قرية المنيرة السُّنية العراقية وقصة التحرير والانتقام

بعد عام على طرد «داعش»... الحكومة المركزية أمام تحدي كسب ثقة السكان المحليين

يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
TT

قرية المنيرة السُّنية العراقية وقصة التحرير والانتقام

يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة

أتى التحرير ببعض الإغاثة والراحة إلى إحدى القرى العربية السُّنية في العراق، لكن سرعان ما تبعهما الفقر، والإهانة، والانتقام.
نزل جنود إلى جمع من القرويين أمام كشك على جانب الطريق في قرية المنيرة العراقية، وسرعان ما سحبوا بنادقهم. أدى ذلك إلى لغط، وأدى اللغط إلى شجار تطور إلى إهانات. اقتاد الجنود شابين من أهل القرية في كل صلف وغطرسة إلى سيارتهم وكانوا يصفعونهما أمام أهلهما الذين شاهدوا ما يحصل في صمت عاجز.
يقول خالد صالح، عامل الإغاثة الإنسانية الذي كان يقف وسط الحشد يشاهد الجنود قبل بضعة أسابيع: «إنهم يمثّلون الحكومة المركزية. ولكن المشكلة أنهم يعتبروننا جميعاً موالين لتنظيم داعش الإرهابي».
والمشهد من قرية المنيرة التابعة لناحية حمام العليل جنوب الموصل على ضفاف نهر دجلة بشمال العراق. وهو يعكس لمحة من نضال إحدى القرى العربية السُّنية خلال العام التالي على طرد القوات الحكومية للمتطرفين وقواتهم بعيداً. المكان تحاصره الاتهامات المرسلة والشكوك المبهمة، واضطرابات العنف الشديد في أثناء محاولات إعادة التكيّف مع الأوضاع الجديدة من الموت والدمار والخسائر، كما هو الحال في أغلب أنحاء البلاد.
ويكمن الاختبار الحاسم للحكومة العراقية التي تقودها الطائفة الشيعية فيما إذا كانت تستطيع كسب ثقة الأقلية السُّنية في البلاد في مختلف القرى مثل هذه القرية، والتي تستقر بحالة شديدة الاضطراب على خطوط الصدع السياسية والاجتماعية في العراق. والأمة العراقية، بدورها، ظلت تستجدي الإجابات من قرية المنيرة الموصلية، ولماذا قدّم أبناؤها وشبابها الدعم والتأييد للتنظيم الإرهابي المسلح الذي كرّس جهوده لخدمة الإطاحة الدموية العنيفة بحكومة البلاد.
لقد مر 11 شهراً كاملة منذ تحرير قرية المنيرة، غير أن القرية لا تزال في انتظار عودتها مجدداً إلى أحضان الأمة العراقية.
بزغت بارقة الأمل المنشود ولحظات الوحدة التي طال انتظارها إثر هزيمة التنظيم الإرهابي وفرار مقاتليه من معاقلهم العراقية، لا سيما في مدينة الموصل القريبة. وعلى أدنى تقدير ممكن، كان هناك حس بالتضحية المشتركة إثر سقوط الآلاف من قوات الجيش والشرطة خلال هجوم القوات الحكومية الذي أسفر عن تحرير ملايين المواطنين العراقيين، بصرف النظر تماماً عن عرقهم أو طائفتهم، ممن كانوا محاصرين ومعذبين تحت نير الحكم الأصولي المتطرف للتنظيم الإرهابي.
في أبريل (نيسان) الماضي، خلص استطلاع للرأي أجرته «المجموعة المستقلة للأبحاث» إلى أن الآمال كانت قوية بين جموع السواد الأعظم من السُّنة في العراق بشأن توجهات البلاد لما بعد حرب التحرير، وكانت النتيجة مثيرة للدهشة بالنظر إلى كمّ الشكاوى من التهميش الكبير من جانب الحكومة المركزية تجاههم. ولكن عبر العديد من الزيارات المتكررة على مدى العام الماضي إلى قرية المنيرة، التي تضم نحو 440 عائلة سُنية منتشرة على سلسلة من التلال الصحراوية الباهتة، كانت العبارات العاكسة للتفاؤل إما باهتة وإما عابرة، ويبدو أن الأمل قد تبخر أو في طريقه للتلاشي بمرور الأيام.
كان إرث الصراع الطويل والقديم محفوراً على تضاريس القرية الصغيرة. لقد انهارت المنازل على أيدي قوات «داعش» الهاربة أو القوات الحكومية المرسلة للقضاء عليها والتخلص منها. وما تبقى منها كان مصيره النهب والحرق على أيدي الغوغاء والدهماء الذين تحركهم مشاعر الانتقام.
لا تزال جثث القتلى تطفو على ضفاف النهر الكبير، ولا تزال عمليات الكر والفر مستمرة تعكس إمارات الحرب الخفية والقذرة ما بين القوات الحكومية وأعدائها من فلول «داعش» في مختلف أحياء الموصل والمناطق المحيطة بها. ولا يمر يوم على الرعاة إلا ويعثرون فيه على جثث مزقها الرصاص في حقولهم ومراعيهم.
وبعد انتهاء أعمال القتال في القرية، تذكر سعدي خلف –وهو يشاهد الجنود يبتعدون بابنه نمير البالغ من العمر 21 عاماً– إحساساً قديماً وباهتاً بالأمل والإمكانية، قبل وصول المتطرفين إلى قريته. حيث كان الرجال يجدون الوظائف كضباط أو جنود في الشرطة، أو في غير ذلك من المناصب الحكومية المأمولة. ويقول: «كان الشباب يتمكنون من الزواج، وشراء السيارات، ويبنون المنازل»، مشيراً بيديه إلى سمات الإنجازات التي كانت مشهودة في هذه البقاع.
كافحت القوات الحكومية العراقية كثيراً لاستعادة السيطرة على الموصل، ثانية كبرى المدن العراقية، منذ شهور. والآن، غاب الوجود الحكومي تماماً إلا من بعض الضباط والجنود الذين يتخذون مواقعهم للحراسة والتفتيش على مشارف القرية الصغيرة. ويقول سكان في القرية إن حفنة قليلة من ضباط الشرطة قد عادوا إلى مواقعهم هناك. وامتهن الرجال العاطلون تهريب السجائر أو إرسال أطفالهم لبيع زجاجات المياه الباردة لسائقي الشاحنات والحافلات التي تمر في القرية. وكانت الشاحنات تمر عبر القرية من خلال إحدى الطرق الترابية الصغيرة التي تحوّلت على أيدي الجيش مؤخراً إلى طريق مرور رئيسية في المنطقة، ما يعد طفرة صغيرة ولكنها مؤثرة في هذه القرية التي تعيش تحت سحابة من السخام والغبار والأتربة.
وقال سعدي خلف، الذي أطلق الجيش سراح ولده بعد ساعات قليلة من الاحتجاز، والغضب يملأ صدره: «إننا لا نرى مستقبلاً مشرقاً في العراق».
وفور اجتياح المتطرفين المسلحين قرية المنيرة الصغيرة في خريف العام الماضي، اهتزت الأجواء بعمليات الانتقام والانتقام المضاد. فلقد تعرضت 5 منازل تعود لأفراد عائلة واحدة وكبيرة من العائلات المتهمة بتوفير الدعم والتأييد لتنظيم داعش الإرهابي، للنهب والحرق. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، مرت مجموعة من أفراد تلك العائلة بين غرف أحد هذه المنازل التابعة لهم، والتي أفرغت تماماً من كل محتوياتها باستثناء دراجة طفل صغير، وغسالة ملابس محترقة، وحامل خشبي للمعاطف. وقال أصحاب المنزل إن الاتهامات على غير حق أو أساس، وألقوا باللوم في احتراق المنزل على ميليشيا عشائرية سُنيّة كانت مكلفة في ذلك الوقت بتأمين القرية.
ومع تلاوة سكان القرية قصصهم مع نهاية العام الماضي، كان هناك ثلاثة أفراد من الميليشيا يراقبون الطريق. وبدلاً من نفي مسؤولية حريق المنازل عن أنفسهم، أصروا على أن حرق المنازل لم يكن عقاباً كافياً بالنسبة لهم.
يقول شاكر عطا الله هلال، وهو ضابط شرطة متقاعد ومن رجال الميليشيات السُّنية، ويرتدي نظارة داكنة اللون تخفي ندبة خشنة تميّز وجهه: «إنهم لا يزالون يتنفسون الهواء!». وكانت جريمتهم أنهم شاركوا في الاحتجاجات العامة ضد انتهاكات الحكومة المركزية قبل ثلاث سنوات والتي كانت تُقام في المناطق ذات الأغلبية السُّنية في مختلف أرجاء العراق. وتسللت عناصر تنظيم داعش الإرهابي إلى تلك المظاهرات، واستغلت مشاعر السخط والغضب العارمة آنذاك، وبدءوا في مسيرتهم الدموية في جميع أنحاء البلاد.
وقد تعاطف كثيرون من سكان قرية المنيرة مع دعوات وأهداف الاحتجاجات، حتى وإن لم يشاركوا فيها بأنفسهم. بيد أن هذا الفارق الدقيق كان مصيره التلاشي التام في خضم مناخ الانتقام المريع الذي أعقب هزيمة قوات «داعش» في العراق. وقال الضابط هلال: «كانوا هم من جلبوا (داعش) إلى بلادنا»، مستخدما المختصر العربي لمسمى التنظيم الإرهابي.
وتنتشر في المناطق المحيطة بمدينة الموصل القصص المشابهة من حرق المنازل والانتقام الشديد خلال الأيام الأولى من هجوم القوات الحكومية العراقية. ولم يكن مصدر الغضب الشديد خافياً على أحد. فلقد كان الريف العراقي تتناثر به المقابر الجماعية لضباط وجنود الشرطة وغيرهم من أفراد الأمن الذين لقوا حتفهم على أيدي المتطرفين من عناصر «داعش»، وكانت أيديهم موثقة بالحبال خلف ظهورهم في أغلب الأحيان.
وأرخت تلك المقابر على ربوع المنطقة بظلال بؤس لا تمحوه الأيام، كما أضرمت في الصدور نيران غل عميق وانتقام لا ينام.
يقول الضابط هلال، الذي ينتمي إلى إحدى الميليشيات المحلية الجامحة والعنيدة والتي كانت مكلفة بمسؤولية تأمين المناطق المحررة حديثاً من قبضة مسلحي «داعش» المتطرفين: «لن نسمح لهم بالنسيان أبداً». وتحمل هذه الميليشيات مسمى «فرسان جبور» نسبة لإحدى كبرى العشائر السُّنية في المنطقة.
وفي غضون شهور، اختفى الرجال المتهمون بالمشاركة في الاحتجاجات تماماً من قرية المنيرة. وقال ياسر إبراهيم، مدير إحدى المدارس هناك، من على باب منزله في القرية قبل بضعة أسابيع، إنه لا يعرف أحد أيَّ شيء عنهم إطلاقاً. وأضاف أن عائلات أولئك الرجال ظلوا في أماكنهم وراء القرية. وكذلك رجال الميليشيات الذين نهبوا وأحرقوا منازلهم.
وتتركز الأحاديث المتعلقة بالعراق في هذه الأيام حول أن السكان العرب السُّنة الساخطين قد يندفعون يوماً، من واقع الإحباط واليأس الشديد، إلى معاودة الترحيب مرة أخرى بالمتطرفين. غير أن هذه المخاوف لا تشكل خطراً من الأخطار في قرية المنيرة، إذ يتحدث سكانها عن عهد تنظيم داعش بمزيد من الرعب والندم.
وكان بعضهم من ضباط الشرطة في مدينة الموصل قبل الاجتياح، وكانوا يتخذون مواقعهم هناك في ذلك الصباح المشؤوم من يونيو (حزيران) عام 2014. عندما استولى «داعش» بكل سهولة على المدينة، بعدما انسحب الرجال المكلفون بالدفاع عنها وحمايتها فرادى وجماعات. وقال إبراهيم جاسم محمد، وهو من ضباط الشرطة السابقين: «لقد فررنا جميعاً، واضطررت إلى الهروب بالسباحة عبر النهر، لقد كان من أحلك أيام حياتنا جميعاً».
واختطف المتطرفون المسلحون ما لا يقل عن 24 رجلاً من قرية المنيرة، بما في ذلك والد إبراهيم، مدير المدرسة، والذي لم يسمع أحد أي شيء عنه منذ ثلاث سنوات كاملة. وبدلاً من المحافظة على الوجود المستمر هناك، كان عناصر «داعش» يتوجهون إلى قرية المنيرة مرات عدة في الأسبوع. وقال إبراهيم إن الآباء كانوا يمنعون أولادهم من حضور الدروس الدينية للتنظيم لحمايتهم من اعتناق تعاليم المتطرفين وأفكارهم. وكان يجلس في مبنى المدرسة في كل يوم ينتظر وصول المتطرفين المسلحين، ثم يكذب عليهم بشأن عدم وجود طلاب في المدرسة. غير أن جهود سكان القرية الصغيرة في مقاومة المتطرفين لم تلقَ استحساناً من أحد على الإطلاق.
وكانت القرية محظوظة إن وصلها التيار الكهربائي لسويعات عدة في كل يوم، ولم يكن المسؤولون يوزعون قسائم المواد الغذائية على سكان القرية، وكانت إمدادات المياه شحيحة للغاية كذلك، وكانت الشاحنات التي تمر على طول الطريق الترابي الضيق تظهر في أسفلها أنابيب المياه الممزقة بوضوح.
وعلى نحو معاكس، اعتقد القرويون من سكان المنيرة أن الفساد الحكومي المتوطن في العراق حال دون رصف الطريق الرئيسي في القرية. والآن لا يعرف أحد على من تقع مسؤولية إصلاح ما فسد من الأمور.
ومن دون أي شيء يفعلونه، يمكن العثور على أغلب رجال القرية بالقرب من أحد الأكشاك على طول الطريق المزدحم يشاهدون حركة مرور الحافلات والشاحنات، والأطفال الحفاة يبيعون الوجبات الخفيفة وزجاجات المياه لسائقي الشاحنات لكسب قوت أسرهم بدلاً من آبائهم العاطلين عن أي عمل.
يقول عمار محمد، وهو جندي سابق يعمل الآن على كسب رزقه من تهريب السجائر إلى المناطق الكردية في الشمال: «إننا نأمل في الحصول على أشياء جيدة من الحكومة. وليس لدينا سوى الصبر والانتظار».
ولا يزال مصير قرية المنيرة معلقاً بين السماء والأرض، بطريقة ما، على مقدرة حازم خليل، وهو من قدامى سكان القرية، على الاستمرار والبقاء.
وكان شقيق حازم الأكبر من كبار قادة تنظيم داعش الإرهابي، وهو مفقود منذ فترة طويلة ويعتقد أنه فارق الحياة. وكان شقيقان آخران، متهمان بالانضمام إلى التنظيم المتطرف، يقبعان في السجن. ولقد فر والدا حازم المسنان من القرية بعد احتراق منزلهما تماماً سداداً لآثام وأخطاء أبنائهما الثلاثة.
يقول حازم خليل وهو يجلس في منزله مع أطفاله: «أقسم بالله أنه لم يتبق غيري هنا»، مما يعكس حجم الكارثة الهائلة التي حلت به وبأسرته وبقريته.
وفي خضم ذلك نجد شقيقه الأكبر شاكر، الذي درس الأدب الفرنسي وعمل مديراً للمدرسة المحلية وإماماً للمسجد هناك. ولقد تم تجنيده من جانب المتطرفين وفق ما اعتبروه سبباً ذهبياً من وجهة نظرهم؛ فلقد كان سجيناً لمدة عامين ونصف العام تعرض خلالها للتعذيب الشديد، كما قال شقيقه. وعندما استولى «داعش» على الموصل، خدم بينهم في منصب وزير الإسكان والعقارات.
وفي قرية المنيرة، تندر الناس في أسى أن المتطرفين لم يدمروا أي منزل من المنازل من دون موافقة شاكر شخصياً. غير أن السجن لم يكن السبب الرئيسي في تطرفه، كما يقول خليل. فقد كان من الصحيح أيضاً أن حالة السخط والاستياء انتشرت عبر قرية المنيرة وغيرها من المناطق السُّنية الأخرى في الفترة التي سبقت سيطرة المتطرفين على المنطقة، إذ يقول حازم خليل عن ذلك: «تسببت الأجندات السياسية المتضاربة في اندلاع التوترات الطائفية»، مشيراً إلى سياسات الحكومة المركزية في ذلك الوقت. وأضاف يقول: «لم تكن هناك علاقة واضحة بين قوات الأمن والمواطنين. كان هناك فراغ كبير. وهذا الوضع يسّر الأمور كثيراً على تنظيم داعش في بدايته».
ومع بقاء ذلك الإرث العقيم في مخيلة الناس، أردف حازم خليل يقول: «كنت كثيراً ما أخشى التحرير».
وفي العام الذي أعقب التحرير من «داعش»، حل تفاؤل شديد الحذر محل مخاوفه وقلقه. ومن واقع خبرته، كانت قوات الأمن تتعامل مع الناس بصورة جيدة. وتم تفكيك الميليشيات المحلية المخيفة. ورفض جيرانه توجيه اللوم إلى حازم خليل مقابل خطايا شقيقه. ولأي سبب من الأسباب، كان المكان الذي يعيش فيه من القرية لا ينقطع عنه التيار الكهربائي. ولقد احتفظ بوظيفته في أحد مصانع الإسمنت القريبة. ولقد قرر خليل ترميم وتجديد منزله. وكان قد تلقى رسائل تهديد بشأن شقيقه، ولكنها توقفت منذ نحو 6 أشهر. وعقد خليل العزم على البقاء في قرية المنيرة، معتمداً على إعانات صغيرة. وأردف يقول: «لم يسألني أحد بشأن أي شيء، ولم يتعرض منزلي للحرق».
وتنتشر القرى العربية السُّنية على طول نهر دجلة. حالة السخط والاستياء انتشرت عبر قرية المنيرة وغيرها من المناطق السُّنية الأخرى في الفترة التي سبقت سيطرة المتطرفين على المنطقة عام 2014، وهو الاستياء الذي يلقي السكان المحليون باللوم فيه على السياسات الطائفية للحكومة المركزية آنذاك. ولقد أسفرت هزيمة متطرفي «داعش» اليوم عن عراق منقسم على نفسه ولكن مع مزيد من الآمال بلحظة منشودة من الوحدة.
خدمة {واشنطن بوست}
خاص بـ {الشرق الأوسط}



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended