ساسة العرب بلا حواجز في مذكرات عمرو موسى

الجزء الأول منها يروي رحلته من النشأة حتى مغادرته الخارجية المصرية... «بفعل شعبان عبد الرحيم والوشايات»

موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
TT

ساسة العرب بلا حواجز في مذكرات عمرو موسى

موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)

رحلة طويلة من العمل في دروب الدبلوماسية، مصرياً وعربياً ودولياً، خاضها السياسي المصري البارز عمرو موسى. واستناداً إلى عقود من الخبرات والمواقف اللافتة، أقدم الرجل على نشر مذكراته التي صدرت حديثاً في القاهرة، تحت عنوان «كتابيه»، وهي جزء من ثلاثة أجزاء، تصدر تباعاً، وتتناول مراحل من سيرة صاحبها الذي تدرج في المناصب المختلفة.
يتناول الجزء الأول من سيرة موسى المرحلة منذ ميلاده في 1936 وحتى رحيله عن منصب وزير الخارجية المصري في عام 2001، عبر 655 صفحة تضمها دفتا الكتاب. ويروي موسى كواليس موضوعات ومواقف مع شخصيات مختلفة على الساحة المصرية والعربية والدولية، لعل أبرز ما يميزها أنها تكاد تكون في أغلبها كاشفة لطبائع وصفات عدد من السياسيين العرب، بل ويزيد عليها الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، تقييمه لبعضهم وتحليله لسلوكياتهم. وترصد «الشرق الأوسط» في هذا العرض للمذكرات التي نشرتها «دار الشروق» المصرية، أبرز ما جاء فيها.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، وبينما كانت المساعي الإسرائيلية تتواصل لإقامة تجمع اقتصادي تحت اسم «السوق الشرق أوسطية»، لجمع الدول العربية والأفريقية إلى جانب إسرائيل، سعى موسى - بحسب مذكراته - وكان وقتها وزيراً لخارجية مصر، إلى تفعيل التنسيق بين السعودية ومصر وسوريا، للرد على «محاولة إسرائيل لضرب كيان الجامعة العربية».
توجه موسى إلى السعودية «وقابلت الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وأبلغته أن شيمون بيريز يسعى إلى إنهاء عصر المنطقة العربية، والأمر يقتضي تنسيقاً بين القاهرة ودمشق والرياض... وبعدما فكر الملك قليلاً أجاب: أنا موافق على عقد المؤتمر، ولكن لا بد أن يُعقد في مصر؛ لأنها أختنا الكبرى. ورددت على الملك بأنني جئت بتكليف من الرئيس مبارك لأقترح أن يكون الاجتماع في السعودية، وسأتوجه بعد ذلك إلى سوريا للتنسيق بشأن المؤتمر، فرد الملك: يجب أن يكون في مصر. وعند مغادرتي - والكلام لموسى - كانت في يد الملك سبحة أهداني إياها».
بعدها توجه موسى إلى دمشق «والتقيت الرئيس حافظ الأسد الذي ظل يكرر عليّ سؤاله: الملك فهد قال لك إنه مستعد لاجتماع ثلاثي؟ قلت له: نعم. فكرر السؤال مرة أخرى، فأجبت بالتأكيد. وقال الأسد: وهل سنتفق على موعد أم أنه مجرد كلام؟ فقلت له: لا طبعاً سنتفق، وقد حضرت إليك لأسمع منك استعدادك للمشاركة. غير أن الأسد عاد فقال: السعودية قالت لك ذلك؟ فقلت له: نعم يا سيادة الرئيس». وتابع موسى: «رجعت إلى مصر، وعرفنا أن سوريا أرسلت إلى السعودية تسأل عن مدى حقيقة موافقتها على الاجتماع الثلاثي، وقد أبلغت السعودية مصر باستفسار الأسد، وظل مبارك يضحك على شكوك الرئيس السوري التي لا تنقطع، وقال: ده (هذا) راجل شكاك جداً... يشك في نفسه».
- قطر وساستها
ويحكي موسى عن العلاقات بين مصر وقطر خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، أثناء توليه الخارجية، فيقول: «قام تعاون كبير بيني وبين حمد بن جاسم (وزير خارجية قطر السابق). وكنت أداعبه دوماً بقولي: كفاك جمعاً للثروة. فيرد: أريد أن أصبح أغنى رجل في العالم العربي». ويواصل صاحب المذكرات: «سألت أمير قطر السابق حمد بن خليفة مرة: هل أكمل حمد بن جاسم المليار أم لا؟ فضحك بن خليفة ورد: لن يرتاح له بال ابن الـ... إلا إذا أصبح أغنى ثري عربي».
وفي موقع آخر من «كتابيه»، يتناول موسى واقعة تتعلق بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والمسؤولين القطريين السابقين، ويشير إلى أن من بين «القفشات» (المزحات)، التي كان ينقلها أمير قطر السابق على لسان الرئيس السابق حسني مبارك، ويضحك عليها كثيراً حكاية طائرة حمد بن جاسم، التي أمر الأمير السابق بمنحها لصالح. فبعد أن شاهد الأخير الطائرة خلال توديعه رسمياً في مطار الدوحة، أبدى إعجابه بها، فمنحها له الأمير، وكان بن جاسم واقفاً إلى جانبها لا يتوقع ذلك، وظل يشير إلى هذا المقلب آسفاً، بينما ظل الأمير يتذكره ضاحكاً، وكان كلما التقى مبارك مع بن جاسم قال له: «كيف تترك طائرتك لعلي عبد الله صالح؟»، فيرد في أسى: «كانت جامبو يا سيادة الرئيس». فيعلق مبارك على الطريقة المصرية: «جامبو على جنبه»، وكان أمير قطر كلما سمع تعليق مبارك يدخل في نوبة ضحك.
ولا نزال مع قطر في مذكرات موسى التي يقول عنها: «أصبحت للقطريين أبواب مفتوحة في معظم عواصم العالم، إن لم يكن كلها، بالبناء على هذه الثروة الطائلة... فأصبحت الدوحة من ضمن العواصم ذات النفوذ، خصوصاً أنها خلقت لنفسها لوبياً خاصاً بها في الولايات المتحدة، وكان يدير استثماراتها شخص يهودي معروف، وهو رجل سهل الحركة سريع التواصل منفتح على كثير من الأوساط المتنفذة أميركياً وعربياً. وكان يتباهى بذلك، ولكنه كان قادراً على الوصول إلى أعلى السلطات الأميركية لتأمين الطلبات القطرية، بما فيها اللقاءات الخاصة برئيس الدولة».
- حساسية مبارك إزاء إيران
كانت العلاقات المصرية - الإيرانية بين الموضوعات التي تطرق إليها موسى؛ خصوصاً خلال فترة حكم مبارك. وروى في مذكراته واقعة كاشفة عن مدى حساسية مبارك إزاء هذا الملف، ففي مايو (أيار) 1992 «وبينما كنت أوشك على إكمال عامي الأول على رأس الدبلوماسية المصرية، التقيت وزير الخارجية الإيراني، حينها، علي أكبر ولاياتي، على هامش مؤتمر لدول عدم الانحياز في جاكرتا، في إحدى المناسبات الاجتماعية التي تقام خلال هذه القمم. تصافحنا وتحدثنا، ثم اتفقنا على أن الأمور التي تهم البلدين تقتضي لقاءً ثنائياً فيما بيننا. وكان الذي يحير الوزير الإيراني هو المكان الذي يمكن أن نجلس فيه معاً، باعتبار أنه لا علاقات دبلوماسية بين بلدينا. فطلبت منه أن يكون اللقاء في كافيتريا في آخر بهو الفندق، وقلت: لا يوجد ما يدعونا لإجراء مباحثاتنا في الخفاء».
لكن فور عودته إلى القاهرة، قدم موسى «تقريراً وافياً عن مباحثاتي مع الوزير الإيراني، لمبارك وقلت إنه آن الأوان لبحث العلاقات مع طهران. فعارض مبارك بشدة... وكان قراره برفض فتح ملف إعادة العلاقات مع إيران يستند إلى حرص شديد على العلاقات مع دول الخليج، ذلك أنها تعتبر أي تقارب مصري - إيراني تهديداً مباشراً لمصالحها». وأضاف: «أذكر واقعة تؤكد حساسية مبارك من فتح موضوع العلاقات مع إيران، فعندما كان مصطفى الفقي سفيراً لمصر في فيينا (1995 - 1999)، جاء ليقضي إحدى إجازاته السنوية في شهر رمضان بالقاهرة، ودعاه الدكتور علي الدين هلال، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - آنذاك - ليكون المتحدث الرئيسي في الإفطار السنوي الذي تقيمه الكلية، وفي كلمته تعرض الفقي إلى العلاقات المتوترة مع إيران والعراق، وقال: إننا يجب أن نحافظ على جسور من العلاقات مع هذه الدول». وفي اليوم التالي اتصل مبارك بموسى: «وكان ثائراً وغاضباً، وقال: إن مصطفى الفقي انتقد سياستنا الخارجية وهاجمها، وطلب مني أن أبلغ الفقي بقطع إجازته والعودة فوراً إلى فيينا، أو أن يترك منصبه إن كانت السياسات لا تعجبه».
- أربكان وتركيا و«الإخوان»
تفرد المذكرات فصلاً خاصاً عن العلاقات المصرية - التركية، وشهادة موسى على تفاصيل إدارتها، إذ يقول: «في منتصف التسعينات بدأ ظهور الإسلام السياسي بقوة على المسرح التركي... وهنا أعود إلى الزيارة التي قام بها مبارك في النصف الثاني من عام 1996 إلى تركيا، خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها نجم الدين أربكان رئاسة الحكومة. كانت زيارة مشحونة لاعتراضنا على التعاون العسكري التركي - الإسرائيلي، ولذلك حرصنا على ألا تطول عن يوم واحد، وكان البرنامج لا يتضمن لقاء مع رئيس الحكومة أربكان؛ لكن الأخير طلب لقاء مبارك للترحيب به، والتعرف عليه باعتباره - أربكان - الرئيس الجديد للحكومة التركية، فوافق مبارك».
وينقل موسى نصاً تفاصيل الحوار الذي دار بين مبارك وأربكان على النحو التالي: «بعد عبارات الترحيب، قال أربكان لمبارك: سيادة الرئيس أنا لي عندك طلب. فرد مبارك: تفضل يا دولة الرئيس. قال: أرجوك أن تُخرج قيادات الإخوان المسلمين في مصر من السجون. فاعتدل مبارك في جلسته، وقال له: ماذا؟ كرر أربكان طلبه: أرجوك أن تُفرج عن قيادات الإخوان المسلمين. فباغته مبارك برد شديد الحدة: وانتم مالكم؟ انتم عايزينهم (تريدونهم) هنا؟ إحنا مش عايزينهم. خذوهم».
ويواصل صاحب المذكرات سرد تفاصيل اللقاء الذي كان شاهداً عليه: «صُدم أربكان من الرد القاسي. واستمر مبارك في حديثه قائلاً: هذه الموضوعات التي تمس شؤوننا الداخلية لا تفتحها معي مرة أخرى. أنا لست مُستعداً أن أتقبل هذا الأمر منك أو من غيرك. ثم أعرض مبارك في جلسته عن أربكان، بأن استدار فأصبح جانبه هو المواجه لرئيس الوزراء التركي الذي استشعر الحرج، فسلم علينا وغادر المكان».
- هدية القذافي الغريبة
ومن حدة المواجهة بين مبارك وأربكان، ينتقل موسى بالمذكرات إلى طرائف الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومواقفه المثيرة للجدل، إذ يقول إنه في إحدى زيارات مبارك ووزير الدولة للشؤون الخارجية السابق بطرس غالي لليبيا، وبينما كان الأخير يتحدث بطلاقة أمام القذافي عن الأوضاع في أفريقيا وغيرها، أعجب القذافي بغالي فأهداه «شوال مكرونة» (كيساً كبيراً من المعكرونة)، وظل غالي يتندر بالواقعة بين أصدقائه، كما كان مبارك يسأل غالي كلما التقاه عن مصير «الشوال»، وما إذا كان وزنه - يقصد غالي - قد زاد من كثرة أكل المعكرونة.
موقف شخصي مباشر آخر واجهه موسى، يكشف الحالة المزاجية التي كان عليها القذافي، إذ يقول: «فور تعييني وزيراً للخارجية، سرى همس قاده الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، مؤداه أن عمرو موسى القادم من نيويورك لترؤس الدبلوماسية المصرية ما هو إلا مبعوث أميركاني لمصر، وبعد تعييني بفترة قصيرة جاء القذافي في زيارة إلى القاهرة، ونصب خيمته الشهيرة في قصر القبة الرئاسي، ولأنه كان يتشكك في شخصي وفي نواياي أرسل هدايا تذكارية (ساعة يد) إلى كبار المسؤولين المصريين، أعضاء الوفد الرسمي الذي خاض مباحثات مع الوفد المرافق له، إلا وزير الخارجية».
وأشار إلى أن لقاءه الأول بالقذافي «كان غاية في الطرافة... توجهت إلى طرابلس، وأوصلوني إلى خيمته، جلست أمامه؛ لكنني فوجئت به ينظر إلى السماء، ويتجنب النظر إليّ لأنني كنت وقتها في نظره أميركانياً، وكان قراري ألا أفتح معه موضوع اتهاماته لي، وظل القذافي طيلة الجلسة ينظر يميناً ويساراً إلى السماء، وينطق بكلمتين ثم يسكت، كان من السهل جداً عليّ أن أجذب انتباهه، حدثته عن كتاب جديد كان صادراً للتو يتحدث عن البحر المتوسط وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوة الأوروبية، فاهتم جداً بمعرفة التفاصيل الموجودة في الكتاب الذي لم يكن قد سمع بصدوره من قبل، وأخيراً بدأ ينظر في اتجاهي، وقد داعبته بأن بدأت أتكلم وأنا أنظر إلى السقف، ولا أرى إن كان قد فهم الرسالة أم لا. ولكن الأمور تحسنت، وبعد نحو سنة وجدته يرسل لي بلا مناسبة ساعة، وكانت هي ساعة اليد التي احتفظ بها ولم يهدها إليّ في زيارته للقاهرة».
- شتائم في القمة الإسلامية
يروي صاحب المذكرات واقعة لافتة شهدها مؤتمر القمة الإسلامي، المنعقد في الكويت في يناير (كانون الثاني) 1987، وسط أجواء المقاطعة العربية لمصر بعد اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، ويقول موسى: «افتتحت سوريا الاجتماعات بهجوم عنيف على مصر... كان الهجوم قاسياً في الاجتماع التحضيري المنعقد على مستوى السفراء. تحدث ممثل سوريا بكثير من العصبية. واتهم مصر بالخيانة والتخلي عن الحقوق والثوابت العربية، وفي الاجتماع الوزاري انبرى الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع لتوجيه الشتائم إلى مصر بفظاعة، وتم تسجيلها في محاضر الجلسة؛ لأنه كان يتحدث بشكل رسمي واصفاً إيانا بأولاد الـ...، فما كان مني - والكلام لموسى - إلا أن قلت له من دون الميكروفون: أنت اللي ابن ستين...، وبعدها مباشرة فتحت الميكروفون، وقلت بكل حكمة وعتاب وكأني لم أرد على شتائمهم: هذا لا يليق يا أخي. لا يليق يا أخ العروبة. لا يصح أن تتورط في شتيمتنا بهذه الألفاظ الخارجة. فهاج وماج فاروق الشرع، وقال: أنت تشتمنا في السر وأمام الجميع تقول يا أخ العرب».
ويستكمل موسى حديثه: «على الفور تدخل وزير خارجية الكويت آنذاك الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وجاء مسرعاً تاركاً رئاسة الاجتماع، وقال: ماذا يحدث؟ أيعقل أن تتبادلا الشتائم؟! قلت له: ارجع لتسجيل الجلسة فستجده هو من شتم يا معالي الوزير. قال: وأنت، ألم ترد عليه يا عمرو؟ قلت: لك ما سيرد في التسجيل يا سيادة الوزير. ضحك الشيخ الصباح، وقال: بذمتك يا عمرو قلت له إيش؟ قلت مبتسماً: هو شتم وأنا رديت عليه يا معالي الوزير. هو قال كذا وأنا قلت كذا، وانتهى الموضوع».
- مصر والتوريث
وتطرّق موسى في مذكراته إلى ما كان متداولاً في أواخر عهد مبارك، بشأن مساعيه لتوريث السلطة لنجله جمال، وروى صاحب «كتابيه» كواليس بعض ما كان يدور في أعلى مستويات الدولة بشأن الموضوع، وقال: «كان بيني وبين اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، لقاء دوري نتجاذب فيه أطراف الحديث، ونناقش القضايا المطروحة على الساحتين الخارجية والداخلية... في أحد اللقاءات تحدثنا عما كان يقال عن مساعي مبارك - أو أسرته - لتوريث حكم مصر لابنه جمال، وسليمان كان غاضباً جداً من هذا الموضوع... وقال: إن مبارك غير مرتاح، وربما لن يُمكن ابنه الشاب من مراده؛ لكن الضغوط كثيرة عليه من أسرته، وأنا شخصياً - والكلام لسليمان - قلت له إن الكلام عن التوريث خطير جداً حتى ولو لم يكن حقيقياً؛ لأن الانطباع أقوى من الحقيقة، وهو انطباع سلبي... الموضوع ده هيبوظ (سيفسد) الدنيا؛ لأن الولد مش هيقدر (لن يقدر) على مصر».
- الوشايات والأغنية الشهيرة
وعن روايات وأسباب خروج موسى من منصب وزير الخارجية، قال الرجل في مذكراته: «تأكدت رغبتي في ترك منصب وزير الخارجية خلال عام 2000 أكثر من أي عام آخر، فقد وصلت شعبية وزير الخارجية إلى الذروة، وملأ الرضا الشعبي عن أدائه الآفاق، نتيجة شعور المواطن المصري والعربي في كل مكان بأن عمرو موسى ينطق بلسانه، ويتخذ نفس المواقف التي يتمناها هذا المواطن تقريباً، في حدود ما لدى وزير الخارجية من صلاحيات، وكان هناك من لا يتردد في إيغار صدر رئيس الجمهورية تجاه أي مسؤول ناجح، فلا يجب أن يكون على الساحة شخص آخر معترف بدوره غير شخص الرئيس، ومن هنا يبدأ مسلسل الوشايات، وما أكثر من يجيدون لعب مثل هذه الأدوار».
ويستطرد موسى: «كل الشواهد في هذه السنة كانت تشير إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة، غير أن هناك بعض الأحداث التي عجلت برحيلي من الوزارة، منها ما يتسم بالطرافة، مثل أغنية شعبان عبد الرحيم التي يقول ويكرر في أكثر من مقطع فيها: أكره إسرائيل... وأحب عمرو موسى، في ظل أجواء مشحونة بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فأعطت هذه الأغنية كمية كبيرة من الذخيرة لكل من أراد التصويب على وزير الخارجية».
ويوضح صاحب «كتابيه» موقفه من الأغنية، قائلاً: «في الحقيقة لم أقابل صدورها بشيء من الضيق أو الضجر، رغم علمي بأنها ستفتح عليّ أبواب جهنم. أتى لي صديق بهذه الأغنية، وبينما كنا نسمعها معاً، صاح هذا الصديق فجأة: الله يخرب بيتك يا شعبان يا عبد الرحيم... الموضوع كده هيخلص بسرعة يا عمرو بيه»، في إشارة إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة. ضحكت وقلت له: «يا رجل، 10 سنوات لي في الوزارة كافية جداً... ويا للروعة عندما أنهيها على نغمات اللحن شبه الوحيد لشعبان عبد الرحيم (إييييه)».
وأعرب موسى عن اعتقاده بأن مبارك لم يتخذ قراره بتغييره بناء على هذه الأغنية فقط؛ لكن كانت لديه تراكمات كثيرة قبلها بفعل الوشايات، بحسب تقدير موسى، مدللاً على ذلك برواية قال فيها: «أذكر أن (الأمين العام للحزب الحاكم ووزير الإعلام آنذاك) صفوت الشريف وكان ركناً معتبراً من أركان النظام، دعا مبارك إلى زيارة مبنى التلفزيون بمناسبة عيد الإعلاميين، ولم يوجه لي الدعوة مثل باقي الوزراء، وبينما الرئيس يتفقد المبنى - وطبقاً لما ذكره لي أكثر من واحد من كبار الصحافيين في تلك الفترة - إذ بصفوت يشير إلى مبنى الخارجية المجاور للتلفزيون على كورنيش النيل ويقول: هناك يا سيادة الريس... في هذا المبنى الضخم توجد إمبراطورية عمرو موسى».



مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.


الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)

أقر مجلس الوزراء اليمني، مشروع برنامج عمل الحكومة لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها تمثل إطاراً تنفيذياً لمرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، وتعزيز الاستقرار السياسي والخدمي في البلاد، وذلك خلال اجتماع للحكومة في العاصمة المؤقتة عدن.

ويرتكز مشروع البرنامج على الالتزام بالهدف العام للدولة المتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتخفيف معاناة المواطنين، مع التركيز على انتظام دفع الرواتب، وترشيد الإنفاق العام، وحماية العملة الوطنية، وتهيئة الحد الأدنى من اليقين الاقتصادي لضمان استدامة الاستقرار وانعكاسه على حياة المواطنين.

وتترجم خطوة الحكومة اليمنية ما أفصح عنه رئيسها في حوار موسع مع «الشرق الأوسط بودكاست» غداة أداء حكومته اليمين الدستورية في فبراير (شباط) الماضي إنه يرنو لبناء حقيقي.

كما ينطلق البرنامج من رؤية سياسية وإدارية واضحة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر حزمة إصلاحات هيكلية ومؤسسية شاملة تركز على تحسين الإدارة العامة وتعزيز الشفافية وربط الأداء الحكومي بمؤشرات قياس واضحة.

وحدد برنامج عمل الحكومة اليمنية لعام 2026 ست أولويات استراتيجية متكاملة تشكل الإطار العام للسياسات الحكومية خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

الحكومة اليمنية تواجه تحديات متشابكة على أصعدة الأمن والاقتصاد والخدمات (سبأ)

كما تشمل الأولويات تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، واستعادة النمو الاقتصادي المستدام والمنصف، إلى جانب الحفاظ على استدامة الخدمات الأساسية وتحسين جودتها وضمان عدالة الوصول إليها لجميع المواطنين.

وتضمنت الأولويات أيضاً تعزيز الحوكمة المؤسسية والتحول الرقمي وسيادة القانون، إضافة إلى دعم التماسك المجتمعي، وتمكين رأس المال البشري، فضلاً عن تعزيز الشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي، وتطوير علاقات التعاون التنموي والدبلوماسي بما يسهم في تحقيق التعافي والتنمية.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني - بحسب الإعلام الرسمي - بجهود اللجنة الوزارية التي تولت إعداد البرنامج برئاسة وزير الإدارة المحلية، مؤكداً أهمية استيعاب الملاحظات التي قدمها أعضاء المجلس بهدف تطوير البرنامج وضمان قابليته للتنفيذ خلال الفترة المقبلة.

التزام وطني

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني أن مشروع برنامج عمل حكومته لعام 2026 لا يمثل وثيقة نظرية أو إعلاناً سياسياً عاماً، بل يعد التزاماً وطنياً واضحاً أمام الشعب اليمني ومجلس القيادة الرئاسي والشركاء الإقليميين والدوليين.

وأوضح أن الحكومة تعمل وفق منهج واضح يقوم على تحديد الأولويات، وربط الأهداف بالإمكانات المتاحة، ضمن مقاربة واقعية تراعي الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد.

وأشار الزنداني إلى أن البرنامج يشكل الإطار التنفيذي الذي سيحول الموازنة العامة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال ترجمة التوجهات العامة للحكومة إلى برامج عمل محددة زمنياً ومرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ولفت إلى أن إقرار البرنامج يأتي بعد أيام قليلة من إقرار مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، التي وصفها بأنها أول موازنة منتظمة منذ سنوات طويلة بعد أن فرضت الحرب وتعقيدات المرحلة واقعاً استثنائياً أربك أدوات التخطيط المالي، وأثر في انتظام المالية العامة.

وأكد أن إقرار الموازنة يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي في إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات الإنفاق وفق رؤية مسؤولة ومنهج مؤسسي منضبط.

إصلاحات اقتصادية

أوضح رئيس الحكومة اليمنية أن البرنامج يستند إلى الإطار العام لخطة التعافي الاقتصادي لعامي 2025 – 2026، وإلى قرار مجلس القيادة الرئاسي بشأن أولويات الإصلاحات الاقتصادية، مع الاستفادة من التجارب السابقة، ومراجعة التحديات التي واجهت التنفيذ خلال المرحلة الماضية.

وأشار الزنداني إلى عزم حكومته مواصلة العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي من خلال ضبط الإنفاق العام وترشيده، وتعزيز الإيرادات العامة، إضافة إلى دعم دور البنك المركزي في حماية العملة الوطنية، وتحقيق الاستقرار النقدي.

الزنداني يترأس اجتماع مجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وتسعى الحكومة اليمنية بحسب رئيسها إلى استعادة التوازنات المالية، وكبح التضخم، وحماية القوة الشرائية للمواطنين، مع ضمان انتظام صرف الرواتب، وخلق قدر أكبر من اليقين الاقتصادي في الأسواق.

وأكد الزنداني اعتزام تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ودعم القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يسهم في خلق فرص عمل، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة.

وفي هذا السياق، أشاد رئيس الحكومة بالدعم الذي تقدمه السعودية ضمن «تحالف دعم الشرعية»، مؤكداً أن المساندة المالية السعودية، خصوصاً دعم عجز الموازنة والمساهمة في تمويل الرواتب، شكلت ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة خلال مرحلة معقدة.

وأوضح الزنداني أن حكومته ملتزمة تحسين واستدامة الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب رفع الكفاءة التشغيلية لمؤسسات الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية في مختلف المحافظات.

وأشار إلى وجود أولوية خاصة للمناطق الأكثر تضرراً والفئات الأكثر احتياجاً، مشيراً إلى أن العاصمة المؤقتة عدن يجب أن تتحول إلى نموذج حقيقي للدولة من حيث مستوى الإدارة والخدمات والانضباط المؤسسي.

وفي إطار الإصلاح الإداري، شدد رئيس الوزراء اليمني على أن نجاح أي برنامج إصلاحي يتطلب إصلاحاً إدارياً حقيقياً يعزز الحوكمة المؤسسية وسيادة القانون، مشيراً إلى أن الحكومة ستعمل على تطوير الهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة وإصلاح نظام الموارد البشرية على أساس الكفاءة والجدارة.

وأوضح الزنداني أن الحكومة ستسعى إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التحول الرقمي في العمل الحكومي، إضافة إلى إنشاء لجنة عليا للإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة بما يسهم في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وربط الأداء بالنتائج.

تعزيز الشراكة الدولية

في سياق آخر، عقد رئيس الوزراء اليمني اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وعدد من سفراء الدول الأوروبية، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون لدعم جهود الحكومة في تنفيذ برنامجها لعام 2026.

الزنداني اجتمع عبر الاتصال المرئي مع سفراء الاتحاد الأوروبي لمناقشة دعم حكومته (سبأ)

وأكد الاجتماع أهمية تكثيف الجهود الدولية لدعم مسار السلام والاستقرار في اليمن، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين لدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وأعرب الزنداني عن تقديره للشراكة الاستراتيجية القائمة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، داعياً إلى توسيع مجالات التعاون لدعم الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية الراهنة.

ونقل الإعلام الرسمي أن السفراء الأوروبيين أكدوا دعمهم الكامل للحكومة اليمنية وخططها للإصلاح، مشيدين بإقرار مشروع الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة لعام 2026 بوصفهما خطوتين مهمتين في مسار الإصلاح المؤسسي، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.