د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي

الناقد البحريني: هناك نزعة جارفة للمرأة لكتابة الرواية... لكنها على حساب القيمة الجمالية

د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي
TT

د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي

د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي

سجل الناقد البحريني الدكتور فهد حسين، حضوراً متميزاً في المشهد الثقافي الخليجي، منذ عكف على دراسة المنجز الروائي وتأثيراته الاجتماعية. بدأ أولاً بدراسة حضور المكان في الرواية البحرينية، حيث وجد أن الروائي البحريني كان منشّغلاً أكثر بحمل الهمّ الاجتماعي وحالة الإنسان عن الثيمات الأخرى.
الناقد البحريني عكف كذلك على تتبع صورة المرأة في الرواية النسوية الخليجية الجديدة، وأصدر في هذا السياق عدداً من الأبحاث والدراسات، وكان لافتاً ملاحظته أن الرواية النسوية الخليجية كرست صورة الرجل أنموذجاً للتسلط والهيمنة، ولم تشر إلى البنية الثقافية التي أنتجت الذكوري.
الدكتور فهد حسين، عضو أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وعضو مجلس إداراتها لأكثر من دورة انتخابية، وحاليا هو الأمين العام لها. وحصل على الجائزة الثانية في مسابقة الكتاب المتميز في البحرين عام 2003.
«الشرق الأوسط» التقت الناقد البحريني، وأجرت معه الحوار التالي:
> رسالتك للماجستير كانت عن «المكان في الرواية البحرينية»، نعلم أن المكان عموماً هو بيئة النصّ وملهمه، فما الخصوصية التي يمنحها المكان للرواية البحرينية تحديداً؟
- المكان وخصوصيته في العمل السردي؛ هو المكون الذي كان يشتغل عليه الروائي سابقاً بوصفه مكوناً ضمن المكونات السردية الأخرى، إلا أن الكتابات الروائية والقصصية الحديثة أيضاً، لم تقف عند المكان أو أي مكون آخر إلا بوصفه تقنية سردية، أي ليس الاهتمام بتوظيف المكان فحسب، بل المهم في هذا التوظيف جماليته الذي تكشف عن زوايا قد التقطها الكاتب ليعطي القارئ فسحة من جمالية المكان من جهة ودعوته لتأويل بعض ملامح هذا المكان. لذلك؛ لا يخلو العمل السردي من المكان، لكن قد يخلو من جمالية المكان، وهذا الأهم في التوظيف التقني لأي مكون سردي.
وعن الراوية البحرينية، فلا يخفى على المتابع في المنطقة أن المكان لدينا على الرغم من صغره ومحدودية تنوعه كما هو في مناطق خليجية أخرى كالسعودية وسلطنة عمان، فإن الكاتب البحريني حاول أن يوظف تلك الأمكنة المحدودة لديه من مدن وقرى وسواحل بحرية، لكن كان توظيفها مرتبطاً بالعلاقة الاجتماعية التي كانت تربط الكاتب بالمكان نفسه. وهذا ما كان واضحاً في سياقات تلك الأمكنة التي جاءت في الروايات التي تناولتها دراستي في الماجستير. أما لو تعمقنا بعض الشيء حول تلك الخصوصية، فهي تكاد تكون عامة في المنطقة كلها، ربما يحدث تباين طفيف بين مكان وآخر، غير أن الدراسات المعنية بالمكونات السردية والتقنيات على مساحة الوطن العربي كانت منصبّة في تناول الشخصية أكثر بكثير من البقية، وإلى الآن الدراسات المعنية بالزمان والمكان قليلة جداً قياساً بالمنجز السردي في المنطقة، وهذا أحد أسباب توجهي لدراسة المكان.
> ما دور «الأسطورة» الراسخة في التراث المحلي، في النصّ الروائي البحريني؟
- علينا هنا أن نحدد مفهوم الأسطورة، حيث لا يدخل اللبس بين الأسطورة والحكاية والفنتازيا، فما يعني بالأسطورة؛ أتصور أن الأعمال البحرينية التي – على الأقل قرأتها – لا تتعاطى مع الأسطورة بسبب عدم وجود الأسطورة في حضارتنا عدا ملحمة جلجامش وكيف وصل إلى المنطقة باحثاً عن زهرة الخلود، وكذلك ما ورد من حكايات عبر الحضارة الديلمونية وتايلوس، لكن كل هذا لم يوظفه الكاتب البحريني في أعماله السردية، حيث كان الهم الاجتماعي وحالة الإنسان هي التي تشغل الروائي، سواء في محاولة كشف زيف المجتمع اجتماعياً أم اقتصاديا، وأثر ذلك على الشخصيات السردية في بعدها النفسي.
- صورة المرأة
> قدّمتَ دراسة عن «صورة المرأة في الرواية النسوية الخليجية الجديدة»، ما سمات تلك الصورة؟
- في دراستي لصورة المرأة في الرواية النسوية كانت منطلقة من البحث عن دور الروائية الخليجية تجاه نفسها وتجاه المرأة في المنطقة وكيف تستدعي قضاياها وتعالجها من زوايا عدة، في سياق علاقة المرأة بذاتها وذات الآخر، المرأة إن كانت أماً أم أختاً أم بنتاً، والآخر الرجل الأب والزوج والابن والأخ والصديق والحبيب، والآخر «تبئيرها» تجاه المكان والزمان، من خلال هذا تبين لي بعد دراسة أكثر من خمسة وثلاثين عملاً روائياً لروائيات خليجيات، أن هناك نزعة جارفة من قبل المرأة للكتابة الروائية، وإن كان ذلك على حساب القيمة الفنية والجمالية، كذلك الاهتمام بإظهار صور متعددة للمرأة توضح مدى التعامل المجتمعي معها وفق هذه الصور، وصف الرجل باعتباره مصدر السلطة والقوة والغطرسة، إلا أن اللغة التي كتبت بها هذه الأعمال لا تشير إلى لغة خاصة بالمرأة، بل هي لغة عادية يمكن أن يكتبها الرجل والمرأة معاً، ولكن ما لفت الانتباه أن كل الأعمال تؤكد على محاربة العنف والتطرف، وتدعو إلى القيم العليا من الاحترام والتسامح والتعايش الاجتماعي والتواصل الثقافي والتلاقي الحضاري، مع هيمنة المكان على جل هذه الأعمال، سواء أكان المكان في منطقتنا الخليجية أم خارجها (أمكنة عربية وأجنبية).
> أنت هنا تعيد ما وصلتَ إليه في دراستك أن صورة الرجل لدى الروائيات الخليجيات عبارة عن أنموذج للتسلط والهيمنة... أليست هذه سمة المجتمع الشرقي عموماً؟
- حينما نناقش وضع الرجل ونظرة المرأة إليه هنا مباشرة سيتجه الحوار إلى رؤية المرأة التي كانت ولا تزال تعاني، لكن لا بد من قراءة فاحصة إلى الرجل الذي هو أيضاً حكم عليه بالتسلط من قبل المجتمع وعاداته وأعرافه، وهذا ما عكسه في حياته اليومية على من حوله بما فيها المرأة، إضافة إلى الوعي الاجتماعي والثقافي الذي يتمثلهما الرجل، فإن كان واعياً ومثقفاً كما أوضحته الروائية الدكتورة بدرية البشر في روايتها «هند والعسكر» في صورة الأب من جهة، وما يحمله من ثقافة، مقابل (منصور) زوج (هند) الذي يمارس دوراً أكثر سلطوية وإجحافاً تجاه المرأة؛ لذلك تكمن الرؤية تجاه الرجل بحسب الزاوية التي تلتقطها الكاتبة لدراسة الشخصية الذكرية.
> أليس من الظلم اعتبارك (في الدراسة) أن المرأة الخليجية اتجهت لكتابة الرواية لتكون فاعلة بذاتها الأنثوية، ومن أجل تحسين صورة المرأة... أين الروح المبدعة؟
- فعلاً، نحن في منطقة الخليج العربي، ونتيجة للمعاناة التي تعانيها المرأة في مناح كثيرة، ومنها الكتابة والنشاط الثقافي، ما لدينا في المجتمع الخليجي من النساء اللواتي يبدعن من الكتابة إلى التمثيل إلى التشكيل إلى الصحافة، إلى الكثير من الجوانب الأخرى، لكن المجتمع يحاصرها حتى في تذييل أسمائهن تحت مقال كتبنه. ألم تصدر رواية «الآخرون» باسم مستعار؟ وكذلك رواية «القِران المقدس» لماذا؟ لأن المرأة محاربة اجتماعياً، بل كان الرجل قبلها لا يذيل اسمه خوفاً من الرقيب الثقافي أو الإعلامي أو الاجتماعي أو الديني، وهنا تكمن حالة المرأة؛ لذلك حين شرعت في الكتابة كانت تريد أن تقول أنا موجودة في المشهد الثقافي، وهذه القضايا التي تلامس حياتي وحياة أخواتي النساء، وهو ما يتضح من الروايات في كيفية بناء الشخصيات النسوية من جهة، ورغباتهن المختلفة في الخروج على النمط الاجتماعي من جهة أخرى من خلال العلاقات العاطفية أو الزواج أو الدراسة خارج المكان أو السفر، أو غير ذلك. وعلى الرغم من هذا الاتجاه فإن بعضهن أبدع في النص، كليلى العثمان، وفوزية السالم، وفوزية رشيد، ورجاء عالم، وليلى الجهني، وزينب حفني، وبدرية البشر وبدرية الشحي.
> ألا ترى أن مصطلح «الأدب النسوي»، يقسّم الإبداع على أساس جندري؟
- أتفق معك بأن الأدب هو أدب، سواء كتبته امرأة أم كتبه رجل، غير أن التقسيم هذا مثله مثل تقسيم دراسة بناء الأعمال الأدبية أو الثقافية، كأن تقوم بدراسة الشخصية أو المكان أو الزمن أو الصورة، على الرغم أنه لا يمكن الفصل بين كل هذه العناصر في العمل، ولكن عادة تفصل من أجل الدرس الأكاديمي أو البحث في موضوع ما أو تناول ثيمة معينة لا غير، وفي الوقت نفسه هناك كتابات ذات علاقة بالنسوية كتبتها المرأة وكتبها الرجل أيضاً، وهي تلك الكتابات التي تتناول ما يخص عالم المرأة العام والخاص. فمثلا رواية طالب الرفاعي «في الهنا» أنا شخصياً أعتبرها رواية نسوية لأن الشخصية الرئيسة امرأة وتتناول هذه الشخصية تجربتها وحياتها وعلاقتها الخاصة.
> أنتَ تلاحظ من خلال روايات المؤلفات الخليجيات، وجود نمطية للشخصيات النسوية تمثلت في صورة المرأة السلبية التي لا تملك سلطة القرار، هل ترى أن الرواية عليها أن تذوّق الواقع أو تطليه بمساحيق التجميل؟
- كما قلت آنفاً، ما حدث للمرأة من خضوع وتهميش كان بسبب سلطتين، هما: سلطة المجتمع وسلطة الرجل؛ لذلك لا يمكننا جميعاً الهرب من هذا الواقع الذي تعيشه المرأة الخليجية، كما لا تستطيع المرأة الكاتبة نفي هذا الواقع، بل كان عليها كشف زيفه وبيان تناقضاته المتمثلة في الشخصية الذكورية التي تنادي بالتحرر من جهة، وتعيش حياة بعيدة عن هذه المبادئ، ولكن ليس كل المجتمع في المنطقة وكل الرجال يهمشون المرأة، أو يمارسون سلطتهم عليها بما يشكل التهميش، لكن المشكلة لا تقع على الرجل وإنما على المرأة نفسها، فهي التي تهمش ذاتها، وهي الراغبة لتكون خاضعة وسلبية تجاه الرجل، والدليل ليس في الكتابات الروائية فحسب، بل في الأعمال الدرامية الخليجية التي نشاهدها بكثرة في شهر رمضان، أليست هذه الأعمال بعضها تهين المرأة أكثر مما تحاول كشف واقع تريد مناقشته وعلاجه؟ لو قرأنا فعلا أعمال رجاء عالم مثلا، أو أعمال ليلى العثمان سيتضح أن المرأة ليست سلبية طوال الوقت، ولا تقبل أن تكون خاضعة في سلطة الرجل، بل ترى ملامح التقدير والاحترام للآخر في مجمل شؤون الحياة.
> هل تقول إن لا وجود لروائيات خليجيات كسرن الصورة النمطية وقدمن عملاً روائياً حقيقياً؟
- بل أقول إن هناك أعمالاً كسرت التابوهات والممنوعات والمسكوت عنه في المنطقة وسجلت حضوراً إبداعياً، فمثلا وراية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحي، توضح دور المرأة التي كانت مصرّة على أن تبحث عن الرجل الذي هرب بعيداً بكسر العادات والحواجز التي تمنعها من ذلك، كما تشير رواية {هند والعسكر» لبدرية البشر لدور المرأة المثقفة في المجتمع وكيفية اختياراتها، وتناقش ليلى الجهني الهوية والعلاقة بين الرجل والمرأة والمقارنة، بين المرأة من جهة والمكان (جدة) من جهة أخرى. وقس على ذلك، ولكن هذه ليست ظاهرة، وإنما حالات، فالأغلب هو الدور السلبي للمرأة، والرغبة في الخروج من هذا الدور بمواجهة المسكوت عنه.
- الثقافة في البحرين
> بالمناسبة، لماذا انكفأ الإنتاج الروائي في البحرين...؟
- المنجز الروائي البحرين لم ينكفئ، بل هو في ازدياد قياساً بالمساحة المكنية وعدد السكان؛ إذ لا ينبغي مقارنة المنجز البحريني – عدداً – بالمنجز السعودي مثلاً، لكن أؤكد لك أن النتاج الروائي في البحرين غير متوقف - لكن لا أقف عند المستويات الفنية والجمالية والدلالية، فهذا أمر آخر - ولو رجعنا إلى عقد الثمانينات من القرن العشرين سنجد من يكتب الرواية لا يتجاوز العدد أصابع اليد الواحدة، الآن لدينا أكثر من (100) رواية حتى هذا العام.
> من هم أبرز الروائيين البحرينيين الحاليين؟
- لا أرغب في التصنيف حالياً حتى لا أظلم أحداً، لكن على الرغم من وفاة عبد الله خليفة فلا تزال دور النشر تصدر أعماله الروائية التي كتبها ولم يطبعها بعد، ولا يزال محمد عبد الملك يصدر، وكذلك فريد رمضان، فضلا عن الشباب الذي بات عمله واضحاً وملموساً في الساحة الأدبية البحرينية. وحين الرغبة في التصنيف، يعني القيام بدراسة بحثية تحليلية لتصدر هذه الأحكام القيمية.
> ولماذا أيضاً لم تبرز روائيات بحرينيات...؟
- بالعكس، هناك عدد لا بأس به من الروائيات البحرينيات، لكن ربما الإعلام والصحافة مقصرة في هذا الجانب، فلدينا فتحية ناصر، التي لديها ثلاثة أعمال روائية، وكذلك معصومة المطاوعة، منيرة سوار، زهراء الموسوي، جليلة السيد، وغيرهن.
> أنت كنت عضواً في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وعضو مجلس إداراتها، الكثير يقول إنها دخلت في سبات عميق منذ سنين، ما رأيك؟
- لا أريد أن أكون مدافعاً عن الأسرة الكيان الأدبي الذي تشكل وتأسس في العام 1969، وبخاصة أنني حالياً في منصب الأمين العام، لكن أقول إنها ليست في سبات ولا تراجع، الأسرة مرت مراحل هدوء وتراخٍ في العمل، وهذه طبيعة العمل التطوعي في كل مكان، لكن الأسرة لديها البرامج الثقافية المتواصلة، ولديها الاحتفال السنوي باليوم العالمي للشعر، ولها اتصالات ثقافية مع عدد من المؤسسات الأدبية والثقافية العربية، وقد شكلت قبل عام جماعات متخصصة في بعض المجالات الأدبية، فلدينا ملتقى القصة، ومختبر السرديات، وفضاء شعر، ونعمل على تأسيس جماعة تهتم بأدب الطفل. كما لدينا خطة للطباعة؛ إذ أصدرنا أكثر من عشرة كتب خلال سنة ونصف السنة تقريباً، ولدينا استضافات خليجية وعربية، وآخرها استضافة الروائي السعودي يوسف المحيميد. هذا بالإضافة إلى أن مجلس الإدارة يعمل على إعداد برنامج متكامل للاحتفال باليوبيل الذهبي للأسرة في العام 2019، أي بمرور 50 عاماً على تأسيسها.
- دراسات نقدية
> أصدر الدكتور فهد حسين عدداً من الدراسات النقدية، بينها: «نص في غابة التأويل» (نصّ مشترك) 2001: «إيقاعات الذات» 2002: «من الأدب الخليجي» (كتاب توثيقي) 2002: «المكان في الرواية البحرينية» 2003: «مسافات الدخول - صورة المرأة في روايات فوزية شويش السالم» 2006: «أمام القنديل - حوارات في تقنية الكتابة الروائية 2008: «بعيداً عن الظل – التجربة النسوية في منطقة الخليج العربية» 2012: «الرواية والتلقي – دراسات في لبعض الروايات العربية» 2012: «في اتساع الأفق – المشهد الثقافي البحريني» 2013: «إعداد كتاب حول سيرة إبراهيم حميدان بعنوان (إبراهيم حميدان سيرة ضوء) 2013: «مرجعيات ثقافية في الرواية الخليجية» 2016: «السرد الخليجي النسوي – المرأة في الرواية أنموذجاً» 2016.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.