مرثية مايكل هاج لمدينة كفافيس وفورستر وداريل

ترجمة عربية لكتاب «الإسكندرية... مدينة الذكرى»

من معالم الإسكندرية
من معالم الإسكندرية
TT

مرثية مايكل هاج لمدينة كفافيس وفورستر وداريل

من معالم الإسكندرية
من معالم الإسكندرية

هل ثمة قواسم مشتركة بين حياة كفافيس وفورستر وداريل؟ وكيف شكلت الإسكندرية محوراً لإبداعهم؟ وهل هم من خلدوا الإسكندرية أم أن الإسكندرية هي التي فعلت ذلك؟ هذه التساؤلات وغيرها، يجيب عنها المؤرخ البريطاني مايكل هاج في كتابه الشيق «الإسكندرية... مدينة الذكرى»، الذي صدرت ترجمته العربية أخيراً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، وقامت بنقله للعربية فضيلة محجوب، وراجعه طاهر البربري.
يقع الكتاب في 600 صفحة، وهو ليس من كتب التاريخ، وإنما هو يروي التاريخ متضافراً مع سيرة أهم المبدعين الذين عاشوا في الإسكندرية، سارداً المناخ الأدبي والاجتماعي والسياسي والثقافي لهذه المدينة خلال النصف الأول من القرن العشرين، استناداً إلى اليوميات والرسائل والبرقيات ومقابلات مع أجيال من الجاليات الأجنبية التي عاشت في تلك الحقبة الذهبية، محاولاً الإجابة عن سؤال طرحة لورانس داريل في «رباعية الإسكندرية» قبل 60 عاماً: ماذا في مدينتنا هذه بالأساس؟ ماذا نستعيد عندما ننطق كلمة الإسكندرية؟
ويروي هاج عبر سيرة حياة داريل وفورستر وكفافيس، وعلاقاتهم بالمجتمع السكندري، والشخصيات التي أثرت في حيواتهم، التاريخ الخفي للإسكندرية أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، مسلطاً الضوء على الجاليات الأجنبية، كاليونانيين والإيطاليين وغيرهم ممن شاركوا في صنع «تلك الإسكندرية» التي باتت تاريخاً وماضياً يتم محو ما بقي منه كل يوم.
ويستهل الكتاب برحلة عودة لورانس داريل إلى الإسكندرية عام 1977، ومنها يروي بداية وصوله للإسكندرية في ربيع عام 1941، ثم ينقلنا عبر شوارع الإسكندرية إلى لقاء كفافيس وفورستر، وكيف كان ذلك اللقاء الذي دفع فورستر لجمع كل قصائد كفافيس التي صنعت مجد الإسكندرية الأدبي. ويشير فيه إلى ولع داريل بكفافيس، خصوصاً قصيدة «المدينة» التي ترجمها ووضعها في ختام روايته «جوستين»، ثم يشير إلى كتابه داريل للطبعة الأولى من كتاب فورستر «الإسكندرية... تاريخ ودليل».
ويتعمق هاج كاشفاً حياة داريل بكل تفاصليها، ومما يذكره المؤلف أن زواج الروائي والشاعر البريطاني «لورانس داريل» شهد حالة من التوتر الشديد، إذ تم إجلاء زوجته نانسي وابنتها إلى فلسطين في يوليو (تموز) 1942، بعد قيام روميل بتهديد مصر وتوقفه عند منطقة العلمين، ولم تعد نانسي في العام التالي، فالتقى «داريل» بـ«إيف كوهين» في الإسكندرية، وأصبحت زوجته الثانية التي وصفها بقوله: «امرأة غريبة وفاتنة، بعينين سوداوين، صائبة في كل استجابتها»، وقد أهداها الجزء الذي عنونه بـ«جوستين»، ضمن الأجزاء الأربعة في عمله الشهير «رباعية الإسكندرية».
ويضيف المؤلف أن «داريل» كتب إلى صديقه هنري ميللر عن هذا العمل الأدبي، قائلاً: «إنه قصيدة نثر من نوع ما، إلى واحدة من أحب عواصم القلب، عاصمة الذكريات، ويحمل صوراً لاذعة لنساء الإسكندرية، هن بالتأكيد أحب الناس إلى نفسي، وأكثرهن كرباً وحزناً في العالم».
جمع مايكل هاج ببراعة ودقة الباحث الدءوب كل ما ذكره شعراء ورحالة يونانيون ومستشرقون ومؤرخون ورحالة ومعاصرون عن المدينة بأجوائها الكوزموبوليتانية. ويشير هاج إلى أن الإسكندرية كانت لما يقرب من ألف عام، بعد أن أسسها الإسكندر الأكبر سنة 331 ق.م.، أحد أهم المراكز الثقافية والحضارية في العالم «مدينة عالمية وكوزموبوليتانية»، وظل «موسيون» الإسكندرية، ومكتبتها الشهيرة التي كانت جزءاً منه، وفنارها، رموزاً للتنوير حتى يومنا هذا، ويسرد الكتاب حكاية تأسيس الإسكندرية، حينما راودت الإسكندر المقدوني رؤية عن جزيرة تدعى «فاروس»، لها ميناء عظيم في مصر.
ويستعيد وصف المؤرخ والجغرافي اليوناني «سترابو» للإسكندرية في القرن الأول للميلاد، إذ يقدم وصفاً دقيقاً للحي الملكي و«الموسيون»، والميناء الشرقي العتيق، وغيرها من المعالم التاريخية للعالم القديم.
ويتحدث «هاج» عن انبهاره بالمدينة وقصورها وتخطيطها، حيث تحوي 4 آلاف قصر، و4 آلاف طريق، و400 مسرح، و1200 محل للخضار، كما أن أعمدتها الضخمة لا مثيل لها في أي مكان آخر.
ويلفت النظر إلى أن الرحّالة الإنجليزي «ريتشارد بوكوك»، الذي زار الإسكندرية عام 1737م، تحدث عن الأسوار الشاهقة للمدينة ونخيلها السامق، وعن الحي الملكي وصهاريجها التي تختفي تحت كل شبر في أرجائها، وقبر الإسكندر الذهبي الذي لم يُعثر عليه إلى الآن، كما يتحدث عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية، حيث شوارعها العتيقة يوم كانت لغات العالم تُسمع في المقاهي والشوارع وبين الباعة الجائلين، مورداً ما كتبه المؤرخ الإيطالي «بريتشا» في وصف المدينة عام 1922، بأنها مدينة التسامح والمحبة، حيث اشتهرت بتنوع الأعراق والجنسيات والأديان واللغات. ولـ«هاج» كتاب يضم كل ما كتب عن الإسكندرية بعنوان «أنطولوجيا الإسكندرية»، عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة، كنا قد عرضنا مراجعة له في ملحق «فضاءات».
ويأتي الفصل الأول بعنوان «ترام»، ليخصصه مؤلف الكتاب عن فورستر الذي جاء لمصر بعد الهند، وكانت له عدة تجارب روائية، ونظراً لحالة الحرب التي كانت تعيشها بريطانيا وأوروبا عام 1914، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، قرر أن يتطوع في الصليب الأحمر بالإسكندرية كباحث عن المفقودين، ثم استقر في المدينة لمدة 3 سنوات. ويتتبع هاج مسارات فورستر والأمكنة التي زارها وأقام فيها، وخطاباته إلى والدته وأصدقائه، ويطلعنا على جوانب لم نعرفها عن فورستر الذي كتب أروع وأهم دليل يؤرخ لمدينة الإسكندرية حتى الآن.
في الفصل الثاني «الإسكندرية من الداخل»، يطلعنا على سمات وجوانب شخصية شاعر الإسكندرية كفافيس، والشخصيات التي التقاها، والأمكنة التي شهدت على ولعه بالمدينة. ومنهم الأديب زنانيري، الذي التقى كفافيس عام 1926. ويروي زنانيري، الذي غادر الإسكندرية بعد ذلك إلى باريس، أن كفافيس كان يعشق وقت بزوغ الفجر، الذي كان يستقبل فيه زائريه، وأنه كان يفضل دوماً الجلوس في الجانب المظلم من الحجرة. ويقول زنانيزي: «كان الشعر هو الشيء الوحيد الذي كنا نتبادل فيه الحديث مع كفافيس! كانت علاقتي بكفافيس تنحصر في الشعر والروح البيزنطية، ولم يجل بخاطري قط أن أرى كفافيس أي شيء آخر سوى شاعر».
«آه لو أن الحب أبدي» هو عنوان الفصل الثالث الذي يسرد قصص الحب التي ارتبطت بالمدينة، سواء بين أنطونيو وكليوباترا، أو بين فورستر وصديقه المثلي محمد العدل، مستعرضاً الخطابات التي كتبها فورستر له، وكيف تداخلت الحياة السياسية المصرية وثورة سعد زغلول ضد الاحتلال الإنجليزي مع حياة فورستر. وفي الفصل الرابع «مجتمع الرفاهية: تاريخ ودليل»، يكشف المؤلف تفاصيل مثيرة عن حياة الأميركي جاسبر برينتون، الذي ترأس جمعية آثار الإسكندرية، وعلاقته بفورستر، وولعهما بقصة قبر الإسكندر الأكبر الذي رجح فورستر أنه يقبع أسفل مسجد النبي دانيال بالإسكندرية. وتستمر الإثارة والتشويق في الفصل الخامس «ثنائيات مختلطة كالعادة»، والفصل السادس «صورة شخصية» الذي يحفل بقصص عائلات سكندرية كبرى يهودية ويونانية أثرت في الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، وفي الفصلين السابع والثامن، يعود هاج لمزيد من التفاصيل عن حياة داريل وزوجاته وخروجه من الإسكندرية إلى قبرص، وعودته إليها في سبعينات القرن الماضي. ويحفل الفصلان بصور نادرة لداريل وزوجاته وابنته، وفي الفصل التاسع «مدينة لا تتلاشى»، بعض الوثائق والخطابات التي كتبها داريل أثناء حياته بالإسكندرية ترثي ما بقي منها آنذاك، وتروي بدقة أوضاعها أثناء الحرب العالمية الثانية.
فصول الكتاب مفعمة بروح المدينة الكوزموبوليتانية التي تستدعي «نوستالجيا» من نوع خاص لمدينة كان يطلق عليها «مدينة العالم»، بكل ما كان فيها من متناقضات وجنسيات تزيد على 50 جنسية تتعايش معاً، وحضارات متنوعة، ذلك الخليط الذي صنع حالة إبداعية لا تزال بقاياها حاضرة في أجيال من المبدعين المصريين يعيشون على أطلال ذكرياتها.


مقالات ذات صلة

متطوعون غزيون ينتشلون بقية من تراثهم المكتوب من بين ركام الحرب

المشرق العربي وثقت منظمة اليونسكو أضراراً في 114 موقعاً في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب (أ.ف.ب)

متطوعون غزيون ينتشلون بقية من تراثهم المكتوب من بين ركام الحرب

في حرم إحدى أقدم وأكبر المكتبات في الأراضي الفلسطينية، تجهد مجموعة من المتطوعين من غزة لإنقاذ كتب قديمة لا تقدر بثمن، دفعت ضريبة الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي، مطالبات بحماية الآثار المصرية.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق المدينة الأثرية المكتشفة في قنا (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف مدينة سكنية بموقع «شيخ العرب همام» بقنا

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، في بيان صحافي الاثنين، الكشف عن أجزاء من مدينة سكنية ترجع للقرن الثامن عشر، وذلك خلال أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)

كنوز الموتى تكشف عن أسرار الماضي... العثور على قبر عمره قرون في بنما

اكتشف علماء آثار في بنما قبراً عمره نحو ألف عام يضمُّ بقايا بشرية ومقتنيات ذهبية وفخارية ما يشير إلى دفن شخصيات من النخبة الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (بنما)

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)

تحدَّث الممثل السعودي فهد القحطاني لـ«الشرق الأوسط» عن دوره «سطام» في مسلسل «كحيلان» التلفزيوني الملحمي الذي يعرض حالياً. وقال إنه منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها نصّ «كحيلان»، شعر بانجذاب واضح نحو الشخصية، وتعامل مع الدور على أنه تحدٍّ مهنيّ وشخصيّ في آن.

ومن أبرز محطات التحضير للدور تجربة تعلُّم ركوب الخيل. ويوضح القحطاني أنّ لديه خلفية عائلية قريبة من عالم الفروسية، لكن الدخول في التجربة بصفته ممثلاً فرض مساراً تدريبياً جاداً، فبدأ التدريب قبل التصوير واستمر خلاله إلى نحو الشهرين.

في مقابل تجربة الخيل، جاءت المبارزة بالسيوف لتشكّل التحدّي الأكبر، وهنا دخل القحطاني في عالم التكنيك والحركات المحسوبة، ويوضح أنّ الطاقم الفني أدّى دوراً محورياً في إدارة هذه المَشاهد لضمان سلامة الجميع.

وفي نهاية حديثه، بدا فهد القحطاني واقفاً على عتبة مرحلة جديدة؛ إذ منح مسلسل «كحيلان» تجربته دفعة واضحة، وتركت شخصية «سطّام» أثراً عميقاً في مساره عبر الأصداء الإيجابية التي حصدها من الحلقات العشر الأولى للمسلسل.


«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.