عزة فهمي: أحس بأن كل ما له قيمة من كلام يجب أن يتحول إلى حلي يرتديها الناس

مع عرض مجموعة المجوهرات التي صممتها لبيت أزياء المصمم البريطاني ماثيو ويليامسون

 المصممة عزة فهمي
المصممة عزة فهمي
TT

عزة فهمي: أحس بأن كل ما له قيمة من كلام يجب أن يتحول إلى حلي يرتديها الناس

 المصممة عزة فهمي
المصممة عزة فهمي

لمصممة المجوهرات الشهيرة عزة فهمي لمسة خاصة بها تأخذنا إلى مصر بمدنها وقراها. كانت في البداية تصور لنا قلائد تحمل عبارات ودودة ولطيفة، وهو ما كان أسلوبا جديدا وقتها. القلائد الفضية والأساور والخواتم المميزة بتوقيع فهمي، منها ما يحمل كلمات مثل «محبة» و«تفاهم»، وأخرى تحمل بيتا ريفي الطابع تطل من خلفه نخلة. معظم هذه القطع لقيت نجاحا هائلا في مصر وتجاوز سحرها حدود مصر إلى العالم العربي وإلى العالم الغربي في ما بعد.
لكن عزة فهمي لم تقف عند تلك المرحلة، حيث انطلقت منها لتجرب أساليب جديدة وتضيف خطوطا وتيمات متجددة، استوحت فيها حضارات وثقافات مختلفة. فمن الحضارة المصرية القديمة إلى لمسات من العصر الفيكتوري إلى استخدام الخط العربي، تنوع إبداعها ونتج عنه قطع فريدة.
الحديث مع عزة فهمي يعيدنا لليالي القاهرة ولخان الخليلي حيث تدربت في بداياتها. الحديث يتشعب ويطرق جميع الأبواب ومن خلال صوتها الودود وبساطتها المصرية الجميلة تجيبنا عن كثير من التساؤلات وتتحدث بفخر حول أهم مجموعاتها والقطع المنفردة التي صممتها لتباع على هامش معارض فنية ضخمة في المتحف البريطاني وغيره، وتعاونها الأخير مع المصمم البريطاني ماثيو ويليامسون ومجموعة «ثومة» التي استوحت فيها كلمات وسحر سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي تفخر بها بشكل خاص.
تؤكد لنا أن مجوهراتها لم تقف عند الروح المصرية الخالصة التي ألفها الجمهور، بل تعدتها وغرفت من ثقافات أخرى «منتجاتنا ليست مصرية فقط فقد استفدنا من العصر الفيكتوري والفرنسي القديم، واستفدنا حتى من الثقافة المغولية، فنحن نعمل دائما على الاستفادة من الثقافات والحضارات المختلفة». وتشير إلى أن المتخصص في فن صياغة الفضة أو المجوهرات يستطيع تحديد الأساليب المختلفة التي تبرز في منتجاتها، وتضيف «من يلبس قطعا من تصميمي ليس بالضرورة أن يكون مختصا في المجوهرات، وقد لا يعرف أن القطعة تحمل تصميما مغوليا أضيف إليه نص باللغة العربية، فالحلي عندي مزيج ما بين النص والشكل الأساسي للقطعة».
عبر 45 عاما هي عمر ماركة عزة فهمي، هل تغير شيء من أسلوبها في التصميم؟ تجيب بثقة «بالتأكيد، الفنان إذا لم يتطور فلن يتقدم. لكننا أيضا يجب ألا نفقد الأصل الذي بدأنا منه، فهو هويتنا وهي ما زالت موجودة لكننا لن نستطيع اتباع الأسلوب نفسه الذي اتبعناه من 30 عاما. أما القطع التي أحبها الناس فهي مثل ساعة (بوشرون) صنعت في القرن الماضي وتظل من كلاسيكيات الدار، وكذلك الحال بالنسبة لنا، ولا نفكر في العودة إلى تلك القطع».
عزة فهمي كانت موجودة في لندن مؤخرا لحضور عرض مجموعتها التي صممتها لدار المصمم البريطاني ماثيو ويليامسون. النظرة الأولى للقطع تحملنا إلى عالم الشرق الجميل. السلاسل الذهبية المحلاة بدوائر تشبه العملات تحمل عبارات بعضها مستوحى من أغنيات عربية مثل «افرح يا قلبي»، الخواتم أيضا تحمل زخارف شرقية وبعضها مستوحى من القباب وخطوطها المعمارية، وأخرى تحمل تأثيرات فارسية وعمانية. تتضافر القطع الشرقية مع ملابس ويليامسون الغربية الطابع لكنها لا تتعارض معها بل تتناغم معها وتخلق تأثيرا خاصا لا يمكن تجاهله.
تشير إلى أنها عقدت جلسات مع ويليامسون للوصول إلى صيغة تضمن اندماج المجوهرات والملابس «الوضع كان عبارة عن تلاقي فكر من الشرق وآخر من الغرب. كان لا بد لنا من النقاش لاختيار الأسلوب. استخدمت الأحجار الملائمة لألوان الأقمشة وكذلك كان الحال في اختيار المعدن الفضي أو الذهبي. وعموما أنا استخدمت الفضة في كل القطع كأساس وقمنا بطلاء بعض القطع بالذهب».
التعاون مع بيوت أزياء أو جهات غربية ليس غريبا على عزة فهمي، فقد شهد محل بيع التذكارات الخاص بالمتحف البريطاني مؤخرا عرض بعض القطع المحدودة الإصدار التي صممتها للبيع على هامش معرض «الحج»، وقبله في معرض عن الحضارة المصرية القديمة. ترد على تساؤل عن كيفية التصميم لمثل هذا المعارض «صممت لمعرض الحج مجموعة مصغرة من أربع قطع، صنعت خصيصا للبيع على هامش المعرض. أردنا أن ننتج قطعا مستوحاة من رحلة الحج وبالفعل قدمنا ثلاث قطع متميزة منها (الزمزمية) التي يحمل فيها الحجاج ماء زمزم، ومفتاح الكعبة، وأيضا أساورها مستوحاة من كسوة الكعبة».
من يعرف تطور مجوهرات عزة فهمي عبر الأعوام لا بد أن يلاحظ تعلق المصممة بالكلمة المكتوبة، فهي تتجلى في تصميماتها إما على هيئة كلمة واحدة تتخذ مكانها على قمة خاتم أو في وسط قلادة أو هي جملة مقسومة إلى نصفين تتوزع على فردتي قرط. الكلمات دائما بالعامية المصرية البسيطة مأخوذة من أغنيات شهيرة أو من أبيات شعر شعبي.. فهل يعكس ذلك لمحة شاعرية أو رومانسية في شخصيتها أم هي فقط للتعبير عن الثقافة العامة؟.. تقول «بالتأكيد هي تعبير عن الثقافة العامة. هي كلمات تعبر عن قيم الحكمة والعمل وقيمة الإخلاص في الحياة. أحس بأن كل ما له قيمة من كلام يجب أن يتحول إلى حلي يرتديها الناس. وهناك أيضا المجموعة الأخيرة (ثومة) وهي من أغاني أم كلثوم، فقد خصصنا آخر مجموعة لهذه السيدة الرائعة التي تركت بصمة على كل نساء ورجال العالم العربي، فاخترنا نصوصا من أغانيها وصممناها بشكل عصري وتقليدي في الوقت نفسه».
أداعبها بسؤال «ومحبو عبد الحليم حافظ ليس لهم نصيب من تصميماتك إذن؟»، تجيب ضاحكة «لا تجريني لمناقشة مستقبلية، لنتحدث الآن عن أم كلثوم لأنها قيمة كبيرة جدا وسيدة متميزة».
البحث الأكاديمي مهم بالنسبة لعمل فهمي، فهي تعمد إلى التعاون مع عدد من الباحثين لإنتاج القطع، وتشير كمثال إلى مجموعة «رموز» التي ضمت قطعا تعتمد على الموروث الشعبي مثل الكف والخرزة الزرقاء أو العين «تعاونت مع عدد من الباحثين في التراث العربي من تونس لمدة ستة أشهر ووجدنا عددا كبيرا من الرموز (موتيفات) تستخدم للحماية وهي متفاوتة، فعلى سبيل المثال النساء في تونس يتفاءلن بالسمك كرمز للرزق بينما يتفاءل آخرون بالعين، ووجدنا أن هناك نحو 18 موتيفا تستخدم للحماية في العالم العربي، ولذا قمنا بإصدار كتيب مع المجموعة لشرح ذلك». البحث الأكاديمي أيضا سبق إصدار مجموعة حلي فرعونية «المجموعة الفرعونية سبقتها 10 سنوات من الأبحاث، لم نضع خطا واحدا في التصميمات دون الاستفادة من أبحاث قام بها متخصصون، فالقطع ليست جمالية فقط بل هي أيضا صحيحة تاريخيا».
الفضة هي الخامة التي تبرز في حلي عزة فهمي لكنها أيضا تلجأ للذهب والأحجار الكريمة، ولا تفضل خامة على أخرى، حسبما تؤكد. وتشير إلى أن القطعة نفسها تختار المعدن «هناك قطع توحي لك منذ البداية بأنها من الذهب وأخرى كأنما تقول لك (اصنعوني من الفضة). الأمر كله يتوقف على التصميم ذاته هو الذي يحكم في الآخر». هل هناك خامات أخرى؟ تشير إلى أن البلاتين معدن صعب جدا في التشكيل والتطويع وبالتالي تلجأ إلى الذهب الأبيض «عندما يطلب منا تصميم شبكة عروس ننفذها بالذهب الأبيض ثم تطلى بطبقة من البلاتين». لكنها تسترسل قائلة «عموما المادة قد تتغير بشكل كبير، ففي مدرستي للتصميم (عزة فهمي ديزاين استوديو) التي أنشأتها مؤخرا يقوم الطلبة بصنع الحلي من الورق ومن العظم، فالابتكار لا حدود له».
إجابتها تأخذنا إلى الحديث حول المدرسة والتقنيات التي يتعلمها الطلبة هناك، تقول إنهم يتعرفون على كل التقنيات خلال مراحل الدراسة «يتعلمون كل التقنيات والأساليب، من المجوهرات المعاصرة إلى كيفية استخدام الصيغ التراثية. المهم لدينا هو أن يحافظوا على اللمسة التراثية للحرفة.. وأيضا من المهم أن يتعلموا فن الخط». ورغم أن التجربة ما زالت في بدايتها «بدأنا فقط منذ ستة أشهر» حسبما تقول، فإن المدرسة أقامت بالفعل أول معرض لأعمال طلبتها في خان الخليلي حيث تعلمت فهمي الحرفة.
استوديو عزة فهمي للتصميم أنشئ، كما تشرح لنا، بالتعاون مع مدرسة «الكيميا» في فلورنسا، ويمكن لاحقا تبادل الطلبة المتفوقين حيث يمكنهم التعرف على الحضارات الأخرى.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.