مؤشرات لرفع الحصار الأميركي على السودان الشهر المقبل

وزير المالية: أوفينا بالالتزامات ونتطلع لإيفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها

الخرطوم أكدت أنها ستعمل عن قرب للانتقال إلى مرحلة المنافع المباشرة ف يمجالات التعليم والصحة والثقافة والمواصلات (أ.ف.ب)
الخرطوم أكدت أنها ستعمل عن قرب للانتقال إلى مرحلة المنافع المباشرة ف يمجالات التعليم والصحة والثقافة والمواصلات (أ.ف.ب)
TT

مؤشرات لرفع الحصار الأميركي على السودان الشهر المقبل

الخرطوم أكدت أنها ستعمل عن قرب للانتقال إلى مرحلة المنافع المباشرة ف يمجالات التعليم والصحة والثقافة والمواصلات (أ.ف.ب)
الخرطوم أكدت أنها ستعمل عن قرب للانتقال إلى مرحلة المنافع المباشرة ف يمجالات التعليم والصحة والثقافة والمواصلات (أ.ف.ب)

رصدت «الشرق الأوسط» مؤشرات للرفع الكلي للعقوبات الاقتصادية على السودان، في موعده في الثاني عشر من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وأبرز تلك المؤشرات، تمثلت في زيارة وفد من الكونغرس الأميركي للسودان نهاية الأسبوع الماضي، للوقوف على الترتيبات والإجراءات التي ستتخذها الخرطوم في حالة رفع العقوبات الأميركية عنها. وركز وفد الكونغرس في مباحثاته مع وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، على الاستثمارات الأميركية المباشرة المتوقعة بعد رفع الحظر.
وقال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الفريق أول محمد عثمان الركابي، في تصريحات صحافية عقب لقائه عضو الكونغرس جورج هولدينف ووفد السفارة الأميركية بالخرطوم، إن بلاده تتوقع صدور قرار إيجابي من الكونغرس والسلطات الأميركية خلال الفترة المقبلة بخصوص رفع العقوبات، لا سيما أن السودان قد أوفى التزاماته ويتطلع لإيفاء الحكومة الأميركية بالتزاماتها برفع العقوبات في الوقت المحدد.
ودعا وزير المالية إلى ضرورة دعم المجتمع الدولي للسودان «لإعفاء ديونه الخارجية وتقديم المساعدات المطلوبة لتلبية متطلبات اقتصاده، لتطوير الإنتاج وتنويع وترقية الصادرات، وإحلال الواردات بالاستفادة من الموارد الذاتية للبلاد».
وأكد الوزير دعم الحكومة للقطاع الخاص الوطني والشراكة معه وتشجيع الشراكات الاستراتيجية مع «المستثمر الخارجي في القطاع الاقتصادي الحقيقي»، مشيراً إلى ضرورة الاستفادة من موقع السودان الجغرافي لمساعدة دول الجوار التي ليس لها منافذ بحرية لربطها بالعالم الخارجي وتنشيط التجارة العالمية وتحقيق المصالح المشتركة.
وأكد الوزير مجددا استعداد بلاده لاستقطاب الاستثمارات الخارجية والاستفادة من دعم مؤسسات التمويل الدولية والحصول على القروض التفضيلية التي ظل السودان محروماً منها خلال فترة العقوبات.

فتح حساب مصرفي في أميركا
من جهته، أعلن مدير عام البنك الزراعي السوداني صلاح الدين حسن، عن اكتمال الترتيبات لفتح حساب مصرفي في الولايات المتحدة الأميركية لانسياب المعاملات التجارية خاصة التقنيات الزراعية.
كما أعلن مدير البنك الزراعي، عن توقيع اتفاقية مع ثلاث شركات أميركية في مجال التعاون الزراعي، إضافة إلى زيارة عدد كبير منها إلى السودان خلال الشهور الماضية للوقوف على فرص الاستثمار في البلاد، خاصة مشروع المزارع النموذجية للسودان وفقاً لأحدث النظم العالمية، لتكون نموذجاً في منطقة الشرق الأوسط، وسيتم تدريب كوادر سودانية وتأهيلها لإدارة وتشغيل المزارع وتعميمها على الولايات.
وأعرب مدير البنك الزراعي عن تفاؤله برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان في موعدها، مما يتيح للاقتصاد السوداني انفراجاً على كافة الأصعدة خاصة القطاع الزراعي.

اتحاد أصحاب العمل السوداني
يجري اتحاد أصحاب العمل السوداني حاليا ترتيبات مكثفة بين رجال الأعمال السودانيين ونظرائهم في الغرب وأميركا للوقوف على فرص الاستثمار المتاحة. وأشار أمين العلاقات الخارجية بالاتحاد سمير أحمد قاسم، إلى التجاوب الكبير الذي أبداه رجال الأعمال في تلك الدول للولوج للاستثمار في السودان في المجالات المختلفة خاصة قطاع الزراعة ومشاريع الأمن الغذائي.

دول أوروبية تدعم الخرطوم
ومن مؤشرات للرفع الكلي للعقوبات الاقتصادية على السودان، في موعدها، وقوف دول أوروبية مع الخرطوم، حيث جددت النرويج دعمها المتواصل لرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية عن السودان.
وأبلغ سفير مملكة النرويج في الخرطوم بارك هوبلان، نائب رئيس مجلس الوزراء القومي رئيس القطاع الاقتصادي ووزير الاستثمار مبارك الفاضل المهدي، أن المبعوث النرويجي لدى السودان يزور حاليا الولايات المتحدة لإجراء مباحثات مع المسؤولين في الإدارة الأميركية، لحثهم على رفع العقوبات عن السودان في الثاني عشر من أكتوبر المقبل.
وناقش السفير النرويجي مع مبارك المهدي، العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين وسبل تعزيزها، حتى يتسنى للسودان أن يلعب دوره في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمنطقة والإقليم، وأن ينعم الشعب السوداني بالاستقرار والنماء الاقتصادي.
وتطرق اللقاء لمشاركة السودان في أعمال ملتقى القمة النرويجية الأفريقية حول (الاستثمار في أفريقيا كيف ولماذا) والذي تستضيفه العاصمة النرويجية أوسلو في السادس والعشرين من أكتوبر المقبل، بوفد يرأسه نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الاستثمار. ويناقش الملتقى قضايا الاستثمار في الطاقة والتكنولوجيا والتمويل.

وفود من روسيا والصين
كذلك من مؤشرات الرفع الكلي للعقوبات الاقتصادية الأميركية على السودان، استقبال الخرطوم خلال الأسبوعين الماضيين وفودا استثماريا من بلاروسيا والصين وروسيا.
واختتم وفد من بلاورسيا برئاسة وزير الزراعة زيارة للسودان أول من أمس، وقع خلالها على مشروع زراعي كبير لتحويل القطاع الزراعي إلى قطاع نشط، وقيام عدد من المصانع والمشروعات البيلاروسية في السودان خلال عام واحد لتغطي حاجة البلاد من الصادرات الزراعية.
وأعلن وزير الزراعة البيلاروسي استعداد بلاده للاستثمار في القطاع الزراعي بالسودان بشقيه النباتي والحيواني، مؤكدا الجاهزية للبدء في التنفيذ الفعلي للمشروعات التي تم التوصل والاتفاق حولها خاصة في مجال إنتاج اللحوم والألبان وإنشاء المسالخ.
وفي إطار العلاقات السودانية المتطورة مع الصين، التي قدمت منحا واستثمارات وإعفاء جزئيا من ديونها على الخرطوم البالغة 11 مليار دولار، غادر وفد من السودان إلى بكين في زيارة تستغرق عشرة أيام، للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي السوداني الصيني، الذي يعقد ببكين خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بمشاركة القطاع الحكومي والخاص.
كما يبحث الوفد السوداني دعم دولة الصين لقضايا السودان، خاصة في جهود رفع العقوبات الاقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. كما سيتم خلال الزيارة توقيع عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقات في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار خلال المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده ببكين.
إلى ذلك، أكدت الخرطوم وإندونيسيا أنهما ستعملان عن قرب للانتقال بالعلاقات المتطورة إلى مرحلة المنافع المباشرة في مجالات التبادل التجاري والصناعات الصغيرة ومجالات التعليم والصحة والثقافة والمواصلات.

شركات من كوريا الجنوبية ترغب في الاستثمار
قالت وزارة الخارجية السودانية في تصريح صحافي الأربعاء الماضي، إن شركات من كوريا الجنوبية أبدت رغبتها في الاستثمار في مجال النفايات الطبية والمطار الجديد. وكان وزير الدولة بالخارجية حامد ممتاز قد عاد من سيول الخميس الماضي، وعقد خلال الزيارة عدداً من اللقاءات، وشارك في الفعاليات المتعلقة بالجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ونادى ممتاز خلال الزيارة بحضور أكبر للشركات الكورية التي تتمتع منتجاتها بتقدير في السوق السودانية، وأبدى تطلعه لإنشاء لجنة وزارية مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين الفترة المقبلة.
والتقى ممتاز خلال الزيارة بممثل عمدة سيول، شونق بيوم كيم، وأعلن عن رغبة ولاية الخرطوم في الاستفادة من تجربة سيول في مجال الخدمات الأساسية المختلفة. وأعلنت سيول عن ترحيبها بمقترح توقيع مذكرة تفاهم مع ولاية الخرطوم، ورغبتها في المساهمة في تطوير البنى التحتية وغيرها من المشروعات التي ترغب ولاية الخرطوم في إنجازها.
وطالب ممتاز خلال الزيارة، بزيادة فرص التدريب المختلفة التي توفرها كوريا الجنوبية للسودان في شتى المجالات، كما أشار إلى أهمية إعادة تأهيل مركز جبرة للتدريب المهني، لما يمكن أن يتيحه من فرص واسعة لتدريب الكوادر السودانية.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.