سينما الرعب تملأ الشاشات

الجمهور يقبل عليها لأنه يحب ما يخيفه

أبطال  فيلم «إت»
أبطال فيلم «إت»
TT

سينما الرعب تملأ الشاشات

أبطال  فيلم «إت»
أبطال فيلم «إت»

منذ مطلع هذا العام وحتى اليوم، تم عرض 58 فيلم رعب أميركياً عرضاً سينمائياً، وهناك 34 فيلماً مبرمجاً لكي تحتل الشاشات الأميركية وسواها حتى نهاية هذا العام.
هذا مع استثناء الأفلام المنتجة من هذا النوع التي توجهت، أو ستتوجه، إلى رفوف مبيعات الأسطوانات المدمّجة. المجموع يجاور، حسب إحصاءات، 166 فيلماً هذه السنة، وهي في نطاق النسبة ذاتها منذ مطلع هذا القرن.
الفيلم الذي احتل في الأسبوعين الماضيين الرقم الأول في الإيرادات الأميركية، هو فيلم «It» رعب أحبه الجمهور وغالبية النقاد الأميركيين لأسباب من الصعب فهمها لكن النتيجة أنه تربع على عرش الإيرادات إلى أن أزاحه فيلم «كينغزمان: الحلقة الذهبية»، وهو الجزء الثاني من فيلم أكشن جاسوسي - كوميدي.
«It» لا يأتي بجديد على الإطلاق. هو إعادة صنع لفيلم تلفزيوني تم إنتاجه (اقتباساً عن رواية لستيفن كينغ) سنة 1990 لكن السبب في كونه لا يأتي بجديد لا يتوقف عند مقارنته بالفيلم السابق، بل بمقارنته بأفلام الرعب الأخرى.
ها هو المهرج القاتل. المخلوق المخيف. المنزل القديم المتداعي. الدهاليز. الممرات تحت الأرضية. الحمامات الملطخة بالدماء. الفتيان الذين يخوضون تجاربهم الحياتية الأولى وتلك الموسيقى المستنزفة من السبعينات غرار ما كتبه جون ويليامز لفيلم ستيفن سبيلبرغ «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (1977).
لكن لا شيء من هذا السير في ركاب معظم ما خرج من أفلام رعب هذا العام أو في الأعوام السبعة عشر الماضية أثر على قدرة الفيلم على الصمود تجارياً. صحيح أن الإقبال بأسره كان ضعيفاً، لكن «هو / هي» (كما يصح تسميته) هو الذي أحب الجمهور مشاهدته أكثر من سواه وبإيعاز من مراجعي أفلام وغالبية نقدية منحازة.
الواضح أن الدوافع الرئيسية الأهم لشيوع أفلام الرعب اليوم تمنحنا عدة أوجه للسؤال الكامن حول السبب الذي من أجله يهوى الناس مشاهدة هذا النوع من الأفلام. شيوع هذه السينما له مرجعيات مختلفة؛ فهي قليلة التكلفة، قياساً بأفلام الخيال العلمي وأفلام الأكشن والسينما المزدانة بالممثلين المشهورين، ومضمونة النتائج خلال وسائط العروض المختلفة. إلى ذلك، لم تعد تتطلب خبرات فنية وأسلوبية واسعة كتلك التي امتلكها مورناو، أو هيتشكوك، أو جورج أ. روميرو، أو جون كاربنتر، أو مارسها كوبريك، وسواه.
هؤلاء استمدوا فن التخويف من فن الإيحاء ثم فن المداهمة. لا شيء يمكن أن يزيل من البال مشهد اقتحام أنطوني بيركنز (دون أن نتعرف إليه) الحمام ليقتل جانيت لي في «سايكو» (1960)، ولا مشهد جاك نيكولسون وهو يدخل رأسه من شق الباب المكسور ليخيف زوجته شيلي دوفال في «ذا شاينينغ» (1980).
الرعيل الحاضر من المخرجين يعمد إلى برنامج جرى اعتماده لا يختلف كثيراً، في سرده وتأليف شخصياته ومواقفه وديكوراته وأماكنه، من فيلم لآخر. حتى برامج الكومبيوتر والمؤثرات الصوتية تتشابه. كذلك تفعيلات تلك الأفلام من زر الكهرباء الذي - فجأة - لا يشتعل إلى الباب الذي يوصد بقوة، إلى الضحايا العالقين من دون حبال في فضاء الغرف. كل ما على المخرج الجديد فعله هو أن يمد بيده إلى الوعاء المعتمد ذاته ويغرف منه. هذا في العموم طبعاً لأن بعض أفلام الرعب في السنوات الأخيرة، مثل «اخرج» (Get Out) لجوردان بيل الذي تحلّى ببعد اجتماعي قلما تلتفت إليه أفلام الرعب الأخرى و«It Follows» لديفيد روبرت ميتشل الذي نرى فيه امرأة تتعرض لقوى غرائبية بعدما تعرّفت وقضت لحظات حميمية مع غريب، كما فأس عظميةBone Tomahawk للمخرج إس كريغ زولر الذي دمج الرعب في إطار فيلم وسترن نفسي وتاريخي.
هناك أيضاً «ماجي» لهنري هوبسون الذي قرّب سينما «الفامبايرز» أكثر إلى محيط الحدث داخل العائلة و«يبدون أناساً» (They Look Like People) لبيري بلاشير الذي يبدو مستوحى من فيلم «يحيون (They Live) لجون كاربنتر (1988).

مع القاتل
لجانب ما تقدم من أسباب، فإن السبب الرئيسي بين أسباب انتشار سينما الرعب بيننا إلى حد أنها باتت واحدة من أكثر أنواع السينما حضوراً اليوم، يعود إلى عامل مهم يبدو بسيطاً من الخارج، لكنه معقد من الداخل، وهو حب الناس للفزع.
في الأساس يتوجه الجمهور للسينما لأنهم يبحثون عن مصدر تأثير. هي توفر لهم الضحك والبكاء والإثارة وحس المغامرة وغرابة الفانتازيا و... الخوف. هذا العامل الأخير مطلب نفسي للشعور بأن أشياء قبيحة وشنيعة وقاتلة تقع مع الغير ولا تقع معهم. بذلك يسري خلال المتابعة، ويمتد لما بعدها، الشعور بالرضا لكون ما وقع ما زال في نطاق الشاشة وحدها. الخروج من قاعة السينما إلى الحياة العادية يمنح المرء نظرة متجددة بأنه ما زال بخير.
هذه النظرة تلتقي مع ما نشره دكتور غلن وولترز في مجلة «جورنال أوف ميديا سايكولوجي» قبل نحو ثماني سنوات محدداً ثلاثة أسباب تدفع الجمهور للنزوح إلى سينما الخوف، وهي التوتر والرعب والعنف.
وهو لاحظ أن عرض فيلم تسجيلي حول ذبح بقرة أو إطلاق النار على قرد أو سلخ ماشية وطهيها سيدفع معظم المشاهدين إلى عدم متابعة الفيلم، لكن إذا ما وردت هذه المشاهد في فيلم رعب روائي فإنه سيتابعها بقليل أو بكثير من الشغف (يتوقف ذلك على قوّة الفيلم البصرية والدرامية).
وجد الباحث المذكور الجواب في طيات بحث سابق قام به عالم نفس آخر، هو ماثيو ماكولي، الذي فسر الأمر بأن الفيلم التسجيلي هو الواقع والفيلم الروائي هو الخيال. لأن «الفيلم الواقعي يلغي المسافة بين المشاهد والحقيقة، ما يزعجه ويدفعه لعدم مشاهدة المادة المصوّرة، بينما يحافظ الفيلم الروائي على تلك المسافة لأن المشاهد يدرك أن ما يراه ليس واقعياً».
المخيف في الموضوع هو الجانب الذي يدركه الناقد المتابع بنفسه (وإذا ما بحث عنه في المصادر النفسية وجده فيها أيضاً) وهو أن قسماً كبيراً من المشاهدين الذكور (وهم النسبة الغالبة من روّاد أفلام الرعب) تجد في القتلة متنفساً لرغبة داكنة تكمن في الذات وتوافق على ما يقوم به القاتل (وهو عادة ما يكون مخلوقاً مشوهاً نفسياً وبدنياً) من جرائم.
بالتالي، ينحسر التعاطف مع الضحايا إذا لم يُحِطْهم الفيلم بما يلزم من سلوكيات بطولية ويعرِّهِم من أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم، لأن هذا الجمهور يخشى في الحياة الحقيقية أن يكون ضحية وقد لا يدري كيف لا يكون ضحية إلا عندما يشاهد بريئاً سواه يقع تحت براثن القاتل وما يثيره من خوف.
في فيلم «It» لأندي موشييتي، طرق ساذج لهذا الجانب، عندما يتوجه الفتية الشجعان إلى المخلوق المرعب برسالة مفادها أن السبب في سقوط البشر كضحايا يعود إلى خوفهم، لكن إذا ما توحدوا فإن المخلوق (المخيف) هو الذي سيشعر بالخوف وسينهزم.
هذا التفسير شائع، بوجوه متعددة، منذ فيلم «نوسفيراتو» سنة 1922 ولو تحت أسماء أخرى (كأن يسقط المخلوق المخيف في الحب كما في «كينغ كونغ» مثلاً). لكن «إت» سوف يستخدمه، نقلاً عن مفهوم استقاه ستيفن كينغ، في شكل حوار سريع يحل به المعضلات المتراكمة.
الفيلم مشوق حتى المشهد الذي نرى فيه المهرج القاتل يظهر لولد صغير من بالوعة الطريق التي تبدو من الكبر بحيث تسع لسقوط سيارة من حجم «ميني كوبر». وهذا يقع في الدقائق العشر الأولى من الفيلم. بعد ذلك هو توهان ما بين تقديم فيلم حول فتيان في نحو السادسة عشرة من العمر (وفتاة واحدة) يخوضون مغامرة ضد الوحش ذي القدرات غير المتعددة، واحتواء نص حول مستضعفين بينهم (فتى أسود وفتى بدين وفتى يهودي وفتاة تعاني من والدها الذي يريد استحواذها). هذا الجانب كان يمكن تقديره لو أُجيدَت صياغته، ولو أن الفيلم لم يعمد إلى ذلك الوعاء ذاته من عناصر التخويف الجاهزة التي استخدمت أخيراً مرات متوالية.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز