ساسة العرب بلا حواجز في مذكرات عمرو موسى

الجزء الأول منها يروي رحلته من النشأة حتى مغادرته الخارجية المصرية... «بفعل شعبان عبد الرحيم والوشايات»

موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
TT

ساسة العرب بلا حواجز في مذكرات عمرو موسى

موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)

رحلة طويلة من العمل في دروب الدبلوماسية، مصرياً وعربياً ودولياً، خاضها السياسي المصري البارز عمرو موسى. واستناداً إلى عقود من الخبرات والمواقف اللافتة، أقدم الرجل على نشر مذكراته التي صدرت حديثاً في القاهرة، تحت عنوان «كتابيه»، وهي جزء من ثلاثة أجزاء، تصدر تباعاً، وتتناول مراحل من سيرة صاحبها الذي تدرج في المناصب المختلفة.
يتناول الجزء الأول من سيرة موسى المرحلة منذ ميلاده في 1936 وحتى رحيله عن منصب وزير الخارجية المصري في عام 2001، عبر 655 صفحة تضمها دفتا الكتاب. ويروي موسى كواليس موضوعات ومواقف مع شخصيات مختلفة على الساحة المصرية والعربية والدولية، لعل أبرز ما يميزها أنها تكاد تكون في أغلبها كاشفة لطبائع وصفات عدد من السياسيين العرب، بل ويزيد عليها الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، تقييمه لبعضهم وتحليله لسلوكياتهم. وترصد «الشرق الأوسط» في هذا العرض للمذكرات التي نشرتها «دار الشروق» المصرية، أبرز ما جاء فيها.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، وبينما كانت المساعي الإسرائيلية تتواصل لإقامة تجمع اقتصادي تحت اسم «السوق الشرق أوسطية»، لجمع الدول العربية والأفريقية إلى جانب إسرائيل، سعى موسى - بحسب مذكراته - وكان وقتها وزيراً لخارجية مصر، إلى تفعيل التنسيق بين السعودية ومصر وسوريا، للرد على «محاولة إسرائيل لضرب كيان الجامعة العربية».
توجه موسى إلى السعودية «وقابلت الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وأبلغته أن شيمون بيريز يسعى إلى إنهاء عصر المنطقة العربية، والأمر يقتضي تنسيقاً بين القاهرة ودمشق والرياض... وبعدما فكر الملك قليلاً أجاب: أنا موافق على عقد المؤتمر، ولكن لا بد أن يُعقد في مصر؛ لأنها أختنا الكبرى. ورددت على الملك بأنني جئت بتكليف من الرئيس مبارك لأقترح أن يكون الاجتماع في السعودية، وسأتوجه بعد ذلك إلى سوريا للتنسيق بشأن المؤتمر، فرد الملك: يجب أن يكون في مصر. وعند مغادرتي - والكلام لموسى - كانت في يد الملك سبحة أهداني إياها».
بعدها توجه موسى إلى دمشق «والتقيت الرئيس حافظ الأسد الذي ظل يكرر عليّ سؤاله: الملك فهد قال لك إنه مستعد لاجتماع ثلاثي؟ قلت له: نعم. فكرر السؤال مرة أخرى، فأجبت بالتأكيد. وقال الأسد: وهل سنتفق على موعد أم أنه مجرد كلام؟ فقلت له: لا طبعاً سنتفق، وقد حضرت إليك لأسمع منك استعدادك للمشاركة. غير أن الأسد عاد فقال: السعودية قالت لك ذلك؟ فقلت له: نعم يا سيادة الرئيس». وتابع موسى: «رجعت إلى مصر، وعرفنا أن سوريا أرسلت إلى السعودية تسأل عن مدى حقيقة موافقتها على الاجتماع الثلاثي، وقد أبلغت السعودية مصر باستفسار الأسد، وظل مبارك يضحك على شكوك الرئيس السوري التي لا تنقطع، وقال: ده (هذا) راجل شكاك جداً... يشك في نفسه».
- قطر وساستها
ويحكي موسى عن العلاقات بين مصر وقطر خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، أثناء توليه الخارجية، فيقول: «قام تعاون كبير بيني وبين حمد بن جاسم (وزير خارجية قطر السابق). وكنت أداعبه دوماً بقولي: كفاك جمعاً للثروة. فيرد: أريد أن أصبح أغنى رجل في العالم العربي». ويواصل صاحب المذكرات: «سألت أمير قطر السابق حمد بن خليفة مرة: هل أكمل حمد بن جاسم المليار أم لا؟ فضحك بن خليفة ورد: لن يرتاح له بال ابن الـ... إلا إذا أصبح أغنى ثري عربي».
وفي موقع آخر من «كتابيه»، يتناول موسى واقعة تتعلق بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والمسؤولين القطريين السابقين، ويشير إلى أن من بين «القفشات» (المزحات)، التي كان ينقلها أمير قطر السابق على لسان الرئيس السابق حسني مبارك، ويضحك عليها كثيراً حكاية طائرة حمد بن جاسم، التي أمر الأمير السابق بمنحها لصالح. فبعد أن شاهد الأخير الطائرة خلال توديعه رسمياً في مطار الدوحة، أبدى إعجابه بها، فمنحها له الأمير، وكان بن جاسم واقفاً إلى جانبها لا يتوقع ذلك، وظل يشير إلى هذا المقلب آسفاً، بينما ظل الأمير يتذكره ضاحكاً، وكان كلما التقى مبارك مع بن جاسم قال له: «كيف تترك طائرتك لعلي عبد الله صالح؟»، فيرد في أسى: «كانت جامبو يا سيادة الرئيس». فيعلق مبارك على الطريقة المصرية: «جامبو على جنبه»، وكان أمير قطر كلما سمع تعليق مبارك يدخل في نوبة ضحك.
ولا نزال مع قطر في مذكرات موسى التي يقول عنها: «أصبحت للقطريين أبواب مفتوحة في معظم عواصم العالم، إن لم يكن كلها، بالبناء على هذه الثروة الطائلة... فأصبحت الدوحة من ضمن العواصم ذات النفوذ، خصوصاً أنها خلقت لنفسها لوبياً خاصاً بها في الولايات المتحدة، وكان يدير استثماراتها شخص يهودي معروف، وهو رجل سهل الحركة سريع التواصل منفتح على كثير من الأوساط المتنفذة أميركياً وعربياً. وكان يتباهى بذلك، ولكنه كان قادراً على الوصول إلى أعلى السلطات الأميركية لتأمين الطلبات القطرية، بما فيها اللقاءات الخاصة برئيس الدولة».
- حساسية مبارك إزاء إيران
كانت العلاقات المصرية - الإيرانية بين الموضوعات التي تطرق إليها موسى؛ خصوصاً خلال فترة حكم مبارك. وروى في مذكراته واقعة كاشفة عن مدى حساسية مبارك إزاء هذا الملف، ففي مايو (أيار) 1992 «وبينما كنت أوشك على إكمال عامي الأول على رأس الدبلوماسية المصرية، التقيت وزير الخارجية الإيراني، حينها، علي أكبر ولاياتي، على هامش مؤتمر لدول عدم الانحياز في جاكرتا، في إحدى المناسبات الاجتماعية التي تقام خلال هذه القمم. تصافحنا وتحدثنا، ثم اتفقنا على أن الأمور التي تهم البلدين تقتضي لقاءً ثنائياً فيما بيننا. وكان الذي يحير الوزير الإيراني هو المكان الذي يمكن أن نجلس فيه معاً، باعتبار أنه لا علاقات دبلوماسية بين بلدينا. فطلبت منه أن يكون اللقاء في كافيتريا في آخر بهو الفندق، وقلت: لا يوجد ما يدعونا لإجراء مباحثاتنا في الخفاء».
لكن فور عودته إلى القاهرة، قدم موسى «تقريراً وافياً عن مباحثاتي مع الوزير الإيراني، لمبارك وقلت إنه آن الأوان لبحث العلاقات مع طهران. فعارض مبارك بشدة... وكان قراره برفض فتح ملف إعادة العلاقات مع إيران يستند إلى حرص شديد على العلاقات مع دول الخليج، ذلك أنها تعتبر أي تقارب مصري - إيراني تهديداً مباشراً لمصالحها». وأضاف: «أذكر واقعة تؤكد حساسية مبارك من فتح موضوع العلاقات مع إيران، فعندما كان مصطفى الفقي سفيراً لمصر في فيينا (1995 - 1999)، جاء ليقضي إحدى إجازاته السنوية في شهر رمضان بالقاهرة، ودعاه الدكتور علي الدين هلال، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - آنذاك - ليكون المتحدث الرئيسي في الإفطار السنوي الذي تقيمه الكلية، وفي كلمته تعرض الفقي إلى العلاقات المتوترة مع إيران والعراق، وقال: إننا يجب أن نحافظ على جسور من العلاقات مع هذه الدول». وفي اليوم التالي اتصل مبارك بموسى: «وكان ثائراً وغاضباً، وقال: إن مصطفى الفقي انتقد سياستنا الخارجية وهاجمها، وطلب مني أن أبلغ الفقي بقطع إجازته والعودة فوراً إلى فيينا، أو أن يترك منصبه إن كانت السياسات لا تعجبه».
- أربكان وتركيا و«الإخوان»
تفرد المذكرات فصلاً خاصاً عن العلاقات المصرية - التركية، وشهادة موسى على تفاصيل إدارتها، إذ يقول: «في منتصف التسعينات بدأ ظهور الإسلام السياسي بقوة على المسرح التركي... وهنا أعود إلى الزيارة التي قام بها مبارك في النصف الثاني من عام 1996 إلى تركيا، خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها نجم الدين أربكان رئاسة الحكومة. كانت زيارة مشحونة لاعتراضنا على التعاون العسكري التركي - الإسرائيلي، ولذلك حرصنا على ألا تطول عن يوم واحد، وكان البرنامج لا يتضمن لقاء مع رئيس الحكومة أربكان؛ لكن الأخير طلب لقاء مبارك للترحيب به، والتعرف عليه باعتباره - أربكان - الرئيس الجديد للحكومة التركية، فوافق مبارك».
وينقل موسى نصاً تفاصيل الحوار الذي دار بين مبارك وأربكان على النحو التالي: «بعد عبارات الترحيب، قال أربكان لمبارك: سيادة الرئيس أنا لي عندك طلب. فرد مبارك: تفضل يا دولة الرئيس. قال: أرجوك أن تُخرج قيادات الإخوان المسلمين في مصر من السجون. فاعتدل مبارك في جلسته، وقال له: ماذا؟ كرر أربكان طلبه: أرجوك أن تُفرج عن قيادات الإخوان المسلمين. فباغته مبارك برد شديد الحدة: وانتم مالكم؟ انتم عايزينهم (تريدونهم) هنا؟ إحنا مش عايزينهم. خذوهم».
ويواصل صاحب المذكرات سرد تفاصيل اللقاء الذي كان شاهداً عليه: «صُدم أربكان من الرد القاسي. واستمر مبارك في حديثه قائلاً: هذه الموضوعات التي تمس شؤوننا الداخلية لا تفتحها معي مرة أخرى. أنا لست مُستعداً أن أتقبل هذا الأمر منك أو من غيرك. ثم أعرض مبارك في جلسته عن أربكان، بأن استدار فأصبح جانبه هو المواجه لرئيس الوزراء التركي الذي استشعر الحرج، فسلم علينا وغادر المكان».
- هدية القذافي الغريبة
ومن حدة المواجهة بين مبارك وأربكان، ينتقل موسى بالمذكرات إلى طرائف الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومواقفه المثيرة للجدل، إذ يقول إنه في إحدى زيارات مبارك ووزير الدولة للشؤون الخارجية السابق بطرس غالي لليبيا، وبينما كان الأخير يتحدث بطلاقة أمام القذافي عن الأوضاع في أفريقيا وغيرها، أعجب القذافي بغالي فأهداه «شوال مكرونة» (كيساً كبيراً من المعكرونة)، وظل غالي يتندر بالواقعة بين أصدقائه، كما كان مبارك يسأل غالي كلما التقاه عن مصير «الشوال»، وما إذا كان وزنه - يقصد غالي - قد زاد من كثرة أكل المعكرونة.
موقف شخصي مباشر آخر واجهه موسى، يكشف الحالة المزاجية التي كان عليها القذافي، إذ يقول: «فور تعييني وزيراً للخارجية، سرى همس قاده الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، مؤداه أن عمرو موسى القادم من نيويورك لترؤس الدبلوماسية المصرية ما هو إلا مبعوث أميركاني لمصر، وبعد تعييني بفترة قصيرة جاء القذافي في زيارة إلى القاهرة، ونصب خيمته الشهيرة في قصر القبة الرئاسي، ولأنه كان يتشكك في شخصي وفي نواياي أرسل هدايا تذكارية (ساعة يد) إلى كبار المسؤولين المصريين، أعضاء الوفد الرسمي الذي خاض مباحثات مع الوفد المرافق له، إلا وزير الخارجية».
وأشار إلى أن لقاءه الأول بالقذافي «كان غاية في الطرافة... توجهت إلى طرابلس، وأوصلوني إلى خيمته، جلست أمامه؛ لكنني فوجئت به ينظر إلى السماء، ويتجنب النظر إليّ لأنني كنت وقتها في نظره أميركانياً، وكان قراري ألا أفتح معه موضوع اتهاماته لي، وظل القذافي طيلة الجلسة ينظر يميناً ويساراً إلى السماء، وينطق بكلمتين ثم يسكت، كان من السهل جداً عليّ أن أجذب انتباهه، حدثته عن كتاب جديد كان صادراً للتو يتحدث عن البحر المتوسط وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوة الأوروبية، فاهتم جداً بمعرفة التفاصيل الموجودة في الكتاب الذي لم يكن قد سمع بصدوره من قبل، وأخيراً بدأ ينظر في اتجاهي، وقد داعبته بأن بدأت أتكلم وأنا أنظر إلى السقف، ولا أرى إن كان قد فهم الرسالة أم لا. ولكن الأمور تحسنت، وبعد نحو سنة وجدته يرسل لي بلا مناسبة ساعة، وكانت هي ساعة اليد التي احتفظ بها ولم يهدها إليّ في زيارته للقاهرة».
- شتائم في القمة الإسلامية
يروي صاحب المذكرات واقعة لافتة شهدها مؤتمر القمة الإسلامي، المنعقد في الكويت في يناير (كانون الثاني) 1987، وسط أجواء المقاطعة العربية لمصر بعد اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، ويقول موسى: «افتتحت سوريا الاجتماعات بهجوم عنيف على مصر... كان الهجوم قاسياً في الاجتماع التحضيري المنعقد على مستوى السفراء. تحدث ممثل سوريا بكثير من العصبية. واتهم مصر بالخيانة والتخلي عن الحقوق والثوابت العربية، وفي الاجتماع الوزاري انبرى الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع لتوجيه الشتائم إلى مصر بفظاعة، وتم تسجيلها في محاضر الجلسة؛ لأنه كان يتحدث بشكل رسمي واصفاً إيانا بأولاد الـ...، فما كان مني - والكلام لموسى - إلا أن قلت له من دون الميكروفون: أنت اللي ابن ستين...، وبعدها مباشرة فتحت الميكروفون، وقلت بكل حكمة وعتاب وكأني لم أرد على شتائمهم: هذا لا يليق يا أخي. لا يليق يا أخ العروبة. لا يصح أن تتورط في شتيمتنا بهذه الألفاظ الخارجة. فهاج وماج فاروق الشرع، وقال: أنت تشتمنا في السر وأمام الجميع تقول يا أخ العرب».
ويستكمل موسى حديثه: «على الفور تدخل وزير خارجية الكويت آنذاك الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وجاء مسرعاً تاركاً رئاسة الاجتماع، وقال: ماذا يحدث؟ أيعقل أن تتبادلا الشتائم؟! قلت له: ارجع لتسجيل الجلسة فستجده هو من شتم يا معالي الوزير. قال: وأنت، ألم ترد عليه يا عمرو؟ قلت: لك ما سيرد في التسجيل يا سيادة الوزير. ضحك الشيخ الصباح، وقال: بذمتك يا عمرو قلت له إيش؟ قلت مبتسماً: هو شتم وأنا رديت عليه يا معالي الوزير. هو قال كذا وأنا قلت كذا، وانتهى الموضوع».
- مصر والتوريث
وتطرّق موسى في مذكراته إلى ما كان متداولاً في أواخر عهد مبارك، بشأن مساعيه لتوريث السلطة لنجله جمال، وروى صاحب «كتابيه» كواليس بعض ما كان يدور في أعلى مستويات الدولة بشأن الموضوع، وقال: «كان بيني وبين اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، لقاء دوري نتجاذب فيه أطراف الحديث، ونناقش القضايا المطروحة على الساحتين الخارجية والداخلية... في أحد اللقاءات تحدثنا عما كان يقال عن مساعي مبارك - أو أسرته - لتوريث حكم مصر لابنه جمال، وسليمان كان غاضباً جداً من هذا الموضوع... وقال: إن مبارك غير مرتاح، وربما لن يُمكن ابنه الشاب من مراده؛ لكن الضغوط كثيرة عليه من أسرته، وأنا شخصياً - والكلام لسليمان - قلت له إن الكلام عن التوريث خطير جداً حتى ولو لم يكن حقيقياً؛ لأن الانطباع أقوى من الحقيقة، وهو انطباع سلبي... الموضوع ده هيبوظ (سيفسد) الدنيا؛ لأن الولد مش هيقدر (لن يقدر) على مصر».
- الوشايات والأغنية الشهيرة
وعن روايات وأسباب خروج موسى من منصب وزير الخارجية، قال الرجل في مذكراته: «تأكدت رغبتي في ترك منصب وزير الخارجية خلال عام 2000 أكثر من أي عام آخر، فقد وصلت شعبية وزير الخارجية إلى الذروة، وملأ الرضا الشعبي عن أدائه الآفاق، نتيجة شعور المواطن المصري والعربي في كل مكان بأن عمرو موسى ينطق بلسانه، ويتخذ نفس المواقف التي يتمناها هذا المواطن تقريباً، في حدود ما لدى وزير الخارجية من صلاحيات، وكان هناك من لا يتردد في إيغار صدر رئيس الجمهورية تجاه أي مسؤول ناجح، فلا يجب أن يكون على الساحة شخص آخر معترف بدوره غير شخص الرئيس، ومن هنا يبدأ مسلسل الوشايات، وما أكثر من يجيدون لعب مثل هذه الأدوار».
ويستطرد موسى: «كل الشواهد في هذه السنة كانت تشير إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة، غير أن هناك بعض الأحداث التي عجلت برحيلي من الوزارة، منها ما يتسم بالطرافة، مثل أغنية شعبان عبد الرحيم التي يقول ويكرر في أكثر من مقطع فيها: أكره إسرائيل... وأحب عمرو موسى، في ظل أجواء مشحونة بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فأعطت هذه الأغنية كمية كبيرة من الذخيرة لكل من أراد التصويب على وزير الخارجية».
ويوضح صاحب «كتابيه» موقفه من الأغنية، قائلاً: «في الحقيقة لم أقابل صدورها بشيء من الضيق أو الضجر، رغم علمي بأنها ستفتح عليّ أبواب جهنم. أتى لي صديق بهذه الأغنية، وبينما كنا نسمعها معاً، صاح هذا الصديق فجأة: الله يخرب بيتك يا شعبان يا عبد الرحيم... الموضوع كده هيخلص بسرعة يا عمرو بيه»، في إشارة إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة. ضحكت وقلت له: «يا رجل، 10 سنوات لي في الوزارة كافية جداً... ويا للروعة عندما أنهيها على نغمات اللحن شبه الوحيد لشعبان عبد الرحيم (إييييه)».
وأعرب موسى عن اعتقاده بأن مبارك لم يتخذ قراره بتغييره بناء على هذه الأغنية فقط؛ لكن كانت لديه تراكمات كثيرة قبلها بفعل الوشايات، بحسب تقدير موسى، مدللاً على ذلك برواية قال فيها: «أذكر أن (الأمين العام للحزب الحاكم ووزير الإعلام آنذاك) صفوت الشريف وكان ركناً معتبراً من أركان النظام، دعا مبارك إلى زيارة مبنى التلفزيون بمناسبة عيد الإعلاميين، ولم يوجه لي الدعوة مثل باقي الوزراء، وبينما الرئيس يتفقد المبنى - وطبقاً لما ذكره لي أكثر من واحد من كبار الصحافيين في تلك الفترة - إذ بصفوت يشير إلى مبنى الخارجية المجاور للتلفزيون على كورنيش النيل ويقول: هناك يا سيادة الريس... في هذا المبنى الضخم توجد إمبراطورية عمرو موسى».



وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
TT

وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)

أدان وزراء الخارجية العرب «بشدة» الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وعدُّوها «تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين»، وطالبوا مجلس الأمن الدولي في ختام اجتماع طارئ عقدوه، الأحد، عبر تقنية الاتصال المرئي بإجبار طهران على الوقف الفوري للاعتداءات، مؤكدين حق الدول المستهدفة في الدفاع عن النفس «منفرداً أو جماعياً».

وعقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الاجتماع الطارئ عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» لبحث الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وخلص إلى إصدار قرار من 16 بنداً أدان «الاعتداءات الإيرانية غير القانونية»، ودعا طهران إلى «الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، والكف الفوري عن جميع الأعمال الاستفزازية أو التهديدات للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام أذرعها وميليشياتها المسلحة في المنطقة».

وجدد الوزراء العرب التأكيد على «الدعم الثابت لسلامة أراضي الدول العربية المستهدَفة وسيادتها واستقلالها، وتأييد جميع الخطوات والإجراءات اللازمة التي تتخذها للذود عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على هذه الاعتداءات».

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي يشارك في اجتماع مجلس الجامعة على المستوى الوزاري عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية السعودية)

وشدد الوزراء على «الرفض القاطع» لهذه الاعتداءات وتضامن جميع الدول العربية الكامل معها، مذكّرين بـ«مقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي في مثل هذه الحالة، وتشديده على أن أمن الدول الأعضاء كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو هو اعتداء مباشر على جميع الدول الأعضاء».

كما أكدوا «حق الدول العربية المستهدفة بالاعتداءات الإيرانية في الدفاع الشرعي عن النفس، منفرداً أو جماعياً، وفقاً لما تقضي به المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة»، مجددين الدعم المطلق لحق الدول العربية في اللجوء إلى المؤسسات الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار قرارات دولية تدين «هذه الاعتداءات السافرة، وتُحمل إيران المسؤولية الكاملة عن الآثار المترتبة عليها».

ودعا وزراء الخارجية العرب مجلس الأمن الدولي إلى «تحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي وإصدار قرار ملزم يدين الهجمات الإيرانية على الدول العربية، ويجبر إيران على وقف اعتداءاتها فوراً دون شروط».

وأكدوا «وجوب احترام حقوق وحرية الملاحة للسفن التجارية والنقل البحري التجاري وفقاً للقانون الدولي، وعلى حق الدول في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي».

تنديد ورسالة دعم

وأدان الوزراء العرب «جميع الأعمال والإجراءات الإيرانية الاستفزازية وتدابيرها الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية، أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية»، مؤكدين أن أي محاولة من جانب إيران لإعاقة المرور المشروع وحرية الملاحة في مضيق هرمز تُعرض استقرار منطقة الخليج العربي، ودورها الحيوي في الاقتصاد العالمي، وإمدادات الطاقة، فضلاً عن السلم والأمن الدوليين، للخطر.

وفيما يتعلق بلبنان، شدد وزراء الخارجية العرب على «دعم وحدته وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة بسط سلطة الدولة للبنانية الكاملة على جميع أراضيها»، مرحبين بقرار مجلس الوزراء اللبناني بشأن «الحظر الفوري لجميع النشاطات الأمنية والعسكرية لـ(حزب الله)، وعدّها خارجة عن القانون، وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية؛ والتشديد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا سيما الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية».

وفيما يخص الأراضي الفلسطينية، دعا الوزراء «الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لإنهاء احتلالها غير القانوني للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة 1967».

وعُقد الاجتماع بناءً على طلب عدد من الدول العربية من بينها السعودية ومصر وقطر والكويت وعُمان والأردن والبحرين.

«مبادئ حسن الجوار»

وعدَّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الاجتماع بمثابة رسالة واضحة للجميع في المنطقة والعالم، مفادها أن «العرب يتحدثون بصوتٍ واحد، ويقفون صفاً واحداً في إدانة ورفض أي اعتداء على أي دولة عربية، أو انتهاكٍ لسيادتها أو تهديد لسلامة أراضيها وأجوائها».

وأكد أبو الغيط في كلمته أن تلك الاعتداءات «لا تأخذ في حسبانها مبادئ حسن الجوار، وتنتهك القوانين والمواثيق الدولية على نحو سافر وخطير، وتُمثل تهديداً للأمن القومي العربي كله».

وشدد على أنه «لا يُمكن تبرير هذه الهجمات بأية حجة، أو تمريرها تحت أي ذريعة»، مضيفاً أنها «تعكس سياسة متهورة... تضرب حسن الجوار في الصميم».

وقال إن الدول العربية «لم تكن تتوقع أبداً أن يكون الرد على التمسك بمبادئ حسن الجوار والمساعي الدبلوماسية الصادقة هو الصواريخ والمُسيرات الغادرة التي تستهدف العُمران والإنسان»، مضيفاً أن «هذه العدوانية الإيرانية غير المبررة تعكس تخبطاً في الإدراك، وتُزيد من عزلة إيران في هذا الظرف الصعب والدقيق»، محذراً من آثارها السلبية التي قال إنها «قد تمتد إلى العلاقة بين إيران وجوارها العربي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يشارك في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية (الخارجية المصرية)

وكان أبو الغيط قد أدان قبل الاجتماع «بأشد العبارات، التصعيد الإيراني الخطير ضد أهداف مدنية ومنشآت حيوية في منطقة الخليج». وقال المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية، جمال رشدي، في إفادة رسمية بأن «أبو الغيط يُتابع من كثب تطورات التصعيد الإيراني، ويعده استراتيجية يائسة ضد دول لم تُشارك في الحرب ولم تسعَ إليها، ولن يكون من شأن هذه الاستراتيجية سوى تعميق الكراهية والعداء في المنطقة».

كما تلقى أبو الغيط، الأحد، اتصالاً هاتفياً من الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، نقلت خلاله رسالة إلى وزراء الخارجية العرب المجتمعين عبر «الفيديو كونفرانس» تضمنت إعراباً عن «الإدانة الشديدة، ومن دون مواربة، للهجمات الإيرانية على عدد من الدول العربية».

«التعاون العربي المشترك»

وأعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع عن «التضامن الكامل مع الدول الخليجية والأردن والعراق في مواجهة الاعتداءات الإيرانية»، مشدداً على «الإدانة القاطعة والرفض الكامل لهذه الاعتداءات وأي ذرائع لتبريرها».

ونوَّه الوزير المصري بـ«أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادتها»، مشيراً إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة، بما في ذلك تشكيل قوة عربية مشتركة».


قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
TT

قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)

أعلن حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» في الجزائر، رفضه القاطع للتعديلات التي أدخلتها الحكومة على القانون العضوي للأحزاب السياسية، عادّاً نفسه «المستهدَف الأول» من وراء هذه الإجراءات.

تأتي هذه المعارضة في وقت أثارت فيه نسخة القانون الجديدة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الجزائرية، خصوصاً فيما يتعلق ببنود حظر استخدام أي راية غير العلَم الوطني في الأنشطة الحزبية.

ويرى مراقبون أن هذه المادة تستهدف بشكل مباشر الأحزاب التي ترفع العلم الأمازيغي في اجتماعاتها.

وقدَّم هذه المبادرة (التعديلات) نواب من التيار الإسلامي - القومي، وتحظى بدعم «حركة مجتمع السلم» الإسلامي؛ ما أثار انتقادات، إذ يرى أصحابها أن ذلك يشكل مساساً بالتعبير عن التعددية الهوياتية التي يعترف بها الدستور، ويُنظر إليه عملياً على أنه يستهدف العلم الأمازيغي.

عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ويظهر في مكتبه العلم الوطني مع راية الأمازيغ (إعلام الحزب)

وبحسب آراء نقلتها منصة الأخبار «ألترا الجزائر»، فإن «لجنة الشؤون القانونية» في «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) تدرس حالياً سلسلة من التعديلات على النص الحكومي، من بينها مقترح تعديل للمادة السادسة قدمه النائب عبد الرحمن صالحي عن حزب «جبهة المستقبل» الموالي للسلطة.

دعم إسلامي

ويقترح هذا التعديل منع الأحزاب السياسية من «استخدام أي علم غير العلم الوطني»، بذريعة «الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع خطابات الكراهية أو الرموز التي قد تغذي الانقسامات الهوياتية».

حظيت المبادرة بدعم نواب من التيار الإسلامي، خصوصاً داخل حزب «حركة مجتمع السلم»، حيث يرى البرلماني التابع له، عز الدين زحوف، أن الالتزام الحصري بالعلم الوطني يُعدّ «أمراً بديهياً يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني». وأضاف أن استخدام أعلام ذات طابع هوياتي أو جهوي قد يُحدِث «لَبْساً أو يغذي الانقسامات في الفضاء العام». كما استحضر الحراك الشعبي سنة 2019، حيث دعت بعض الشعارات إلى التمسُّك الحصري بالعَلَم الوطني، بعد أن تمّ رفع العلم الأمازيغي من طرف قطاع من نشطاء الحراك.

ويستند طرح البرلماني إلى قراءة رمزية للعلم الجزائري؛ إذ يرى أن ألوانه ورموزه، لا سيما الهلال والنجمة، «تحمل دلالة تاريخية وحضارية موحَّدة».

والجدل حول «راية الأمازيغ» قديم، يعود إلى 7 سنوات، وكان قد برز بقوة في عهد الراحل قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي شنَّ حملة اعتقالات ضد رافعي هذه الراية في الحراك الشعبي الذي أجبر الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على التنحي في 2 أبريل (نيسان) 2019.

برلماني «حركة مجتمع السلم» الإسلامية عز الدين زحوف (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

ويذهب معارضو هذا التوجُّه إلى أنه يعكس «رؤية آيديولوجية ذات صبغة عربية إسلامية للهوية الوطنية، وهي الهوية التي تتشكل»، حسب تقديرهم، «من روافد متنوعة تمثل الشعب الجزائري، وفي مقدمتها الأمازيغية التي يتبناها الملايين، لا سيما في مناطق الشرق والجنوب».

كما يرى منتقدو المقترح أن حظر أي علم غير العلم الوطني في النشاط الحزبي، «قد يكرّس تصوراً موحّداً للأمة، يتعارض مع الاعتراف الدستوري بالبعد الأمازيغي للهوية الجزائرية».

ويرى مراقبون أن هذا النقاش يتخطى أبعاده الرمزية، ليضع الإصبع على جرح التجاذب السياسي المزمن بين تيار يتمسك برؤية مركزية أحادية للهوية، وتيار آخر ينادي بضرورة الإقرار بالتعددية التاريخية والثقافية كركيزة أساسية للدولة.

وفي تقدير بعض المسؤولين السياسيين، قد يفتح هذا التعديل الباب أمام تقييد التعبير الثقافي والسياسي، في بلد يتميز بتعددية هوياتية يعترف بها الدستور.

وفي هذا السياق، أكد رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، أن القضية تتجاوز مجرد تنظيم الرموز؛ فالوحدة الوطنية، بحسبه، «لا تتحقق بمنع الرموز الثقافية، بل ببنائها على أساس الاعتراف بالتنوع الذي يشكّل المجتمع الجزائري».

ومن هذا المنظور، فإن حظر الرموز الثقافية، ومنها العلم الأمازيغي، يطرح مسألة حدود حرية التعبير السياسي، إذ إن الأحزاب «ليست مجرد آلات انتخابية، بل فضاءات للتعبير الآيديولوجي والاجتماعي والثقافي»، وفق معزوز.

اجتماع للجنة القانونية البرلمانية حول تعديل مشروع قانون الأحزاب (إعلام البرلمان)

ويبدو، لأول وهلة، أن مبادرة النائب صالحي تعني بالدرجة الأولى «التجمُّع من أجل الثقافة» العلماني المعارض، الذي يبدي حرصاً على وضع راية الأمازيغ إلى جانب العلم الوطني في اجتماعاته، علماً بأن أهم قواعد هذا الحزب موجودة في منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية، وأغلب قيادييه ومناضليه يتحدرون منها.

وعلَّق سعيد صالحي، قيادي «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان»، التي حلَّتها السلطة في 2023، على هذا الجدل، في منشور له بالإعلام الاجتماعي: «لا جزائر بلا الأمازيغية: على هذا الشعار فتحت عيني في أول مدرسة لي للنضال الديمقراطي، ضمن الحركة الثقافية البربرية».

من جهتها، نشرت المنصة الإخبارية «ماغراب إيمرجنت»، أن «اللجنة القانونية» بـ«المجلس الشعبي الوطني» رفضت التعديل الذي اقترحه النائب عبد الرحمن صالحي.

وبعد رفض هذا الاقتراح، يبقى النص على النحو التالي: «لا يمكن للحزب السياسي اعتماد تسمية أو رمز أو علم مميز مطابق أو مشابه لتلك التي يملكها حزب أو جمعية أو نقابة أو أي تنظيم آخر سابق مهما تكن طبيعته»، كما يمنع النص أي حزب من «تبني مواقف أو أعمال مخالفة لمصالح الأمة ومبادئ ثورة التحرير».


تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
TT

تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)

ألقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بظلالها على الوضع الاقتصادي في اليمن، مع شروع بعض شركات الشحن في فرض رسوم إضافية على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، تحت مسمى «رسوم مخاطر الحرب».

ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه اليمن على الاستيراد لتغطية نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية والسلعية، ما يثير مخاوف من انعكاس أي زيادات في تكاليف النقل على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.

وتزامن هذا التطور مع حالة ترقب تسود الأوساط السياسية والشعبية لاحتمالات انخراط جماعة الحوثيين في الصراع الإقليمي، وهو ما قد يضاعف من الضغوط الاقتصادية والإنسانية على بلد يعاني بالفعل من أزمة معيشية حادة منذ سنوات الحرب.

الحكومة اليمنية أكدت أن موانيها لا تزال بعيدة عن مناطق التوتر (إعلام محلي)

وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أكدت الحكومة اليمنية أن المخزون الاحتياطي من القمح يغطي احتياجات البلاد لمدة 3 أشهر، في حين أنَّ تعاقدات التجار التي يُنتظر وصولها خلال الفترة المقبلة ستكفي لتغطية الطلب لـ3 أشهر إضافية، ما يمنح السلطات هامشاً زمنياً للتعامل مع أي تطورات محتملة في حركة التجارة الدولية.

اعتراض حكومي

بعد أيام من تأكيد وزارة الصناعة والتجارة اليمنية استقرار مخزون القمح في البلاد، كشفت وزارة النقل عن قيام بعض الخطوط الملاحية الصينية بفرض رسوم إضافية كبيرة على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، بلغت نحو 3 آلاف دولار عن كل حاوية، تحت ذريعة المخاطر المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة.

ووجَّهت وزارة النقل خطاباً رسمياً إلى رئيس الغرفة الملاحية في العاصمة المؤقتة عدن، أعربت فيه عن اعتراضها على فرض هذه الرسوم، خصوصاً أنها شملت أيضاً شحنات وصلت بالفعل إلى المواني اليمنية قبل الثاني من مارس (آذار) الحالي.

صورة لخطاب احتجاج وزارة النقل اليمنية على زيادة رسوم الشحن (إكس)

وأكد الخطاب، الذي وقَّعه وكيل وزارة النقل، القبطان علي الصبحي، أن الوزارة تلقت شكاوى من عدد من التجار والموردين اليمنيين بشأن هذه الزيادة المفاجئة في تكاليف الشحن، والتي وصفها بأنها خطوة غير مُبرَّرة، نظراً لعدم وقوع المواني اليمنية ضمن مناطق النزاع المباشر.

وطلبت الوزارة من الغرفة الملاحية إبلاغ شركات الشحن باعتراض الحكومة على فرض أي رسوم إضافية على الواردات المتجهة إلى المواني اليمنية، مع دعوتها إلى موافاتها بأي مستجدات في هذا الشأن، وإبداء استعدادها لمناقشة أي صعوبات قد تواجه حركة السفن والعمل على تذليلها.

إجراء غير منطقي

في سياق هذه التداعيات، أكد وزير النقل، محسن حيدرة، أن الحكومة تتابع من كثب التحديات التي تواجه القطاع التجاري والملاحي في البلاد، مشدداً على أن المواني اليمنية لا تزال بعيدةً عن مناطق التوتر الجيوسياسي في الخليج العربي ومضيق هرمز.

وقال الوزير في تصريحات رسمية، إن فرض رسوم إضافية تحت مسمى «مخاطر الحرب» على الشحنات المتجهة إلى اليمن «إجراء يفتقر إلى المبررات المنطقية والواقعية»، لافتاً إلى أن تلك المواني تعمل بصورة طبيعية ولا تقع ضمن مناطق عمليات عسكرية أو تهديدات مباشرة للملاحة.

وأكد حيدرة أن الوزارة ترفض بشكل قاطع أي مبالغ إضافية على البضائع المتجهة إلى البلاد، خصوصاً عندما تصل هذه الرسوم إلى نحو 3000 دولار للحاوية الواحدة، محذراً من أن مثل هذه الإجراءات من شأنها زيادة الأعباء على الموردين والتجار، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع التي يتحمَّل المواطن البسيط تكلفتها في النهاية.

وأضاف الوزير أنه وجه الجهات المعنية بمنع تحصيل هذه الرسوم فوراً، خصوصاً بالنسبة للشحنات التي وصلت بالفعل إلى المواني قبل التاريخ الذي حددته شركات الشحن، مؤكداً أنه يتابع تنفيذ هذا التوجيه بشكل مباشر.

كما شدَّد على أن الحكومة لن تسمح بأن تتحول المواني اليمنية إلى ساحة لفرض أعباء مالية غير قانونية تزيد من معاناة السكان، في بلد يعاني ملايين من مواطنيه من تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

ورغم نبرة الرفض الحازمة، أكد الوزير أن أبواب الوزارة ستظل مفتوحةً أمام شركات الملاحة الدولية لمناقشة أي تحديات تواجهها، مع التأكيد على التزام الحكومة بتوفير بيئة تجارية شفافة وجاذبة للاستثمار.

وأوضح وزير النقل اليمني أن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ بحماية حقوق الموردين والتجار، مع التزام السلطات باتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لضمان استقرار قطاع النقل البحري، بوصفه شرياناً حيوياً لتدفق السلع إلى السوق اليمنية.

مخاوف إنسانية

في موازاة المخاوف الاقتصادية، حذَّرت الأمم المتحدة من التداعيات الإنسانية المحتملة لتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة على اليمن، الذي يُعدُّ من أكثر الدول هشاشة في العالم من حيث الأمن الغذائي.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن أي تصعيد إضافي في النزاع بالمنطقة، سواء في اليمن أو في البحر الأحمر، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية أو نقص في الإمدادات الغذائية.

وأوضح المسؤول الأممي أن مثل هذه التطورات قد تزيد من تفاقم الوضع الغذائي المتردي بالفعل، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، حيث يعتمد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء.

الأمم المتحدة خزَّنت كميات تموينية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأشار فليتشر إلى أن المنظمة الدولية قامت بتفعيل خطط الطوارئ في مختلف دول المنطقة، بما في ذلك اليمن، تحسباً لأي آثار غير مباشرة للنزاع المتصاعد.

وكشف عن أن الأمم المتحدة تعمل على تخزين كميات احتياطية من المساعدات الإنسانية، إضافة إلى إعداد خيارات تمويل سريعة، من بينها تخصيصات محتملة من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ؛ بهدف ضمان استمرار عمليات الإغاثة في حال تعطل سلاسل الإمداد.

كما حذَّر المسؤول الأممي من أن إغلاق المجال الجوي في بعض مناطق المنطقة قد يعرقل عمليات نقل المساعدات الإنسانية إلى اليمن، في ظلِّ توقف بعض رحلات الأمم المتحدة التي تُستخدَم لنقل العاملين في المجال الإنساني والإمدادات الضرورية.