب، وبحضور وزير الثقافة غطاس خوري، كان المهرجان قد وصل إلى دورته السابعة عشرة.
وعُرِض في الافتتاح فيلم La Cordillera للمخرج الأرجنتيني سانتياغو ميتري، بحضور المخرج وبطلة الفيلم الممثّلة دولوريس فونزي. وتدور قصة الفيلم حول تداخل الشؤون الشخصية للرئيس الأرجنتيني هرنان بلانكو، الذي يضطلع بدوره الممثل ريكاردو دارين، مع قراراته السياسية.
وفي كلمة لمديرة المهرجان كوليت نوفل، قالت: «إن المهرجان ولد عام 1997 في فترة إعادة الإعمار بعد نهاية الحرب الأهلية انطلاقاً من الرغبة في وضع لبنان على خريطة السينما». ولفتت نوفل أيضاً في كلمتها إلى «أن جدّ المخرج الأرجنتيني ميتري هو سوري وأمه لبنانية من طرابلس». وتحدث ميتري فقال إنه يشعر «برابط مع لبنان». وأوضح أن فيلمه يتمحور حول الفساد «الذي قد يصعب فهم تعقيداته». كما تحدث وزير الثقافة إلى وسائل الإعلام قبل دخوله العرض، فوصف المهرجان بأنه «حدث دولي يفسح للجمهور اللبناني المجال لمشاهدة سينما عربية ودولية عالمية، ويرتقي بالذوق الفني ويفتح آفاقاً أوسع للسينما اللبنانية».
وسئل عن الرقابة على الأفلام، فأجاب: «نحن نعمل جدياً كي تنتقل هذه الرقابة إلى وزارة الثقافة؛ لأننا نعتبر أن هذه الرقابة أصبحت شيئا من الماضي، وينبغي تعديل القانون المتعلّق بها».
وحضر الحفل عدد من الوجوه السينمائية العالمية البارزة، كالمخرج الفرنسي ميشال هازانا فيسيوس الحائز جائزة أوسكار قبل أعوام عن فيلمه The Artist، ومؤسس مهرجان تيلورايد ومديره طوم لادي، ورئيسا لجنة التحكيم المخرج الأميركي جوناثان نوسيتر، والمخرج الأرجنتيني سانتياغو أميغورينا، وعضوا اللجنة الممثلة الفرنسية فاهينا جيوكانتي والمخرج اللبناني زياد دويري، وضيوف آخرون.
ويضم البرنامج هذه السنة أفلاما مهمة فازت بجوائز دولية أو عرضت في مسابقات عالمية منها الفيلم التحريكي «لوفينج فنسنت» للبريطاني هيو ويلتشمان والبولونية دوروتا كوبييلا وتتمحور قصته حول آخر أيام حياة الرسام فنسنت فان غوغ قبل انتحاره. وقد استغرق العمل على هذا الفيلم سبعة أعوام، وشارك فيه 125 رساما من كل أنحاء العالم.
ومن الأفلام المهمة أيضا «بيكمنج كاري جرانت» للبريطاني مارك كايدل عن سيرة نجم هوليود الراحل كاري جرانت ويومياته مع الفقر والاضطرابات النفسية. وسيحضر مخرج الفيلم المهرجان لتقديم عمله إلى الجمهور اللبناني.
كما سيعرض فيلم «ذا كيلينج أوف إيه سكيرد دير» للمخرج اليوناني يورجوس لانثيموس الحائز جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان 2017
ويشارك عدد من الأفلام اللبنانية الوثائقية والقصيرة، سواء في المسابقتين الخاصتين بهاتين الفئتين من الأفلام، أو في فئة البانوراما الدولية. وتتناول موضوعات إنسانية واجتماعية، من الطفولة المكافحة إلى الشيخوخة الصعبة، مرورا بهموم الشباب وتجربة الاغتراب والوجع الناجم عن موت الحبيب.
في مسابقة الأفلام القصيرة، تشارك خمسة أفلام لمخرجين لبنانيين. ويتناول فيلم Andrea للبناني إدوين حرب قادري، قصة رجل يفقد زوجته في حادث سير أثناء تحدثه بالهاتف معها، ويلتقي الشخص الذي تسبب بهذا الدمار في حياته. ووصف قادري الفيلم بأنه «قصة انتقام بطريقة ما».
والفيلم الذي ألف موسيقاه اللبناني إبراهيم معلوف، ويؤدي دور البطولة فيه الممثل برونتس جودوروفسكي، نجل المخرج أليخاندرو جودوروفسكي، مستوحى من خسارة المخرج صديقته في حادث سير في بيروت عام 2008. وقال قادري: «أندريا الحقيقية توفيت قبل تسع سنوات وكنا معا في سيارة كانت تقودها. استلزم الأمر كل هذا الوقت لكي أحول المأساة ومشاعر الكآبة التي عشتها إلى فيلم. وختم بالقول: «كان مشهد المستشفى من أصعب لحظات تصوير الفيلم، فهو مطابق تماما لما حصل معي من الدخول عبر الباب والركض في الرواق ورؤية الجثة والدم والصراخ».
أما فيلم «ونمضي» لغنى ضو، فيتناول، بحسب مخرجته: «واقع معظم الشبان والشابات المرتبطين بعلاقات حب والذين يعتزمون الزواج، وكذلك عن واقع معظم النساء والرجال المسنين الذين لم يرزقوا أولادا ويعيشون شيخوختهم من دون ضمان شيخوخة».
ويدور فيلم «شحن» للبناني كريم الرحباني حول معاناة ولد ينزح مع جده من سوريا إلى لبنان هربا من الحرب السورية.
ويحكي فيلم Appel en Absence للبنانية كريستي وهيبة قصة امرأة عجوز فقدت زوجها، تصلها هدية من ابنتها عبارة عن هاتف خلوي، فتغيرت حياتها، وشعرت بفضله بأنها عادت صبية، وعندما تلقت اتصالا من حبٍ قديم، زاد تعلقها بهذا الهاتف، إلى أن دمرها نوعا ما.
أما «لأيمتى؟» للبناني مجد فياض، فيثير مساهمة النظام التعليمي اللبناني، المكثف بالمواد غير المفيدة والتي يتطلب درسها الكثير من الوقت، في قتل هوايات وأحلام الطلاب اللبنانيين. وشرح فياض أن فيلمه «تعبير عن معاناة كل طالب لبناني؛ إذ يتمحور عن الفرق بين الحياة اليومية للطالب اللبناني والحياة اليومية للطالب الأجنبي، ويبين الدور الكبير الذي تؤديه المناهج المدرسية في حياة الطالب اليومية. وتضم مسابقة الأفلام الوثائقية خمسة أفلام، بينها اثنان لمخرجين لبنانيين، أحدهما Water on Sand للبنانية الكندية ناتالي عطاالله، عن اللبنانيين في بلاد المهجر: شقيق المخرجة وجدتها يعبران عن مشاعرهما وتجاربهما بصفتهما لبنانيين مغتربين. بالتالي، تصاغ قصة بين جيلين عن الاغتراب والانتقال من ثقافة وبيئة معينة إلى أخرى.
أما «فن مش فن» للبناني بيتر موسى، فهو وثائقي قصير عن الفن المعاصر صور في معارض فنية في الإمارات العربية المتحدة. وأوضح موسى أن الفيلم «بمثابة رد على من لا يصنفون الفن المعاصر ضمن الفنون». وأضاف: «اخترت موضوع الفن المعاصر لأنني كنت أقيم سابقا في دبي، وهي مدينة تزخر بالمعارض المختصة بهذا النوع من الفنون». وأشار إلى أن «ثمة قطعا فنية وردت في الفيلم، يدور نقاش كبير في شأن اعتبارها فنا». وختم: «وجدت أن من الضروري توضيح هذا النوع من الفن من داخله، وليس نقديا من الخارج».
ويتضمن برنامج فئة «البانوراما الدولية» فيلم «سينما حائرة: تاريخ السينما اللبنانية» للإعلامية اللبنانية ديانا مقلد، وهو عبارة عن رحلة بصرية عابرة للزمن ما بين السينما اللبنانية في بداياتها والسينما اليوم، من خلال شهادات مخرجين وفنانين معاصرين لكل الحقبات التي مرت بها السينما اللبنانية. وتقام عروض المهرجان في سينما «متروبوليس أمبير صوفيل» في الأشرفية، وفيلم الختام يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) من الشهر، سيكون بالفيلم التحريكي Loving Vincent للبريطاني هيو ويلتشمان والبولونية دوروتا كوبييلا.
وتتوزع العناوين العريضة للمهرجان بين «البانوراما الدولية» وتشمل، بالإضافة إلى فيلمي الافتتاح والختام، 14 فيلما و«مسابقة الأفلام الوثائقية»، وتضم خمسة أفلام و«مسابقة الأفلام القصيرة» ويشارك فيها 18 فيلما، وفئة «جبهة الرفض» التي تقدم 10 أفلام خارج المسابقة، لكنها تعبر عن قضايا اجتماعية مهمة. ويبلغ عدد الأفلام التي ستعرض هذه السنة 55 فيلماً من 24 دولة.
ويخصص المهرجان تحية للسينمائي الإيراني عباس كيارستمي لتخليد ذكراه. كما يسلط المهرجان الضوء على ستة أفلام قصيرة قدمتها وزارة السياحة اللبنانية تتناول الحياة في لبنان قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 والتي انتهت عام 1990 وهي خارج المسابقات والفئات ويتم عرضها قبل عدد من الأفلام الروائية في البرنامج.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.