كيف يموت الشعراء؟

من العربي أبي الطيب المتنبي إلى الإنجليزي توماس تشاترتون

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس
TT

كيف يموت الشعراء؟

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس

في أدبنا العربي القديم كتاب عن «مصارع العشاق». ولكن ماذا عن مصارع الشعراء؟ ليس هناك على قدر علمي كتاب عربي يتناول هذا الموضوع تناولاً وافياً، وإن انتشرت عبر القرون قصص متفرقة عن الطريقة التي مات بها أرباب الوزن والقافية: مصرع المتنبي على أيدي من ترصدوا له قرب دير العاقول، مصرع وضاح اليمن في صندوق خبأته فيه عشيقته قبل أن يدخل زوجها الغرفة، مصرع ابن المعتز بعد ليلة واحدة قضاها على عرش الخلافة، مصرع أبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وحلمي سالم على فراش المرض (تعددت الأمراض ما بين مرض القلب والسرطان... إلخ، والموت واحد)، مصرع خليل حاوي منتحراً بطلقة رصاص، مصرع صلاح عبد الصبور بعد كلمات جارحة أصابته في مقتل إذ طعنت في وطنيته ونزاهته، مصرع صالح الشرنوبي تحت عجلات قطار في بلدته بلطيم، مصرع ملك عبد العزيز بعد أن سقطت عليها شجرة، مصرع يحيى الطاهر عبد الله (وأنا أدرجه في زمرة الشعراء لأنه كان شاعر القصة القصيرة بامتياز) في حادث سيارة. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها هذا المقام.
واليوم ينضم إلى المكتبة الإنجليزية كتاب عنوانه «مصارع الشعراء» من تأليف الشاعرين والأستاذين الجامعيين البريطانيين بول فرلي ومايكل سايمونز روبرتس (الناشر: جوناثن كيب، لندن 2017، 414 صفحة).
Paul Farley and Michael Symons Roberts، Deaths of the Poets، Jonathan Cape، London 2017.
يقول المؤلفان في مقدمة كتابهما إن «الشعراء قد ظلوا دائماً يغامرون أو يقامرون من أجل الشعر. منهم من ضحى بصحته أو أسرته أو مستقبله أو بأمنه أو حتى بحياته. من هنا ارتسمت صورة خاصة للشعراء في الأذهان. من المسموح للروائي أن يكون عاقلاً خبيراً بأمور الدنيا ومتحكماً في تصرفاته. أما الشاعر فينتظر منه أن يكون مكتئباً محكوماً عليه بالهلاك ومدمراً لنفسه قبل أن يدمره الآخرون».
ترى متى بدأت هذه الصورة الرومانتيكية تتكون؟ إن الصلة بين الشعراء والفناء وثيقة، ونحن قد ظللنا دائما نهتم بآخر كلمات الشعراء على فراش الموت وكأنها تلخص تجربة حياتهم (قال جوته وهو يحتضر: «النور... مزيداً من النور»). لقد أخرج الناقد والمعجمي والشاعر الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون في 1783 كتابه «سير أبرز الشعراء الإنجليز مع ملاحظات نقدية عن أعمالهم». تناول في هذا الكتاب اثنين وخمسين شاعراً بدءاً بإدموند والر وانتهاء بتوماس غراي. والأمر اللافت في هذه السير هو غلبة الحزن والكآبة عليها. فأغلب هؤلاء الشعراء الذين يتحدث عنهم جونسون قد ماتوا قبل تحقيق آمالهم أو أن هذه الآمال أحبطت. إنهم (لم يدرج جونسون أي شاعرة أنثى) يعانون من الفقر المادي أو استغلال الناشرين أو عدم التقدير من النقاد أو انصراف القراء أو كل أنواع الأمراض: النقرس، السل، انتفاخ الساقين، البرد، التهاب الرئتين.
وفي منتصف القرن الثامن عشر وجدنا المصور الإنجليزي وليم هو غارث يرسم لوحته المسماة «الشاعر المكروب» وفيها نجد شاعراً يجلس في انتظار الوحي في علية فقيرة. إحدى يديه تمسك بريشة الكتابة واليد الأخرى تهرش رأسه الفارغ وكأنها تبحث فيه عن فكرة أو عبارة. إنه يحلم بالشهرة أو بأن يصيب شيئاً من المال، وثمة بائعة لبن غاضبة تقف ببابه مطالبة بما يدين به لها. إن الشاعر في هذه اللوحة يبدو كأنه سجين شد وثاقه إلى مكتبه. وقد تسللت هذه الصورة وتناسخت في آداب أخرى: من هنا نشأت صورة «الشاعر الملعون» أو «الرجيم» في فرنسا القرن التاسع عشر: بودلير ورنبو وفرلين.
وكتاب فارلي وروبرتس قائم على سلسلة «رحلات حج» (على حد تعبيرهما) إلى الأماكن التي مات فيها الشعراء. وعلى هذا فهو أيضاً كتاب عن المكان وعن الرابطة بين الإنسان والبقعة التي تحركت فيها حياته.
يتناول المؤلفان عدداً من الشعراء البريطانيين والأميركيين منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين. من هؤلاء الشعراء البريطانيين (إنجليز وويلزيين وآيرلنديين واسكوتلنديين): توماس تشاترتون، وديلان توماس، وبايرون، وفيليب لاركن، وستفي سمث، ولوي ماكينس، وكيث دوغلاس، وديفيد جونز، ويلفريد أوين، ر. س. توماس، وجون كلير. ومن الشعراء الأميركيين: وجون بريمان، وسيلفيا بلاث، وإليزابيث بيشوب، وفرانك أوهارا، ويليام كارلوس وليمز، وإميلي دكنسن، وروبرت لويل، وآن سكستون، ولاس ستفنز، وميريان مور، وروبرت فروست. وهناك شعراء تنقلوا بين الجنسيتين مثل و. ه. أودن وتوم عن.
سأقتصر هنا على وقفة قصيرة مع اثنين من هؤلاء الشعراء. ولتكن وقفتنا الأولى مع أقدم هؤلاء الشعراء زمناً وأصغرهم سناً، وهو الشاعر الإنجليزي توماس تشاترتون (1752 - 1770) الذي لقي مصرعه قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره وغدا منذ ذلك الحين أيقونة الحركة الرومانتيكية في إنجلترا وفرنسا على السواء.
ترك تشاترتون المدرسة في سن الرابعة عشرة وعمل متدرباً في مكتب محامٍ. تجلت موهبته في التأليف ومحاكاة كتاب الماضي في سن مبكرة مما أغراه بأن يرتكب عملية تزوير أدبي هي أن يؤلف قصائد من نظمه بأساليب شعراء العصور الوسطى ويدعي نسبتها إليهم (قارن قضية الانتحال في الشعر العربي التي أثارها المستشرق الإنجليزي مرجوليوث ومن بعده طه حسين). ادعى تشاترتون أنه اكتشف في برج كنيسة سانت ماري رادكليف في مدينة بريستول صندوقاً يحوي مخطوط قصائد من نظم راهب من القرن الخامس عشر يدعى توماس راولي (لا وجود لمثل هذا الراهب وإنما هو من تلفيق شاعرنا). انطلت هذه اللعبة في البداية على معاصري تشاترتون ومن يكبرونه سناً ومنهم الأديب هوراس والبول. وسافر الشاعر إلى لندن وملؤه آمال كبار في النجاح الأدبي والمادي بعد الثناء الذي أغدقه النقاد والأدباء والقراء على هذه القصائد. لكن عدداً من الدارسين مثل إدموند مالون كشفوا النقاب عن زيف هذه القصائد، وهنا قلب الجميع له ظهر المجن ووجد نفسه يتضور جوعاً في العلية التي يقيم فيها في ضاحية هولبورن في لندن، فتناول جرعة زائدة من الزرنيخ (لا نعرف أكان ذلك قصداً أم على سبيل الخطأ). هنا انبعثت موجة من العطف عليه (وحداثة سنه تغفر له ما فعل أو على الأقل تخفف من ذنبه) وأعلن المعجبون به أنه شهيد الأدب، وأنه ضحية مجتمع قاسٍ لا يرحم.
أشاد بذكره الشعراء الرومانتيكيون وردزورث وكولردج وشللي وكيتس. وألف عنه الشاعر الرومانتيكي الفرنسي ألفرد دي فيني مأساة «تشاترتون» في 1835. وأبدع المصور الإنجليزي هنري واليس لوحة عنوانها «موت تشاترتون» (1856) كانت موضع إعجاب الناقد الفني جون رسكين. وتصور اللوحة الفتى الشاعر طريحاً على فراشه بعد أن تناول السم. بشرته مرمرية ويده اليمنى تتدلى بلا حياة نحو الأرض حيث ثمة قصاصات ممزقة من قصيدة كان ينظمها. وقارورة السم على الأرض قرب فراشه بينما بصيص من نور الفجر يطل من النافذة المفتوحة.
شاعرة أخرى نتوقف عندها هنا هي الأميركية آن سكستون (1928 - 1974) التي انتحرت بعد حياة متقلبة عرفت الفرار من البيت والانخراط في علاقات جسدية والانهيار العصبي والطلاق ونوبات الاكتئاب والإقامة في مصحات نفسية وعقلية (من دواوينها ديوان يحمل عنوان «إلى مستشفى الأمراض العقلية والعودة جزء من الطريق» 1960). كانت قد حضرت مع صديقتها ومنافستها الشاعرة سيلفيا بلاث (وهي الأخرى ماتت منتحرة) في مدينة بوسطن فصولاً دراسية للشاعر روبرت لويل صاحب ديوان «دراسات من الحياة»، ورائد الاتجاه الاعترافي في الشعر الأميركي، وهو اتجاه يفصح عن تجارب صاحبه وأخطائه ومخاوفه ورغباته وذكرياته بكل صراحة كاشفاً النقاب عن أخفى دوافع الإنسان.
إن كتاب فارلي وربرتس يبتعث صوراً مؤلمة ومروعة للموت: جون كيتس الذي يعاني من داء الصدر في زهرة شبابه ينبثق الدم من شريانه ومعه تخرج أنفاس الحياة. ديلان توماس يسرف في شرب الويسكي حتى يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة لا يفيق منها. هارت كرين يقذف بنفسه من على سطح سفينة في البحر الكاريبي حتى تبتلعه الأمواج. جون بريمان يرمي بنفسه من جسر إلى مياه نهر المسيسبي المتجمدة. سيلفيا بلاث وحيدة في شقتها بلندن بعد أن هجرها زوجها الشاعر تدهيوز من أجل امرأة أخرى تفتح موقد الغاز حتى تختنق. لكن المؤلفين قد حرصا (كما يقولان في خاتمة الكتاب)، على ألا يحيلاه إلى «مدينة للموتى»، مثل جبانة طيبة في مصر القديمة. هذه قصص موت حقّاً ولكنها أيضاً قصص عبقريات تغلبت على الموت حين بقيت ذكراها، و«الذكر للإنسان عمر ثانٍ» كما يقول أمير شعراء العربية في أوائل القرن العشرين أحمد شوقي.
قال الشاعر اللاتيني هوراس في القرن الأول قبل الميلاد إنه بنى بشعره صرحاً أبقى على الزمن من الرخام. ومنذ ذلك الحين والشعراء يحاولون أن يجعلوا شعرهم محصناً ضد الزمن. إنهم يسعون إلى «استعمار» الأجيال المقبلة، وذلك إذ يتحدثون (عبر ما سماه الشاعر فيليب لاركن «طول الزمن وعرضه») إلى مَن لم يُولدوا بعد. الشعر (إذا غيرنا الاستعارة) نسيج حي من المخ واللسان، وهو سلاحنا ضد الفناء.



حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.