زينب بدوي: يجب على المسؤولين العرب استخدام الإعلام الدولي بصورة أكبر

مذيعة «بي بي سي» أكدت لـ {الشرق الأوسط} أنها تعلمت في مهنتها أن تقلب الهرم رأسا على عقب بحثا عن الحقيقة

زينب بدوي: يجب على المسؤولين العرب استخدام الإعلام الدولي بصورة أكبر
TT

زينب بدوي: يجب على المسؤولين العرب استخدام الإعلام الدولي بصورة أكبر

زينب بدوي: يجب على المسؤولين العرب استخدام الإعلام الدولي بصورة أكبر

تخصصت زينب بدوي في فلسفة الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة أكسفورد، وهي دراسة تميز النخبة وصناع القرار في بريطانيا كمارغريت ثاتشر وغيرها من الساسة، ثم درست بأكسفورد اللغة الفرنسية واللغة الروسية، ثم حصلت على الماجستير من جامعة لندن، وأثناء ذلك كانت زينب بدوي تعمل بصحافة الأحياء وبدأت تتعاون مع التلفزيون التجاري وانتهى بها المطاف محررة ومذيعة محترفة في تلفزيون «بي بي سي» في مجال الأخبار وإجراء مقابلات في برنامج «هارد توك» أو «كلام قاس». وتجربة الإعلامية البريطانية السودانية الأصل زينب بدوي تعد من قصص النجاح التي تروى في الإعلام التلفزيوني البريطاني الحديث، فعقب تخرجها عملت في وظيفة باحثة، ومقدمة برامج في تلفزيون يوركشير، في الفترة من 1982 وحتى عام 1986، وبعد فترة وجيزة، انضمت إلى فريق القناة الرابعة عام 1988، وقدمت في تلك الفترة برامج تلفزيونية متنوعة، حتى انضمت إلى تلفزيون البي بي سي في 1998 وشهدت مسيرتها منذ ذلك العام، تألقا لافتا حيث قدمت، برامج سياسية حية من ويستمنستر، هذا فضلا عن برامج، العالم هذا المساء في الراديو، وأخبار العالم اليوم، وأخبار الساعة. ومن ثم قدمت برنامجها الأشهر «هارد توك» الذي استضافت فيه الكثير من الشخصيات العالمية، ورؤساء الدول والحكومات، والكثير من المشاهير والشخصيات العامة، في جميع مناحي النشاط البشري والإبداع الإنساني.
وعلى مائدة الحوار أجرت زينب بدوي حوارات متميزة مع الدالاي لاما الزعيم الروحي المقدس لشعب التبت وتوني بلير وبي نظير بوتو وبيل كلينتون وبيل غيتس، وعلى مستوى الرموز الوطنية السودانية حاورت نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه والراحل جون قرنق. وقالت في حوارها بلغة إنجليزية معتقة، عبر رحلة تميزت بالتألق والنجاح حتى توجت بجائزة الشخصية الإعلامية الأولي لعام 2009 مع «الشرق الأوسط» إنها تقدمت بطلب لإجراء حوارين مهمين أولهما مع الرئيس السوري بشار الأسد، وثانيهما مع المشير عبد الفتاح السيسي المرشح الرئاسي المصري، ولكنها ما زالت في الانتظار، وأوضحت أن لقاء الأسد لا يقلقها على الإطلاق، لأنه سيكون مسؤولا عن أقواله وأفعاله، مؤكدة أن كثيرا قد لا يعرفون أن أرض السودان مليئة بالأهرامات، ومهمتها في هذه الحياة كما تعلمت في مجال الإعلام أن تقلب الهرم رأسا على عقب من أجل البحث عن الحقيقة. تقول زينب بدوي عن والدها محمد خير البدوي «والدي مهتم بالتاريخ المعاصر للوطن السودان، وقد كتب عن تاريخ الجيش الحديث في السودان»، وتقول إن أطفالها الأربعة يوسف وهناء وصفية وزكريا مبسوطون لأنهم تعرفوا على جذورهم وأحبوا السودان، وهي رغم أنها جاءت إلى بريطانيا في الثالثة من العمر، فإنها فخورة بجذورها العربية والأفريقية.
* كيف بدأت حياتك المهنية كصحافية؟
- لم يكن الأمر صعبا على الإطلاق، ولم أدرس الصحافة من قبل، ولكني التحقت بجامعة أكسفورد البريطانية حيث درست العلوم السياسية والفلسفة، وأثناء دراستي الجامعية التحقت بجمعية أكسفورد للإذاعة، وتدربت على الإلقاء الإذاعي، وكانت لي تجارب في هذا المجال، ثم تخرجت من أكسفورد، وبعدها التحقت بالدراسات العليا بجامعة لندن لعام آخر، ثم التحقت كمتدربة بتلفزيون «اي تي في»، وحصلت على منحة تدريب، وخلالها حصلت على التدريب الكافي، ولم يكن في هذه الأيام برامج إعلامية خاصة، أو كورسات للراغبين في الميديا، كما يحدث هذه الأيام، لكن محطة «اي تي في» أرسلتني إلى كلية الإذاعة الوطنية، لأحصل على مزيد من التدريب، وكان مقرها حي سوهو اللندني، وهذه الكلية ليست موجودة الآن.
*هل أصبحت عند لحظة معينة على يقين بأنك اخترت الوظيفة الصائبة؟
- التحقت بالعمل في التلفزيون في الثمانينات، وأول عمل أتذكره قدمت برنامجا اقتصاديا، وكان عبارة عن سؤال اقتصادي، وكان يدور حول 20 نصف ساعة تلخص الحالة الاقتصادية، واستمتعت كثيرا بهذا البرنامج، وهو أشبه ببرنامج تعليمي للمشاهدين، وفي منتصف الثمانينات حدثت المجاعة في إثيوبيا، وأثرت تلك المجاعة على السودان، وذهبت إلى موطني الأول، حيث عملت هناك، كباحثة لصالح مسلسل تلفزيوني، يقدم نصائح عن سياسة الطعام، وخلال هذه الفترة كنت على يقين أنني في المسار الصحيح من جهة اختيار المهنة المناسب.
* ماذا تعلمت من والديك؟
- كان والدي بمثابة الإلهام الأكبر بالنسبة لي، لقد جئت إلى بريطانيا قبل أن أبلغ الثالثة من العمر، وأخذت منهما الاهتمام بالشؤون الدولية، فهما من السودان، وطبيعي كانا يهتمان بكل ما يدور حولهما من أحداث في الشرق الأوسط والعالم وخصوصا أفريقيا، تعلمت منهما أن العالم الذي نعيش فيه أكبر كثيرا من لندن ومن المملكة المتحدة، وهناك كثير من الأشياء تعلمتها آنذاك من والدي المذيع في «بي بي سي - العربية» من خلال الاقتراب منه في الحياة اليومية، وفي عقلي الباطن هناك الكثير من الأشياء الجميلة التي تعلمتها من والدي.
* لماذا اخترت العمل في المجال الإعلامي؟
- قبل ظهور مواقع الاتصال الاجتماعي، كان للتلفزيون دور مؤثر للغاية في الحياة اليومية، وحتى الآن، ما زال النافذة الأهم على مجريات ما يحدث في العالم، أحببت الإعلام وبصفة خاصة التلفزيون لما له من دور مهم، في تعليم الآخرين، ولم أكن يوما في مجال المنوعات والترفيه في المجال التلفزيوني، بل كنت في مجال إبلاغ وإفهام الناس من خلال البرامج عما يدور في العالم الآخر، والتلفزيون له دور حيوي وضروري بالنسبة للناس الذين يعيشون في بلدان متعددة الثقافات مثل بريطانيا، من حيث تأثير التنوع العرقي في تعاملهم مع الآخر من جهة تأثير القضايا الاجتماعية والثقافية والتعليمية.
*ما أول قصة تعاملت معها في الإعلام؟
- عندما كنت أعمل في الأخبار المحلية في بداية حياتي، ربما كانت حريقا في منزل ما أو قطة تعلقت في شجرة.
* هل واجهت أي مشكلات في عملك باعتبارك مسلمة؟
- لم أواجه مشكلات، ولكن بعد هجمات سبتمبر، ظهر مصطلح «إسلاموفوبيا»، في الإعلام، وبعد أحداث سبتمبر، مثل ظهور جماعات متطرفة إساءة إلى الإسلام، وهذه لم تساعد المسلمين في هذا البلد، ولكن هذه الجماعات المتطرفة ليس لها علاقة بالإسلام، ولكن هناك اليوم في الإعلام من يعتقد أن أعمال المتطرفين لها علاقة بالإسلام.
* ما أكثر الأحداث أو المناطق التي تفضلين أن تغطي أخبارها ولماذا؟
- حسنا، لم أغط الكثير من أخبار الشرق الأوسط كما كنت أود، نظرا لأني أتحدث العربية بما يسمح لي بالتواصل مع الناس وأعتقد أن هذا يمنحني ميزة تفضيلية كصحافية عندما أستطيع التحدث مع الناس المتأثرين بأحداث كبرى بلغتهم، مثل اللاجئين السوريين. لذلك أعتقد أني يجب أن أهتم بذلك أكثر مما كنت أفعل. لا أتحدث العربية على المستوى الرسمي، لذلك لا أستطيع أن أعمل باللغة العربية، فلا يمكنني العمل في خدمة «بي بي سي - العربية»، ولا أستطيع أن أقرأ أو أكتب بالعربية، ولكني أستطيع التحدث بها بطلاقة. كما أن لدي أربعة أبناء لذلك يعتمد عملي على الوجود في الأستوديو أكثر مما كان في الماضي، لأنني لا أستطيع أن أقضي فترات طويلة في سوريا أو في أي مكان آخر، وهكذا دائما ما يكون هناك تضحية في الحياة.
* قام الرئيس البشير في السابق بدعوة شخصيات إعلامية بارزة، كنت واحدة منها، لحضور مؤتمر عن الإعلام السوداني في الخرطوم. ماذا كان يريد الرئيس؟
- كان ذلك في العام الماضي، ولم أذهب. لا يوجد شيء اسمه أبيض وأسود، وأعتقد أن حرية الرأي والتعبير مهمة للغاية؛ فهي حجر الزاوية في الديمقراطية. من المهم أن نملكها. ولكني أعتقد أن هناك بعض الحيوية في وسائل الإعلام السودانية حيث يمكن أن تجد صحفا توجه بعض الانتقادات لما يحدث ولكن من الواضح أن هناك حدودا لتلك الانتقادات. لا أرى أنه يجب أن توضع قيود على حرية الرأي والتعبير، وهو ما كان أبي بصفته صحافيا سودانيا يعكسه بالتأكيد. أما بالنسبة لما أرادت الحكومة الخروج به من المؤتمر، فليست لدي فكرة. من الأصعب كبح حرية التعبير في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. في الماضي، قبل تويتر وفيسبوك، كان من الأسهل كثيرا على الحكومات السعي إلى حجب المعلومات، ولكن الآن إذا حدث شيء ما، فالجميع يملكون هواتف جوالة، ويمكنهم التقاط الصور وإرسال رسائل نصية إلى أشخاص في دولة أجنبية، لذا أصبحت الرقابة أصعب كثيرا. وأعتقد أن الثورة التكنولوجية والتواصل الاجتماعي لهما تأثير كبير على حرية تدفق المعلومات. إلا إذا كنت مثل الحكومة الصينية أو غيرها وتستغرق وقتا كبيرا في التشويش على مواقع على شبكة الإنترنت، فليس من السهل على أي حكومة أن تنجح في محاولة القمع. إذا وقعت أحداث عنف في مكان ما ثم التقط شخص ما صورة لها فسوف تنتشر في كل مكان. لهذا أعتقد أن الثورة التكنولوجية في وسائل التواصل الاجتماعي غيرت من صورة الساحة الإعلامية؛ وليس فقط بسبب التكنولوجيا ذاتها، ولكن أصبح الجميع صحافيين الآن. وأصبح لدينا المواطن الصحافي.
* عملت في «اي تي في» والقناة الرابعة، ثم في «بي بي سي». فما السبب وراء الانتقال من قناة إلى أخرى؟ وما قناتك المفضلة؟ وما الاختلافات الرئيسة بين القنوات المختلفة؟
- أعتقد أن هناك اختلافا كبيرا بين العمل في «اي تي في» والـ«بي بي سي»، نظرا لأن «بي بي سي» مؤسسة كبيرة. إنها أكبر مؤسسة إخبارية وإذاعية في العالم. وبها أكبر عدد من المراسلين بما يفوق أي مكان آخر. كما أن هناك الكثير من المكونات في الـ«بي بي سي»: التلفزيون والإذاعة والإنترنت. وأعتقد أنه فيما يتعلق بتنوع العمل لا أحد يمكنه التفوق على الشبكة. أما «اي تي في» فهي أصغر كثيرا، بل وأصبحت أصغر مما كانت عليه عندما كنت أعمل بها. يمكن العمل في قسم الأفلام الوثائقية أو قسم الأخبار، ولكنهما أصغر بكثير. لذلك «بي بي سي» مختلفة، لأن بها تنوعا. أما بخصوص ما يمكن فعله أو قوله، لا أعتقد أن هناك أي اختلاف، وبالنسبة لحقيقة أن «بي بي سي» تحصل على تمويلها في الأساس من دافعي الضرائب البريطانيين، فلا أعتقد أن ذلك يحدث أي فارق.
* هل وجدت أي صعوبة في العمل في الإعلام البريطاني كسودانية؟
- أفتخر بشدة لكوني سودانية وعربية وأفريقية، ولكن هذا سؤال تصعب علي إجابته، لأنني رغم مولدي بالسودان، فإنني جئت إلى لندن وكان عمري أقل من ثلاثة أعوام، لذلك أقول إن لدي هوية مزدوجة، وأشعر بارتياح شديد في السودان، ولكني أشعر بارتياح شديد كذلك في إنجلترا. ولا أستطيع أن أقول إنني سودانية نموذجية تعيش في إنجلترا، لأني عندما جئت كنت صغيرة للغاية، فلا أستطيع أن أقول إني أشعر بالغربة. وفيما يتعلق بأمور مثل العنصرية أو معاداة الإسلام لا أستطيع أن أقول إن هناك أشياء تحدث ولا يعني ذلك أنها لا تحدث. بل أقصد أنني لم أمر بشيء من هذا شخصيا. ولا يمكن أن أقول إنني وجدت صعوبة في الحياة هنا بسبب كوني سودانية أو لي أصول سودانية. أقيم هنا منذ فترة طويلة وكنت في جامعة أكسفورد، وحصلت على الماجستير من جامعة لندن، ربما يكون هذا ما ساعدني بعض الشيء.
* لا يعرف عدد كبير من العرب الكثير عن برنامج «هارد توك»، هل يمكن أن تحدثي القارئ عن البرنامج؟
- الفكرة وراء برنامج «هارد توك» هو التعليم والمعرفة، ولكنه أيضا يخضع المسؤولين في مناصب السلطة للمساءلة وهذا هو الدور الذي يقوم به البرنامج. فهو يسمح لك بمناقشة مواضيع طويلة مع أشخاص في مناصب السلطة وأن تحاسبهم على أي شيء يفعلونه، سياسات أو انتهاكات حقوق إنسان، هذا هو الهدف. الفكرة في أنه حديث صارم وصعب حول ما يفعلونه، ولكنه ليس فظا.
* كم عدد مشاهدي برنامج «هارد توك» تقريبا؟
- يمكن أن أقول ملايين وملايين لأنه يذاع عدة مرات على مدار اليوم، حيث يعرض أربع أو خمس مرات في جميع أنحاء العالم. وتحظى قناة «بي بي سي الدولية» بمشاهدات تصل إلى 30 مليون منزل حول العالم، لذلك ستقدر نسبة مشاهدة أي برنامج بعشرات الملايين.
* هل لاحظت أي تحيز في وسائل الإعلام الغربية ضد أخبار الشرق الأوسط أو المنطقة؟
- في الوقت الحالي يوجد كثير من وسائل الإعلام، ولا يمكنك أن تحدد أي وسائل إعلام. إذا كنت تقصد شبكة «بي بي سي»، فهناك قناة «بي بي سي العربية»، وإذاعة «بي بي سي العربية»، هناك الكثير. وإذا كنت تتحدث عن الإعلام المحلي، «بي بي سي 1» و«بي بي سي 2»، فأعتقد أن أكبر الشكاوى هي عدم إذاعة ما يكفي من الأخبار من الشرق الأوسط. ولكن تتم تغطية أخبار كل منطقة في العالم عندما تقع بها مشكلات، وليس فقط الشرق الأوسط. هذا بخصوص الأخبار، والمشكلات والتحديات هي التي تجعل الأخبار مهمة، بمعنى أن الأخبار بطبيعتها تجبرنا على رؤية الأشياء من منظور المشكلة. وعلى مدار الأعوام، إذا كان هناك صراع في الشرق الأوسط أو ما يجري الآن من أحداث الربيع العربي، قد يُكَوِّن الناس انطباعا بأنه لا يوجد في الشرق الأوسط سوى العنف، لذا أقول إن مثل ذلك يعد تحيزا، نظرا لأن طبيعة الأخبار تركز على المشكلة، وليس لأن شخصا ما يقول «نحن لا نحب الشرق الأوسط ونعتقد أن العالم العربي يتسم بالعنف». تتم تغطية الأخبار بالطريقة ذاتها في كل مكان. عندما خسر ديفيد كاميرون في التصويت على اللجوء إلى إجراء عسكري في سوريا في مجلس العموم، كان رد الفعل على «بي بي سي» وكأن «ديفيد كاميرون فقد السيطرة على سياسته الخارجية»، هذا الأسلوب في تناول الأخبار يتبع أيا كان الموضوع، فالجميع يتعرض للطريقة ذاتها.
* وماذا عن تغطية أخبار إسرائيل؟ هل تتفقين على أنها متحيزة، سواء كنا نتحدث عن الدفاع عن إسرائيل في الغرب أو الدفاع عن فلسطين في العالم العربي؟
- لا أعرف. لم أشاهد ما يكفي لكي أقول إن هناك تحيزا مع الإسرائيليين أو ضد الفلسطينيين. ولن أقول إن هناك أي تحيز ضد الفلسطينيين على الإطلاق في الإعلام البريطاني. أعتقد أنه إذا كان هناك انتقاد فهو أن القادة العرب والفلسطينيين لا يجعلون من السهل دائما التواصل معهم كما هو مفترض. في بعض الأحيان يكون من الصعب للغاية أن تصل إلى ضيف عربي. في بعض الأحيان يكون من الأسهل الحديث مع مسؤول إسرائيلي، ولكن ليس من السهل أن تصل إلى وزير خارجية مصري أو سوري على سبيل المثال. كان نبيل فهمي هنا منذ أسبوعين ولكنه اعتذر في اللحظة الأخيرة لأنه ليس لديه وقت. يجب أن ينتبه الفلسطينيون والعرب عامة إلى حقيقة وجوب تيسير الوصول إلى المسؤولين. اسمحوا لي أن أجري حوارا في برنامج «هارد توك» مع عبد الفتاح السيسي، مثلا. ينبغي عليك أن ترى ذلك من منظور من يجعل وقته متاحا. هذه إحدى الشكاوى التي لدي تجاه السياسيين العرب.
* هل تقدمت بطلب لإجراء حوار مع المشير السيسي المرشح الرئاسي المصري؟
- سألت السفير المصري، وقلت له إنني مستعدة للسفر إلى مصر وإجراء حوار معه في برنامجي، ولكني لم أتلق ردا. طلبت ذلك منذ ثلاثة أشهر ولم أتلق إجابة. لذا إذا كان العرب يشكون من وجود تحيز، أقول لهم اجعلوا من السهل التواصل معكم بالإنجليزية، لأنها هي ما نستخدم في الغالب للأسف، ومعظم الساسة العرب يتحدثون الإنجليزية جيدا جدا. فلييسروا عملية الوصول إليهم لإجراء حوارات باللغة الإنجليزية، وسوف ننقل رؤيتكم بسهولة وفاعلية. لا أعتقد أن هناك أي تحيز ضد الفلسطينيين. وأرى أن الربيع العربي أعاد القضية الفلسطينية قليلا إلى الوراء لأن الناس لم تعد مهتمة بها كما كانوا نظرا للأحداث الكبرى التي تقع في مناطق أخرى.
* من الشخصيات التي تتمنين أن تجري حوارات معها، إلى جانب السيسي؟
- بشار الأسد. سيكون هذا رائعا. نادرا ما نستمع إلى حوار مع بشار الأسد، ولكن (مستشارته الإعلامية) بثينة شعبان هي التي تتحدث طوال الوقت. لم نصل إليه مطلقا. بل أي من الشخصيات العربية البارزة، الأردنيون مثلا يتحدثون معنا. ولكن إذا فكرت في القضايا التي تعرض في الأخبار في الوقت الراهن فستجد معظمها عن مصر وسوريا. أما بالنسبة للفلسطينيين، فلا يسمح محمود عباس بكثير من وقته. وقد أجريت حوارا مع حنان عشراوي، وهي رائعة تفسح لنا من وقتها. لذلك أعتقد أنه من المهم الوصول إلى متحدثين رفيعي المستوى جيدين. وهذه هي رسالتي، أن العرب يجب أن يستخدموا الإعلام الدولي بصورة أكبر، وخاصة قناة مثل «بي بي سي الدولية»، لأنها تحظى بعدد كبير من المشاهدين.
* إذا وجدت نفسك جالسة أمام بشار الأسد، هل ستشعرين بالارتياح بعد كل ما فعله؟
- نعم.. لم لا؟ أنت تعرضه للمساءلة. نعم بالطبع سأكون مرتاحة. دور الإعلام هو محاسبة الناس. لقد حاورت أشخاصا يحاكمون أمام الجنائية الدولية الآن. جان بيير بيمبا الذي كان نائبا لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، أجريت معه لقاء في «هارد توك»، وذلك هو دور الإعلام، محاورة الناس حتى وإن كانت أياديهم ملطخة بالدماء.
* من الصحافي المفضل لديك، على المستوى المحلي أو العالمي، إلى جانب والدك بالطبع؟
- هذا سؤال صعب. لا يمكنني أن أقول إن شخصا واحدا كان مصدر إلهام لي، ولكن أكثر الصحافيين الذين يحظون بإعجابي هم هؤلاء الموجودون في المعتقلات الآن، فقط لأنهم أرادوا الكلام من دون خوف. هناك الكثير منهم حول العالم وهم أكبر مصدر إلهام لي، لأننا نجد حرية التعبير أمرا مسلما به في الدول الغربية، ولكنها ليست حقا مكفولا للجميع. يجب أن نتذكر هؤلاء الذين يفعلون ما نفعله أنت وأنا ولكنهم يسددون ثمنا باهظا في مقابل ذلك.
* كم عدد الساعات التي تقضينها في العمل أسبوعيا؟
- أنا أجتهد في العمل وأعمل كثيرا، ويجب أن أحرص على تحقيق توازن جيد. من الصعب أن أحدد ولكن أستطيع أن أقول إني أعمل لمدة 40 ساعة أسبوعيا على الأقل، تصل إلى 50 في بعض الأحيان. وإذا كنت في سفر يزيد الوقت. على سبيل المثال، أنا عائدة للتو من جنوب أفريقيا بعد أن قمت بتغطية الانتخابات لـ«بي بي سي».
* ما رأيك في النقاش حول الإعلام المطبوع والإلكتروني؟ هل تعتقدين أن الأنماط الجديدة من الإعلام سوف تضع نهاية لأشكاله القديمة؟
- أرى أن الثورة التكنولوجية في مجال الإعلام تحمل الأهمية ذاتها مثل ظهور الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر. قبل ذلك لم يكن في استطاعتك الحصول على كتاب، ولكن في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، تمكن الجميع من الحصول على الكتب. ونحن نعلم مدى تأثير ثورة مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الإعلام والصحافة المطبوعة على وجه التحديد. لقد شهدنا كثيرا من الصحف، والصحف المحلية خاصة، تختفي تماما؛ اختفت المئات منها في بريطانيا وحدها. وأصبحت مبيعات الصحف أقل بكثير وانخفضت إيرادات الإعلانات. وبدأت تلك الإيرادات تتجه إلى مجالات أخرى، ليس فقط التلفزيون والإذاعة، بل الإنترنت أيضا. لذلك أعتقد أنه من المؤكد أن شبكة الإنترنت لها تأثير كبير على الإعلام التقليدي، بعد أن انهارت واختفت أسماء كبرى. فهل سيستمر هذا الاتجاه؟ ربما. هل ستظل هناك صحف في المحلات نشتريها ونقرأها؟ ربما، ولكن بنسبة أقل. لست متأكدة إن كانت ستظل بعد عشرين أو ثلاثين عاما. ولكني ما زلت أفضل أن أمسك بالجريدة وأقرأها. عندما أنظر إلى أبنائي في سن المراهقة، أراهم يطّلعون على الأخبار عبر مصادر أخرى. عندما توفي مايكل جاكسون، أخبرني أبنائي بالحدث نقلا عن تويتر. وعندما يحدث شيء ما، أقول «هل رأيت ذلك؟» فيجيبون: «نعم رأيناه على فيسبوك أو تويتر». وهكذا أجد اختلافا كبيرا في الوسيلة التي يعرفون بها الأخبار. إنهم يقرأون الصحف عن طريق الإنترنت، لهذا تكيفت كثير من الصحف مع الأمر مثل «غارديان» و«ديلي ميل». وأرى أنهما أشهر صحيفتين على الإنترنت. يوضح لك ذلك أنه إذا اتخذت الصحف مواقع التواصل الاجتماعي تهديدا لها سيتسبب في نهايتها، فسوف تكون بالفعل. ولكن إذا استخدمتها لصالحها وتماشت مع الوقت الحاضر، فقد أظهرت كل من «ديلي ميل» و«غارديان» أن تلك التكنولوجيا لم تضع نهاية اسميهما.
* ما المدونة أو الموقع الإخباري المفضل لديك؟
- أقوم بتشغيل قناة «بي بي سي الدولية» لمعرفة الأخبار التي تغطيها بالطبع. وأحب قراءة الصحف، أقرأ أي صحيفة أجدها. أحب قراءة «فاينانشيال تايمز»، وأجد فيها رؤية عالمية جيدة جدا، كما أن كثيرا مما يحدث في العالم له قاعدة اقتصادية. كما تعجبني «وول ستريت جورنال». فأنا أفضل تلك النوعية الجيدة من الصحف، ولذلك أميل إلى قراءة الصحف عندما أكون في الخارج، أو أطلع على موقع «فاينانشيال تايمز».
* ما النصيحة التي تقدمينها للصحافيين الشباب الذين يوشكون على البدء في العمل في الصحافة؟
- عندما بدأت في العمل الصحافي، كان ذلك منذ فترة بعيدة، والساحة الإعلامية مختلفة تماما في الوقت الحالي. يوجد حاليا الكثير للغاية من وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي تقدم مجالا مفتوحا بالفعل. لا أجيد التعامل عبر وسائل التواصل الاجتماعي: لا أرسل تدوينات على تويتر، ولا أستخدم فيسبوك أو أيا من تلك المواقع. أنا قديمة الطراز بعض الشيء، لذلك لا أفضل أن أقدم نصيحة مهنية محددة لأي شخص سوى أن أقول: إن العمل بالصحافة يستوجب أن يحافظوا على فضولهم واهتمامهم بالآخرين واعتنائهم بمن لا يملكون القدرة على الحديث مع من في السلطة. أعتقد أن دور الصحافي في محاسبة المسؤولين ذو أهمية بالغة. لقد ولدت في السودان حيث توجد طبيعة هرمية. على رأس الهرم، يوجد عدد محدود من الناس، وعند القاعدة يقع مليارات البشر، من جانبي أفضل أن أقلب الهرم رأسا على عقب وأضع الناس الموجودين في القاعدة على القمة. وبصفتي صحافية، دائما ما أقلب الهرم وأسعى إلى مساعدة من لا يمكنهم الوصول إلى أصحاب السلطة على نقل أوضاعهم إلى هؤلاء المسؤولين. لذا أقول للصحافيين الشباب، لا تنسوا هذا الدور الذي يؤديه الإعلام فهو من أدوات التنمية والديمقراطية.
* ما الصفات التي تعتقدين أنها يجب أن تتوفر في الصحافي الناجح؟
- الفضول مهم للغاية، والرغبة في إحداث التغيير حتى وإن كان صغيرا. تلك الأشياء مهمة للغاية. توجد مقولة ليان إلياسون الدبلوماسي السويدي رفيع المستوى الذي أصبح الآن نائب الأمين العام للأمم المتحدة، وأتفق معه فيها، ذكر فيها أن الشغف والتعاطف أهم الأشياء لأنه بالتعاطف يمكنك أن تعرف ما هو الصواب، وإذا كان لديك شغف ستفعل الصواب وتحوله إلى حقيقة.
* هل ساعدك التحدث باللغة العربية في حياتك المهنية؟
- نعم بالتأكيد. كنت في الخليل ورام الله منذ 18 شهرا، وأجريت لقاءات باللغة العربية. تحدثت مع بعض الطلاب والسيدات وغيرهم، وكانوا معجبين بذلك وحصلت على أفضل الحوارات. هذا مهم للغاية لأنه يعني أن الشخص الذي أحاوره يعرف أني عربية ومسلمة لذلك يتعامل معي بارتياح أكبر، وبالتالي يتحدث بصراحة أكبر وأحصل على مزيد من المعلومات. إنها ميزة هائلة.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».